وهم المريض والمسافر والخائف (تلزم المريض الصلاة) المكتوبة (قائمًا) ولو كراكع، أو معتمدًا، أو مستندًا إلى شيء (فإن لم يستطع) بأن عجز عن القيام، أو شقَّ عليه؛ لضرر أو زيادة مرض (فقاعدًا) متربِّعًا ندبًا، ويُثني رجليه في ركوع وسجود (فإن عجز) أو شق عليه القعود كما تقدَّم: (فعلى جنبه) والأيمن أفضل (^١) (فإن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة: صح) وكره مع القدرة على جنبه، وإلا تعيَّن (^٢)
باب صلاة أهل الأعذار، وقصر الصلاة وجمعها، وصلاة الخوف
وفيه ثنتان وستون مسألة:
(^١) مسألة: يصلي المريض قائمًا على حسب قدرته ولو كان مُنحنيًا، أو معتمدًا على شيء من جدار، أو عصى ونحوهما، فإن لم يستطع أو قدر ولكن يشق عليه، أو خاف زيادة المرض: فإنه يصلي قاعدًا، ويُستحب أن يقعد متربِّعًا ويثني رجليه عند الركوع والسجود - وقد سبق - فإن لم يستطع، أو خاف زيادة المرض فإنه يصلي على أحد جنبيه ووجهه إلى القبلة، وكونه يصلي على جنبه الأيمن أفضل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المسلم، وفي قعوده مُتربِّعًا راحة له واطمئنان، وفي الأيمن من جنبيه: بركة التيامن - كما سبق بيانه -.
(^٢) مسألة: إذا لم يقدر المريض على الصلاة على جنبه: فإنه يصلي مُستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهو عام - كما سبق - فيشمل ما نحن فيه، تنبيه: قوله: "ويكره" إلى آخره، يشير به إلى كراهية صلاتهُ مستلقيًا وهو قادر على الصلاة على جنبه قلتُ: =
[ ١ / ٦٥٨ ]
(ويومئ راكعًا وساجدًا) ما أمكنه (ويخفضه) أي: السجود (عن الركوع)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا فإن لم يستطع: صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا: صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع: صلى مستلقيًا رجلاه مما يلي القبلية" رواه الدارقطني (^٣) (فإن عجز) عن الإيماء: (أومأ بعينيه)؛ لقوله ﷺ: "فإن لم يستطع أومأ بطرفه" رواه زكريا الساجي بسنده عن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وينوي الفعل عند إيمائه له، والقول كالفعل يستحضره بقلبه إن عجز عنه بلفظه، (^٤) وكذا:
هذا غير صحيح؛ إذ القادر على الصلاة على جنبه لا تصح صلاته وهو مستلقي للتلازم؛ حيث يلزم ذلك من الترتيب الوارد في الحديث السابق في مسألة (١) ذلك.
(^٣) مسألة: إذا عجز المريض عن الركوع والسجود: فإنه يُومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وينوي أن هذا الخفض عن الركوع، والآخر عن السجود؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وهو عام فيشمل ما نحن فيه، وهو لا يستطيع الركوع والسجود فوجب ما يستطيعه وهو هنا الإيماء، وهو تيسير من الشارع وهو، المقصد الشرعي من هذا الحكم، تنبيه: حديث علي ﵁ الذي ذكره المصنف لا يصلح للاستدلال به هنا؛ لأنه ضعيف كما ذكر ذلك كثير من أئمة الحديث.
(^٤) مسألة: إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه عن الركوع والسجود: فإنه يومئ بعينه وطرفه وحاجبه لهما، وينوي أن هذا الإيماء هو عن فعل الركوع أو السجود، وكذا: إن عجز عن التلفظ بالقول كالقراءة والتسبيح والتكبير والتسليم: فيجب أن يستحضره بقلبه؛ للسنة القولية؛ وقد ذكرناها في مسألتي (٢ و٣) تنبيه: الحديث الذي رواه زكريا كما ذكر المصنف لا يصلح للاستدلال به؛ لأنه ضعيف كما ذكر ذلك كثير من أئمة الحديث.
[ ١ / ٦٥٩ ]
أسير خائف، (^٥) ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، (^٦) ولا ينقص أجر المريض إذا صلى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائمًا، (^٧) ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها، (^٨) وإن رُفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما
(^٥) مسألة: إذا وقع مسلم في الأسر عند الأعداء، وخاف إن هو صلى بركوع وسجود وقيام: أن يؤذيه العدو بأي أذى: فإن هذا يسقط عنه القيام والركوع والسجود، ويومئ برأسه، إن قدر، وإلا: فيومئ بعينيه وحاجبه؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا خاف الضرر إن هو صلى صلاة عادية، فيدخل في عموم هذا النص؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، ويسقط عنه القيام والركوع والسجود، ويصلي على حسب قدرته؛ دفعًا للضرر.
(^٦) مسألة: لا تسقط جميع التكاليف - ومنها الصلاة - عن العاقل - وهو: المميز بين الخير والشر -، وإن كان هذا العاقل عاجزًا عنه فيفعله على حسب قدرته البدنية وإن قلَّت كأن يومئ ويُشير بحاجبه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق" حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل مكلَّف بجميع التكاليف الشرعية ومنها: الصلاة، وقد سبق بيان سبب تكليف العاقل.
(^٧) مسألة: إذا صلى المريض قاعدًا، أو على جنبه، أو مستلقيًا، أو بالإيماء: فإن أجر صلاته لا ينقص عن أجر صلاة الصحيح الذي يصلي قائمًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "إذا مرض العبد أو سافر: كُتِب له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا" فصلاة المريض بالإيماء كصلاته لما كان صحيحًا قائمًا في تمام الأجر، وصلاة المسافر ركعتين قصرًا كصلاته أربع ركعات لما كان مقيمًا في تمام الأجر، وهذا من لطف الله تعالى.
(^٨) مسألة: يُباح أن يسجد المصلي على مخدَّة ووسادة فيضع عليها أنفه وجبهته من غير أن تُرفع عن الأرض؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عباس ﵃ يفعل =
[ ١ / ٦٦٠ ]
أمكنه: صحَّ وكُرِه (^٩) (فإن قدر) المريض في أثناء الصلاة على قيام (أو عجز) عنه (في أثنائها: انتقل إلى الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه، وإلى الجلوس من عجز عن القيام، ويركع بلا قراءة من كان قرأ، وإلا: قرأ، وتُجزئ الفاتحة من عجز فأتَّمها في انحطاطه، لا من صحَّ فأتمها في ارتفاعه (^١٠) (وإن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود: أومأ بركوع قائمًا)؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه (و) أومأ (بسجود قاعدًا)؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، (^١١) ومن قدر على أن
ذلك، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للتوسعة على المسلمين؛ إذ إن هذا لا يُنافي كمال الصلاة.
