يُسنُّ الخروج إليها: بسكينة ووقار، ويُقارب خطاه (^١)، وإذا دخل المسجد: قدَّم رجله اليُمنى، واليُسرى إذا خرج ويقول ما ورد (^٢)، ولا يُشبِّك
باب صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحبَّاتها
وفيه مائة وسبع وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: يُستحب أن يمشي إلى المسجد، وهو في حال السكينة والوقار: فيجتنب العبث ويخفض الصوت، ويغض الطرف، ويقارب الخطى، ويدعو - في هذه الحالة - بما ورد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا آتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، فأوجب الشارع السكينة هنا؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، وصرفه إلى الاستحباب إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يستعجلون إلى الصلاة بدون نكير من أحد، ولفظ "السكينة" مستلزم للوقار، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا ذهب إلى المسجد يُقارب الخطى - كما رواه زيد بن ثابت - وقال ﷺ: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا: فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: أقبل الله إليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السكينة والوقار يُساعدان على خشوع القلب وخضوعه لله تعالى، ومقاربة الخطى فيه تكثير الحسنات وتكفير السيئات؛ حيث إنه لا يخطو خطوة إلا ورفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة - كما ورد في الحديث - وأن الدعاء وهو في طريقه إلى مسجده فيه غفران ذنوبه - كما سبق -.
(^٢) مسألة: يُستحب أن يُقدِّم رجله اليُمنى إذا أراد دخول المسجد ويقول: "بسم الله والصلاة على رسول الله، رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا =
[ ١ / ٤٣٧ ]
أصابعه (^٣) ولا يخوض في حديث الدنيا (^٤)، ويجلس مستقبل القبلة (^٥) و(يُسنُّ) للإمام فالمأموم: (القيام عند) قول المقيم (قد من إقامتها) أي: من: "قد قامت الصلاة"؛
أراد الخروج منه: قدَّم رجله اليُسرى ويقول: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ذلك أنس وفاطمة -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأنه شُرِع تقديم اليُمنى لما يُكرَّم، وتقديم اليُسرى لما يُستقذر كالحمام ونحوه - كما سبق -، ولأن دعاء الدخول شرع هكذا؛ لكون المسجد محل تنزيل الرحمة وشُرع دعاء الخروج هكذا؛ لكون الخارج محل طلب الرزق والفضل فخص كل دعاء بما يليق به.
(^٣) مسألة: يُكره أن يُشبِّك بين أصابعه، وأن يُفرقعها، وهو في حال المشي إلى الصلاة، وحال جلوسه في المسجد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يُشبِّكن بين يديه؛ فإنه في صلاة" وهذا عام في الأحوال، فيشمل حال المشي إليها، وحال الجلوس لها؛ لعدم المخصِّص، وهذا يفيد تحريم تشبيك الأصابع - وهو: إدخال بعضها في بعض - وصرفته السنة الفعلية إلى الكراهة؛ حيث إنه ﷺ قد ثبت عنه أنه قد شبَّك بين أصابعه وهو في هذه الحالة، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لأن ذلك من العبث الذي يتنافى مع العبادة.
(^٤) مسألة: يُكره الكلام في الدنيا وزينتها في حال المشي إلى المسجد، وحال الجلوس فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك مما يُلهي عن الدعاء والذكر المشروع ويتنافى مع العبادة.
(^٥) مسألة: يُستحب أن يجلس في المسجد وهو مستقبل القبلة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الجهة خير الجهات وأشرفها - كما ورد في الحديث - وهي أقرب إلى الاستجابة للدعاء.
[ ١ / ٤٣٨ ]
لأن النبي ﷺ "كان يفعل ذلك" رواه ابن أبي أوفى، وهذا إن رأى المأموم الإمام، وإلا: قام عند رؤيته (^٦)، ولا يُحرِم الإمام حتى تفرغ الإقامة (^٧) (و) تُسنُّ (تسوية الصف) بالمناكب والأكعب فيلتفتُ عن يمينه فيقول: "استووا رحمكم الله" وعن يساره كذلك (^٨)، ويُكمل الأول فالأول،
(^٦) مسألة: إذا أقيمت الصلاة: فإنه يُستحب أن يقوم الإمام والمأموم عند قول المقيم "قد" من عبارة: "قد قامت الصلاة" هذا إذا كان الإمام في المسجد، أما إذا لم يكن الإمام في المسجد ولا يُعلم قربه منه: فلا يقوم المأموم إلا عند رؤية الإمام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت" حيث حرم الشارع القيام للصلاة حتى يُرى الإمام، وصرفته إلى الكراهية: المصلحة؛ حيث إن القيام عند قول المقيم: "قد" والإمام بعيد لا يُرى: يشقُّ على القائم؛ لإفضائه إلى طول القيام، فكُره لأجل ذلك، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقوم عند قول المقيم "قد"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة للمأموم بأن لا يقوم قبل فيشق عليه، وأن لا يقوم بعد فتفوته تكبيرة الإحرام.
(^٧) مسألة: يُستحب أن لا يكبر الإمام تكبيرة الإحرام إلا إذا فرغ المقيم من الإقامة؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو كبَّر تكبيرة الإحرام قبل فراغ المقيم لاضطرب المأمومون، ولفاتت على المقيم تكبيرة الإحرام، ولما كان للإقامة فائدة، فدفعًا لذلك: شُرع هذا.
(^٨) مسألة: يُستحب للإمام أن يحث المأمومين بأن يسووا صفوفهم بأن يأمرهم بذلك عن يمينه وشماله، ويجب على المأمومين أن يسووا صفوفهم ويتراصوا: بأن يُلصق كل واحد من المأمومين كتفه وكعبه بكتف وكعب الآخر - على حسب الاستطاعة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "سووا صفوفكم وتراصُّوا" =
[ ١ / ٤٣٩ ]
ويتراصُّون (^٩)، وميمنة (^١٠)، والصف الأول للرجال أفضل، وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتصلت الصفوف، وكلما قرب منه فهو أفضل (^١١)، والصف الأخير
حيث أوجب الشارع على المأمومين تسوية الصفوف؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولم يوجد صارف له ويُستحب للإمام أن يحثهم على ذلك؛ لكونه سنة فعلية، فإن قلتَ: لِمَ وجب على المأمومين أن يسووا صفوفهم؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن التسوية في الصف تطرد الشياطين، وترضي الرحمن، كما ورد في الحديث، فإن قلتَ: لِمَ استُحب للإمام أن يحث المأمومين بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على البر والتقوى وتعاون على ذلك أصله قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهو عام، فيشمل ما نحن فيه.
(^٩) مسألة: يُستحب للمأمومين أن يُكملوا الصف الأول، ثم الثاني وهكذا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه طرد الشيطان، والقرب من الإمام، تنبيه: قوله: "ويتراصون" قد سبق بيانه في مسألة (٨).
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يقف المأموم عن يمين الإمام: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من فعل ذلك سيتعرض للرحمة من الله، ولدعاء الملائكة.
(^١١) مسألة: الصف الأول للرجال أفضل من الصف الثاني، والثاني أفضل من الثالث وهكذا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "خير صفوف الرجال أولها" "والخيرية" و"الأفضلية" بمعنى واحد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من في الصف الأول يقتدي بالإمام مباشرة، ويسمع القراءة والتكبيرات منه، ويقتدي به أشد ممن في الصف الثاني، فيكون من في الصف الأول قد تحصَّل على ثوابه، وثواب من في الصف الثاني؛ لاقتدائه به إذا كانت الصفوف متصلة.
[ ١ / ٤٤٠ ]
للنساء أفضل (^١٢) (ويقول) قائمًا في فرض مع القدرة: (الله أكبر) فلا تنعقد إلا بها نطقًا؛ لحديث: "تحريمها التكبير" رواه أحمد وغيره، فلا تصح إن نكسه، أو قال: "الله الأكبر" أو "الجليل" ونحوه، أو مدَّ همزة: "ألله" أو "أكبر"، أو قال: "إكبار"، وإن مطَّطه: كُرِه مع بقاء المعنى (^١٣)، فإن أتى بالتحريمة، أو ابتدأها، أو أتمَّها غير قائم:
(^١٢) مسألة: الصف الأخير للنساء أفضل من الذي قبله - إذا صلَّين مع الرجال -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، والصفوف الأخيرة استر لها، وأحصن، والغرض من ذلك: منع الفتنة، وكلما بالغت المرأة في ستر نفسها: كلما كان أجرها أعظم، ومحبتها عند الزوج أعظم أيضًا.
(^١٣) مسألة: إذا أراد الدخول في الصلاة: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام قائلًا: "الله أكبر" لا يجزئه إلا هذا القول - وهو ركن - ويقول ذلك وهو قائم - للقادر عليه والقيام ركن أيضًا للمصلي فرضًا - وعلى ذلك: لا يجزيء إن عكسه بأن يقول: "أكبر الله"، أو قال: "الله الأكبر" أو قال: "الله الجليل" أو "الأعظم"، أو مدَّ همزة "الله" قائلًا: "آلله" أو مد همزة "أكبر" قائلًا: "آكبر" فيكون استفهامًا، أو قال: "إكبار" أو نحو ذلك، أو مطَّط ذلك بحيث يُحيل معناها إلى معنى آخر وهذا يبطل الصلاة، فإن مطط قوله: "الله أكبر" مطًا لا يحيل المعنى: فمكروه؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والأمر بالقيام يقتضي الوجوب لأنه مطلق، الثانية: السنة القولية، وهي من وجوه: أولها: قوله: "وتحريمها التكبير" حيث حصر التحريم بالتكبير من باب مفهوم حصر المبتدأ بالخبر، ثانيها: قوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر"، فنفي قبول الصلاة هنا يلزم منه: أن من لم يقل: "الله أكبر" لا صلاة له، ودل مفهوم الغاية منه على أنه إذا =
[ ١ / ٤٤١ ]
صحَّت نفلًا إن اتسع الوقت (^١٤) ويكون حال التحريمة (رافعًا يديه) ندبًا، فإن عجز عن رفع إحداهما: رفع الأخرى مع ابتداء التكبير، ويُنهيه معه (مضمومتي الأصابع ممدودة) الأصابع مستقبلًا ببطونها القبلة (حذو) أي: مقابل (منكبيه)؛ لقول ابن
قالها يقبل الله صلاته إذا استكمل الشروط الأخرى - ثالثها: قوله ﷺ: "صل قائمًا" حيث أوجب القيام؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ويلزم من ذلك: أن من قال غير هذه اللفظة، أو قالها على غير المشروع: أن لا تصح صلاته؛ حيث إنه قد أتى بشيء لم يوافق به أمر الله، فيكون مردودًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا القول مع كونه قائمًا ولِمَ كانا ركنين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قوله: "الله أكبر" فيه تعظيم لله قولي، وأن الله أعظم من كل شيء يخطر ببال الإنسان، وقول ذلك في حال قيامه مبالغة في التعظيم؛ حيث لا يستحقه إلا هو سبحانه فيجتمع التعظيم القولي والفعلي في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كُره التمطيط الذي لا يحيل المعنى؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة بعض من كانت لهجته تقتضي التمطيط، دون تغيير المعنى والمقصد من ذلك.
(^١٤) مسألة: إذا قال القادر: "الله أكبر" - وهي تكبيرة الإحرام - وهو قاعد في فرض، أو ابتدأها وهو قاعدًا: بأن قال: "الله" ثم قام وقال: "أكبر"، أو أتم قولها وهو لم يعتدل في القيام: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان الوقت واسعًا يسع نفلًا وفرضًا: فإنه يُتم تلك الصلاة نفلًا، ثم يقوم ويُكبر للفرض، ثانيًا: إن كان الوقت لا يسع إلا لفرض: فإنه يقطع ذلك، ثم يقوم ويُكبر لصلاة الفرض؛ للتلازم؛ حيث إن تكبيرة الإحرام لا تصح في الفرض إلا إذا كان قائمًا - حيث إن التكبيرة والقيام ركنان - كما في مسألة (١٣) - فيلزم عدم صحتها إن كان في غير القيام - وهو مستطيع له -؛ لمخالفته للمشروع عمدًا، والمقصد من ذلك قد سبق ذكره في مسألة (١٣).
[ ١ / ٤٤٢ ]
عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يُكبِّر" متفق عليه، فإن لم يقدر على الرفع المسنون: رفع حسب إمكانه، ويسقط بفراغ التكبير كله، وكشف يديه هنا وفي الدعاء أفضل، ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه (كالسجود) يعني: أنه يُسنُّ في السجود وضع يديه بالأرض حذو منكبيه (^١٥) (ويُسمع الإمام) استحبابًا بالتكبير كله (من خلفه) من المأمومين؛ ليُتابعوه، وكذا: يجهر بـ "سمع الله لمن حمده" و"التسليمة الأولى"، فإن لم يمكن إسماع جميعهم: جهر به بعض المأمومين؛ "لفعل أبي بكر معه ﷺ" متفق عليه، (كقراءته) أي: كما يُسنُّ للإمام أن يسمع قراءته من خلفه (في أوَّلتي غير الظهرين) أي: الظهر
(^١٥) مسألة: في أثناء تكبيرة الإحرام يُستحب أن يرفع المصلي يديه إلى مساواة كتفيه، أو أذنيه من أسفل، وتكون مكشوفة، وأصابع كل يد ممدودة، مضمومة الأصابع بعضها إلى بعض، ويكون هذا الرفع لهما في حال قوله: "الله أكبر" من أول هذا القول إلى آخره، فلا يرفعهما قبل قوله هذا، ولا بعده، ويستقبل القبلة ببطون يديه، ويفعل ذلك بالدعاء، والسجود إلا أنه يجعل بطونهما على الأرض؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ذلك ابن عمر ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة - فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعظيم الله، وكلما زاد المسلم التعظيم لله كلما عظَّم الله له الأجر، فإن قلتَ: لِمَ لا يرفع يديه إذا فرغ من التكبير؟ قلتُ: لأن الرفع عبادة جُعل محلُّها حال التكبير، فإذا فات وقته ومحله فيلزم عدم مشروعيته، فإن قلتَ: لِمَ استُحب كشفهما؟ قلتُ: لكونه يستعطف الله ويستجديه الثواب والصلاح حيث إن هذا شأن من يريد من أحد شيئًا - ولله المثل الأعلى - تنبيه: قوله: "ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب … " قلتُ: هذا فيه نظر، حيث بينا المقصد من مشروعية رفع اليدين وكشفهما، وهو أنسب مما ذكره.
[ ١ / ٤٤٣ ]
والعصر، فيجهر في أوَّلتي المغرب والعشاء، والصبح والجمعة، والعيدين، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والوتر بقدر ما يُسمع المأمومين (^١٦) (وغيره) أي: غير الإمام، وهو: المأموم والمنفرد يَسرُّ بذلك كله، لكن ينطق به بحيث يُسمع (نفسه) وجوبًا في كل واجب؛ لأنه لا يكون كلامًا بدون الصوت، وهو: ما يتأتَّى سماعه
(^١٦) مسألة: يُستحب للإمام أن يجهر بتكبيرات الصلاة، وقراءة الفاتحة وآية بعدها - في غير الظهر والعصر -، ويجهر أيضًا بعبارة "سمع الله لمن حمده" والتسليمتين ويفعل ذلك حتى يُسمع المأمومين، وإذا تعذَّر ذلك بسبب كثرة المأمومين، أو خفض صوت الإمام: فيُستحب أن يجهر بعض المأمومين ليُسمع الآخرين بذلك - بعد سماع الإمام - إلا القراءة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قال جابر: "صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه، فإذا كبَّر رسول الله ﷺ كبَّر أبو بكر ليُسمعنا" ولم ينكره النبي ﷺ، وقول "سمع الله لمن حمده" و"التسليمتان" مثل التكبير، لعدم الفارق من باب: مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حصول متابعة الإمام متابعة دقيقة ولتحقيق الإئتمام الشرعي؛ حيث قال ﷺ: "إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به فإذا كبَّر فكبِّروا … " ولا يحصل ذلك إلا بالجهر، فإن قلتَ: لِمَ استُحب أن يجهر بالقراءة؟ قلتُ: ليحصل كل مأموم على فائدة الاستماع، فإن قلتَ: كيف تصح صلاة المأموم مع أنه قصد إسماع المأمومين الآخرين له بالتكبير؟ قلتُ: إذا نوى الأمرين وهما: إسماع نفسه بذلك، وإسماع الآخرين: صحت صلاته؛ نظرًا لصحة النية؛ لعموم قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" وهما عملان قد نواهما معًا، فإن قلتَ: لمَ صحت صلاة ذلك المسمِّع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لو كُلِّف المسمِّع بإعادة صلاته مرة ثانية: للحقه الضرر والمشقة، ولما وجد متبرع في ذلك، فدفعًا لذلك: شرع.
[ ١ / ٤٤٤ ]
حيث لا مانع، فإن كان: فبحيث يحصل السماع مع عدمه (^١٧) (ثم) إذا فرغ من التكبيرة (يقبض كوع يسراه) بيمينه ويجعلهما (تحت سُرَّته) استحبابًا؛ لقول علي: "من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السُّرَّة" رواه أحمد وأبو داود (وينظر) المصلي استحبابًا (مَسْجِده) أي: موضع سجوده؛ لأنه أخشع، إلا في صلاة خوف لحاجة (^١٨) (ثم) يستفتح ندبًا فـ (يقول: سبحانك اللهم) أي: أنزهك اللهم عما لا
(^١٧) مسألة: إذا صلى المنفرد، أو المأموم: فإنه لا يجهر بشيء من التكبير والقراءة، والتسميع والتسليم، ولكن يجب عليه أن يُسمع نفسه إذا قال أيَّ ركن أو واجب بأن يُحرِّك لسانه بشرط: عدم إزعاج الآخرين، للتلازم؛ حيث إن التكبير والتسميع والقراءة والتسبيح والتسليم كلام يُرجى ثوابه، ولا يكون كلامًا إلا إذا كان مسموعًا فيلزم - لتحقيق ذلك -: أن يُسمع نفسه بصوته ونطقه؛ فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: ليكون متأكدًا من أنه قال ذلك الركن أو الواجب، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إزعاجهم يُفسد عليهم صلاتهم فلا يعلمون ماذا يقولون، فيكون آثمًا بذلك، فدفعًا لذلك: اشتُرط هذا الشرط.
(^١٨) مسألة: بعد فراغ المصلي من تكبيرة الإحرام: يُستحب أن يقبض براحة يده اليُمنى كوع يده اليسرى - وهو: مفصل الكف من الذراع - ويجعلهما تحت سرَّته، وأن ينظر ببصره إلى موضع سجوده إلا إذا كان مُحتاجًا للنظر إلى غيره: كأن يخاف من شيء: كعدو، أو نار، أو دابة، أو خاف على ماله أو أهله من السرقة أو أي خطر: فإنه ينظر إلى ما خوَّفه، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: قول وائل بن حجر: "رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله" ثانيهما: قول علي: "من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السُّرَّة" وقوله هذا له حكم الحديث المرفوع؛ =
[ ١ / ٤٤٥ ]
يليق بك (وبحمدك) سبَّحتك (وتبارك اسمك) أي: كثرت بركاته (وتعالى جدُّك) أي: ارتفع قدرك وعظم (ولا إله غيرك) أي: لا إله يستحق أن يُعبد غيرك؛ "كان ﵊ يستفتح بذلك" رواه أحمد وغيره (^١٩) (ثم يستعيذ) ندبًا فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (^٢٠) (ثم يُبسمل)
لأنه لا سنة يقصدها الصحابي إلا سنة النبي ﷺ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذه الصفة أبلغ في التذلُّل، والخضوع، والخشوع، وأجمع لعقله وذهنه، وأمنع من العبث والتشتت، فيكمل أجر صلاته، فإن قلتَ: لِمَ لا ينظر إلى موضع سجوده في حالة الخوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية له من أيِّ ضرر؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام
(^١٩) مسألة: بعد فراغ المصلي من التحريمة ووضع يده اليُمنى على اليسرى تحت السرة: يُستحب أن يدعو بدعاء الاستفتاح سرًا، وهو: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك" ويقول أيضًا: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقَّ الثوب الأبيض من الدَّنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يستفتح بذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم لله وتمجيد له، وثناء عليه، وإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله، فإذا قال ذلك فإنه أقرب أن يُستجاب لكل دعاء يدعو به بعد ذلك، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالاستفتاح؟ قلتُ: لأنه يستفتح به الصلاة كالمفتاح للباب.