(^٩) مسألة: يُكره أن يسجد على شيء مرتفع عن الأرضُ منفصل عنها، وصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: صحتها، ويلزم من قلة الخفض في السجود: كراهة ذلك.
(^١٠) مسألة: إذا بدأ المريض صلاته قاعدًا - بسبب مرضه - ثم قدر على القيام في أثنائها: فيجب عليه أن يقوم، ويتوقف عن القراءة حين شعوره بقدرته على القيام، ويُتم قراءته للفاتحة إذا قام - إن كان قد بدأ بها - وكذا: العكس كأن يبدأ صلاته قائمًا، ثم عجز عن مواصلة القيام: فإنه يقعد، فإن كان قد قرأ الفاتحة: فإنه يركع ويسجد - بالإيماء كما سبق - وإن لم يقرأها: قرأها وهو قاعد، وإن كان قد بدأ بها وهو قائم: فإنه يُتمها وهو قاعد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، وهذا آخر ما يستطيعه هذا المريض فوجب، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهو مراعاة أحوال الناس.
(^١١) مسألة: إذا لم يقدر المريض على ركوع ولا على سجود فقط، ولكنه قادر على قيام وقعود: فإنه يومئ للركوع وهو قائم، ويومئ للسجود وهو قاعد - برأسه أو =
[ ١ / ٦٦١ ]
يحني رقبته دون ظهره: حناها، وإذا سجد قرَّب وجهه من الأرض ما أمكنه، (^١٢) ومن قدر أن يقوم منفردًا، ويجلس في جماعة: خُيِّر (^١٣) (ولمريض الصلاة مستلقيًا مع
حاجبه - كما سبق -؛ للتلازم؛ حيث إن الركوع أقرب إلى القيام في نصب الرجلين، والسجود أقرب إلى القعود في جمع الرجلين: فلزم الإيماء إلى الركوع وهو قائم، والإيماء إلى السجود وهو قاعد: لكون ذلك أقرب إلى صفاتهما.
(^١٢) مسألة: إذا أراد المريض أن يصلي بإيماء رأسه: فإنه يحني رقبته بدون ظهره إن قدر على ذلك، ويبذل جهده في الاقتراب من الأرض إذا أومأ للسجود؛ للسنة القولية، وقد بيناها في مسألة (١٠)، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبرأ للدين وأحوط.
(^١٣) مسألة: إذا كان الشخص يستطيع أن يصلي قائمًا وهو منفرد، ولا يستطيع أن يقوم إذا صلى مع الجماعة: فيجب عليه أن يصلي قائمًا وإن كان منفردًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا" فأوجب الشارع القيام عند القدرة عليه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يعدل عن القيام إلى القعود إلا إذا عجز عنه، وهذا مطلق: إذ لم يُقيَّد بجماعة أو غير جماعة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون القيام ركنًا في الصلاة كما سبق، وصلاة الجماعة واجبة عند بعضهم، وسنة عند الجمهور: أن لا تصح الصلاة إلا بالقيام، أما الجماعة فتصح الصلاة بدونها، فإن قلتَ: يُخيَّر بين الصلاة منفردًا وبين صلاته مع الجماعة في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا بعيد جدًا؛ لما ذكرناه من السنة القولية والتلازم، وظاهر هذا القول: أنه مبني على مذهب من يقول: "إن صلاة الجماعة فرض عين وهي شرط في صحة الصلاة" وهو باطل كما سبق في مسألتي (١ و٢) من "باب صلاة الجماعة".
[ ١ / ٦٦٢ ]
القدرة على القيام؛ لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة، وله الفطر بقوله: "إن الصوم مما يُمكِّن العلَّة" (^١٤) (ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام (^١٥) ويصح الفرض على الراحلة) واقفة أو سائرة؛ (خشية التأذِّي بوحلٍ) أو مطر ونحوه؛ لقول يعلى بن مرة: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلَّة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم ﷺ فصلى بهم، يعني إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي، وقال: "العمل عليه عند أهل العلم"، وكذا: إن خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله، أو على نفسه، أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه الاستقبال وما يقدر عليه (^١٦) و(لا) تصح الصلاة على الراحلة (لمرض) وحده،
(^١٤) مسألة: إذا قال طبيب مسلم ثقة لمريض يُمكن أن أعالجك وأُداويك إن صلَّيت مستلقيًا: فإنه يُباح لهذا المريض أن يُصلِّي مُستلقيًا وإن كان قادرًا على القيام، للقياس، بيانه: كما يجوز للمسلم أن يفطر في رمضان إذا قال له طبيب: "إن الصوم مضرٌّ بك ويمكن معالجتك إذا أفطرت" فكذلك الحال هنا والجامع: دفع المضرة في كل، وهو المقصد الشرعي.
(^١٥) مسألة: إذا كان الشخص في سفينة سائرة أو واقفة فإنه يصلي قائمًا إن كان قادرًا على ذلك، فإن عجز عنه: فإنه يصلي قاعدًا فيها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" فبيَّن: عدم جواز القعود إلا إذا عجز عن القيام مُطلقًا: سواء كان في سفينة أو لا، وهو من باب ترتيب فعل الأوامر على حسب القدرة.
(^١٦) مسألة: إذا كان الشخص راكبًا دابة أو سيارة، والأرض مملوءة بالمطر أو الطين الرطب، أو الثلج، أو الأقذار، وخاف إن نزل أن يتلطخ ثوبه أو بدنه، أو خاف إن نزل أن ينقطع عن رفقته وهو في سفر، أو خاف إن نزل على نفسه أو =
[ ١ / ٦٦٣ ]
دون عذر مما تقدَّم، (^١٧) ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها والخروج منها: صلى جالسًا مستقبلًا، ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة، بخلاف النفل، (^١٨) فصل: في
أهله أو ولده من عدو، أو سبع أو حريق أو غرق، أو خاف إن نزل منها: أن يعجز عن الركوب، أو تأخر الشفاء، أو زيادة المرض؛ فإنه يجوز أن يصلي وهو على دابته أو سيارته ويفعل أقصى ما يقدر عليه من استقبال القبلة وركوع وسجود، وإيماء إليهما، وإيجاد شروط وأركان وواجبات الصلاة على حسب القدرة؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث أسقط الشارع كل شيء من الشرائع فيه ضرر على القائم به، وهو عام؛ لأن "ضرر" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فيصلي كل مسلم على حسب قدرته؛ دفعًا للضرر، الثانية: قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهو عام أيضًا لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وهذا أخر ما يستطيعه المسلم فيجب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى على دابته إيماء كما رواه يعلى بن مرة.