(^٢٠) مسألة: بعد فراغه من الاستفتاح: يُستحب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم سِرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية له من كل شيطان - وهو: كل مُتمردٍ عاتٍ من الجن والإنس - وذلك حتى ينتفع بقراءته بسبب بُعد الشيطان عنه.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ندبًا فيقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" (^٢١)، وهي: قرآن آية منه، نزلت فصلًا بين السور غير "بَرَاءة" فيُكره ابتداؤها بها، ويكون الاستفتاح، والتعوُّذ، والبسملة (سِرًّا) (^٢٢)، ويُخيَّر في غير صلاة في الجهر بالبسملة (^٢٣) (وليست) البسملة (من الفاتحة) وتُستحب عند فعل كل مهم (^٢٤) (ثم يقرأ الفاتحة) تامَّة بتشديداتها، وهي
(^٢١) مسألة: بعد فراغه من الاستعاذة من الشيطان الرجيم: يُستحب أن يبسمل قائلًا: "بسم الله الرحمن الرحيم" سرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن ذلك فيه جلب البركة في كل ما يفعل ويقول في صلاته.
(^٢٢) مسألة: البسملة تعتبر آية من القرآن، وهي بعض آية في سورة "النمل" ويُكره أن تستفتح سورة "براءة" بالبسملة؛ للإجماع؛ حيث أجمع الصحابة والعلماء على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كُرِّرت البسملة وجُعلت بين السور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه فصل بين السور؛ لئلا يُخلط بين السور، فإن قلتَ: لِمَ كُرهت البسملة في أول "براءة"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سورة "براءة" أكملت القصة التي ابتدئ بها في سورة "الأنفال" فهما كالسورة الواحدة، فكرهت البسملة بينهما لئلا يُفرق بينهما، تنبيه: قوله: "ويكون الاستفتاح … سرًا" قد بينته في المسائل (١٩ و٢٠ و٢١).
(^٢٣) مسألة: يُباح الجهر بالبسملة في غير صلاة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل إباحة الجهر بها ومنعت من الجهر بها في الصلاة: السنة الفعلية، فيبقى الجهر بها في غير الصلاة على الإباحة.
(^٢٤) مسألة: البسملة لا تحسب آية من الفاتحة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بـ "الحمد لله رب العالمين" - كما روى أنس - حيث إن هذا يلزم منه: أن البسملة وما قبلها ليست من الفاتحة، فلو كانت منها: لقرأها النبي ﷺ =
[ ١ / ٤٤٧ ]
ركن في كل ركعة، وهي أفضل سورة، وآية الكرسي أعظم آية، وسُمِّيت فاتحة؛ لأنه يُفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف، وفيها إحدى عشرة تشديدة (^٢٥)،
قبل: "الحمد لله رب العالمين"، فإن قلتَ: لِمَ كانت ليست من الفاتحة؟ قلتُ: لأنها لو كانت من الفاتحة لما تحقق التنصيف الذي ورد بقوله تعالى - في الحديث القدسي -: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال تعالى: "حمدني عبدي"، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال تعالى: "أثنى علي عبدي"، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال تعالى: "مجَّدني عبدي"، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال تعالى: "هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل"" فلزم من هذا: أن يكون نصف الفاتحة عند قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فتكون ثلاث آيات من الفاتحة قبلها، وثلاث بعدها، فلو جُعلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة: لما كانت: "إياك نعبد .. " في النصف، تنبيه: قوله: "وتُستحب عند فعل كل مهم" قلتُ: قد سبق بيان ذلك في مسألة (١) من مسائل "الافتتاحية والديباجة" قبل البدء بكتاب الطهارة.
(^٢٥) مسألة: بعد فراغه من البسملة: يجب أن يقرأ الفاتحة، وهي ركن في كل ركعة: فلا تصح الصلاة إلا بها، وهي تعتبر أعظم سورة في القرآن، ويقرأها تامَّة بتشديداتها الإحدى عشرة وهي: "الله" و"رَبِّ" و"الرَّحمن" و"الرَّحيم" و"الدِّين" و"إِيَّاك نعبد" و"إيَّاك نستعين" و"الصِّراط" و"الَّذين" و"الضَّالِّين"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" حيث إن المراد بالنفي هنا هو: نفي الصحة؛ حيث إنه أول مراتب النفي؛ إذ نفي الكمال أقل رُتبة منه فلا يمكن أن نحمل النفي عليه مع إمكاننا أن نحمله على نفي أعلى وهو نفي الصحة، ودلَّ على هذا دلالة الاقتضاء فيكون التقدير: "لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ … " ثانيهما: قوله ﷺ: "أعظم سورة في القرآن: الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني =
[ ١ / ٤٤٨ ]
ويقرأها مرتبة متوالية (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال) عُرفًا: أعادها، فإن كان مشروعًا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة، وكالسكوت؛ لاستماع قراءة إمامه، وكسجود للتلاوة مع إمامه: لم يُبطل ما مضى من قراءتها مطلقًا (^٢٦)
الذي أوتيته"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُحافظ على قراءة الفاتحة بتشديداتها في كل ركعة، ولم يرو عنه أنه تركها مرة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ كانت الفاتحة ركنًا؟ قلتُ: لأنها أفضل وأعظم سورة في القرآن؛ لاشتمالها على الحمد والثناء عليه سبحانه، والرحمة العامة والخاصة، والدعاء بالصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فإن قلتَ: لِمَ وجب الحرص على ذكر التشديدات؟ قلتُ: لأن أكثر الناس يتساهلون فيها مما يلزم منه تغيير المراد من الآية، فمن ترك تشديدة عمدًا فلا يُعتبر قارئًا لها، فإن قلتَ: لِمَ سُميت بالفاتحة؟ قلتُ: لأن الصلاة تفتتح بقراءتها، والمصحف افتتح بها خطًا، فإن قلتَ: ما الفرق بينها وبين آية الكرسي؟ قلتُ: إن الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن كما قال ﷺ: "آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله"؛ لاشتمال هذه الآية على التوحيد بأنواعه، وبيان عظمة وقوة وعلو الله سبحانه.
(^٢٦) مسألة: يجب أن يقرأ المصلي الفاتحة مرتبة متوالية على حسب كتابتها في المصحف، دون تقديم بعض آياتها على بعض، ومتوالية دون انقطاع مُخِلٍّ بمعناها، فإن قطعها بذكر طويل غير مشروع في هذا المقام كأن يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " أو قطعها بسكوت طويل: فإن هذا يُبطلها، ويجب إعادتها على إمام ومنفرد، بخلاف الذكر أو السكوت القصيرين المشروعين فلا يبطلها: كأن يسأل الله الرحمة، أو يسكت نظرًا لقراءة الإمام، أو لسجوده للتلاوة فيسجد معه، ثم يُتم هذا المأموم الفاتحة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" حيث يلزم من ذلك أن الذي يقرأ الفاتحة بدون ترتيب أو توالي وتتابع لا =
[ ١ / ٤٤٩ ]
(أو ترك منها تشديدة أو حرفًا أو ترتيبًا: لزم غير مأموم إعادتها) أي: إعادة الفاتحة، فيستأنفها إن تعمَّد (^٢٧)، ويُستحب أن يقرأها مُرتلة مُعربة يقف عند كل آية كقراءته ﷺ (^٢٨) ويُكره الإفراط في التشديد
يُسمى قارئًا للفاتحة، ويلزم من عدم قراءتها كما شُرعت: عدم صحة الصلاة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط في قراءة الفاتحة الترتيب والتتابع؟ قلتُ: لأن قراءة الفاتحة عبادة واحدة لا يجوز أن تجزأ، والذكر المشروع القصير: لا يقطعها عرفًا؛ لكونه يحدث كثيرًا، فعُفي عنه؛ تسامحًا من الشارع؛ لمراعاة أحوال الناس.
(^٢٧) مسألة: إذا ترك المصلي عمدًا تشديدة من التشديدات الإحدى عشرة السابقة الذكر في مسألة (٢٥) أو ترك حرفًا من حروف الفاتحة، أو ترك ترتيبها: فإن الفاتحة تبطل، ويجب على إمام ومنفرد إعادتها؛ للسنة القولية والفعلية، وقد سبق ذكر ذلك في مسألتي (٢٥ و٢٦)، تنبيه: قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم؛ لما سيأتي.
(^٢٨) مسألة: يُستحب أن يقرأ المصلي الفاتحة مرتلة وأن يتمهل في القراءة، ويُحسِّن صوته، ويُعطي كلَّ حرفٍ حقَّه من الإعراب، بدون لحن، وأن يحضر قلبه ويفكر في معاني الآيات ومقاصدها وأن يقف عند آخر كل آية؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ "والترتيل" هو: القراءة السهلة الطبيعية من غير تكلُّف، والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فعل الصحابي؛ حيث قد ورد أن بعض الصحابة قرأ بسرعة وحَدْر ولم يُنكر عليه، الثانية: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" وهو: تحسينه من غير تكلُّف، وهذا لا يكون إلا بالترتيل والإعراب، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قالت أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته: يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم =
[ ١ / ٤٥٠ ]
والمدَّ (^٢٩) (ويجهر الكل) أي: المنفرد، والإمام والمأموم معًا (بآمين في) الصلاة (الجهرية) بعد سكتة لطيفة؛ ليُعلم أنها ليست من القرآن، وإنما هي طابع الدعاء، ومعناه: "اللهم استجب" ويُحرَّم تشديد ميمها، فإن تركه إمام أو أسرَّه: أتى به مأموم جهرًا (^٣٠)، ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب، ومن صلى وتلقَّف القراءة
يقف وهكذا"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تدبُّر للقرآن وفهم لمقاصد الآيات، ليُنتفع به قولًا وفعلًا، تنبيه: هذا الحكم في المسألة يُستحب في قراءة القرآن كله.
(^٢٩) مسألة: يُكره لقارئ الفاتحة وغيرها من القرآن: أن يُسرف في التشديد: بأن يجعل المشدد من الحروف حرفين بدلًا من واحد، وكذا: يُكره أن يُسرف في المدِّ: بأن يُطيل فيه حتى يُضيف إليه بعض الحروف، هذا إذا كان لا يُغير شيئًا من معاني الفاتحة، أما إن كان هذا الإسراف يُغيِّر المعنى: فإنه يُحرَّم ويُبطل القراءة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من تغيير المعنى: التحريم وبطلان القراءة؛ لكون القارئ لم يقرأ الفاتحة القراءة المشروعة، ويلزم من عدم تغيير المعنى: صحة القراءة، ويلزم من الإسراف الذي لم يُغير المعنى: كراهة القراءة به.
(^٣٠) مسألة: بعد فراغه من الفاتحة وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: يُستحب أن يقول المصلي - سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا "آمين" جهرًا فإن تركه إمام قاله مأموم، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا قال الإمام ولا الضَّالِّين، فقولوا: آمين" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: أن المقصد منها الدعاء؛ لأن معناها: "اللهم استجب" وهذا يستوي فيه الجهر والسر، وأن هذه الكلمة ليست من الفاتحة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال وائل بن حجر: "كان النبي ﷺ إذا قال: ولا الضَّالِّين: قال: آمين ورفع بها صوته"، الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة يجهرون بقولهم "آمين" =
[ ١ / ٤٥١ ]
من غيره: صحَّت (^٣١) (ثم يقرأ بعدها) أي: بعد الفاتحة (سورة) ندبًا كاملة فيستفتحها بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وتجوز آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدِّين، والكرسي، ونصَّ على جواز تفريق السورة في ركعتين؛
خلف رسول الله حتى يرتجَّ المسجد بهم، ولم يُنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن معناها: استجب لنا ما سألناك ودعوناك من الهداية، فإن قلتَ: لِمَ استُحب الجهر بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجهر بالشيء يُساعد على حضور القلب وطرد النوم، فإن قلتَ: لِمَ وجب تخفيف ميم "آمين"؟ قلتُ: احترازًا من تشديد الميم؛ لكونه يقلب المعنى، فلو قيل: "آمِّين" لكان معناها: قاصدين، وهذا يقلب المعنى.
(^٣١) مسألة: يجب على كل شخص أن يتعلَّم قراءة الفاتحة، وكل ركن أو واجب في الصلاة، ولو صف جاهل في صلاة وتلقَّف الفاتحة، من جاره أو أي ذكر واجب: لصحَّت صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب قراءة الفاتحة، وغيرها من الواجبات: أن يتعلَّم فعلها وقولها؛ لأنه لا صحة لصلاة بدونها، ويلزم من أخذها عن غيره في حال صلاته: أن يصح ذلك؛ لكونه أتى بالمشروع على حسب استطاعته، وهذا من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وباب "سقوط الواجب بالعجز عنه" أصله قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم". [فرع]: إذا لم يقدر على تعلُّم الفاتحة: فيجب عليه أن يقرأ سبع آيات من أي سورة، فإن لم يستطع فإنه يقرأ ما قدر عليه من آية أو بعض آية ويُكررها، فإن لم يستطع: فإنه يشتغل بالذكر فيُكرر قوله: "لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ونحوها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا أتى بما يستطيعه فيكون مشروعًا؛ لأن الشرط والواجب يسقطان بالعجز عنهما، وفيه مراعاة للناس، وهذا المقصد منه.
[ ١ / ٤٥٢ ]
لفعله ﵊ (^٣٢)، ولا يُعتد بالسورة قبل الفاتحة (^٣٣)، ويُكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة (^٣٤)، والقراءة بكل القرآن في فرض؛ لعدم نقله وللإطالة (^٣٥)،
(^٣٢) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة: يُستحب أن يُبسْمل، ثم يقرأ سورة كاملة، وإن قرأ آية واحدة - طويلة أو قصيرة - أو قسَّم سورة بين ركعتين، أو كرَّر سورة واحدة في الركعتين، أو قرأ سورتين في ركعة: فلا بأس، ويستحق أجر الاستحباب، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من مشروعية قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة - في الركعتين الأوليين -: أن تجزئ أيُّ قراءة منه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للحصول على أجر القراءة؛ لكونه متعبَّدًا بتلاوته، فإذا وقع ذلك في صلاة فالأجر مُضاعف.
(^٣٣) مسألة: إذا قرأ المصلي سورة أو آية قبل الفاتحة: فلا يُعتدُّ بهذه القراءة؛ فلا يتحصَّل على أجر القراءة؛ للتلازم، حيث إن محلَّ القراءة بعد الفاتحة فيلزم من قراءة شيء قبلها: عدم الاعتداد بها؛ لوقوعها في غير محلِّها، فإن قلتَ: لِمَ لا يُعتد بذلك؟ قلتُ: لأن القراءة في الصلاة عبادة، والعبادات توقيفية، فتكون تلك القراءة وردت على غير المشروع، فيكون مردودًا.
(^٣٤) مسألة: إذا قرأ المصلي الفاتحة فقط، ولم يقرأ أي شيء من القرآن بعدها: صحت صلاته مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث إن استكمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: يلزم منه صحتها، ويلزم من حرمانه لنفسه من أجر القراءة: كراهة ذلك، وهذا المقصد منه.
(^٣٥) مسألة: إذا قرأ المصلي الفاتحة، وأتبعها كل القرآن في صلاة فرض: فإن صلاته تصح مع الكراهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه لم يرد هذا عنه ﷺ في فرض، فيكون هذا المصلي فعل ما تركه ﷺ، وهذا مكروه، فإن قلتَ: لِمَ صحت صلاته؟ ولِمَ يُكره؟ قلتُ: صحت صلاته لاستكمال شروطها وأركانها =
[ ١ / ٤٥٣ ]
(وتكون) السورة (في) صلاة (الصبح من طِوال المفصَّل) - بكسر الطاء -، وأوله "ق" ولا يُكره لعذر كمرض وسفر من قصاره، ولا يُكره بطواله (و) تكون السورة (في) صلاة (المغرب من قصاره) ولا يُكره بطواله (و) تكون السورة (في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) (^٣٦) ويحرم تنكيس الكلمات
وواجباتها، وكره؛ لأنه شق على نفسه بالإطالة في حين لا يجوز قطعها؛ لكونها فرضًا، بخلاف النفل فلو شعر بأي مشقة أو لم يشعر: فإنه يجوز قطعها.
(^٣٦) مسألة: يُستحب أن يقرأ المصلي في الفجر من طوال المفصَّل - وهي من "ق" إلى "النبأ" -، ويقرأ في المغرب من قصاره - وهي من "الضحى" إلى آخر القرآن - ويقرأ في الظهر والعصر والعشاء من أوساطه - وهي من "النبأ" إلى "الضحى" - وإذا خالف في ذلك فلا يُكره سواء كان لعذر أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بذلك في صلواته - كما روى ذلك أبو هريرة وجابر بن سمرة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن أصل القراءة بعد الفاتحة مُستحب دون تفصيل في الطول والقِصر، أو وجود عذر أو عدمه فيُعمل على هذا الأصل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس تُناسبهم القراءة الطويلة في الفجر؛ لأنها تكون بعد نوم وراحة، وبعدها عمل فينتفعوا، وتناسبهم القراءة القصيرة في المغرب؛ لأنها تكون بعد عمل ومشقة، وتناسبهم القراءة المتوسطة في بقية الصلوات؛ لكون حالتهم متوسطة، ففي ذلك مراعاة لهم، تنبيه: قوله: "ولا يُكره لعذر كمرض وسفر قصاره"، قلتُ: يقصد: أنه إذا قرأ في الفجر من قصار السور بغير عذر فهو مكروه، وهذا لم دليلًا عليه، تنبيه آخر: قوله: "ولا يُكره لعذر من مرض وسفر من قصاره ولا يُكره بطواله"، قلتُ: عبارة "ولا يُكره بطواله" هنا لا معنى لها، والظاهر أنها سبقة قلم من المصنف.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وتبطل به (^٣٧) ويُكره تنكيس السُّور (^٣٨) والآيات (^٣٩) ولا تُكره
(^٣٧) مسألة: يحرم على المسلم أن يُنكِّس كلمات القرآن: كأن يعكس لفظ "أقيموا"، وإذا فعل ذلك: فإن صلاته تبطل؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على هذا، ومستنده: التلازم؛ حيث يلزم من القراءة المتنكِّسة الإخلال بنظم القرآن، والذهاب بإعجازه، وهذا يؤدي إلى أن يكون كلامًا أجنبيًا عن القرآن.
(^٣٨) مسألة: تصح قراءة السور منكَّسة بدون كراهية، بأن يقرأ سورة: "الناس" قبل "الفلق"؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قرأ "النساء" قبل "آل عمران"، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك بدون كراهة؟ قلتُ: لأن ذلك لا يُخلُّ بنظم ولا إعجاز القرآن، ولأنه فعل ما له فعله من أنه قرأ السورة كاملة، ولأن ترتيب السور وقع اجتهادًا من الصحابة، فإن قلتَ: إن هذا مكروه - وهذا ما ذكره المصنف -؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود - فيمن يقرأ القرآن مُنكَّسًا -: "ذلك منكوس القلب" قلتُ: لا يُحتج بقول الصحابي هذا؛ لأنه عارض السنة الفعلية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة، وعندهم: يعمل بقول الصحابي.
(^٣٩) مسألة: تحرم قراءة الآيات منكَّسة، كأن يقرأ "من شر ما خلق" قبل قوله: "قل أعوذ برب الفلق" وإذا صلى بذلك: فلا تصح صلاته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" وأمر الشارع ورد بترتيب الآيات؛ حيث إنه ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: "ضعوها بعد آية كذا وكذا في سورة كذا" فيلزم من قراءة الآية قبل الآية التي قبلها العمل على غير المأمور به شرعًا فيكون مردودًا غير مقبول، ويُحرَّم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قراءة الآيات منكوسة يُفوِّت المعنى المقصود من الآيات، ويكون ذلك قريبًا من العبث والتلاعب بكلام الله، فإن قلتَ: إن هذا يُكره - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
[ ١ / ٤٥٥ ]
ملازمة سورة مع اعتقاد جواز غيرها (^٤٠) (ولا تصح) الصلاة (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) بن عفان ﵁ كقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (^٤١)، وتصح بما وافق مصحف عثمان وصحَّ سنده وإن لم يكن من العشرة (^٤٢)، وتتعلق
(^٤٠) مسألة: لا يُكره ملازمة المسلم قراءة سورة أو آية بعد الفاتحة في الصلاة أو غيرها إذا كان معتقدًا جواز قراءة غيرها من السور والآيات؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ أقر رجلًا كان يُكرِّر قراءة سورة "الإخلاص" في صلاته، فإن قلتَ: لِمَ لا يُكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على كثير من الناس، إذ بعضهم لا يُحسن إلا قراءة سورة.
(^٤١) مسألة: لا تصح الصلاة إلا بقراءة القرآن المثبت بمصحف عثمان الذي جمعه من صدور الحفاظ، وكتبة الوحي، وبناء على ذلك: لا تصح صلاة من قرأ بقراءة شاذة أو أحادية كأن يقرأ بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" أو بقراءة أُبي: "فعدة من أيام أخر متتابعات" أو بقراءة عائشة: "حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى صلاة العصر"؛ للإجماع على ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن مصحف عثمان ثبت متواترًا فتلزم القراءة به، ويلزم عدم صحة القراءة بالقراءة الشاذة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لسد الذرائع؛ حيث لو صحَّت القراءة بكل قراءة يرويها فرد لأدَّى ذلك إلى عدم اطمئنان الناس إلى هذا القرآن المتعبَّد بتلاوته.
(^٤٢) مسألة: تصح الصلاة بقراءة موافقة لمصحف عثمان إذا صحَّ سندها بدون اضطراب أو ضعف: سواء كانت هذه القراءة من القراءات العشر - وهي: قراءة يزيد بن القعقاع، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم من المدينة، وعبد الله بن كثير، وعبد الله بن عامر من الشام، وأبو عمرو، ويعقوب بن إسحاق من البصرة، وعاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب، وعلي بن حمزة الكسائي، =
[ ١ / ٤٥٦ ]
به الأحكام (^٤٣)، وإن كان في القراءة زيادة حرف: فهي أولى؛ لأجل العشر الحسنات (^٤٤) (ثم) بعد فراغه من قراءة السورة (يركع مُكبِّرًا)، لقول أبي هريرة: "كان النبي ﷺ يُكبِّر إذا قام إلى الصلاة، ثم يُكبِّر حين يركع" متفق عليه (^٤٥) (رافعًا
وخلف بن هشام البزَّار من الكوفة - أو كانت القراءة من غيرهم؛ للإجماع؛ حيث كان كل صحابي يصلي بقراءته إذا صحَّ سندها دون ضعف دون نكير من أحد، فصار إجماعًا سكوتيًا، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسيع وتيسير على المسلمين.
(^٤٣) مسألة: القراءة الأحادية أو الشاذة حجَّة في الأحكام؛ حيث يجب العمل بها، وبناء على ذلك يجب التتابع في صيام كفارة اليمين، والقضاء؛ بناء على قراءة ابن مسعود وأُبي - السابق ذكرهما في مسألة (٤١) -؛ للسبر والتقسيم؛ حيث إن ما ذكره هذا الصحابي إما أن يكون قرآنًا أو خبر آحاد، لم يصح كونه قرآنًا، فثبت أنه خبر آحاد، وخبر الآحاد يجب العمل به، وقد فصَّلتُ القول في ذلك مع الجواب عن أدلة المخالف في المهذب (٢/ ٤٨٢).
(^٤٤) مسألة: إذا وجد في قراءة من القراءات المعتبرة زيادة حرف: فإنه يُستحب أن يقرأ بها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من قرأ القرآن فأعربه فله في كل حرف عشر حسنات" فتقتضي المصلحة أن يقرأ بالقراءة التي فيها زيادة؛ إكثارًا للأجر، وهذا هو المقصد منه.
(^٤٥) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة وشيء من القرآن: يجب أن يركع مُكبِّرًا مبتدئًا بالتكبير عند ابتداء الركوع، ومنتهيًا منه حين يستوي راكعًا - وهذا الركوع ركن لا تصح الصلاة إلا به، والتكبير فيه واجب في كل الصلاة - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ المسيء في صلاته بالركوع، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يفعل ذلك ويُداوم عليه - كما رواه أبو هريرة - فإن قلتَ: لِمَ شُرع =
[ ١ / ٤٥٧ ]
يديه) مع ابتداء الركوع؛ لقول ابن عمر: "رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يُحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعد ما يرفع رأسه" متفق عليه (^٤٦) (ويضعهما) أي: يديه (على ركبتيه مفرجتي الأصابع) استحبابًا (^٤٧)، ويُكره التطبيق: بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى ثم يحطُّهما بين ركبتيه إذا ركع، وهذا كان في أول الإسلام ثم نُسخ (^٤٨)، ويكون المصلي (مستويًا ظهره) ويجعل رأسه حياله: فلا يرفعه، ولا يخفضه، روى ابن ماجه عن وابصة بن مَعْبَد قال: "رأيتُ النبي ﷺ
هذا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع التعظيم الفعلي - وهو الركوع والانحناء - والتعظيم القولي - وهو قوله: "سبحان ربي العظيم" -.
(^٤٦) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه في بداية تكبيرة الركوع - كما فعل في تكبيرة الإحرام -؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما رواه ابن عمر -، والمقصد من الرفع هذا كالمقصد من رفعهما في تكبيرة الإحرام وقد سبق في مسألة (١٥).
(^٤٧) مسألة: يُستحب أن يضع كفيه - أثناء ركوعه - على ركبتيه وهما منفرجتي الأصابع، ويكون كأنه قابض على ركبتيه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما رواه وائل بن حجر، وأبو حُميد - فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة الركوع عنه، وضبط بدنه عن السقوط وتماسكه، ليعبد الله براحة تامة، ولأن التذلل والخضوع فيه تام.
(^٤٨) مسألة: يُكره التطبيق في الركوع، وصفته: أن يُلصق باطن كف بباطن الكف الآخر، ثم يجعلهما بين ركبتيه وهو راكع؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بوضع اليدين على الركب بعد ما كان يفعل التطبيق - كما ورد في حديث مصعب بن سعد - فيكون التطبيق منسوخًا كما قاله الترمذي، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لأنه أقرب إلى العبث وفيه مشقة على الراكع.
[ ١ / ٤٥٨ ]
يصلي وإذا ركع: سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقر" (^٤٩) ويجافي مرفقيه عن جنبيه (^٥٠)، والمجزيء: الانحناء بحيث يمكنه مسَّ ركبتيه بيديه إن كان وسطًا في الخِلْقة، أو قدره من غيره، ومن قاعد: مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، وتتمتها الكمال (^٥١) (ويقول) راكعًا: (سبحان ربي العظيم)؛ لأنه ﷺ
(^٤٩) مسألة: يُستحب أن يسوِّي ظهره في حال ركوعه بحيث يكون رأسه متساو مع ظهره لا يرفعه عنه ولا يخفضه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روته عائشة، ووابصة بن معبد -، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة أكثر عونًا على الطاعة، وأقل مشقة.
(^٥٠) مسألة: يُستحب أن يُبعد مرفقيه عن جنبيه أثناء الركوع، فلا يُلصقهما بجنبيه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكثر أجرًا؛ لما فيه من المشقة في سبيل العبادة؛ حيث إن الأجر على قدر المشقة.
(^٥١) مسألة: صفة ركوع القائم المجزئ هو: أن يمس براحتيه ركبتيه بعد الانحناء ممن خِلْقته متوسطة، أما من لم يكن كذلك كقصير اليدين فيُقدِّر ذلك بأن ينحني ويخفض ظهره قدر ما لو كان وسطًا ولو لم تمس راحتاه ركبتيه، وصفة ركوع القاعد المجزئ: أن يقابل بوجهه مقدمة ركبتيه أدنى مقابلة، وصفة ركوع القاعد الكامل: أن يرى الأرض التي قدَّام ركبته مباشرة مقابلًا لركبتيه أتم مقابلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الانحناء: إجزاؤه؛ لكونه يُسمى ركوعًا لغة؛ اكتفاء بأدنى ما يُطلق عليه اسم الركوع، ويلزم من عجزه عن القيام: إجزاء ما يُسمى انحناء وهو قاعد؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل وحصول المقصود.
[ ١ / ٤٥٩ ]
"كان يقولها في ركوعه" رواه مسلم وغيره، والاقتصار عليها أفضل، والواجب: مرة وأدنى الكمال: ثلاث، وأعلاه للإمام: عشر، قال أحمد: جاء عن الحسن التسبيح التام: سبع، والوسط خمس، وأدناه: ثلاث (^٥٢) (ثم
(^٥٢) مسألة: يجب أن يقول - أثناء ركوعه -: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة، وإن زاد ثانية فهو أفضل، وإن زاد ثالثة فهو أدنى الكمال، أما الإمام فيقولها عشر مرات - استحبابًا - وإن زاد كلامًا آخر فهو حسن كأن يقول: "سبحان ربي العظيم وبحمده" أو يقول - بعد ذلك -: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" أو يقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال ﷺ: "اجعلوها في ركوعكم"، ثانيهما: قوله: "أما الركوع فعظِّموا فيه الرب" وهذا الأمر مطلق في النصَّين فيقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار، بل المرَّة الواحدة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﷺ كان يقول ذلك في ركوعه، وكان يزيد على ذلك على حسب ما تقتضيه المناسبة، فإن قلتَ: لِمَ وجب قول ذلك في الركوع؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع التعظيم القولي، والتعظيم الفعلي؛ حيث إنه بقوله: "سبحان ربي العظيم" يُقرُّ بتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوقين: فلا يتطرق إليه النقص والضعف مثلهم، حيث إنه عظيم في ذاته وصفاته ويحصل بركوعه التعظيم الفعلي، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب زيادة بعض الكلمات التعظيمية على قوله ذلك؟ قلتُ: للوصول في تعظيم الله تعالى إلى أقصى ما يستطيعه العبد، وكُلَّما زاد العبد في تعظيم الله كلما زاد أجره وقربه عند الله، فإن قلتَ: لِمَ استُحب للإمام أن يقولها عشر مرات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل المأموم يقولها ثلاث مرات: فإن قلتَ: الأفضل ألا يزيد الراكع على قوله: "سبحان ربي العظيم" من كلام آخر مثل: "سبوح قدوس" - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ =
[ ١ / ٤٦٠ ]
يرفع رأسه (^٥٣) ويديه)؛ لحديث ابن عمر السابق (^٥٤) (قائلًا إمام ومنفرد: "سمع الله لمن حَمِدَه" مُرتَّبًا وجوبًا؛ لأنه ﷺ كان يقول ذلك، قاله في "المبدع"، ومعنى "سَمِع": استجاب (^٥٥) (و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما (ربَّنا ولك الحمد ملء
للسنة القولية، حيث ورد الأمر بتعظيم الله في الركوع فقط، دون زيادة؟ قلتُ: هذا لا يمنع من الزيادة التي هي من جنس التعظيم، والنبي ﷺ كان يزيد كما سبق، تنبيه: قول أحمد: "جاء عن الحسن … " الخ، قلتُ: هذا قول لم أجد دليلًا عليه.
(^٥٣) مسألة: بعد فراغه من قوله: "سبحان ربي العظيم": يجب أن يرفع من ركوعه - وهذا الرفع ركن - ثم يعتدل قائمًا وهو ركن أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا" حيث أوجب هذا الرفع والاعتدال؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ كان الرفع ركنًا؟ قلتُ: ليعود إلى القيام الذي هو أفضل من الركوع؛ المشروعية القراءة فيه دون الركوع، وهذا كله للاستعداد للسجود، فإن قلتَ: لِمَ كان الاعتدال ركنًا؟ قلتُ: لأن المصلي لا يُمكنه مناجاة ربه بهدوء بغير ذلك.
(^٥٤) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه في أثناء رفعه من الركوع - كما فعل في التحريمة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ابن عمر -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في رفعهما في تكبيرة الإحرام في مسألة (١٥).
(^٥٥) مسألة: يجب أن يقول إمام ومنفرد: "سَمِعَ الله لمن حَمِدَه" في أثناء رفعهما من الركوع؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده" حيث أوجب الشارع قول ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ وَجَب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه العبارة قد تضمَّنت الاستجابة لكل من حمده؛ لكونه لا يحمد إلا لأنه مستحق للحمد ورجاء للزيادة أصله: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
[ ١ / ٤٦١ ]
السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بَعْد) أي: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك، وله قول: "اللهم ربَّنا ولك الحمد" وبلا "واو" أفضل عكس: "ربنا لك الحمد" (^٥٦) (و) يقول (مأموم في رفعه: ربَّنا ولك الحمد فقط)؛ لقوله ﵊: "إذا قال الإمام: سَمِع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" متفق عليه من حديث أبي هريرة (^٥٧)، وإذا رفع المصلي من الركوع: فإن شاء وضع يمينه على
(^٥٦) مسألة: يُستحب أن يقول إمام ومنفرد بعد اعتدالهما قائمين: "ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمبالغة في حمد الله تعالى، على نعمه الظاهرة والباطنة، بحيث إن هذا الحمد لو فرض أن يكون أجسادًا لملأ السماوات والأرض، وهذا غاية في الحمد والشكر والتعظيم الذي لا يستحقه إلا الله سبحانه، تنبيه: عبارة "اللهم ربنا ولك الحمد" أو "ربنا لك الحمد" يستوي فيهما وجود الواو وحذفها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ورد ذلك في روايتين، ولعدم اختلاف المعنى في وجودها وعدمه؛ لأن ما قبل "الواو" جملة خاصة بالدعاء وما بعدها: جملة خاصة بالاعتراف، وليس كما زعمه المصنف من أن وجودها في الجملة الثانية أفضل، وحذفها من الأولى أفضل؛ لعدم وجود الدليل على هذا التفريق.
(^٥٧) مسألة: يجب أن يقول المأموم: "ربنا ولك الحمد" في أثناء رفعه من الركوع، ويُستحب أن يزيد قائلًا: "ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد حيث أوجب على المأمومين أن يقولوا ذلك؛ =
[ ١ / ٤٦٢ ]
شماله أو أرسلهما (^٥٨)، (ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخرُّ مُكبِّرًا) ولا يرفع يديه
لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب للإمام والمنفرد أن يقولا: "ملء السماء … " فكذلك يُستحب للمأموم والجامع: المبالغة في حمد الله للمصلي، دون ترتُّب ضرر على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك على المأموم؟ قلتُ: لأن قوله ﷺ: "ربنا ولك الحمد" هو بدل عن قول الإمام: "سَمِعَ اللهُ لمن حمده" فكأن الإمام يقول: إن الله يسمع كلَّ من حَمِده، فيحمد المأموم الله؛ لكونه مؤتمًا بالإمام، فإن قلتَ: إن المأموم لا يزيد عن قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ لورودها في الحديث السابق فقط - وهو ما ذكره المصنف هنا - فيُقتصر على ما ورد؟ قلتُ: إن الحديث ورد بذلك، ولكن لم يتعرض لنفي الزيادة، فيُستحب للمأموم أن يزيد: "ملء السماء … " كغيره من المصلين؛ للمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "هل ما ورد في الحديث السابق يُفيد نفي الزيادة عليه من جنسه أو لا؟ " فعندنا لا يفيد ذلك، وعندهم يفيد نفي الزيادة.
(^٥٨) مسألة: إذا اعتدل المصلي قائمًا بعد رفعه من الركوع: فإنه يُستحب أن يضع يُمناه على يُسراه تحت سرته - كما فعل بعد تكبيرة الإحرام -؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب فعل ذلك في القيام بعد التحريمة فكذلك يفعل ذلك في القيام بعد رفعه من الركوع، والجامع: القيام في كل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم وتبجيل وخضوع وخشوع، فإن قلتَ: يُباح وضع يُمناه على يُسراه، ويُباح إرسالهما؛ وهذا ما ذكره المصنف؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في ذلك الإباحة، فيعمل بذلك؛ لعدم وجود دليل يُغير ذلك قلتُ: لا تسلِّم عدم وجود دليل يُغير الحالة؛ حيث ورد دليلان هما: "القياس" و"المصلحة" وقد سبقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب" فعندنا يُعمل بالقياس؛ لكونه قد قوي على تغيير الحالة وعندهم: لا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
(ساجدًا (^٥٩) على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)؛ لقول ابن عباس: "أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة واليدين، والركبتين، والرجلين" متفق عليه، وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" (^٦٠)، ولا تجب
(^٥٩) مسألة: بعد فراغه من قوله: "ربنا ولك الحمد" وما بعده من الذكر: يجب عليه أن يسجد بأن يخرُّ وينكبُّ على الأرض قائلًا - في أثناء انكبابه وسقوطه على الأرض -: "الله أكبر" بحيث يفرغ من هذه الكلمة قبل أن يصل إلى الأرض، وهذا السجود ركن، ولا يرفع كفيه إذا خرَّ ساجدًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" فأوجب السجود؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يرفع يديه حين يسجد - كما روى ابن عمر وأبو حُميد -، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في التذلل والخضوع والعبودية لله؛ حيث يضع المسلم أشرف عضو منه وهو: الوجه على الأرض مكان النعال والأقدام، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: لأن وضع الوجه على الأرض يكفي عن رفع اليدين ووضعهما، فسقوط الجسم كله على الأرض أعظم من رفع اليدين ووضعهما، ولأن الساجد يستعد باليدين لوضعهما على الأرض.
(^٦٠) مسألة: يجب أن يسجد على سبعة أعضاء ويضعها على الأرض وهي: أطراف أصابع رجليه، ثم ركبتيه، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه، والسجود على ذلك ركن؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، أولهما: أنه ﵇ قد أمر بأن يُسجد على هذه الأعضاء، وأشار بيده إلى أنفه - كما روى ابن عباس - فأوجب السجود عليها؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيهما: قوله =
[ ١ / ٤٦٤ ]
مباشرة المصلي بشيء منها: فتصحُّ (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومُصلاه، قال البخاري في "صحيحه": قال الحسن: "كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة" إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) (^٦١) فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض: كما لو وضع يديه على فخذيه، أو جبهته على يديه: لم يجزئه (^٦٢) ويُكره ترك
- ﷺ: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" حيث نفى صحة الصلاة إذا لم يضع المصلي أنفه على الأرض، حيث إن دلالة الاقتضاء دلَّت على ذلك؛ لأنه أصح شيء يُحمل عليه هذا النفي؛ فلا يُحمل على نفي الكمال، ولا نفي الوقوع والصورة إذا أمكن حمله على نفي الصحة؛ لأوليته بالحمل، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود على هذه الأعضاء ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله، ولإخلاص العبودية له سبحانه، ولأن هذه الهيئة في السجود تجعل الساجد يعبد الله براحة وطمأنينة بدون مشقة.