(^١٧) مسألة: إذا قدر المريض على النزول من الدابة أو السيارة بدون مشقة: فيجب عليه ذلك، ولا تصح صلاته على دابته وهو قادر على الصلاة على الأرض بدون وجود وحل أو خوف؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يُنزل مرضاه القادرين على النزول؛ ليصلوا على الأرض؛ ولأن الصلاة عليها هو الأصل، فلا يُترك إلا لعذر، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^١٨) مسألة: إذا كان الشخص في سفينة، وهو عاجز عن الصلاة قائمًا، وعن الخروج منها: فإنه يصلي جالسًا بشرط: أن يستقبل القبلة، وينحرف إلى القبلة إذا انحرفت السفينة إلى غيرها إن لم توجد مشقة، أما إن وجدت مشقة في ذلك: =
[ ١ / ٦٦٤ ]
قصر المسافر الصلاة، وسنده قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ الآية (من سافر) أي: نوى (سفرًا مباحًا) أي: غير مكروه، ولا حرام، فيدخل فيه: الواجب، والمندوب، والمباح المطلق، ولو نزهة وفرجة، يبلغ (أربعة بُرُد) وهو: ستة عشر فرسخًا: بَرًّا وبحرًا، وهما: يومان قاصدان (سُنَّ له قصر الرباعية ركعتين): لأنه ﷺ داوم عليه: بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعًا قاله ابن المنذر (^١٩) (إذا فارق عامر قريته) سواء كانت البيوت داخل
فيجب أن يصلي إلى الاتجاه الذي تتوجَّه إليه السفينة، بخلاف صلاة النافلة: فلا يُشترط ذلك: فلا يلزمه الانحراف إلى القبلة كلما انحرفت السفينة عنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط القبلة: أن يتوجه إليها وإن انحرفت السفينة إلى غيرها، ويلزم من مشقة ذلك: أن يسقط عنه ذلك؛ لأن الشرط يسقط بالعجز عنه، ويلزم من تساهل الشارع بالنوافل: عدم لزوم انحراف المتنفِّل إلى القبلة عند انحراف السفينة عنها.
(^١٩) مسألة: يُستحب قصر الصلاة الرباعية - وهي: الظهر والعصر والعشاء - إلى ركعتين بشرط أن يكون مسافرًا سفرًا مباحًا، أربعة بُرُد - وهو (١٦) فرسخًا، وهو ما يُعادل (٨٢) كم - فإن سافر سفرًا غير مباح كالسفر للمعاصي، أو سافر مسافة أقل من (٨٢) كم: فلا يجوز القصر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ والمراد بالضرب هنا: السفر، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ يعني قصر الصلاة -: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى استحباب القصر هو: لفظ "صدقة" حيث يلزم منها: أنها نافلة، وفعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يُتمَّون، الثالثة: =
[ ١ / ٦٦٥ ]
السور أو خارجة (أو) فارق (خيام قومه) أو ما نسبت إليه عرفًا سكان قصور وبساتين ونحوهم؛ لأنه ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل، (^٢٠)، ولا يُعيد من قصر بشرطه
السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قصر الرباعية في أسفاره وهو: لا يسافر المعصية فلزم أن يكون السفر مباحًا، الرابعة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس وابن عمر ﵃: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُد: ما بين عسفان إلى مكة"، وهذا أصح الروايتين عن ابن عمر كما قال الخطابي، فلزم أن تكون المسافة في السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، الخامسة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المغرب والفجر لا يقصران، ومستند الإجماع: السنة الفعلية، وفعل الصحابة؛ حيث كان ﷺ وأصحابه لا يقصرون صلاتي المغرب والفجر فإن قلتَ: لمَ استحب القصر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة للمسلم المسافر على سفره وقضاء حاجته، والوصول إلى مراده بأسرع وقت مع تمكينه من أداء الواجبات، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط وجود الخوف لإباحة القصر مع أن الآية أوردته؟ قلتُ: إن هذا الشرط لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغاب في الأسفار الخوف، ومن شروط مفهوم المخالفة: أن لا يكون الشرط قد خرج مخرج الغالب، كما فصَّلتُ ذلك في كتابي "المهذَّب" وقد أيَّد ذلك: قول عمر ﵁ للنبي ﷺ: "لم نقصر وقد أمنا؟ فقال ﷺ: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وهذا يُعتبر نسخًا لشرط الخوف الوارد في الآية، وقد فصَّل ذلك القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٥٣) فائدة: "البُرد" جمع بريد، وهو: الذي يحمل الرسائل من بلد إلى بلد، يسير المعتدل من البريد في نصف اليوم: أربعة فراسخ عادة، فيمشي الأربعة بُرُد في يومين، فيمشي في هذين اليومين ستة عشر فرسخًا، وهو بالتقارير الحديثة (٨٢) كم.
(^٢٠) مسألة: يبدأ المسافر قصر صلاته بعد أن يُفارق البيوت العامرة بالسكان من بلدته أو بعد مفارقته لخيام قومه، أو بعد مفارقته لبساتين بلدته ولو مفارقة =
[ ١ / ٦٦٦ ]
ثم رجع قبل استكماله المسافة، (^٢١) ويقصر من أسلم، أو بلغ، أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة (^٢٢) لا من تاب إذًا، (^٢٣) ولا يقصر من شكَّ في قدر المسافة، (^٢٤) ولا من لم يقصد جهة
قليلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقصر إذا ارتحل من المدينة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا فارق ذلك أطلق عليه وصف السفر، وهذا من باب التيسير على المسلمين.
(^٢١) مسألة: إذا سافر المسلم سفرًا مباحًا إلى بلد آخر تبعد عن بلدته (٨٢) كم، ثم بدأ يقصر الصلاة في بداية تلك المسافة، ثم لم يستكمل سفره بل عاد ورجع إلى بلدته: فإنه لا يُعيد الصلاة التي قصرها؛ للتلازم؛ حيث إنه فعل ماله فعله: فيلزم صحة صلاته، فلا يُعيدها، وهذا من باب التيسير.
(^٢٢) مسألة: إذا كان الكافر، أو المجنون، أو الصبي، أو الحائض أو النفساء مسافر سفرًا يبيح القصر - وهو السفر المباح الذي مسافته (٨٢) كم - ثم أسلم الكافر، أو عقل المجنون، أو بلغ الصبي أو طهرت الحائض أو النفساء أثناء السفر: فإنه يقصر الصلاة، وإن كان الباقي من المسافة أقل من مسافة القصر - أي: أقل من (٨٢) كم -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الشرطين - وهما: وجود السفر المباح -: وجود الحكم، وهو صحة القصر، بقطع النظر عن كونه مُكلَّفًا قبل ذلك أو لا.
(^٢٣) مسألة: إذا سافر سفر معصية مسافة قصر - وهو: (٨٢) كم - ثم تاب في أثناء سفره وكان المتبقي أقل من مسافة القصر - أي: أقل من (٨٢) كم -: فإن هذا لا يقصر؛ للتلازم؛ حيث إن انعدام أحد شرطي السفر في ابتدائه وهو - كونه مباحًا - وكون المتبقي بعد توبته لم يبلغ مسافة القصر - وهي (٨٢) كم -: يلزم منهما: عدم صحة القصر.