(^٦١) مسألة: يُباح سجود المصلي على حائل يكون بينه وبين الأرض - إذا كان الحائل ليس من الأعضاء السبعة - كالسجاد والفرش، وطرف الثوب، والعمامة، والقلنسوة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يسجد على كور عمامته، وحكاه الحسن البصري عن جمع من الصحابة، وأي حائل مثل العمامة؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس.
(^٦٢) مسألة: إذا وضع بعض أعضاء السجود على بعض كأن: يضع كفيه تحت ركبتيه أو فوقهما، أو أحدهما، أو وضع كفًا على كفٍّ، أو وضع رجلًا على رجل، أو وضع يديه فوق فخذيه، أو وضع جبهته على يده ونحو ذلك: فإن هذا السجود لا يجزئه، فتبطل صلاته بذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ قد أمر بالسجود على سبعة أعضاء" حيث دل مفهوم العدد على عدم =
[ ١ / ٤٦٥ ]
مباشرتها بلا عذر (^٦٣)، ويُجزئ بعض كل عضو، وإن جعل ظهر كفيه أو قدميه على الأرض أو سجد على أطراف أصابع يديه: فظاهر الخبر: أنه يُجزئه - ذكره في "الشرح" - (^٦٤)، ومن عجز بالجبهة: لم يلزمه بغيرها، ويومئ ما
إجزاء السجود على أقلَّ من ذلك، ولو وضع عضوًا من أعضاء السجود على الآخر: لكان ساجدًا على أقل من السبعة، فلا يجزئه ذلك - وهو قادر على السجود عليها كلها -، فإن قلتَ: لِمَ تبطل صلاته هنا؟ قلتُ: لأنه فعل فعلًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، فيشمله عموم قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ".
(^٦٣) مسألة: يُكره السجود على حائل إن كان مستطيعًا للسجود على الأرض؛ للمصلحة؛ حيث إن ملامسة تلك الأعضاء السبعة للتراب ومباشرتها له أبلغ في العبودية والتذلل والتواضع والخضوع لله سبحانه المستحق لذلك؛ فيُكره السجود على الحائل لغير عذر.
(^٦٤) مسألة: لا يجزئ في السجود إلا إذا وضع كل عضو بكامله - من الأعضاء السبعة - على الأرض بأن يسجد على أطراف أصابع القدمين بكاملها، وعلى كفيه بكاملهما، وعلى ركبتيه بكاملهما، وعلى جبهته وأنفه بكاملهما هذا إذا قدر على ذلك، أما العاجز عن ذلك أو عن بعضه: فإنه يسجد على حسب قدرته، وبناء على ذلك فإنه لو وضع بعض أصابع رجليه أو جزءًا من ركبتيه، أو جزءًا من جبهته أو أنفه، أو سجد على غير المعتاد: كأن يجعل ظهر كفِّه أو ظهر قدمه، أو أطراف أصابع اليدين على الأرض وهو متعمِّد قادر على السجود العادي: فإن هذا لا يجزئه، وتبطل الصلاة به، للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ أمر بأن يسجد على سبعة أعضاء: أصابع الرجلين، والركبتين، واليدين، والجبهة والأنف، وهذا عام، فيشمل جميع أجزاء العضو =
[ ١ / ٤٦٦ ]
أمكنه (^٦٥) (ويُجافي) الساجد (عضُديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه) وهما عن ساقيه
الواحد، فيسجد على العضو كاملًا السجود المعتاد، فمن سجد على بعضه، أو سجد عليه سجودًا غير معتاد: فلا يسمى ساجدًا سجودًا شرعيًا فيكون مردودًا؛ لكونه أتى بغير ما أمر الشارع به؛ لعموم قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ"، ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فالواجب يسقط بالعجز عنه، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لإتمام العبادة على الوجه الذي شرعه الله تعالى؛ إذ تركه عمدًا يكون من العبث واللعب، لانعدام أو قلة الخشوع والتذلل والخضوع، فإن قلتَ: إنه يجزئ وضع بعض العضو، أو السجود على غير المعتاد، كأن يضع ظهر كفه، أو ظهر قدمه، أو أطراف الأصابع من اليدين على الأرض سواء كان عمدًا أو سهوًا، وسواء كان قادرًا على السجود المعتاد أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إن ظاهر أمره ﷺ: "بأن يسجد على سبعة أعظم .. " يدلُّ على ذلك، قلتُ: من سجد على بعض العضو من الأعضاء، أو سجد على غير المعتاد: لا يشمله عموم الحديث السابق؛ لكونه لا يسمى ساجدًا شرعًا ولغة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل يُسمَّى من وضع بعض عضوه، أو وضعه على غير المعتاد ساجدًا شرعًا أو لغة؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٦٥) مسألة: إذا لم يستطع السجود على عضو من الأعضاء السبعة لمرض ونحوه، فإنه لا يجب عليه السجود على غير ذلك العضو تعويضًا عنه، بل الواجب عليه أن يومئ إلى ذلك: فإذا عجز عن السجود على الجبهة مثلا: فإنه يومئ إلى السجود عليها، ويهبط وينهزع على حسب قدرته؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: "أمره ﷺ بالسجود على الأعضاء السبعة" فلا ينوب عن تلك الأعضاء غيرها؛ حيث أمر بالسجود عليها بعينها، ثانيهما: قوله ﷺ: =
[ ١ / ٤٦٧ ]
ما لم يؤذ جاره (ويُفرق ركبتيه) ورجليه، وأصابع رجليه ويُوجهها إلى القبلة، وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال (^٦٦) (ويقول) في السجود: (سبحان ربي الأعلى) على ما تقدم في تسبيح الركوع (^٦٧) (ثم يرفع رأسه) إذا فرغ من السجدة (مُكبِّرًا،
" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث أوجب الشارع بأن يفعل ما يستطيعه من الأحكام الشرعية؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس.
(^٦٦) مسألة: يُستحب للرجل إذا سجد: أن يُبْعِد عَضُديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويُباعد بين ركبتيه ورجليه وأصابعهما، ويُوجِّه تلك الأصابع إلى القبلة إلا إن طال السجود فيُباح له إلصاق المرفقين على الفخذين، هذا كله بشرط عدم إيذاء المجاور له في الصف؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يباعد بين ما ذكرناه في السجود - كما روى أبو حميد -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الهيئة في السجود أقرب إلى النشاط واليقظة، وهما يُناسبان تلك العبادة، وفيها تذلل وخشوع، بخلاف اعتماد بعض ما ذكرنا على بعض؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى الكسل والخمول وهذا مناف للعبادة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح إلصاق المرفقين على الفخذين إن طال السجود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف المشقة على الساجد عندما يطيل الدعاء، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إيذاء الآخرين محرم - ولو كانت وسيلة الأذى طاعة -؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(^٦٧) مسألة: يجب أن يقول المصلي في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة، وإن زاد ثانية فهو أفضل، وإن زاد ثالثة: فهو أدنى الكمال، أما الإمام: فإنه يُكثر من قول ذلك، كما سبق ذكره في مسألة (٥٢)، ويُستحب أن يُكثر الدعاء =
[ ١ / ٤٦٨ ]
ويجلس مفترشًا يُسراه) أي: يُسرى رجليه (ناصبًا يُمناه) ويُخرجها من تحته، ويُثني أصابعها نحو القبلة، ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع (^٦٨)، (ويقول) بين
بحوائجه الأخروية بعد ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال ﷺ: "اجعلوها في سجودكم" حيث أوجب الشارع ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال حذيفة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول إذا سجد: "سبحان ربي الأعلى"، فإن قلتَ: لِمَ وجب قول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُنزِّه الله في ذلك؛ لأن السجود هبوط وانحطاط إلى الأرض، وهذا نقص، فيُبين العبد أنه يُنزه الله عن ذلك، ويصفه بأنه الأعلى دائمًا، فإن قلتَ: لِمَ استُحب كثرة الدعاء في السجود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العبد يكون أقرب إلى الله تعالى وهو ساجد؛ لقوله ﷺ: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" فإن قلتَ: ما سبب ذلك؟ قلتُ: لأن المسلم في سجوده يكون في ذُل، فتكون رحمة الله قريبة منه.
(^٦٨) مسألة: بعد فراغه من قوله: "سبحان ربي الأعلى" وهو ساجد: يجب عليه أن يرفع رأسه وهو يُكبِّر قائلًا: "الله أكبر" ويكون التكبير أثناء رفعه، وهذا الرفع ركن، ثم يجلس جلسة مطمئنة وهي ركن أيضًا، وصفتها المستحبة: أن يفرش رجله اليُسرى، ويكون ظهرها متوجهًا إلى القبلة، وينصب رجله اليُمنى بأن يجعلها قائمة، وتكون خارجة من جهة اليمين، ويُثني أصابعها إلى جهة القبلة، ويضع يديه على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع - وتُسمَّى هذه: "الجلسة بين السجدتين" وهي ركن ويفعل ذلك أيضًا في "جلسة التشهد الأول" - كما سيأتي -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا" - أي: بعد السجدة - وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: قول عائشة: "كان =
[ ١ / ٤٦٩ ]
السجدتين (رب اغفر لي) الواجب: مرة، والكمال: ثلاث (^٦٩) (ويسجد) السجدة (الثانية كالأولى) فيما تقدَّم من التكبير والتسبيح وغيرهما (^٧٠) (ثم يرفع) من
- ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا"، ثانيهما: قول عائشة: "كان ﷺ يفرش رجله اليُسرى وينصب اليُمنى" ويلزم من ذلك فعله لوصف تلك الجلسة السابقة، فإن قلتَ: لِمَ يرفع مكبرًا، ولِمَ كان ذلك ركنًا؟ قلتُ: لأن الرفع من السجود فيه بعض العظمة التي قد يراها بعض الناس لنفسه، فيُكبِّر الله هنا؛ ليتذكر أن الله أكبر منه، ومن كل شيء فيتذلل له، فإن قلتَ: لِمَ استُحبت تلك الجلسة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الجلسة هي المناسبة لجلسة يتعبد الله بها؛ حيث إنها تؤدي إلى الاطمئنان، بخلاف ما لو جلس على صفة الإقعاء: فإنها تشق عليه، وليست جلسة عبادة.
(^٦٩) مسألة: يجب أن يقول في أثناء جلوسه: "رب اغفر لي" مرة واحدة، وإن زادها ثانية فهو أفضل، وإن زادها ثالثة: فهو أدنى الكمال، ويُكثر الإمام من قول ذلك كما سبق في مسألة (٥٢)، وإن دعا بعد ذلك: فمستحب؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: قول حذيفة: "كان ﷺ يقول بين السجدتين: رب اغفر لي" وكان يواظب على ذلك، ثانيهما: قول ابن عباس: "كان ﷺ يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني" فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المصلي لما ركع وسجد وتذلل له، وسبَّحه ناسب أن يدعوه بهذا، لتكون الاستجابة قريبة، فإن قلتَ: لِمَ استُحبت الزيادة والدعاء؟ قلتُ: لما ذكرناه في الركوع والسجود - في مسألتي: (٥٢ و٦٧) -.
(^٧٠) مسألة: بعد فراغه من قوله: "رب اغفر لي" - وهو جالس - يسجد السجدة الثانية، ويفعل ويقول فيها كما فعل وقال في السجدة الأولى من التكبير =
[ ١ / ٤٧٠ ]
السجود (مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه) ولا يجلس للاستراحة (معتمدًا على ركبتيه إن سهل) وإلا: اعتمد على الأرض (^٧١)، وفي الغُنية": يُكره أن يُقدِّم إحدى
والتسبيح والصفة - كما سبق في مسائل (٦٠ إلى ٦٧)؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" وقد سبق تقريره، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يسجد سجدتين في كل ركعة - كما ذكره من وصف صلاة النبي ﷺ من الصحابة -، فإن قلتَ: لِمَ كرر السجود دون الركوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السجود أبلغ في التذلل والخضوع لله تعالى، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه، لذا شرع الشارع تكراره؛ جلبًا للمصالح لهذا العبد، بخلاف الركوع.
(^٧١) مسألة: بعد فراغه من السجدة الثانية: يجب عليه أن يرفع رأسه وينهض قائمًا، ويقول - أثناء قيامه -: "الله أكبر" - وهذا القيام ركن -، وصفة هذا القيام المستحب: أن يعتمد على مقدمتي قدميه وركبتيه إن تيسر ذلك، فإن صعب: فإنه يعتمد على الأرض بيديه على النهوض؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن الواجب على كل عبد أن يفعل ما يستطيعه، الثانية: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: "أنه ﷺ كان يُكبِّر حين يقوم من السجدة الثانية"، ثانيهما: "أنه ﷺ كان إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه"، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: ليعود إلى ما كان عليه من القيام، وشرعت هذه الصفة في القيام؛ لأنها تناسب العبادة - كما سبق -، وإن عجز: فإنه يعتمد على الأرض؛ لما فيه من دفع المشقة، [فرع]: لا تُستحب جلسة الاستراحة وهي: جلسة خفيفة تكون بين الرفع من السجدة الثانية والقيام؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر وابنه، وابن مسعود وابن عباس لم يستحبوها، فإن قلتَ: إنها مستحبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعلها، قلتُ: إن هذا الفعل يُحتمل أنه =
[ ١ / ٤٧١ ]
رجليه (^٧٢) (ويُصلي) الركعة (الثانية كذلك) أي: كالأولى (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام (والاستفتاح، والتعوذ، وتجديد النية) فلا تُشرع إلا في الأولى، لكن إن لم يتعوَّذ فيها: تعوَّذ في الثانية (^٧٣) (يجلس مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (ويداه على فخذيه) ولا يُلقمهما ركبتيه و(يقبض خنصر) يده (اليُمنى، وبنصرها،
لكبر سنه، وضعفه في آخر حياته، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، ويؤيد ذلك: أن الذي روى ذلك هو مالك بن الحويرث قد قدم إلى النبي ﷺ في آخر حياته؛ ويؤيده أيضًا قوله ﷺ: "إني بدنتُ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود" فلم تثبت شرعًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع قول الصحابي" فعندنا: يعمل بقول الصحابي؛ لكونه أقوى من السنة هنا؛ لأن الاحتمال أضعفها، وعندهم: يعمل بالسنة.
(^٧٢) مسألة: يُكره أن يُقدِّم المصلي إحدى رجليه ليتقوى بذلك على القيام من السجود بدون عذر، قاله عبد القادر الجيلي في كتابه: "الغنية"؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه حركة قليلة قد تؤثر على كمال الأجر في الصلاة.
(^٧٣) مسألة: إذا استوى قائمًا - بعد السجدة الثانية -: فإن تلك تسمَّى الركعة الثانية، ويفعل ويقول من القراءة والركعة، والسجدتين، والجلوس بين السجدتين، كما فعل وقال في الركعة الأولى، ولكن لا يُشرع في الركعة الثانية أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ولا الاستفتاح، ولا يأتي بنية جديدة خلاف النية الأولى، ولا يتعوذ، لكن إن لم يتعوذ في الأولى: تعوذ في الثانية؛ لقاعدتين: الأول: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﵇ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشرع قول ذلك في الثانية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تكرار ذلك في كل ركعة فيه مشقة، مع أن المقصود منها قد حصل بمرَّة واحدة.
[ ١ / ٤٧٢ ]
ويُحلِّق إبهامها مع الوسطى): بأن يجمع بين رأس الإبهام والوسطى، فتشبه الحلقة من حديد ونحوه (ويُشير بسبَّابتها) من غير تحريك (في تشهُّده) ودعائه في الصلاة وغيرها عند ذكر الله تعالى؛ تنبيهًا على التوحيد (ويبسط) أصابع (اليُسرى) مضمومة إلى القبلة (^٧٤) (ويقول) سِيرًّا: (التحيات لله) أي: الألفاظ التي تدل على
(^٧٤) مسألة: بعد فراغه من الركعة الثانية - بقيامها وركوعها وسجودها الأول، ثم الجلسة بعدها، ثم السجدة الثانية -: يجلس جلسة التشهد الأول للصلاة الرباعية والثلاثية وهذا واجب، وللتشهد الأخير للصلاة الثنائية - وهي الفجر -، والصفة المستحبة لهذه الجلسة هي: أن يفترش رجله اليُسرى - كما سبق في صفة الجلسة بين السجدتين في مسألة (٦٨) - واضعًا يده اليُمنى على فخذه الأيمن، باسطًا ذراعيه على طول فخذه، ويقبض خنصر يده اليُمنى والبنصر منها، ويُحلِّق الوسطى مع الإبهام ويجعلهما كحلقة، ويترك إصبعه السبابة متوجهًا إلى القبلة؛ ليُشير به عند التشهد بدون تحريك، ويُشير به - أيضًا - عند ذكر الله تعالى أثناء صلاته، أما يده اليُسرى فيضعها على فخذه الأيسر ممدودة مبسوطة، ويضم أصابعها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه يجلس للتشهد الأول، ومستنده: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن قلتَ: لِمَ شُرعت تلك الصفة في الجلسة؟ قلتُ: لأن هذه الصفة هي أعلى مراتب الرغبة والرهبة والتذلل والخشوع، وأكمل صفات الاعتذار لله تعالى؛ لكونه جاثيًا على ركبتيه أمام خالقه، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّصت اليُمنى بتلك الأفعال؟ قلتُ: لكون اليمين تُقدَّم للأفعال الشريفة - كما سبق -، فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ إصبع السبَّابة للإشارة عند التشهد، ولِمَ سُمي بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن هذا الإصبع أقوى الأصابع في الإشارة؛ لكونه متصلًا بعروق القلب مباشرة - كما قيل -، فتكون الإشارة به سببًا لحضور القلب، فيكون في ذلك توحيد الله باطنًا وظاهرًا، وسُمي بالسبابة؛ لأنه يُشار به عند السَّبِّ والمخاصمة، فإن قلتَ: =
[ ١ / ٤٧٣ ]
السلام والملك، والبقاء، والعظمة لله تعالى، مملوكة له ومختصَّة به (والصلوات) أي: الخمس أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية (والطيبات) أي: الأعمال الصالحة، أو من الكلم (السلام) أي: اسم السلام، وهو: الله، أو سلام الله (عليك أيها النبي) بالهمز من النبأ؛ لأنه مخبر عن الله، وبلا همز: إما تسهيلًا، أو من النبوة، وهي: الرفعة، وهو: من ظهرت المعجزات على يده (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة وهي: النماء والزيادة (السلام علينا) أي: على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح، وهو: القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء، ومن لم يُشاركه في الصلاة (أشهد أن لا إله إلا الله) أي: أخبر بأني قاطع بالوحدانية (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) المرسل إلى الناس كافة (هذا التشهد الأول) علَّمه النبي ﷺ ابن مسعود، وهو في "الصحيحين" (^٧٥) (ثم يقول) في التشهد الذي يعقبه
لِمَ يُحلِّق الإبهام مع الوسطى ويقبض الخنصر والبنصر؟ قلتُ: للحزم والمبالغة في الاهتمام بما يقول في تشهده.
(^٧٥) مسألة: إذا اطمئن واستوى جالسًا للتشهد الأول - وهو الذي لا يليه السلام -: فإنه يجب أن يقول سرًا - بحيث يُسمع نفسه دون إزعاج الآخرين -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" ثم يقوم في الرباعية والثلاثية، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث علَّم رسول الله ابن مسعود هذا التشهد، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على عدم الجهر بالتشهدين، فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُقر بأن جميع التعظيمات والعبادات، والطيبات من أعمال وأقوال لله تعالى، ثم يدعو بالسلام والسلامة والحفظ والعناية من الله لنبيه، ولجميع المسلمين، ثم =
[ ١ / ٤٧٤ ]
السلام: (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)؛ لأمره ﷺ بذلك في المتفق عليه من حديث كعب بن عجرة (^٧٦)، ولا يجزئ لو أبدل "آل" بـ "أهل"، ولا تقديم الصلاة على التشهد (^٧٧) (ويستعيذ) ندبًا فيقول:
يختم ذلك بكلمة التوحيد؛ تجديدًا لها، فائدة: إن جُعل لفظ "النبي" بدون همزة في آخره فهو: من النبوة، وهي: الرفعة، وهو: من ظهرت المعجزات على يده، وإن جعل بهمزة "النبيء" فالمراد به: المخبر، وهي لغة رديئة - كما جاء في "اللسان" (١/ ١٦٢) -، تنبيه: باقي معاني ألفاظ "التشهد" واضح من كلام المصنف.
(^٧٦) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأول: فإنه يجب أن يقول التشهد الأخير - وهو وجلسته ركنان وهو الذي يليه التسليم سرًا - وهو: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" هذا إذا كانت الصلاة ثنائية، أما إن كانت ثلاثية أو رباعية: فإنه - بعد التشهد الأول - يقوم ليأتي بما بقي من صلاته، ثم يتشهد التشهد الأول، ثم الثاني هذا؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد أمر بذلك" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك في التشهد الأخير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دعاء بالرحمة للنبي ﷺ، وبأن يمدحه الله في الملأ الأعلى، ويسأله بأن يرحم أتباع محمد على دينه - وهو المراد بالآل كما سبق ذكره في مسألة (١١) من مسائل: "الافتتاحية والديباجة" - قبل البدء بكتاب الطهارة.
(^٧٧) مسألة: لا يُجزئ إذا قال: "اللهم صل على محمد وعلى أهل محمد"، أو قدَّم "الصلاة على النبي" على "التشهد الأول"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" وهذا عام فيشمل الذي يقول =
[ ١ / ٤٧٥ ]
أعوذ بالله (من عذاب جهنم و) من (عذاب القبر و) من (فتنة المحيا والممات و) من (فتنة المسيح الدَّجال) و"المحيا والممات": الحياة والموت، و"المسيح" - بالحاء المهملة - على المعروف (و) يجوز أن (يدعو بما ورد) أي: في الكتاب والسنة، أو عن الصحابة، والسلف، أو بأمر الآخرة، ولو لم يشبه ما ورد، وليس له الدعاء بشيء مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها كقوله: "اللهم ارزقني جارية حسناء" أو "طعامًا طيبًا" وما أشبهه، وتبطل به (^٧٨) (ثم يُسلم) وهو جالس؛ لقوله ﷺ: "وتحليلها
شيئًا في أحد التشهدين على غير ما أمر الشارع به، فمن فعل ذلك: فإنه يُردُّ كل عمله، فإن قلتَ: لِمَ يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لسد الذرائع، لأنه لو فتح هذا لاجتهد الناس في أمور تعبُّدية، وهذا لا يجوز، ثم إن "أهل" المقصود به الزوجات والأولاد، والمقصود بـ "آل" أتباع محمد جميعًا إلى قيام الساعة، فيختلف المعنى باختلاف الألفاظ.
(^٧٨) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأخير يُستحب: أن يستعيذ بالله من أربعة أمور قائلًا: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال"، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء من أمور الآخرة، والأفضل أن يدعو بما ورد في القرآن والسنة، ودعاء علماء الأمة المخلصين، ولا يدعو بشيء من أمور الدنيا وشهواتها، كأن يدعو بأن يرزقه بزوجة جميلة، أو بستان مثمر ونحو ذلك، فإن دعا بذلك: بطلت صلاته، ويجب أن يُعيدها؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث كان ﷺ يدعو بتلك الكلمات الأربع بعد التشهد الأخير - كما رواه أبو هريرة - وقد أمر ﷺ "بأن يتخير العبد - بعد ذلك - من الدعاء أعجبه إليه" - كما رواه ابن مسعود -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدعاء قبل التسليم من المواضع التي تُستجاب الدعوة فيها، فقد سئل ﷺ أيُّ الدعاء =
[ ١ / ٤٧٦ ]
التسليم" وهو: منها فيقول: (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن
أسمع؟ فقال: "جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة" و"دُبُر الشيء": آخره، فيكون آخر الصلاة هو: دُبُرها، وهذا مناسب، حيث إنه يقع بعد قراءات وتكبيرات وتسبيحات وتعظيمات وتمجيدات، وصلوات على النبي، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّم الدعاء بتلك الكلمات الأربع؟ قلتُ: للمصلحة؛ فمن أُستعيذ بها وأُبعد عنها: فقد جمع خيري الدنيا والآخرة؛ حيث إنه يستعيذ من عذاب القبر وجهنم، وفتنة المحيا - وهو: حب الأموال، والمناصب والشهرة - وفتنة الممات - وهو: سؤال الملكين وهو في قبره، ويستعيذ من فتنة المسيح الدجال فيما لو خرج، وهو حي، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص المسيح بالذكر هنا؟ قلتُ: لعظم فتنته على وجه الأرض، ويُعتبر خروجه من علامات الساعة، وهو يخرج من جهة المشرق، ويمكث أربعين يومًا يخدع الناس، فيتبعه كثير منهم، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الألوهية، ثم بعد الأربعين ينزل المسيح: عيسى ﵇ فيقتل المسيح الدجال، فإن قلتَ: لِمَ سُمي بالمسيح؟ قلتُ: لأنه يمسح الأرض بسرعة سيره فيها - على أرجح الأقوال -، فإن قلتَ: لِمَ سُمي بالدجال؟ قلتُ: لأنه يُدَّجِّل على الناس ويكذب عليهم، ويخدعهم، فإن قلتَ: لِمَ لا يدعو في صلاته بشيء من أمور الدنيا؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن الدعاء بشيء من أمور الدنيا كلام من غير جنس الصلاة فيلزم من ذلك: أنه مُحرَّم، وأنه يُبطل الصلاة؛ لأن الكلام الذي من غير جنس الصلاة يُبطلها. [فرع]: يُستحب أن ينظر المصلي أثناء صلاته كلها - سواء كان قائمًا أو راكعًا أو جالسًا - إلى موضع سجوده؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا أجمع لنظره وفكره، وعقله من التشتت، فيكون أكمل في الخشوع والخضوع والتذلل.
[ ١ / ٤٧٧ ]
يساره كذلك) (^٧٩) وسُنَّ التفاته عن يساره أكثر (^٨٠)، وأن لا يطول السلام، ولا يمدُّه في الصلاة ولا على الناس (^٨١)، وأن يقف على آخر كل
(^٧٩) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأخير، وما شاء من الدعاء: يجب عليه أن يختتم الصلاة بالتسليم، وهو ركن يلتفت أولًا عن يمينه، ويقول: "السلام عليكم ورحمة الله" ويلتفت عن يساره ويقول مثل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وتحليلها التسليم" فحصر المبتدأ في الخبر، فدلَّ مفهوم الحصر هنا على أنه لا يتحلل من الصلاة إلا بالتسليم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلت: لِمَ كان ذلك ركنًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سلام على الحاضرين، لكونه مشغولًا عنهم بالصلاة في حمى ربه، كغائب حضر، ويدعو لهم، وللملائكة بالسلامة والحفظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى، ولأنه دخل في الصلاة بالتحريمة، وهو ركن فلا يقوى على إخراجه منها إلا بركن، وهو: التسليم.
(^٨٠) مسألة: يُستحب للإمام أن يلتفت في تسليمه عن يساره أكثر من التفاته عن يمينه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان للمأمومين أن الصلاة قد انتهت لمن لم يتبيَّن له ذلك في التسليمة الأولى.
(^٨١) مسألة: يُستحب أن يحذف السلام حذفًا باختصار وإيجاز وسرعة: فلا يمدُّه ويُمططه ويُطيله؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أبو هريرة: "حَذْفُ السلام سنة" وإذا قال الصحابي ذلك فإنه يقصد إن ذلك سنة سنَّها ﷺ، و"حذف الشيء": الإسراع به والتخلص منه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة قد انتهت، فليس من المناسب أن يُطيل بشيء لا فائدة من الإطالة فيه.
[ ١ / ٤٧٨ ]
تسليمة (^٨٢)، وأن ينوي به الخروج من الصلاة (^٨٣)، ولا يُجزئ إن لم يقل: "ورحمة الله" في غير صلاة الجنازة (^٨٤)، والأولى: أن لا يزيد: "وبركاته" (^٨٥) (وإن كان)
(^٨٢) مسألة: يُستحب أن يقف الإمام وغيره على لفظ الجلالة من قوله: "السلام عليكم ورحمة الله" في كل تسليمة فلا يصل التسليمتين؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في إعلام الآخرين بأن الصلاة قد انتهت.
(^٨٣) مسألة: يجب على المصلي إذا أراد التسليم أن ينوي الخروج من الصلاة به؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يدخل في الصلاة إلا بنية الدخول وذلك بتكبيرة الإحرام، فكذلك لا يخرج منها إلا بنية الخروج بالتسليم، والجامع: أن العمل لا يصح شرعًا إلا بنية في كل، وهو المقصد منه.
(^٨٤) مسألة: يُشترط في التسليم: أن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله" في كل صلاة ذات ركوع وسجود؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على ذلك، فيلزم من المداومة الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من تمام السلام: طلب الرحمة من الله تعالى، فإن قلتَ: لِمَ قيد ذلك في الصلاة ذات الركوع والسجود؟ قلتُ: لأن الصلاة التي لا ركوع فيها ولا سجود وهي: صلاة الجنازة لا يشترط ذلك فيها فيجزئ وإن لم يقل: "ورحمة الله"؛ لكون صلاة الجنازة قد شُرعت للدعاء للميت بالرحمة، ونظرًا لسبق ذلك لا يشترط الدعاء بها مرة ثانية.
(^٨٥) مسألة: المستحب: أن لا يزيد لفظ "وبركاته" في التسليم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ لا يقول: "وبركاته" في كثير من سلامه، والكثرة في إيقاع الشيء تفيد الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اختصار السلام مشروع - كما سبق في مسألة (٨١) - وحذف "وبركاته" يُساعد على هذا الاختصار.
[ ١ / ٤٧٩ ]
المصلي (في ثلاثية) كمغرب (أو رباعية) كظهر (نهض مُكبِّرًا بعد التشهد الأول) ولا يرفع يديه (وصلى ما بقي كـ) الركعة (الثانية بالحمد) أي: الفاتحة (فقط) ويُسرُّ بالقراءة (ثم يجلس في تشهده الأخير متورِّكًا) يفرش رجله اليُسرى، وينصب اليُمنى، ويُخرجهما عن يمينه، ويجعل إليتيه على الأرض ثم يتشهد ويُسلِّم (^٨٦)
(^٨٦) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأول في الظهر والعصر والمغرب والعشاء: يجب أن ينهض لإكمال صلاته وهو يُكبِّر، ويستحب أن يرفع يديه هنا، ثم يقرأ الفاتحة بادئًا بـ "الحمد لله" سرًا فقط دون أن يقرأ بعدها شيئًا، ثم يركع ويفعل كما فعل في الركعتين الأوليين، فإذا فرغ من ذلك: جلس للتشهد فيقول: التشهد الأول، ثم التشهد الأخير، ثم يدعو بما شاء، ثم يُسلِّم، ويُستحب أن يكون جلوسه على صفة التورُّك وهي: أن يعتمد على الورك الأيسر بأن يفرش قدمه الأيسر، وينصب الأيمن ويُخرجهما عن يمينه، ويجعل إليتيه ومقعدته على الأرض، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين، وكان لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين شيئًا بعد الفاتحة، وكان يجلس جلسة التورُّك - كما روى أبو حميد -، فإن قلتَ: لِمَ لا يقرأ بعد الفاتحة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلم في آخر صلاته قد تشق عليه القراءة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: لكونه أبلغ في التعظيم، فإن قلتَ: لم استُحبت جلسة التورك هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإطالة في هذه الجلسة مشروعة للتشهدين والدعاء، فلا يصلح لهذا إلا هذه الجلسة؛ تيسيرًا على الناس، فإن قلتَ: لا يرفع يديه عند القيام من الركعتين - وهو ما ذكره المصنف هنا - للسنة الفعلية؛ حيث لم يكن ﷺ يرفع يديه هنا؟ قلتُ: إن أبا حميد قد روى عنه ﷺ: أنه رفع يديه في هذا الموضع، وهذه زيادة ثقة مقبولة عندنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "الخلاف في حجية زيادة الثقة" فعندنا: حجة، وعندهم: لا.
[ ١ / ٤٨٠ ]
(والمرأة مثله) أي: مثل الرجل في جميع ما تقدم حتى رفع اليدين (لكن تضمُّ نفسها) في الركوع والسجود وغيرهما، فلا تتجافى، (وتسدل رجليها في جانب يمينها) إذا جلست، وهو أفضل، أو متربِّعة، وتسرُّ بالقراءة وجوبًا إن سمعها أجنبي، وخنثى كأنثى (^٨٧) ثم يُسنُّ أن يستغفر ثلاثًا، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ويقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر معًا" ثلاثًا وثلاثين، ويدعو بعد كل مكتوبة مُخلصًا في دعائه (^٨٨)
(^٨٧) مسألة: صلاة المرأة والخنثى كصلاة الرجل في الأفعال والأقوال، لكن يُستحب للمرأة أن لا تُبعد عضو عن عضو في ركوع أو سجود، وأن تسدل رجليها وتجعلهما في الجانب الأيمن في جميع جلسات الصلاة، أو أن تتربع في جلستها والأنثى مثلها في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا عام فيشمل الرجال والنساء والخناثى، لأن "الواو" من صيغ العموم، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا كان يقول: "إذا صلت المرأة فلتحتفز وتضم فخذيها"، وكان ابن عمر "يأمر النساء بأن يتربَّعن في الصلاة" "وكانت عائشة تسدل رجليها في الجانب الأيمن منها إذا جلست في الصلاة"، وهذا كله مخصِّص للسنة القولية السابقة، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في سترها، والخنثى مثلها؛ لاحتمال أن يكون امرأة. [فرع]: يجب على المرأة أن تخفض صوتها في القراءة إذا كان حولها رجال أجانب عنها، فإن لم يوجد أجانب: فيُستحب أن تخفض صوتها؛ للتلازم؛ حيث إن جهرها بصوتها عند الأجانب يُثير الفتنة غالبًا فيلزم وجوب خفضه؛ دفعًا لذلك، ويلزم من جهرها بصوتها عند غير الأجانب: عدم إثارة الفتنة غالبًا، لذلك استحب خفض الصوت، لاحتمال وجود أجنبي ولو بعيدًا.
(^٨٨) مسألة: يُستحب للمسلم إذا فرغ من صلاته أن يقول: "استغفر الله" ثلاث مرات، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال =
[ ١ / ٤٨١ ]
فصل: (ويُكره في الصلاة التفاته)؛ لقوله ﷺ: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري (^٨٩)، وإن كان لخوف ونحوه: لم
والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" ثم يقول: "سبحان الله" ثلاثًا وثلاثين، و"الحمد لله" ثلاثًا وثلاثين و"الله أكبر" ثلاثًا وثلاثين فتكون تسعًا وتسعين، ثم يكمل المائة بقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك" ويُخلص في هذا الدعاء، ثم يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص، والفلق، والناس، للسنة القولية والفعلية؛ حيث إنه ﷺ أرشد إلى بعض ذلك، وفعل البعض الآخر في أحاديث كثيرة رواها معاذ، والزبير، والحارث، وأبي أمامة، وعقبة وغيرهم، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما بعد الصلاة مباشرة من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء؛ حيث إنه وقع بعد القراءات والتعظيمات، والتكبيرات، والصلاة على النبي ﷺ فناسب الدعاء والذكر هنا، وفيه تجديد للتوحيد.
(^٨٩) مسألة: يُكره الالتفات القليل بلا حاجة في أثناء الصلاة، للسنة القولية؛ حيث سئل النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" فالشيطان يختطف البصر بسرعة من المصلي على غفلة منه، وهذا يُنقص من أجرها لذا: كُره، ولم يُبيِّن ﵇ أن الصلاة تبطل، وهذا يلزم منه: صحتها؛ إذ لو كانت باطلة لبينه؛ لأنه لا يجوز تأخير =
[ ١ / ٤٨٢ ]
يُكره (^٩٠)، وإن استدار بجملته، أو استدبر القبلة في غير شدَّة خوفٍ: بطلت صلاته (^٩١) (و) يُكره (رفع بصره إلى السماء) إلا إذا تجشأ فيرفع وجهه؛ لئلا يؤذي من حوله؛ لحديث أنس: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال "لينتهينَّ، أو لتُخطفنَّ أبصارهم"
البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الالتفات عبث وإن كان قليلًا، والعبث يُنقص من أجر الصلاة، فإن قلتَ: لِمَ لم يحرم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الالتفات اليسير لا يسلم منه أحد، فروعيت المشقة، من باب "ما تعم به البلوى".
(^٩٠) مسألة: يُباح للمصلي: أن يلتفت - وإن كان كثيرًا - بشرط: أن يكون ذلك لحاجة أو ضرورة: كأن يكون خائفًا من عدو، أو دابة، أو سيارة، أو حشرة، أو ضياع أهل أو مال أو نحو ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يلتفت إلى الشِّعب وهو يصلي؛ لوجود عدو هناك - كما رواه سهل بن الحنظلية -، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضررٍ عن الناس.
(^٩١) مسألة: إذا استدار المصلي بجميع بدنه - رأسه وصدره ورجليه - لغير القبلة، أو جعل القبلة قبالة ظهره: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان في شدة خوف: فصلاته صحيحة، للتلازم؛ حيث يلزم من هذه الشدة في الخوف: صحة الصلاة؛ لأن شرط "استقبال القبلة" - يسقط بالعجز عنه؛ بسبب الخوف، والضرورات تبيح المحظورات، ثانيًا: إن لم توجد شدة خوف: فإن صلاته تبطل للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الشرط: عدم المشروط، فيلزم من عدم استقبال القبلة - لغير ضرورة وهي شدة الخوف -: عدم صحة الصلاة؛ فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن الناس، ومراعاة أحوالهم.
[ ١ / ٤٨٣ ]
رواه البخاري (^٩٢) (و) يُكره أيضًا (تغميض عينيه)؛ لأنه فعل اليهود (^٩٣) (و) يُكره أيضًا (إقعاؤه) في الجلوس، وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه - هكذا فسَّره الإمام وهو قول أهل الحديث - واقتصر عليه في "المغني" و"المقنع" و"الفروع" وغيرها، وعند العرب: "الإقعاء" جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا قدميه مثل إقعاء الكلب، قال في "شرح المنتهى": "وكل من الجلستين مكروه"؛ لقوله ﷺ: "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يُقعي الكلب" رواه ابن
(^٩٢) مسألة: يُكره رفع المصلي بصره إلى السماء لغير حاجة، فإن رفعه لحاجة كان يغلبه الجشأ فله رفع وجهه بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن ذلك - في حديث أنس - وصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ القياس، بيانه: كما أن الالتفات اليسير أثناء الصلاة بلا حاجة يكره، فكذلك رفع البصر إلى السماء أثنائها مكروه، والجامع: انحراف الوجه قليلًا عن القبلة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن رائحة الجشأ تؤذي من حوله، فأبيح رفع الوجه إلى السماء، رفعًا لهذا الأذى، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النظر إلى السماء بلا حاجة فيه عبث يُنقص أجر الصلاة.
(^٩٣) مسألة: يُكره تغميض المصلي لعينيه بحيث لا يرى شيئًا بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة لذلك، كأن يكون أمامه ما يُحرَّم النظر إليه فيجب تغميضهما، أو يكون أمامه بعض الزخارف، أو بعض الناس أو السيارات مما يتسبب في إشغاله عن الركوع فيُستحب تغميضهما؛ للمصلحة؛ حيث إن تغميض العينين مظنة للنوم والكسل وفيه تشبه بالكفار عند عبادتهم فكره لذلك، ووجب التغميض؛ لكون النظر إلى العورة حرام، وما يُترك به الحرام واجب، واستُحب التغميض؛ لكونه متسبب في عدم الخشوع.