(^٢٤) مسألة: إذا شكَّ وتردَّد شخص في المسافة التي بين بلدته والبلدة التي يُريد أن يسافر إليها هل تبلغ مسافة القصر - وهي (٨٢) كم - أو لا؟: فلا يجوز له أن =
[ ١ / ٦٦٧ ]
معينة كالتائه، (^٢٥) ولا من سافر ليترخَّص، (^٢٦) ويقصر المكره كالأسير، وامرأة وعبد تبعًا لزوج وسيد (^٢٧) (وإن أحرم) في الـ (حضر، ثم سافر أو) أحرم (سفرًا ثم أقام):
يقصر الصلاة؛ للاستصحاب، حيث إن الأصل الإتمام، فلا يعدل عنه إلا عندما يتيقن أو يغلب على ظنه أن شرطي السفر - وهما: بلوغ المسافة (٨٢) كم، والإباحة: - قد توفرا؛ دون الشك بذلك؛ لكون الشك لا تبنى عليه أحكام؛ فيُعمل بالأصل.
(^٢٥) مسألة: إذا سافر من بلده إلى جهة غير معينة كمن يتيه في الأرض، أو الضال أو نحوهما: فإن هذا لا يجوز له القصر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تأكده من المسافة التي تبيح القصر: عدم صحة القصر؛ لأن عدم الشرط: يلزم منه عدم المشروط.
(^٢٦) مسألة: إذا سافر لأجل أن يترخَّص بقصر الصلاة: فله أن يقصر الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله يُحب أن تؤتى رخصه كما يُحب أن تؤتى عزائمه" وهو عام للمسافر للترخَّص بالقصر، ولغيره؛ لكون قصر الصلاة من الرخص المندوب إليها؛ لأن "رخصة" مُنكَّر أضيف إلى معرفة وهو الضمير وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من توفُّر شرطي القصر، وهو: السفر المباح، والمسافة - وهي (٨٢) كم - إباحة القصر، فإن قلتَ: لا يجوز القصر في هذه الحالة - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن القصر شُرع للتخفيف من مشقة المسافر فيلزم عدم جوازه لمن أراد بسفره الترخص فقط قلتُ: إن التلازم الذي ذكرناه أقوى مما ذكرتموه؛ حيث إن الترخص ليس بمعصية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا: الأول أقوى، وعندهم: الثاني أقوى.
(^٢٧) مسألة: المكره على السفر بأي سبب، والأسير عند العدو، والمرأة التابعة لزوجها في السفر، والعبد التابع لسيده في السفر، والجنود الذين يتبعون أميرهم =
[ ١ / ٦٦٨ ]
أتم؛ لأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغُلِّب حكم الحضر، (^٢٨) وكذا: لو سافر بعد دخول الوقت: أتمها وجوبًا؛ لأنها وجبت تامة (^٢٩) (أو ذكر صلاة حضر
يقصرون جميعًا؛ للتلازم؛ حيث إنه اجتمع في سفرهم شرطا السفر، وهما: السفر المباح، وكون المسافة مسافة قصر - وهو (٨٢) كم - فتلزم صحة القصر؛ لأنهم فعلوا ما لهم فعله شرعًا.
(^٢٨) مسألة: إذا كبَّر تكبيرة الإحرام وهو في الحضر، ثم سافر بأن كان في سفينة فمشت به تلك السفينة أثناء صلاته، أو كبَّر تكبيرة الإحرام وهو في السفر ثم وصل الحضر - وهي: بلدته - بأن كان في سفينة مسافرة، وكانت تسير وهو يصلي بناء على أنه في سفر ثم وصلت تلك السفينة ميناء بلدته: وهو لا يزال يصلي: فإنه في الحالتين يُتمُّ صلاته ولا يقصرها؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا لبس الخف في الحضر ثم سافر، أو لبسه في السفر ثم أقام ووصل بلدته: فإنه يمسح مسح مقيم - وهو: يوم وليلة فقط - فكذلك القصر مثله والجامع: أن كلًا من المسح والقصر عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر: غُلِّب حكم الحضر؛ تغليبًا للحظر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وإبراء للذمَّة.
(^٢٩) مسألة: إذا سافر بعد دخول وقت صلاة: فإنه يقصرها؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو سافر قبل دخول وقتها يقصرها، فكذلك إذا سافر بعده والجامع: أن كلًا منهما مؤدَّاة في وقت، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لاجتماع شرطي القصر، وللتيسير على العباد، فإن قلتَ: إنه يجب عليه أن يتمها في هذه الحالة - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقتها: وجوبها تامة: سواء سافر أو لا قلتُ: هذا لا يلزم؛ حيث إن الأدلة المثبتة للقصر - وهي: الكتاب، والسنة القولية والفعلية، وقول الصحابي - وردت مطلقة في الزمان: فلم تفرق =
[ ١ / ٦٦٩ ]
في سفر): أتمها؛ لأن القضاء معتبر بالأداء وهو أربع (^٣٠) (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر: أتم؛ لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله (^٣١) (أو ائتم) مسافر
في إباحة القصر بين من سافر بعد دخول وقت الصلاة أو بعده، فيبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يقوى التلازم الذي ذكروه على تقييد المطلق الوارد في النصوص المثبتة للقصر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٣٠) مسألة: إذا نسي صلاة في الحضر، فلما سافر تذكَّر تلك الصلاة المنسية، أو تذكَّر أنه صلى في الحضر بلا طهارة وهو في السفر: فإنه يقضيها تامة أربع ركعات، بدون قصر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأوجب الشارع أن تصلى الصلاة المتروكة، كما وجبت تامة دون أن تتأثَّر بالحال الذي هو عليه؛ لكون قضاء الشيء يكون كما وجب أداء، وهي في الحضر أربع وخرج الوقت وهو في الحضر، فتقضى هكذا دون تغيير؛ إبراء الذمته.