[ ١ / ٤٨٤ ]
ماجه (^٩٤)، ويُكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس؛ لقول ابن عمر: "نهى النبي ﷺ أن يجلس الرَّجل في الصلاة، وهو معتمد على يده" رواه أحمد وغيره (^٩٥)، وأن يستند إلى جدار ونحوه؛ لأنه يُزيل مشقة القيام إلا من حاجة، فإن كان يسقط لو أُزيل: لم تصح (^٩٦) (و) يُكره (افتراشه ذراعيه ساجدًا) بأن يمدُّهما على الأرض
(^٩٤) مسألة: يُكره الإقعاء في جلوس الصلاة، بأن يُلصق إليتيه ومقعدته بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه، ويجعلها متجهة إلى أعلى ويضع يديه على الأرض كما يفعل الكلب؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن ذلك، وقد صَرف هذا النهي إلى الكراهة: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وابن عمر والزبير أنهم يفعلون ذلك أحيانًا في صلاتهم، فإن قلت: لِمَ كره ذلك؟ قلتُ: جلسة الإقعاء فيها قرب من العبث وكثرة الحركة، وعدم مناسبتها للعبادة.
(^٩٥) مسألة: يُكره اعتماد المصلي على يده وهو جالس؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن جلوس المصلي وهو معتمد على يده" وصرف هذا إلى الكراهة التلازم حيث إن الصلاة تامة، فيلزم صحتها، ولكنه كره؛ لكونه أزال مشقة الجلوس مما يتسبب في نقصان أجره.
(^٩٦) مسألة: إذا استند المصلي على جدارٍ أو عصى ونحوهما في حال الوقوف فهذا مكروه إن كان لا يسقط إذا أزيل ما استند إليه أما إن كان يسقط إذا أزيل: فلا تصح صلاته للتلازم؛ حيث يلزم من عدم سقوطه إذا أزيل: عدم اعتماده عليه، وأنه أتى بالقيام على المشروع فصحَّت صلاته، لكن كره؛ لكون اعتماده هذا يُعتبر نوعًا من العبث المنقص من أجر الصلاة، ويلزم من سقوطه إذا أزيل: اعتماده عليه بدون إتيانه بالقيام، فلم تصح صلاته؛ لفقدان القيام الذي هو ركن من أركان الصلاة. [فرع]: إذا وُجد عذر كمرض أو خوف ونحوهما عند المصلي واحتاج إلى الإقعاء، أو الاعتماد على يده أو الاستناد إلى =
[ ١ / ٤٨٥ ]
ملصقًا لهما بها؛ لقوله ﷺ: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" متفق عليه من حديث أنس (^٩٧) (و) يُكره (عبثه)؛ لأنه ﷺ رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (^٩٨) (و) يُكره (تخصُّره) أي: وضع يده على خاصرته؛ "لنهيه ﷺ أن يصلي الرجل
الجدار أو العصى: فإنه يفعل ذلك، وصلاته صحيحة بلا كراهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ لما أسنَّ وكثر لحمه: اتخذ عمودًا في مصلَّاه يعتمد عليه" والخوف والمرض ونحوهما مثل الثقل وكثرة اللحم؛ لعدم الفارق بجامع: دفع المشقة وهذا من باب "مفهوم الموافقة"، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^٩٧) مسألة: يُكره أن يفترش المصلي ذراعيه في السجود بأن يُلصقهما بالأرض ولا يرفعهما عنها كالفراش كما يفعل الكلب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" وصرف هذا النهي إلى الكراهة: الإجماع؛ حيث إن أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود - كما قال الترمذي - وضد الاختيار والمستحب: المكروه، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة قد تؤدي إلى النوم والكسل وهذا مناف للعبادة، فكره فعلها؛ دفعًا لهذا.
(^٩٨) مسألة: يُكره العبث في أي جزء من أجزاء الصلاة بأن يُحرك رجلًا أو يدًا، أو ساعة أو عمامة أو أيَّ شيء مما عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في رجل رآه يعبث في الصلاة -: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" فالعبث في الجوارح يلزم منه عدم خشوع القلب المطلوب في الصلاة، فلزم كراهة العبث؛ لئلا يؤدي إلى ترك المطلوب فعله في الصلاة، وهو: الخشوع مما يتسبب في نقصان الأجر.
[ ١ / ٤٨٦ ]
متخصِّرًا" متفق عليه من حديث أبي هريرة (^٩٩) (و) يُكره (تروُّحه) بمروحة ونحوها؛ لأنه من العبث إلا لحاجة كغم شديد (^١٠٠)، ومراوحته بين رجليه مستحبَّة، وتُكره كثرته؛ لأنه فعل اليهود (^١٠١) (وفرقعة أصابعه وتشبيكها)؛ لقوله ﷺ: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" رواه ابن ماجه عن علي، وأخرج هو والترمذي عن كعب بن عجرة: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد شبَّك أصابعه في الصلاة ففرَّج رسول الله ﷺ بين أصابعه" (^١٠٢)،
(^٩٩) مسألة: يُكره التخصُّر في الصلاة بأن يضع المصلي يده في وسطه فوق الوركين؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن ذلك" وصرف هذا النهي إلى الكراهة: التلازم؛ حيث يلزم من هذا ترك المستحب، وهو وضع اليد فوق أو تحت السرة، وترك المستحب مكروه، لكونه حرم نفسه من الخير، وهو المقصد منه.
(^١٠٠) مسألة: يُكره أن يراوح المصلي عن نفسه بمروحة يمسكها بيده بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كوجود حر شديد ونحوه: فلا يكره التروح؛ للمصلحة؛ حيث إن تروحه بلا حاجة ينقص من أجر الصلاة؛ لكونه عبثًا، وعند وجود الحاجة لذلك لا يكره؛ لدفع الضرر عن نفسه.
(^١٠١) مسألة: يُستحب أن يراوح المصلي بين قدميه وهو قائم بأن يعتمد على إحدى قدميه ويريح الأخرى إذا طال به القيام ولكن يُكره الإكثار من ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه اطمئنان وسكون وخشوع مما يزيد أجر صلاته، وكُره من الإكثار من ذلك؛ لئلا يتشبه بالكفار؛ حيث كان اليهود يتمايلون في عبادتهم، فسدًا لذلك كره.
(^١٠٢) مسألة: يُكره أن يفرقع المصلي أصابعه وأن يشبك بعضها ببعض؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" وصرفت السنة الفعلية هذا النهي إلى الكراهة؛ حيث "إنه ﷺ قد فرق بين =
[ ١ / ٤٨٧ ]
ويُكره التمطِّي (^١٠٣) وفتح فمه ووضعه فيه شيئًا (^١٠٤)، لا في يديه (^١٠٥)، وأن يصلي وبين يديه ما يلهيه أو صورة منصوبة ولو صغيرة، أو نجاسة، أو باب مفتوح، أو إلى نار من قنديل أو شمعة (^١٠٦) والرمز بالعين والإشارة لغير حاجة، وإخراج لسانه،
أصابع رجل قد شبكها وهو في الصلاة" ولم يأمره بإعادة الصلاة، مما يدل على صحتها، ولكن هذا الفعل مكروه، ولا فرق بين التشبيك والفرقعة، بجامع: كون كل واحد منهما عبثًا ينقص من أجر الصلاة، ولا يليق بها وهذا هو المقصد منه.
(^١٠٣) مسألة: يُكره أن يتمطى المصلي بأن يتمدد ويتمغَّط؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يعتبر من العبث في الصلاة، يتسبب في إنقاص أجر الصلاة.
(^١٠٤) مسألة: يُكره أن يفتح المصلي فمه: سواء وضع فيه شيئًا بدون جرعه أو لا؛ للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (١٠٣).
(^١٠٥) مسألة: يباح أن يضع المصلي في يده شيئًا: سواء كان في قبضته، أو كمه أو كيس في ثوبه ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يخلو منه أحد؛ لعموم البلوى به، فأُبيح لمشقة تركه.
(^١٠٦) مسألة: يُكره أن يصلي المسلم وأمامه أيُّ شيء يلهيه عادة من صور وتماثيل، أو أمامه نجاسة من كنيف وقمامة، أو أمامه باب مفتوح، أو كتابات في جدران، أو أمامه قنديل أو شمعة فيها نار أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك كله يشغله عن كمال خشوعه فينقص أجره، وكونه يصلي وأمامه نجاسة لا يليق بأي عبادة تشترط لها الطهارة.
[ ١ / ٤٨٨ ]
وأن يصحب ما فيه صورة من فصِّ أو نحوه، وصلاته إلى متحدِّث، أو نائم، أو كافر، أو وجه آدمي، أو إلى امرأة تصلي بين يديه (^١٠٧)، وإن غلبه تثاؤب: كضم ندبًا، فإن لم يقدر: وضع يده على فمه (^١٠٨) (و) يُكره (أن يكون حاقنًا) حال دخوله في الصلاة، والحاقن هو: المحتبس بوله، وكذا: كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط، أو ريح وحر وبرد وجوع وعطش مفرط؛ لأنه يمنع الخشوع، وسواء خاف فوت الجماعة أو لا؛ لقوله ﵇: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" رواه مسلم عن عائشة (أو بحضرة طعام يشتهيه) فتُكره صلاته إذًا؛ لما تقدم، ولو خاف فوت الجماعة، وإن ضاق الوقت عن فعل جميعها: وجبت في جميع الأحوال، وحرِّم اشتغاله بغيرها (^١٠٩)، ويُكره أن يخصَّ جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه
(^١٠٧) مسألة: يُكره أن يغمز المصلي بعينه أو يشير بها، أو يخرج لسانه، وأن يحمل أي صورة لغير حاجة، وأن يصلي وأمامه شخص يتكلم، أو نائم، أو ميت، أو كافر أو امرأة تصلي بين يديه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشغل له عن الخشوع مما يتسبب في نقصان أجره، ومقابلة الكافر أثناء الصلاة لا يليق بالعبادة.
(^١٠٨) مسألة: يُستحب أن يمنع المصلي التثاؤب الذي غلبه، فإن لم يستطع: فيضع يده على فمه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لإيذاء الآخرين به، وهذا فيه دفع مفسدة.
(^١٠٩) مسألة: يُكره أن يصلي وفكره منشغل عن الخشوع بشيء كأن يحصره البول، أو الغائط، أو الريح، أو ضايقه حر أو برد، أو إحساسه بجوع أو عطش، أو ألم أو غضب، أو اشتهى طعامًا بين يديه، أو رغب في جماع امرأته، وهذا مطلق، أي: سواء فاتته صلاة الجماعة أو لا، فعلى هذا: يجوز له تأخير الصلاة حتى يزول ما يشغله بشرط: أن لا يكون وقت الصلاة ضيقًا، بأن يخشى من خروج وقتها، فإن خشي خروجه: فإنه يصلي على أيَّة حال؛ لقواعد: الأولى: =
[ ١ / ٤٨٩ ]
من شعار الرافضة (^١١٠)، ومسح أثر سجوده في الصلاة، ومسُّ لحيته (^١١١)، وعقصُ
الأخبثان" - وهما: - البول والغائط - حيث نفى أن تكون الصلاة كاملة الأجر إذا صلَّاها وهو قد حصره البول أو الغائط، أو كان بحضرة طعام، وهذا ثبت بدلالة الاقتضاء؛ حيث إن التقدير: "لا صلاة كاملة بحضرة طعام … "، لأنه يمكن حمل النفي هنا على نفي الكمال، وما ذكر مما يُشغل الفكر مثل الطعام والبول والغائط؛ لعدم الفارق بجامع: إشغال الفكر عن الخشوع من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء" و"كان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام" الثالثة: التلازم؛ حيث إن الصلاة في وقتها شرط - كما سبق - والصلاة مع الخشوع مستحب، فيلزم من ذلك تقديم فعل الشرط وهو: الصلاة في الوقت المُضيَّق قبل خروج وقت الصلاة؛ لأن فقدانه يبطل الصلاة، أما فقدان المستحب، وهو: الخشوع فهو ينقص من الأجر فقط، فإن قلتَ: لِمَ كرهت الصلاة وهو منشغل الفكر بمثل تلك الأشياء؟ قلتُ: لأنها مشغلة عن الخشوع والتذلل في الصلاة، ولأن ذلك مضر بالصحة، فدفعًا لذلك، وإكمالًا للأجر: كُره أن يصلي مع وجود تلك الأشياء فيه.
(^١١٠) مسألة: يُكره أن يخصِّص المصلي قطعة من الحجر أو الطين ليضع جبهته عليها عند السجود؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة تقليد الرافضة الذين يفعلون ذلك وهذه من البدع العظيمة، فائدة: الرافضة طلبوا من زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى فرفضوه، وكانوا يأخذون قطعة من حجر أو طين من حول قبر الحسين بن علي ليسجدوا عليها.
(^١١١) مسألة: يُكره أن يزيل المصلي التراب الذي علق في جبهته، وكذا: مس لحيته؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من العبث.
[ ١ / ٤٩٠ ]
شعره، وكفُّ ثوبه ونحوه، ولو فعلهما لعمل قبل صلاته، ونهى الإمام رجلًا كان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى، ونقل ابن القاسم: يُكره أن يشمِّر ثيابه؛ لقوله ﷺ: "تَرِّب تَرِّب" (^١١٢) (و) يُكره (تكرار الفاتحة)؛ لأنه لم يُنقل (^١١٣) و(لا) يكره (جمع سور في) صلاة (فرض كنفل)، لما في الصحيحين: أن النبي ﷺ قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء (^١١٤) (و) يسنُّ (له) أي: للمصلي (ردُّ المار بين يديه)؛ لقوله ﷺ: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعنَّ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" رواه مسلم عن ابن عمر، وسواء كان المارُّ آدميًا أو غيره، والصلاة فرضًا أو نفلًا، بين يديه سترة فمرَّ دونها أو لم تكن فمرَّ قريبًا منه، ومحلُّ
(^١١٢) مسألة: يُكره أن يعقص المصلي شعر رأسه: بأن يدخل أطرافه في أصوله، ويشدُّه بشيء، وأن يكف ثوبه وكمه بأن يرفعهما أثناء ركوعه أو سجوده؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشبُّه بفعل المتكبرين، فكره؛ لئلا يؤدي إلى التكبر، تنبيه: استدلال المصنف بما روي أنه ﵇ قال: "ترِّب ترِّب" لا يصح؛ لأن كثيرًا من أئمة الحديث ضعَّفوه.
(^١١٣) مسألة: يُكره أن يكرر المصلي قراءة الفاتحة: بأن يقرأها مرتين أو أكثر؛ للمصلحة؛ حيث إن قراءتها مرة واحدة ركن في الصلاة - كما سبق - ولم ينقل تكراره ﷺ لها، فيكون تكرارها تطويلًا بلا فائدة.
(^١١٤) مسألة: يُباح أن يقرأ المصلي سورتين فأكثر بعد الفاتحة في قيام واحد في صلاة الفرض، ولا يُكره ذلك؛ للقياس، بيانه: كما يُباح ذلك في صلاة النفل؛ حيث قرأ ﷺ البقرة وآل عمران والنساء فيها، فكذلك يُباح في الفرض، والجامع: أن كلًا منهما تشرع القراءة فيها بعد الفاتحة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة التعبد بكثرة قراءة القرآن.
[ ١ / ٤٩١ ]
ذلك: ما لم يغلبه، أو يكن المار محتاجًا للمرور أو بمكة (^١١٥)، ويحرم المرور بين
(^١١٥) مسألة: يجب أن يردَّ المصلي كلَّ مار بين يديه - وهو: ما بين رجليه وموضع سجوده - ويُرجعه من حيث أتى، ويجتهد في ذلك بأن يومئ ويُشير ويلمس برفق، وكل ذلك لا يُكره، ولو وجدت حركة ليست من جنس الصلاة، وهذا مطلق، أي سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، وسواء كان المار آدميًا أو غيره، وسواء كان المصلي قد وضع سترة فمرَّ المارُّ دونها أو لا: فمر المصلي قريبًا من المصلي والصلاة تصح، وذلك بشرطين: أولهما: أن لا يغلب المار المصلي في المرور، فإن غلبه وأصرَّ على المرور فلا يُطيل المصلي في ردِّه ويتركه يمر، ثانيهما: أن لا يكون المار بحاجة إلى المرور، فإن كان بحاجة إليه فلا يمنعه المصلي كأن يكون المكان ضيقًا، أو كان المصلون كثيرين كما هو الحال في المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا كان أحدكم يُصلي فلا يَدَعنَّ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليُقاتله؛ فإن معه قرين" فقد حر أن يترك المصلي أحدًا يمر بين يديه؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب؛ فيجب عليه أن يرده قدر المستطاع إن كان المار غير مضطر، ووجوب الرد يستلزم أن الحركة بسبب ذلك لا تُكره، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إصرار المار على المرور وإطالة المصلي في ردِّه: يُبطل الصلاة؛ لكثرة الحركة، وردُّ المار مع ضيق المكان وكثرة المصلين فيه إضرار بالمار، فدفعًا لذلك: اشترط هذان الشرطان، فإن قلتَ: لِمَ وجب رده؟ قلتُ: لأن المار وصف بأنه شيطان، وهذا مشغل للمصلي عن الخشوع، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي المار بأنه القرين أو الشيطان؟ قلتُ: لأن هذا المار قد فعل شيئًا لا يفعله إلا الشيطان وهو كونه خرق حرمة الصلاة، تنبيه: قوله: "يُسن للمصلي رد المار" هذا مرجوح؛ حيث لم أجد دليلًا على هذا الاستحباب، بل هو واجب كما سبق.
[ ١ / ٤٩٢ ]
المصلي وسترته ولو بعيدة، وإن لم يكن سترة: ففي ثلاثة أذرع فأقل (^١١٦)، فإن أبى المار الرجوع: دفعه المصلي، فإن أصرَّ: فله قتاله ولو مشى، فإن خاف فسادها: لم يُكرر دفعه (^١١٧)، ويضمنه (^١١٨)، وللمصلي دفع العدو من سيل وسبع، أو سقوط
(^١١٦) مسألة: يحرم أن يمرَّ الشخص بين يدي المصلي - وهو: ما بين قدميه وموضع سجوده - سواء وضع المصلي سترة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم: لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه" فتوعد المار بالعقاب والإثم، ولا يُعاقب على فعله إلا الحرام، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا سيكون سببًا في إشغال المصلي مما يؤدِّي إلى إنقاص أجره، وهذا يضره فدفعًا لذلك: شرع هذا، تنبيه: تحديد المصنف بمسافة ثلاثة أذرع لم أجد عليه دليلًا عليه.
(^١١٧) مسألة: إذا ردَّ المصلي المار، فلم يرجع: فإن للمصلي أن يدفعه بيده، فإن أصر المار ولم يرجع أيضًا: فله قتاله ولمسه، لكن إن خاف أن تفسد صلاته بذلك: فإنه يتركه يمر، ولا يُكرر دفعه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فإن أبى فليقاتله" وقد سبق، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كثرة الحركة: بطلان الصلاة، فلذا لا يُكرر الدفع، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقه المؤدِّي إلى كمال صلاته، تنبيه: قوله: "ولو مشى" قلتُ: هذا غير صحيح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إباحة المشي بسبب الرد: أن يمشي الناس وهم يصلون ويتقاتلون بأيديهم في المساجد، وهذا لا يمكن أن يرد به الإسلام، الذي علَّمنا على السكينة والوقار، وذلك لأن المشي لا حدَّ له.
(^١١٨) مسألة: إذا كرَّر المصلي دفع المار وقاتله لأجل أن يُبعده فمات المارُّ أو تضرر: فإن المصلي يضمنه، ويدفع ديته أو أرش الجناية؛ للتلازم؛ حيث إن تكرار المدافعة غير مشروع فيلزم ضمان ما حدث بسببه؛ لكونه قد تعدَّى.
[ ١ / ٤٩٣ ]
جدار ونحوه، وإن كثُر: لم تبطل في الأشهر قاله في المبدع (^١١٩) (و) له (عدُّ الآي) والتسبيح وتكبيرات العيد بأصابعه؛ لما روى محمد بن خلف عن أنس: "رأيتُ النبي ﷺ يعقد الآي بأصابعه" (^١٢٠) (و) للمأموم (الفتح على إمامه) إذا ارتجَّ عليه أو غلط؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فلُبِّس عليه، فلما انصرف، قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: نعم قال: "فما منعك؟ " قال الخطابي: إسناده جيد (^١٢١)، ويجب في الفاتحة كنسيان سجدة ولا تبطل به ولو بعد أخذه في
(^١١٩) مسألة: يُباح أن يدفع المصلي عن نفسه ضرر سيل أو سبع أو إزالة جدار أو عمود أو سقف، أو إبعاد صائل من حيوان أو إنسان، ونحو ذلك، ولا تُبطل حركته بسبب ذلك صلاته ولو كثُرت؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع ضرر عن نفسه؛ فأبيح لأنه "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، و"الضرر يُزال" وفيه استمراره في صلاته؛ لإبعاده عن مشقة إعادتها؛ لأنها حركات للضرورة، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^١٢٠) مسألة: يُباح أن يعدَّ المصلي الآيات التي يقرأ بها، وتسبيحات الركوع والسجود، والتكبيرات في صلاتي العيد والاستسقاء، وهذا من غير تلفظ باللسان، ويكون بأصابعه، ولا تكره الحركة التي تكون بسبب هذا العد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد عدَّ الآيات بأصابعه - كما رواه أنس - والتسبيحات والتكبيرات مثل الآيات من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط، فإن قلت: لِمَ لا يتلفظ بلسانه بالعدِّ؟ قلتُ: لأنه إذا تلفَّظ: بطلت صلاته؛ لكونه ليس من جنس الصلاة.
(^١٢١) مسألة: يُباح أن يفتح المأموم على إمامه إذا غلط في قراءة آية من القرآن أو تركها، وهذا الفتح غير مكروه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أنكر على أُبي بن كعب لعدم ردَّه عليه لما غلط بآية، وهذا يدل على إباحة الرَّدِّ، فإن قلتَ: لِمَ =
[ ١ / ٤٩٤ ]
قراءة غيرها (^١٢٢)، ولا يفتح على غير إمامه؛ لأن ذلك يُشغله عن صلاته، فإن فعل: لم تبطل، قاله في "الشرح" (^١٢٣) (و) له (لبسُ الثوب و) لفُّ (العُمامة)؛ لأنه ﷺ "التحف بإزاره وهو في الصلاة، وحمل أُمامة، وفتح الباب لعائشة" وإن سقط رداؤه فله رفعه (^١٢٤) (و) له (قتل حية وعقرب وقمل) وبراغيث ونحوها، لأنه ﷺ "أمر
أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على إكمال القراءة؛ ليكمل أجر قراءة الإمام لها.
(^١٢٢) مسألة: يجب على المأموم أن يفتح على إمامه إذا غلط في قراءة بعض آيات الفاتحة غلطًا يُحيل المعنى، كأن يقرأ الإمام: "صراط الذين أنعمتُ" أو يترك آية منها، ويرد عليه ولو أخذ بقراءة غيرها؛ للقياس، بيانه: كما يجب على المأموم تنبيه الإمام إذا نسي سجدة فكذلك يجب تنبيهه إذا غلط أو نسي شيئًا من الفاتحة، والجامع: أن كلًا منهما ركن لا تتم الصلاة إلا بتمامه.
(^١٢٣) مسألة: يُكره أن يفتح المأموم على غير إمامه إذا غلط في قراءته ممن يقرأ حوله في صلاة أو لا، وصلاة هذا المأموم صحيحة وإن قام بالفتح؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المأموم إذا فتح على إمامه، فكذلك تصح إذا فتح على غيره، والجامع: أن الفتح قراءة للقرآن وهو قول مشروع في الصلاة، وليس فيه خطاب للآدمي، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لاحتمال انشغال المأموم بذلك. [فرع]: يُباح أن يقبل المصلي من غير المصلي فتحه عليه إذا غلط المصلي في قراءة القرآن؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ردَّ على رجل يُصلي، وكان الرجل المصلي يقبل منه، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على تكميل صلاة المصلي في حين أنه لا يُشغله.
(^١٢٤) مسألة: يُباح للمصلي أن يلبس ثوبًا، أو جبَّة، أو فروة، أو عباءة، وأن يصلح من عمامته، أو من أيَّ شيء عليه، وله فتح باب وإغلاقه، وله رفع ما =
[ ١ / ٤٩٥ ]
بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب" رواه أبو داود والترمذي وصحَّحه (^١٢٥) (فإن أطال) أي: أكثر المصلي (الفعل عرفًا من غير ضرورة)، وكان متواليًا بـ (لا تفريق: بطلت) الصلاة (ولو) كان الفعل (سهوًا) إذا كان من غير جنس الصلاة؛ لأنه يقطع الموالاة، ويمنع متابعة الأركان، فإن كان لضرورة: لم يقطعها كالخائف، وكذا: إن تفرَّق ولو طال المجموع، واليسير ما يُشبه فعله ﷺ من حمل أُمامة، وصعود المنبر، ونزوله عنه لما صلَّى عليه، وفتح الباب لعائشة، وتأخره في صلاة الكسوف، ثم عوده ونحو ذلك، وإشارة الأخرس ولو مفهومه كفعله (^١٢٦)، ولا تبطل بعمل
سقط، وإسقاط ما كان عليه، وله الإشارة بيده أو بعينه، والحركة التي تكون بسبب ذلك غير مكروهة بشرط: أن يكون ذلك لحاجة ولو قليلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد التحف بإزاره، وحمل أُمامة بنت زينب، وأنه فتح لعائشة وهو يصلي، وكان ﷺ يُشير في الصلاة وهذا يلزم منه الحركة" وما ذكر من الأمثلة مثل ما فعله ﷺ هنا؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه السعي إلى تكميل الصلاة بإيجاد الطمأنينة، والأمور بمقاصدها؛ حيث إنه يقصد من ذلك إزالة ما يشغل باله.
(^١٢٥) مسألة: يُباح أن يقتل المصلي الحية والعقرب والقمل والبرغوث وأيَّ حشرة خشيَ أن تؤذيه أو تؤذي أحدًا، والحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بقتل الحية والعقرب في الصلاة" وهو: أمر بعد حظر فيقتضي الإباحة، ويلزم من ذلك أن الحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ لأن قتلهما لا بدَّ له من حركة، وقتل أي حشرة كقتل الحية والعقرب؛ لعدم الفارق بجامع: دفع الضرر من باب: "مفهوم الموافقة"، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^١٢٦) مسألة: تبطل الصلاة إن تحرك المصلي بحركات كثيرة متتالية من غير جنس الصلاة لغير ضرورة، سواء كانت عمدًا أو سهوًا، أما إن وقعت تلك الحركات =
[ ١ / ٤٩٦ ]
قلب، وإطالة نظر في كتاب ونحوه (^١٢٧) (وتباح) في الصلاة: فرضًا كانت أو نفلًا
للضرورة في محل واحد، أو كانت متفرقة في الصلاة ومجموعها جعلها كثيرة: أو كانت من جنس الصلاة كإطالة ركوع: فإن الصلاة لا تبطل في هذه الحالات الثلاث؛ للتلازم؛ حيث إن الكثيرة المتوالية في ركعة واحدة الواقعة بغير ضرورة يلزم منها قطع الموالاة بين أركان الصلاة، وهذا يلزم منه: بطلان الصلاة، ويلزم من وقوعها للضرورة كدفع الضرر عنه، أو كونها متفرقة، أو كانت من جنس الصلاة: صحتها: لكونه مضطرًا إلى ذلك، ولكونها لا تقطع الموالاة بين الأركان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد للحركات التي تبطل بها الصلاة والتي لا تبطل؛ حتى يُعبدُ الله تعالى على بصيرة، فإن قلتَ: كيف نعرف القليل من الحركات والكثيرة؟ قلتُ: إن الحركة القليلة مثل حركته ﷺ لما حمل أُمامة بنت زينب والحسن والحسين في كل سجود، وحركته أثناء صعوده ونزوله لما صلى على المنبر، وحركته لما فتح الباب لعائشة وهو يصلي، والكثيرة: ما زاد عن ذلك، وعلى ذلك فقس، [فرع]: الأخرس - وهو: العاجز عن النطق - كغيره من الناطقين في إشاراته وحركاته، وتكثير الفعل وتقليله على التفصيل السابق؛ قياسًا عليهم؛ لعدم الفارق بجامع: التكليف في كل، سواء كانت إشارته مفهومة أو لا من باب مفهوم الموافقة.
(^١٢٧) مسألة: لا تبطل الصلاة لحديث قلب المصلي بأن يُحَدِّث نفسه بتجارة أو علم أو نحو ذلك، وكذا: إطالة نظر في كتاب أو صحيفة، ولكن هذا مكروه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إكمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: صحتها، ويلزم من نقصان الخشوع والحضور: كراهة هذا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثٌّ على الخشوع وإحضار فكر وقلب المصلي وفهم ما يقول فيها.
[ ١ / ٤٩٧ ]
(قراءة أواخر السور، وأوساطها)؛ لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وفي الثانية: الآية في آل عمران: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (^١٢٨)، (وإذا نابه) أي: عرض للمصلي (شيء) أي: أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه: (سبَّح رجل) ولا تبطل وإن كثر (وصفَّقت امرأة ببطن كفّها على ظهر الأخرى) وتبطل إن كثُر؛ لقوله ﷺ: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال، ولتُصفِّق النساء" متفق عليه من حديث سهل بن سعد، وكُره التنبيه بنحنحةٍ، وصفير، وتصفيقه وتسبيحها، لا بقراءة وتهليل وتكبير ونحوه (^١٢٩) (ويبصق) ويقال
(^١٢٨) مسألة: يُباح أن يقرأ المصلي - بعد الفاتحة بالركعتين الأوليين - بأوائل وأواسط وأواخر السور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان ابن مسعود يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس.
(^١٢٩) مسألة: إذا سهى إمام، أو استأذن عليه أحد وهو يصلي منفردًا، أو خاف على أحد الضرر: فيجب على الرجل أن يسبِّح قائلًا: "سُبحان الله"، وتُصَّفِق المرأة ببطن كفِّها على ظهر الأخرى، وتسبيح الرجل لا يُبطل الصلاة وإن كثر، وتصفيق المرأة يُبطلها إن كثُر، وإن نبَّه المصلي المستأذن عليه بقراءة كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أو هلَّل، أو كبَّر: فإن هذا يجزئ، ولا يكره، لكن إذا سبَّحت امرأة، أو صفَّق رجل، أو حصل التنبيه بنحو نحنحة أو تصفير ونحو ذلك: فإن هذا يُكره وتصح الصلاة، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال ولتصفق النساء" فأوجب هذا؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من ذلك: عدم كراهة ذلك؛ لأن هذا القول والفعل يستلزم القول والحركة، الثانية: التلازم؛ حيث =
[ ١ / ٤٩٨ ]
بالسين والزاي (في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه) ويحك ببعض؛ إذهابًا لصورته، قال أحمد: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه؛ للخبر، ويُخلِّق موضعه استحبابًا، ويلزم حتى غير الباصق إزالته، وكذا: المخاط والنخامة، وإن كان في غير المسجد: جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه؛ لخبر أبي هريرة: "وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها" رواه البخاري، وفي ثوبه أولى، ويُكره يمنة وأمامًا (^١٣٠)،
إن تنبيه الرجل بالتسبيح، يلزم منه: أن تنبيه الرجل والمرأة بالقراءة والتكبير والتهليل جائز؛ لكونه من جنس ما يُقال في الصلاة، ويلزم من تنبيه الرجل والمرأة بغير ما شُرع لهما: كراهة ذلك؛ لأن كلًّا منهما نبَّه بشيء لم يُشرع له، فإن قلتَ: لِمَ وجب هذا التنبيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على البر؛ إذ فيه إصلاح ما فسد من الصلاة، وإكمال ما نقص منها، ومعروف أن هذا واجب كما قال عبد الوهاب المالكي في "الإشراف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع التسبيح للرجل، والتصفيق للمرأة؟ قلتُ: الأصل: مشروعية التسبيح لكل منهما؛ لكونه من جنس الصلاة، لكن خولف ذلك في المرأة؛ لأن صوتها عورة، فلا تظهره لذلك، فإن قلتَ: لِمَ كثرة التسبيح لا يبطل الصلاة، وكثرة التصفيق يُبطلها؟ قلتُ: لأن التسبيح من جنس الصلاة، أما التصفيق فليس من جنس الصلاة فيبطلها كثيره عمدًا وسهوًا، فإن قلتَ: لِمَ كُره التصفير، والتنحنح؟ قلتُ: للاحتياط؛ حيث إن ذلك قد يتسبَّب في إبطال الصلاة فكره لأجل ذلك.
(^١٣٠) مسألة: يُباح أن يبصق المصلي ويتفل أو يتنخَّم أو يخرج مخاطه: وحركته بسبب ذلك لا يُبطلها، ولا تكره، ولكن إن كان يصلي منفردًا: فإن المستحب أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه، ويدفنه وهذا كفارته، وإن كان يصلي في المسجد: فإنه يبصق في ثوبه أو ردائه، ويحكه؛ لئلا تكن له صورة، ويُستحب أن =
[ ١ / ٤٩٩ ]
وله ردُّ السلام إشارة (^١٣١) والصلاة على النبي ﷺ عند قراءة ذكره في نفل (^١٣٢)
يُطيب موضعه وهو المسمى بـ "الخلوق" ويُستحب للباصق أو غيره مما يرى البصاق ونحوه إزالته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ: "وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض" فلزم أن الحركة بسبب ذلك لا تُبطل الصلاة، ولا يُكره له ذلك؛ لأن هذا الفعل يلزم منه تلك الحركة، ودل مفهوم المكان: على كراهة البُصاق في اليمين وفي الأمام، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إذن الشارع بهذا، وجعله عن يساره، وتحت قدمه، أو في ثوبه عند الصلاة مع الجماعة، وتطييب موضعه، واستحباب إزالته بحكه أو دفنه فيه دفع الضرر عن نفسه، وعن الآخرين لإكرامهم، وإكرام الملائكة.
(^١٣١) مسألة: يُباح للمصلي أن يردَّ السلام على من سلَّم عليه بإشارة اليد، أو هزِّ الرأس قليلًا، والحركة التي تحدث هنا غير مكروهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يرد السلام وهو يصلي بالإشارة" ويلزم منه: عدم كراهة الحركة هنا؛ لأن هذا الفعل مستلزم للحركة، فإن قلتَ: لم أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعميم الألفة والمحبة بين الناس.
(^١٣٢) مسألة: يُباح أن يُصلِّي على النبي ﷺ عند ذكره في أثناء صلاته النفل كأن يقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فيقول المصلي: "ﷺ" ولا يؤثر على تلك الصلاة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين فضل القراءة وفضل وأجر الصلاة على النبي ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص ذلك بصلاة النفل دون الفرض؟ قلتُ: لأن الشارع يتساهل في صلاة النفل دون الفرض؛ ألا ترى: أن النفل تقطع بدون عذر، وأن القاعد يصليها وإن كان قادرًا على القيام، وأنها تصلى على الراحلة؛ بخلاف الفرض، فيُشدَّد فيها دون النفل.
[ ١ / ٥٠٠ ]
(وتسنُّ صلاته إلى سترة) حضرًا كان أو سفرًا ولو لم يخش مارًّا؛ لقوله ﷺ: "إذا صلى أحدكم فليُصل إلى سترة وليدْنُ منها" رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد (قائمة كمؤخرة الرَّحل)؛ لقوله ﷺ: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل فليُصل ولا يُبال من يمرُّ وراء ذلك" رواه مسلم (^١٣٣)، فإن كان في مسجد ونحوه: قرب من الجدار، وفي فضاء: فإلى شيء شاخص من شجر أو بعير، أو ظهر إنسان أو عصى، لأنه ﷺ "صلى إلى حربة وإلى بعير" رواه البخاري، ويكفي وضع العصا بين يديه عرضًا، ويُستحب انحرافه عنها قليلًا (فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط) كالهلال، قال في "الشرح": وكيفما خطَّ: أجزأه؛ لقوله ﷺ: "فإن لم يكن معه عصى فليخط خطًا" رواه أحمد وأبو داود، قال البيهقي: "لا بأس به في مثل هذا" (^١٣٤) (وتبطل) الصلاة (بمرور كلب أسود بهيم) أي: لا لون فيه سوى
(^١٣٣) مسألة: يُستحب أن يضع المصلي أمامه سترة بينه وبين القبلة ويقترب منها مثل: مؤخرة الرَّحل وهي: خشبة يستند عليها راكب الدابة: سواء كان منفردًا أو إمامًا، مسافرًا أو مقيمًا، خشي أن يمر أمامه مارٌّ أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا صلى أحدكم فليُصلِّ إلى سترة وليدنُ منها" وصرفت هذا الأمر إلى الاستحباب: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد صلى بدون سترة" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وضع ذلك يُعين المصلي على الخشوع، وحضور القلب، وعدم الانشغال بمن يمر أمامه؛ ويدنو منها: ليحصل منع المار بينه وبين تلك السترة.
(^١٣٤) مسألة: السترة - التي يضعها المصلي أمامه - تحصل بكل شاخص: من جدار، أو عمود، أو شجر، أو بعير، أو ظهر مسلم، أو عصا ونحو ذلك، سواء في صحراء أو لا، ويقرب من الجدار قدر المستطاع، ويضع العصا عرضًا، ويُستحب أن يميل عن تلك السترة يمينًا أو شمالًا، فإن لم يجد شاخصًا، ولا =
[ ١ / ٥٠١ ]
السواد إذا مرَّ بين المصلي وسترته، أو بين يديه قريبًا - في ثلاثة أذرع فأقل من قدميه - إن لم تكن سترة، وخُصَّ الأسود بذلك؛ لأنه شيطان (فقط) أي: لا امرأة، وحمار، وشيطان وغيرها (^١٣٥) وسترة الإمام سترة
عصا: فإنه يخط خطًا أمامه مستقيمًا، أو على شكل الهلال أو القوس؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ تركز له العنزة أو الحربة ويعرض البعير فيُصلي إلى ذلك، وكان يميل عنها فيمُر وراء السترة الحمار والكلب لا يُمنع" والخط وغير ذلك مما ذكر كالذي يضعه ﷺ؛ لعدم الفارق بجامع: المحافظة على الخشوع بسبب ذلك من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب أن ينحرف عن السترة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الانشغال بها، تنبيه: حديث: "فإن لم يكن معه عصا فيخط خطًا" لا يصلح للاستدلال به؛ لأن كثيرًا من أئمة الحديث قد ضعَّفه، والبيهقي ذكر في "السنن الكبرى": أنه لا بأس به، أي: يستدل به على فضائل الأعمال، قلتُ: الضعيف لا يُستدل به لشيء؛ لعدم حُجِّيته.