(^٣١) مسألة: إذا نسي صلاة في السفر، فلما حضر ووصل إلى بلده تذكر تلك الصلاة، أو تذكَّر أنه صلى في سفره بلا طهارة: فإنه يقضيها تامة، بدون قصر؛ للتلازم؛ حيث إن القصر قد شرع رخصة بشرط: السفر - كما سبق - فيلزم من زوال السفر: زوال الرخصة وهي: القصر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم وجود مشقةً في الإتمام؛ لكونه في بلده، فإن قلتَ: إنه يقضيها مقصورة وهو: قول أبي حنيفة ومالك وبعض الحنابلة كابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الصلاة قد وجبت في السفر فيلزم أن يقضيها مقصورة؛ لكون قضاء الشيء يكون كما وجب أداء، وهي في السفر ركعتان، وخرج وقتها وهي كذلك، فتقضى هكذا قلتُ: الصلاة وجبت على المسافر تامة وليست مقصورة، ولكن =
[ ١ / ٦٧٠ ]
(بمقيم): أتم، قال ابن عباس ﵃: "تلك السنة" رواه أحمد، (^٣٢) ومنه: لو ائتمَّ مسافر بمسافر فاستخلف مُقيمًا؛ لعذر: فيلزمه الإتمام (^٣٣) (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي: في إقامته وسفره: لزمه أن يُتم وإن بان أن الإمام مسافر؛ لعدم نيته، (^٣٤) لكن
الشارع قد خفَّف ذلك وجعلها ركعتين بشرط السفر المشتمل غالبًا على المشقة، فلما حضر ونوى الإقامة: لم يكن موصوفًا بالسفر فزالت عنه العلة التي من أجلها شرع القصر وهي: المشقة، فعادت الصلاة كما هي في الأصل وهي: كونها تامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^٣٢) مسألة: إذا صلى مسافر خلف مقيم: فيجب على المسافر أن يُتمَّ صلاته كالمقيم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" وهذا عام؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم، فيشمل المأموم المقيم والمسافر، ولذا: يحرم أن يقصر المسافر مع إتمام الإمام المقيم؛ لأن النهى هنا مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق المتابعة للإمام، وفي ذلك اجتماع المسلمين.
(^٣٣) مسألة: إذا صلى زيد المسافر خلف محمد المسافر - أيضًا - وكان معهما بكر المقيم، ثم أحدث محمد الإمام - مثلًا - فقطع إمامته، واستخلف بكرًا - المقيم - عنه: فيجب على زيد أن يتم صلاته ولو كان قد بدأها خلف محمد - المسافر -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو ابتدأ صلاته خلف مقيم: فإنه يتم، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يوصف بأنه مقيم - كما سبق في مسألة (٣٢).
(^٣٤) مسألة: إذا شكَّ زيد المسافر في إمامه هل هو مقيم أو مسافر؟: فيجب أن ينوي الإتمام ويتم سواء اتضح من هذا الإمام أنه مسافر في أثناء صلاته أو لم يتضح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، وزيد قد نواه، فيُعمل على ذلك الأصل، =
[ ١ / ٦٧١ ]
إذا علم، أو غلب على ظنه أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة لباس، وأن إمامه نوى القصر: فله القصر؛ عملًا بالظاهرة، (^٣٥) وإن قال: "إن أتمَّ: أتممتُ، وإن قصر: قصرتُ": لم يضر (^٣٦) (أو أحرم بصلاة: يلزمه إتمامها)؛ لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها - مثلًا - (ففسدت) بحدثٍ أو نحوه، وأعادها: أتمها؛ لأنها وجبت عليه تامَّة بتلبُّسه بها (^٣٧) (أو لم ينو القصر عند إحرامها): لزمه أن يُتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق
وعلى تلك النية وإن بان خلاف ذلك أثناء الصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ شرع؟ قلتُ: لأن الشك لا تُبنى عليه أحكام، ولا يجوز تغيير النية بعد تكبيرة الإحرام.
(^٣٥) مسألة: إذا غلب على ظن زيد المسافر أن إمامه مسافر بسبب ظهور إمارات وعلامات السفر كرثة في ثيابه، أو وجود دابة أو متاع بجانبه أو نحو ذلك، وغلب على ظنه أيضًا: أن هذا الإمام قد نوى القصر: فإن زيدًا ينوي القصر، ويصلي معه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر هذا الإمام أنه مسافر وأنه نوى القصر: أن ينوي زيد القصر ويصلي خلفه؛ لأن العمل بالظاهر واجب.
(^٣٦) مسألة: إذا أراد المسافر أن يصلي خلف إمام لا يعلم عنه أنه مسافر أو مقيم ونواهما فقال: "إن أتم هذا الإمام الصلاة: أتممتُها، وإن قصرها: قصرُتها": صحَّ ذلك، ويصلي على حسب إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام، فيشمل الأمرين إذا نواهما وقيَّد ذلك بفعل إمامه، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخليص بعض المسافرين من الحيرة التي يجدونها في هذه الحالة.
(^٣٧) مسألة: إذا كبَّر المسافر تكبيرة الإحرام لصلاة يلزمه إتمامها كأن يكون قد اقتدى بها بإمام مقيم، أو لم ينو قصرها أصلًا، فصلاها تامة، فلما فرغ منها، بأن أنها فاسدة - بأن كان قد صلَّاها بلا طهارة -: فيجب أن يُعيدها تامة غير مقصورة؛ للتلازم؛ حيث إنه قد تلبَّس ودخل فيها تامَّة، فيجب أن يُعيدها كما تلبَّس بها قبل بيان فسادها، فيُصليها تامة.
[ ١ / ٦٧٢ ]
النية ينصرف إليه (^٣٨) (أو شكَّ في نيته) أي: نية القصر: أتم؛ لأن الأصل: أنه لم ينوه (^٣٩) (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام): أتم، وإن أقام أربعة أيام فقط: قصر؛ لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها (^٤٠) (أو) كان المسافر (ملَّاحًا) أي: صاحب سفينة (معه أهله، لا ينوي الإقامة ببلد: لزمه أن يُتمَّ)؛ لأن سفره غير منقطع مع أنه غير ظاعن عن وطنه
(^٣٨) مسألة: إذا لم ينو المسافر قصر الصلاة عند تكبيرة الإحرام: فيجب عليه أن يُصلِّيها تامة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، والواجب أن ينويه، فإذا أطلق: فإن النية تنصرف إلى هذا الأصل وهو: الإتمام، فيُستصحب ويُعمل به، ولا يُترك ذلك إلا بتعيين نيته؛ لأنها سر العبادة.
(^٣٩) مسألة: إذا شك المسافر هل نوى القصر أو الإتمام عند تكبيرة الإحرام؟ فيجب عليه أن يصليها تامة؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل: أنه لم ينو القصر، وإذا كان الأمر كذلك: فليس له إلا الإتمام، فيستصحبه ويعمل به؛ لكون الشك لا تُبنى عليه أحكام.
(^٤٠) مسألة: إذا سافر شخص، ثم نوى الإقامة في أي مكان أربعة أيام: فيباح له قصر الصلاة وإن أقام أكثر من ذلك فيجب عليه أن يُتم الصلاة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما أقام أربعة أيام في مكة قصر الصلاة، ويلزم من ذلك: وجوب الإتمام عندما يُقيم أكثر من ذلك، وهو: رجوع إلى الأصل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامته تلك الأيام الأربعة يُعدُّ نفسه للسفر مرة أخرى، فلو أتم فقد تلحقه مشقة في ذلك، فدفعًا لذلك شرع.