(^١٣٥) مسألة: إذا مرَّ كلب أسود لا لون فيه غير السواد بين المصلي وسترته، أو بين قدميه ومحل وضع جبهته عند السجود: فإن هذا يقطع صلاته، ويجب عليه أن يُعيدها، أما غيره مثل الكلب غير الأسود، أو المرأة، أو الحمار، أو السباع والوحوش ونحوها: فلا تقطع صلاة المصلي ولو مرَّت بين يديه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا قام أحدكم يُصلي … فإنه يقطع صلاته: المرأة والحمار والكلب الأسود" وهذا عام لهذه الثلاثة المذكورة وجاءت السنة التقريرية وخصَّصت الحديث هذا بالكلب الأسود فقط؛ حيث "كانت عائشة تكون أمام النبي ﷺ بينه وبين القبلة وهي نائمة" و"صلى ﷺ في صحراء وليس بين يديه سترة وحمار وكلب يعبثان بين يديه فما بالى بذلك" - كما رواه الفضل بن العباس - فلم يُنكر هذا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فبقي الكلب =
[ ١ / ٥٠٢ ]
للمأموم (^١٣٦) (وله) أي: للمصلي (التعوذ عند آية وعيد، والسؤال) أي: سؤال الرحمة (عند آية رحمة، ولو في فرض): لما روى مسلم عن حذيفة قال: "صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلتُ: يركع عند المائة، ثم مضى إلى أن قال: إذا مرَّ بآية فيها تسبيح: سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال: سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ: تعوَّذ" قال أحمد: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ في الصلاة وغيرها قال: سبحانك فبلى في فرض ونفل (^١٣٧). فصل (أركانها) أي أركان الصلاة: أربعة عشر، جمع
الأسود هو الذي يقطع الصلاة؛ لأن العام حجة فيما بقي بعد التخصيص، فإن قلتَ: لِمَ كان الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة بخلاف غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الكلب الأسود شيطان كما وصفه بذلك النبي ﷺ، لذلك يُقتل في كل حال، ولا يحل صيده، وإن دُرِّب وعُلِّم وهو نادر، أما المرأة والحمار والكلاب غير السود وباقي الحيوانات لا يخلو منها بيت من بيوت المسلمين أو الصحراء، فلو كانت تقطع الصلاة: للحق المسلمين ضرر ومشقة فدفعًا لذلك: فُرِّق بينها، تنبيه: قوله: "في ثلاثة أذرع من قدميه" هذا التحديد لم أجد دليلًا عليه وقد سبق التنبيه عليه.
(^١٣٦) مسألة: سترة الإمام هي سترة للمأموم: سواء كان المأموم خلف الإمام أو عن يمينه، وبناء على ذلك: فلا يشرع للمأموم أن يتخذ سترة، ولا يُباح للمأموم أن يرد المار بينه وبين الإمام، ولا يحرم المرور بين الإمام والمأموم؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يصلي إلى سترة دون أصحابه"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على الناس.
(^١٣٧) مسألة: يُستحب للمصلي - فرضًا أو نفلًا - أن يُسبِّح إذا مرَّ بآية تقتضي التسبيح قائلًا: "سبحانك" كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر للرحمة أو الجنة، أو الأنبياء والصالحين: فإنه =
[ ١ / ٥٠٣ ]
ركن، وهو: جانب الشيء الأقوى، وهو: ما كان فيها ولا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وسمَّاها بعضهم فروضًا، والخِلْف لفظي (^١٣٨) (القيام) في فرض لقادر؛ لقوله تعالى:
يسأل الله الرحمة والجنة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، ونحوها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر وعيد أو النار، أو أحوال المجرمين، أو أنواع العذاب: فإنه يتعوَّذ من ذلك، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ونحوها؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك في النفل - كما رواه حذيفة - وصلاة الفرض كصلاة النفل؛ لعدم الفارق، والجامع: أن كلًّا منهما قول من جنس ما يُقال في أي صلاة من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين أجر الصلاة والقراءة والدعاء، والذكر حيث يكون هذا أقرب إلى الاستجابة.
(^١٣٨) مسألة: أركان الصلاة هي: التي لا يمكن أن تتم الصلاة إلا بها، فلو ترك واحدًا منها: بطلت الصلاة: سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا؛ وسمَّاها بعضهم "فروض الصلاة" والفرض والركن واحد؛ لأن الخلاف في التسمية فقط وهو - أي الفرض والركن -: ما طلب فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي، ونظرًا لهذه القطعية لا يسقط بعمد ولا سهو، فإن قلتَ: ما الفرق بين أركان الصلاة وشروطها وواجباتها وسننها؟ قلتُ: أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بوجودها جميعًا، ولا تسقط عمدًا ولا سهوًا وتكون داخل الصلاة، أما الشروط فهي مثل الأركان إلا أنه يُشترط وجودها قبل الدخول فيها، واستمرارها حتى تنتهي، أما الواجبات: فتكون داخل الصلاة وهي ما طلب فعلها طلبًا جازمًا بدليل ظني ولا تسقط عمدًا، ولو ترك المصلي واحدًا منها سهوًا: سجد للسهو، أما المستحبَّات والسنن: فهي داخل الصلاة وتصح الصلاة بدونها سواء كان سقوطها عمدًا أو سهوًا، وهي: ما طلب فعلها طلبًا غير جازم سواء بدليل قطعي أو ظني، وقد بينتُ ذلك في كتبي: "المهذب، والإتحاف"، و"الجامع" في أصول الفقه.
[ ١ / ٥٠٤ ]
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وحدُّه: ما لم يكن راكعًا (والتحريمة) أي: تكبيرة الإحرام؛ لحديث: "تحريمها التكبير" (و) قراءة (الفاتحة)؛ لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب"، ويتحمَّلها الإمام عن المأموم، ويأتي (والركوع) إجماعًا في كل ركعة، (والاعتدال عنه)؛ لأنه ﷺ داوم على فعله، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" ولو طوّله: لم تبطل كالجلوس بين السجدتين، ويدخل في الاعتدال الرفع، والمراد: إلا ما بعد الركوع الأول، والاعتدال عنه في صلاة الكسوف (والسجود) إجماعًا (على الأعضاء السبعة)؛ لما تقدَّم (والاعتدال عنه) أي: الرفع منه، ويُغني عنه قوله (والجلوس بين السجدتين)؛ لقول عائشة: "كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجود: لم يسجد حتى يستوي قاعدًا" رواه مسلم (والطمأنينة في) الأفعال (الكل) المذكورة؛ لما سبق، وهي: السكون وإن قلَّ (والتشهد الأخير وجلسته)؛ لقوله ﷺ: "إذا قعد أحدكم في صلاته: فليقل: التحيات لله" الخبر متفق عليه (والصلاة على النبي ﷺ فيه) أي: في التشهد الأخير؛ لحديث كعب السابق (والترتيب) بين الأركان؛ لأنه ﷺ كان يُصليها مرتبة، وعلَّمها المسيء في صلاته مُرتبة بـ "ثمَّ" (والتسليم)؛ لحديث: "وختامها التسليم" (^١٣٩) (وواجباتها) أي: الصلاة ثمانية (التكبير غير
(^١٣٩) مسألة: أركان الصلاة أربعة عشر: أولها: القيام في الفرض على القادر، والقيام هو: أن لا يكون راكعًا حسًا وشرعًا، وقد سبق بيانه في مسألة (١٣)، ثانيها: التحريمة وهو: قول المصلي عند دخوله في الصلاة: "الله أكبر" وقد سبق بيانه في مسألة (١٣)، ثالثها: قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة، وقد سبق بيانه في مسألة (٢٥)، تنبيه: قوله: "ويتحمَّلها الإمام عن المأموم" سيأتي بيانه في باب "صلاة الجماعة"، رابعها: الركوع بعد كل قيام في كل الصلاة، وسبق بيانه في مسألة (٤٥)، خامسها: الاعتدال عن الركوع وهو متضمن للرفع عنه، وسبق بيانه في مسألة (٥٣)، ويُباح التطويل في الركوع؛ قياسًا على إباحة التطويل في الجلسة بين السجدتين بجامع: وقوع كل منهما بين ركنين، تنبيه: =
[ ١ / ٥٠٥ ]
التحريمة) فهي ركن؛ كما تقدم، وغير تكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعًا فسنة
قوله: "إلا ما بعد الركوع الأول والاعتدال عنه في صلاة الكسوف" يُشير به إلى أن الكلام السابق في الصلاة العادية؛ بخلاف صلاة الكسوف؛ حيث يكون فيها ركوعان في ركعة واحدة - كما سيأتي بيانه - سادسها: السجود على الأعضاء السبعة وسبق بيانه في مسألتي (٥٩ و٦٠)، سابعها: الاعتدال عن السجود، وهو متضمن للرفع عنه، وسبق بيانه في مسألة (٦٨)، ثامنها: الجلوس بين السجدتين معتدلًا، وسبق بيانه في مسألة (٦٨)، ويلزم من الاعتدال عن السجود: الجلوس بين السجدتين لذا: قال المصنف: "ويُغني عنه … "، تاسعها: الطمأنينة وهي: السكون والهدوء واستقرار جميع الأعضاء في كل فعل من أفعال الصلاة، وهذا بقدر قراءة الفاتحة في القيام وبقدر قوله "سبحان ربي العظيم"، و"سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة في الركوع والسجود، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا … " فالركوع لا يصح إلا إذا اطمأن فيه، فيلزم من ذلك كونه ركنًا، وبقية أعمال الصلاة كالركوع والسجود؛ لعدم الفارق، عاشرها: التشهد الأخير، حادي عشر: جلسة التشهد الأخير، وهي: الجلسة التي قبل التسليم، ويقرأ فيها: التحيات لله ..، وسبقا في مسألة (٧٦)، ثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وسبق بيانه في مسألة (٧٦)، ثالث عشر: ترتيب أركان الصلاة السابقة كما سبق بيانه، فلا يُقدِّم ركنًا على ركن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ، ثم اركع" وحرف "ثم" للترتيب والتراخي، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصليها دائمًا مرتبة، فإن قلتَ: لِمَ كان الترتيب ركنًا؟ قلتُ: لأن عدم الترتيب في أي عمل يجعله قريبًا من العبث واللهو وهذا شأن الله تعالى في كل عبادة، رابع عشر: التسليم، وسبق بيانه في مسألة (٧٩) فإن قلتَ: لِمَ كانت تلك الأمور أركانًا دون غيرها؟ قلتُ: لأنها تتضمَّن تكبير وتعظيم وتبجيل وتنزيه الله تعالى عن جميع النقائص، وبعده نبيه ﷺ، وتنظيم العبادة تنظيمًا لا يُشابهه غيره.
[ ١ / ٥٠٦ ]
ويأتي (والتسميع) أي: قول الإمام والمنفرد في الرفع من الركوع: "سمع الله لمن حمده" (والتحميد) أي: قول: "ربنا ولك الحمد" لإمام ومأموم ومنفرد؛ لفعله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ومحل ما يؤتى به من ذلك للانتقال بين ابتداء وانتهاء، فلو شرع فيه قبله أو كمَّله بعده: لم يجزئه (وتسبيحتا الركوع والسجود) أي: قول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود (وسؤال المغفرة) أي: قول: "رب اغفر لي" بين السجدتين (مرة مرة، ويسن) قول ذلك (ثلاثًا و) من الواجبات (التشهد الأول وجلسته) للأمر به في حديث ابن عباس، ويسقط عمن قام إمامه سهوًا؛ لوجوب متابعته والمجزئ منه: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" أو "عبده ورسوله" وفي التشهد الأخير ذلك مع: "اللهم صل على محمد" بعده (^١٤٠) (وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة) مما تقدم في
(^١٤٠) مسألة: واجبات الصلاة ثمانية: أولها: تكبيرات الصلاة - غير تكبيرة التحريم -، وقد سبق بيانه في مسألة (٤٥)، تنبيه: إذا أدرك إمامه راكعًا: فإنه يُكبِّر وينوي بها تكبيرة الإحرام، أو ينويهما معًا، وإن كبر ثانية للركوع فهو مستحب، وسيأتي بيانه في باب "صلاة الجماعة"، ثانيها: التسميع وهو قول الإمام أو المنفرد حين يرفع من الركوع: "سمع الله لمن حمده"، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٥) ثالثها: التحميد، وهو قول المأموم: "ربنا ولك الحمد" وقد سبق في مسألة (٥٧): تنبيه: الإمام والمنفرد يُستحب أن يقولا ذلك - كما سبق في مسألة (٥٦) ولا يجب كما قال المصنف هنا، تنبيه آخر: محل التكبير والتسميع، والتحميد حينما يبدأ بالانتقال من ركن إلى ركن آخر، فلا يُجزئ: أن يقوله قبل الانتقال والتحرك، ولا بعد استقراره بعد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الشارع جعل لكل قول محلًا يقال فيه، فلو أتى بشيء في غير محلِّه: للزم منه =
[ ١ / ٥٠٧ ]
صفة الصلاة (سنَّة، فمن ترك شرطًا لغير عذر) ولو سهوًا بطلت صلاته، وإن كان لعذر - كمن عدم الماء والتراب أو السترة أو حبس بنجسة -: صحت صلاته كما تقدم (^١٤١) (غير النية، فإنها لا تسقط بحال)؛ لأن محلها القلب، فلا عجز عنها (^١٤٢) (أو تعمَّد) المصلي (ترك ركن أو واجب: بطلت صلاته)، ولو تركه لشك في
بطلان هذا القول؛ لأنه فعل وقع على غير ما شرعه الله، رابعها: تسبيحة الركوع، وهو قوله أثناء الركوع: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٢)، خامسها: تسبيحة السجود، وهو قوله أثناء السجود: "سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة، وقد سبق بيانه في مسألة (٦٧)، سادسها: قوله: "رب اغفر لي" في الجلسة بين السجدتين، وقد سبق بيانه في مسألة (٦٩) سابعها: التشهد الأول، ثامنها: جلسة التشهد الأول، وقد سبق بيانه في مسألة (٧٤)، ويقول التشهد من عبارة: "التحيات" إلى قوله: "ورسوله" كما سبق في مسألة (٧٥).
(^١٤١) مسألة: إذا ترك شرطًا من شروط الصلاة - التي هي: "الطهارة من الحدث والخبث، ودخول الوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة" - غير النية - لغير عذر: فصلاته باطلة، أما إن ترك ذلك لعذر كعدم ماء، ونحوه: فإنها تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تركه لعذر: صحة الصلاة؛ لأن الشرط يسقط بالعجز عنه؛ ويلزم من تركه لغير عذر: بطلان الصلاة؛ لكونه ترك مشروعًا لغير عذر.
(^١٤٢) مسألة: إن ترك النية بأن صلى بدون نية: فإن صلاته باطلة: سواء كان ذلك لعذر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فلا يصح عمل شرعًا: إلا بنية؛ وهذا ثابت بدلالة مفهوم الحصر هنا، فلا يُعذر أحد فعل شيئًا بدون نية؛ لكون محل النية القلب، فيستطيعها كل أحد، فلا يُقبل قول أحد بأنه عجز عنها، وهي سرُّ العبودية كما سبق بيانه.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وجوبه، وإن ترك الركن سهوًا فيأتي، وإن ترك الواجب سهوًا أو جهلًا: سجد له وجوبًا (^١٤٣) وإن اعتقد الفرض سنة، أو بالعكس: لم يضره، كما لو اعتقد أن بعض أفعالها فرض وبعضها نفل، وجهل الفرض من السنة، أو اعتقد الجميع فرضًا (^١٤٤)، والخشوع فيها
(^١٤٣) مسألة: إذا تعمَّد ترك ركن، أو تركه نظرًا لشكه هل هو ركن أو لا؟، أو تركه سهوًا، أو ترك واجبًا عمدًا: فصلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن الركن والواجب لا تصح الصلاة إلا بهما: فيلزم تركها عمدًا، أو وجود شك في ركن، أو ترك الركن سهوًا: أن تبطل الصلاة؛ لعدم إتيانها على المشروع، والشك لا يُسقط الحق فيلزم بطلان صلاته لتركه شيئًا لم يتيقن أنه أتى به على المشروع. [فرع]: إذا ترك واجبًا سهوًا أو جهلًا بوجوبه: فصلاته صحيحة بشرط: أن يسجد سجدتين للسهو، وسيأتي بيانه في باب "سجود السهو"، فإن قلتَ: لِمَ يُجبر ترك الواجب سهوًا بسجود السهو، بخلاف ترك الركن سهوًا فلا يُجبر؟ قلتُ: لأن الركن - وهو الفرض - لا يُعذر أحد بجهله أو السهو عنه؛ نظرًا لثبوته بدليل قطعي لا يخفى على أحد، وهذا لأهميته عند الشارع لكونه أساسيًا في بناء الحكم فلا يقوى سجود السهو على جبره، بخلاف الواجب فقد ثبت بدليل ظني، ويُعذر كثير من الناس بجهله، لكونه أقل أهمية عند الشارع، فيقوى سجود السهو على جبره.
(^١٤٤) مسألة: إذا لم يُفرق المصلي بين الأركان والفروض والواجبات والسنن كأن يظن أن الفرض نفل، أو العكس ونحو ذلك: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا قد صلى الصلاة المشروعة - بأركانها وواجباتها وسننها - فيلزم صحتها، فإن قلتَ: لِمَ صحَّت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أكثر المسلمين لا يفرقون بين تلك الأمور، ولو كُلِّف كل شخص بأن يعرف ذلك: للحقهم ضيق ومشقة، ولتعطلت مصالحهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
[ ١ / ٥٠٩ ]
سنة (^١٤٥) ومن علم بطلان صلاته ومضى فيها: أُدِّب (^١٤٦) (بخلاف الباقي) بعد الشروط، والأركان، والواجبات، فلا تبطل صلاة من ترك سنة ولو عمدًا (وما عدا ذلك) أي: أركان الصلاة وواجباتها (سنن أقوال) كالاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، وآمين، والسورة، و"ملء السماء" إلى آخره بعد التحميد وما زاد على المرة في تسبيح الركوع، والسجود، وسؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، وقنوت الوتر (و) سنن (أفعال) كرفع اليدين في مواضعه، ووضع اليمين على الشمال تحت سرته، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، والتجافي فيه، وفي السجود، ومدَّ الظهر معتدلًا، وغير ذلك مما مر مفصلًا، ومنه: الجهر، والإخفات، والترتيل، والإطالة والتقصير في مواضعها (ولا يُشرع) أي: لا يجب ولا يُسن (السجود لتركه)؛ لعدم إمكان التحرز من تركه (وإن سجد) لتركه سهوًا: (فلا بأس) أي: فهو مباح (^١٤٧).
(^١٤٥) مسألة: الخشوع في الصلاة مستحب من مستحباتها؛ للتلازم؛ حيث إنه ليس من الأركان ولا الشروط، ولا الواجبات السابقة فيلزم أنه مستحب.
(^١٤٦) مسألة: إذا بطلت صلاة شخص بترك ركن أو فقدان شرط ونحو ذلك ومع ذلك مضى فيها: فيجب على الإمام أو نائبه أن يؤدِّبه ويُعزِّره؛ للمصلحة؛ حيث ذلك فيه منع له ولغيره من التلاعب في العبادات، أو جعلها محلًا للعبث والاستهزاء.
(^١٤٧) مسألة: سنن ومستحبات الصلاة ثمان وخمسون سنة ومستحبًا، وقد ورد ذكرها كلها مفصلة في مسائل (من ١ إلى ١٣٨) من هذا الباب، وهو: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحباتها" وهي: تنقسم إلى قولية، وفعلية: وهي: ما يُثاب على فعلها ولا يُعاقب على تركها، وإذا تركها المصلي أو ترك واحدًا منها عمدًا أو سهوًا: صحَّت الصلاة، ولا يُشرع لذلك سجود السهو، =
[ ١ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن سجد لذلك: فهو مُباح لا يُفسد الصلاة؛ للمصلحة؛ حيث إن تلك السنن كثيرة، ولا يخلو أحد من ترك بعضها، فلو شرع السجود لذلك: للحق الناس ضيق ومشقة فدفعًا لذلك: سقط سجود السهو له.
هذه آخر مسائل باب: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها وسننها" ويليه باب: "سجود السهو"
[ ١ / ٥١١ ]