[ ١ / ٦٧٣ ]
وأهله، ومثله: مكار، وراع، ورسول سلطان ونحوهم، (^٤١) ويتم المسافر إذا مرَّ بوطنه، أو ببلد له به امرأة، أو كان قد تزوج فيه، (^٤٢) أو نوى الإتمام ولو في أثنائها بعد نية القصر (^٤٣) (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما): قصر؛ لأنه سافر سفرًا بعيدًا (^٤٤) (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر: قصر)؛ لأن وجوبها
(^٤١) مسألة: إذا كان المسافر ملاحًا - وهو قائد السفينة -، أو كان يُكري دابته، أو سيارته لحمل الناس والبضائع من بلد إلى بلد آخر، أو كان راع لماشية، أو كان رسول سلطان - وهو: البريد -: فيجب أن يُتم صلاته إذا كان أهله معه كزوجته، فإن لم يكن معه أهله، فله القصر؛ للقياس، بيانه: كما أن المقيم ببلد لا يقصر، فكذلك هذا والجامع: أن كلًا معه مصالحه من تنوُّر، وأهل، وقلة مشقة؛ لكونه معتادًا على ذلك فلم توجد العلَّة التي من أجلُها شرع قصر الصلاة وهي: المشقة.
(^٤٢) مسألة: إذا سافر شخص فمرَّ ببلده أو مرَّ ببلد له فيه زوجة، أو مرَّ ببلد غريب فتزوج فيه: فيجب عليه أن يُصلي صلاة تامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الحالات: انقطاع السفر الذي هو مظنة المشقة، ويلزم من ذلك: الإتمام؛ حيث لم يتوفر شرط القصر.
(^٤٣) مسألة: إذا نوى المسافر القصر قبل تكبيرة الإحرام، فلما دخل في الصلاة قلب نيته من القصر إلى الإتمام: فيجب عليه الإتمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رجوعه إلى الأصل - وهو الإتمام - بتلك النية: أن يعمل على ذلك في باقي الصلاة؛ لكون نية الإتمام: نية للقصر وزيادة.
(^٤٤) مسألة: إذا كان للبلد الذي يريد أن يسافر إليه الشخص طريقان: طريق قريب لا يبلغ مسافة قصر - وهي: (٨٢) كم -، وطريق بعيد يبلغ ذلك فسافر مع الطريق الأخير: فإنه يقصر الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شرطي =
[ ١ / ٦٧٤ ]
وفِعلها وجدا في السفر كما لو قضاها فيه نفسه قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها، واقتصر عليه في "المبدع"، وفيه شيء (^٤٥) (وإن حُبس) ظلمًا، أو بمرض أو مطر ونحوه (ولم ينو إقامة): قصر أبدًا؛ لأن ابن عمر ﵁ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول" رواه الأثرم، والأسير يقصر ما أقام عند العدو (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي؟: (قصر أبدًا) غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته؛ لأنه ﷺ: "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات، (^٤٦) وإن ظنَّ أن
القصر - وهما: السفر المباح الذي يبلغ (٨٢) كم فأكثر - وجود القصر؛ وذلك لدفع المشقة التي توجد غالبًا عند المسافر.
(^٤٥) مسألة: إذا نسي شخص صلاة وهو مسافر، ثم عاد وأقام في بلده مدة، ثم سافر مرة أخرى، ثم تذكَّر تلك الصلاة المنسية أثناء سفره الأخير: فإنه يقضي تلك الصلاة قصرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن من نسي صلاة في سفر ثم تذكَّرها في نفس هذا السفر: فإنه يقضيها قصرًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد وجبت أداء وقضاء في سفر، فلها حكم السفر، تنبيه: قوله: "قال ابن تميم: "وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها": يُشير به إلى أن الشخص إذا دخل في تلك الصلاة المقضية وهو مسافر وهو قائم في سفينة مثلًا، ثم وصلت تلك السفينة إلى ذلك البلد أثناء صلاته: فإنه يقصر قلتُ: هذا غير صحيح بل يُتم وقد بيّنت ذلك في مسألة (٢٨) لذلك قال المصنف: "وفيه شيء".
(^٤٦) مسألة: إذا حبس المسافر حابس من مرض أو ثلج، أو مطر أو سلطان، أو خوف على نفسه، أو برد، أو حر، أو كان أسيرًا عند قوم، أو كان ينتظر حاجة يريد أن يقضيها، وأقام مكرهًا، ولم ينو إقامة، ولا يدري متى يزول ذلك العذر؟ أو متى تنقضي الحاجة؟: فإنه يقصر ولو طالت المدَّة؛ لقاعدتين: =
[ ١ / ٦٧٥ ]
لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام: أتمَّ، (^٤٧) وإن نوى مسافر القصر حيث لم يُبح: لم تنعقد صلاته كما لو نواه مقيم (^٤٨) فصل: في الجمع (يجوز الجمع بين الظهرين) أي: الظهر والعصر في وقت أحدهما (و) يجوز الجمع (بين العشائين) أي: المغرب
الأولى: السنة الفعلية؛ حيث أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة - كما رواه جابر -، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن ابن عمر ﵁ قد أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حيث حبسه الثلج، وغير الثلج مما ذكر مثله؛ لعدم الفارق بجامع: عدم نية الإقامة من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الشخص لا يعلم متى يزول ذلك العذر، فيكون مُستعدًَّا للسفر دائمًا، فأبيح له القصر؛ دفعًا لمشقة ذلك.
(^٤٧) مسألة: إذا غلب على ظن المسافر الذي حبسه حابس - مما سبق ذكره في مسألة (٤٦) - أنه سيستمر أكثر من أربعة أيام: فإنه يُتم صلاته من أول ما حبسه هذا الحابس؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا علم ذلك يقينًا ونواه يُتم - كما سبق في مسألة (٤٠) - فكذلك إذا غَلَب على ظنَّه ذلك مثله والجامع: نيته الإقامة في كل؛ لعدم وجود مشقة في ذلك غالبًا، وهو المقصد منه.
(^٤٨) مسألة: إذا نوى مسافر القصر وهو لا يُباح له القصر: كأن ينويه في سفر معصية، أو كانت مسافة سفره أقل من (٨٢) كم أو نحو ذلك: فلا تصح نيته، ولا تنعقد صلاته فيما لو صلى، ويجب إعادتها تامة؛ للقياس، بيانه: كما أن المقيم لو نوى القصر وصلى صلاة مقصورة: فإنها لا تنعقد، وتجب إعادتها، فكذلك المسافر الذي نوى القصر في سفر لا يُباح له القصر فيه مثله والجامع: عدم توفر شرطي القصر وهما: السفر سفر مباح مسافة تقصر فيه الصلاة وهي - (٨٢) كم - وذلك في كل من المقيم، وهذا المسافر.
[ ١ / ٦٧٦ ]
والعشاء (في وقت أحدهما (^٤٩) في سفر قصر)؛ لما روى معاذ: "أن النبي ﷺ كان في
(^٤٩) مسألة: يُباح الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، ويُباح الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء؛ لعذر، سواء كان جمع تقديم: بأن تصلى الظهر والعصر في وقت الظهر وتصلى المغرب والعشاء في وقت المغرب، أو جمع تأخير بأن تُصلَّى الظهر والعصر في وقت العصر، وتصلى المغرب والعشاء في وقت العشاء؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك كما رواه معاذ وأنس ﵃، فإن قلتَ: لمَ أُبيح الجمع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع لمشقة فعل كل صلاة في وقتها، فإن قلتَ: لمَ لا تُجمع العصر مع المغرب؟ قلتُ: نظرًا لاختلاف الصلاتين في الوقت؛ حيث إن العصر في النهار، والمغرب في الليل، فإن قلتَ: لمَ لا تجمع العشاء مع الفجر، ولا الفجر مع الظهر قلتُ: لاحتمال انتفاء المبيح للجمع؛ نظرًا لطول الفاصل بين العشاء والفجر، وبين الفجر والظهر، فإن قلتَ: لمَ لا تُجمع الجمعة مع العصر؟ قلتُ: لأن الجمعة تنفرد عن غيرها بشروطها ووقتها، وهيئتها، ولم يرد عنه ﷺ أنه جمع بينها وبين العصر، فإن قلتَ: لا يُجمع إلا بين الظهر والعصر في يوم عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة فقط؛ وهو قول كثير من الحنفية، ورواية عن مالك؛ للسنة الفعلية المتواترة؛ حيث إنه تواتر عنه ﷺ الجمع في هذين الوقتين، وهذه السنة المتواترة تقوى على تخصيص السنة القولية والفعلية المتواترة والواردة في تحديد مواقيت الصلاة - كما سبق في شروط الصلاة - قلتُ: إن أخبار الآحاد - كخبر معاذ وأنس ﵃ التي ورد فيها الجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة قد قويت على تخصيص الأخبار المتواترة الواردة في مواقيت الصلاة؛ إذ تخصيص المتواتر بخبر الواحد جائز، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا: قلت: سببه: "الخلاف في السنة الأحادية، هل تقوى على تخصيص المتواترة أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
[ ١ / ٦٧٧ ]
غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء" رواه أبو داود والترمذي، وقال: "حسن غريب"، وعن أنس معناه متفق عليه (و) يُباح الجمع بين ما ذكر (لمرض يلحقه بتركه) أي: ترك الجمع (مشقة)؛ لأن النبي ﷺ "جمع من غير خوف ولا مطر" وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" رواهما مسلم من حديث ابن عباس ﵁، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة وهي نوع مرض، ويجوز أيضًا لمرضع؛ المشقة كثرة نجاسة ونحو مستحاضة، وعاجز عن طهارة أو تيمُّم لكل صلاة، وعن معرفة وقت كأعمى ونحوه، ولعذر أو شغل يُبيح ترك جمعة وجماعة (و) يُباح الجمع (بين العشائين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة، والثلج والبَرَد والجليد مثله (وَوَحْل وريح شديدة باردة)؛ لأنه ﷺ "جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة" رواه النجاد بإسناده وفعله أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (^٥٠) وله الجمع
(^٥٠) مسألة: إذا وجد المسلم أيَّ مشقة تلحقه في تكرار الطهارة لكل صلاة في وقتها فيباح له أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بشرط: أن يكون هذا المسلم متوسطًا في عقله ودينه - أي غير متشدَّد في الدين ولا متساهل فيه - كأن يسافر سفر تقصر له الصلاة وهي مسافة (٨٢) كم - كما سبق بيانه في مسألة (١٩) - أو أصابه مرض، أو كان يخرج منه حدث دائم لا يستطيع منعه كسلس بول، أو ريح، أو دم، أو مذي أو رعاف ونحو ذلك، أو امرأة تستحاض، أو كانت مرضعًا يشق عليها الوضوء لكل صلاة، أو كان خائفًا على نفسه أو ماله أو أهله أو أحد من خاصَّته، أو على معيشة يحتاجها كالطباخ أو الخباز أو الحارس، أو كان عاجزًا عن إيجاد الماء أو التراب لكل صلاة بوقتها، أو كان عاجزًا عن معرفة القبلة في أحد الوقتين كالأعمى مثلًا، =
[ ١ / ٦٧٨ ]
لذلك (ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقة تحت ساباط) ونحوه؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (^٥١) (والأفضل) لمن له الجمع
أو كان قد نزل مطر يبلِّل الثياب، أو وجد في طريقه ثلج أو بَرَد أو جليد، أو وَحْل - وهو الطين الرطب - أو وُجدت ريح شديدة باردة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ المستحاضة بالجمع، والاستحاضة: مرض، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد جمع الصلاتين في سفر مسافة قصر، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه يجمع في الاستحاضة والسفر فكذلك يجمع فيما ذكرناه من الحالات إذا شعر المسلم بمشقة تكرار الطهارة لكل صلاة في وقتها والجامع: دفع المشقة في كل عن المسلمين، وهذا هو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: يُباح جمع الصلاتين من غير عذر؛ للسنة الفعلية؛ حيث جمع ﷺ الظهر مع العصر من غير عذر، وقال ابن عباس ﵃: "إنه فعل ذلك؛ لئلا يُحرج أمتَّه" قلتُ: الظاهر: أن هذا ليس بجمع؛ حيث إنه أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وقدم العصر إلى أول وقتها فصلى الظهر، فلما دخل وقت العصر صلاها وهذا لا يُسمَّى جمعًا بل صلى كل صلاة في وقتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف فيما ظهر من فعله ﵇" تنبيه: قوله: "يُباح الجمع بين العشائين خاصة .. " قلتُ: يُباح الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بسبب المطر، ولا يخص ذلك المغرب والعشاء فقط؛ لعموم الأدلة السابقة.
(^٥١) مسألة: يُباح جمع الصلاتين إذا نزل مطر، أو وجد وحل في طرق البلدة، وإن كان الشخص يمشي تحت ساباط - وهو الطريق المسقوف الواصل بين المسجد وبيت هذا الشخص -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد جمع الصلاتين ولا يوجد بين مسجده وحجرته شيء يذكر، الثانية: القياس، بيانه: =
[ ١ / ٦٧٩ ]
(فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم) بأن يُقدِّم الثانية فيُصليها مع الأولى؛ لحديث معاذ السابق، فإن استويا: فالتأخير أفضل، (^٥٢) والأفضل بعرفة: التقديم، وبمزدلفة: التأخير مطلقًا، وترك الجمع في سواهما أفضل، (^٥٣)
كما أن المسافر الذي قد لا يجد مشقة في سفره يُباح له القصر والفطر والجمع، فكذلك هذا الشخص يُباح له الجمع والجامع: أن كلًا منها رخص عامة شُرعت في حالة يغلب وجود المشقة فيها، وهذا هو المقصد منه.
(^٥٢) مسالة إذا أراد أن يجمع صلاتين: فالأفضل أن يفعل الأرفق والأيسر والأسهل عليه، فإن كان الأرفق به: جمع التقديم: فعله، وإن كان الأرفق به جمع التأخير: فعله بدون حرج، وإن استويا عنده: فالأفضل جمع التأخير؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان النبي ﷺ يفعل الأنسب والأرفق به وبالمؤمنين -كما سبق في حديث معاذ وأنس ﵁- الثانية: المصلحة؛ حيث إن جمع التأخير يُحقق المحافظة على المواقيت للصلوات، وهذا أحوط.
(^٥٣) مسألة: إذا أراد أن يجمع صلاة الظهر مع العصر في عرفة: فالأفضل أن يصليهما في وقت الظهر، وإذا أراد أن يجمع المغرب مع العشاء في مزدلفة: فالأفضل أن يصليهما في وقت العشاء، أما في غير هذين الموضعين من أعمال الحج فالأفضل ترك الجمع؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في الحالات الثلاث التي ذُكرت هنا، فإن قلتَ: لِمَ كان الأفضل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في جمع التقديم في عرفة: إيجاد وقت للعبادة في آخر يوم عرفة، وفي جمع التأخير في مزدلفة: إيجاد وقت للسير من عرفة إلى مزدلفة، وفي ترك الجمع في غيرهما من أعمال الحج: الاحتياط للعمل في أحاديث المواقيت.
[ ١ / ٦٨٠ ]
ويُشترط للجمع ترتيب مطلقًا (^٥٤) (فإن جمع في وقت الأولى: اشترط) له ثلاثة شروط: (نية الجمع عند إحرامها) أي: إحرام الأولى دون الثانية، (و) الشرط الثاني: الموالاة بينهما فـ (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء خفيف) لأن معنى الجمع: المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير، فإنه معفو عنه (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي: بين المجموعتين؛ لأنه فرَّق بينهما بصلاة فبطل كما لو قضى فائتة، وإن تكلَّم بكلمة أو كلمتين: جاز (و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى)؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، (^٥٥) ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف
(^٥٤) مسألة: يُشترط للجمع: الترتيب: فيُصلي الظهر ثم العصر بعدها، ويصلي المغرب ثم العشاء بعدها: سواء كان ذلك جمع تقديم أو جمع تأخير، فإن قدَّم العصر على الظهر، أو العشاء على المغرب: فلا يصح الجمع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك ويُواظب عليه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الظهر والمغرب متقدَّمتان في أصل المشروعية على العصر والعشاء، فيُحافظ على هذا الأصل.
(^٥٥) مسألة: اشترط لجمع التقديم شروط ثلاثة: أولها: أن ينوي عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى: أنه سيجمع الثانية مع الأولى، فإن صلى الأولى، ثم نوي أنه سيجمع معها ثانية ثم دخل في الثانية: فلا يصح ذلك، ثانيها: أن يوالي بين الصلاتين المجموعتين، بأن يصلي الأولى، ثم يليها الثانية مباشرة، إلا إن كان الفاصل يسيرًا مثل كلمتين أو وضوء وتيمم سريع، فهذا لا يضر، أما إن صلى بينهما فائتة عليه، أو صلى راتبة الأولى بعدها، ثم صلى الثانية: فلا يصح الجمع، ثالثها: أن يوجد السبب والعذر المبيح للجمع حال افتتاح الأولى، وافتتاح الثانية، وعند الفراغ والسلام من الأولى؛ لقواعد: الأولى: السنة =
[ ١ / ٦٨١ ]
غيره، (^٥٦) وإن انقطع السفر في الأولى: بطل الجمع والقصر مطلقًا: فيُتمُّها وتصح،
القولية حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه لأن "الأعمال" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم؛ حيث إن الجمع عمل، فلا بد أن ينوى قبل البدء بذلك العمل، ولا تصح نية الجمع إلا إذا وجد السبب والعذر المبيح للجمع وعند السلام منها؛ لأن الجمع بلا عذر: لا يصح، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما جمع الصلاتين والى بينهما وأتبع الثانية الأولى، ولم يُعهد عنه أنه فرق بينهما، فإن قلتَ: لمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لأن الجمع عبادة، ولا تصح أيُّ عبادة بلا نية، ولأن اتباع الثانية بالأولى هو الذي يُحقق الغرض الذي من أجله شُرع الجمع وهو: التخفيف على العباد، ولأن افتتاح الأولى هو موضع نية الجمع، وافتتاح الثانية هو: موضع الجمع نفسه فيلزم اعتبار العذر في هذين الموضعين، فإن قلتَ: لا تشترط الموالاة وهو قول كثير من العلماء، ومنهم ابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث إن المراد بالجمع هو: الجمع في الوقت، وهذا يلزم منه: أن يصح الجمع وإن لم تتصل الثانية مع الأولى، قلتُ: هذا فيه نظر؛ لمخالفته للمقصد الشرعي من مشروعية الجمع، وهو: الرفق والتخفيف على الناس؛ إذ لو فُرِّق بينهما لكانت قريبة من الصلاة المعتادة، وهذا لم يقصده الشارع عند مشروعية الجمع كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تحقيق المقصود من الجمع" فعندنا: لا يتحقق إلا إذا صُلِّيت الثانية بعد الأولى مباشرة، وعندهم: يتحقق إذا صُلِّيت الثانية في وقت الأولى مطلقًا.
(^٥٦) مسألة: إذا جمع بسبب مطر، أو بَرَد أو ثلج: فلا يُشترط دوام ذلك إلى الفراغ من الثانية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من المطر ونحوه: وجود وَحْل وطين رطب بعده =
[ ١ / ٦٨٢ ]
وفي الثانية يُتمها نفلًا (^٥٧) (وإن جمع في وقت الثانية: اشترط) له شرطان (نية الجمع في وقت الأولى): لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية: صارت قضاء، لا جمعًا (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها)؛ لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو يُنافي الرخصة (و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) فإن زال العذر قبله: لم يجز الجمع؛ لزوال مقتضيه كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع، ولا بأس بالتطوع بينهما، (^٥٨) ولو صلى الأولى وحده، ثم الثانية إمامًا أو مأمومًا، أو
فقد يكون أشد ضررًا من المطر نفسه، وهذا يجمع له، بخلاف غيره من سفر ونحوه فلا يوجد ذلك فيه، فيلزم اشتراطه؛ لعدم وجود توابع له.
(^٥٧) مسألة: إذا كان يجمع ويقصر الصلوات؛ نظرًا لسفره، ثم انقطع سفره بأن وصل بلده وهو يصلي على سفينة صلاة الظهر: فيجب أن يتم تلك الصلاة، أما إن وصل أثناء صلاته العصر المجموعة مع الظهر: فإنه يُتمها نفلًا؛ للتلازم، وهو من وجوه أولها: أنه يلزم من زوال العذر -وهو السفر- زوال الحكم وهو: الجمعُ والقصر، ثانيها: أنه يلزم من مصادفة صلاة الظهر لوقتها: إتمامها وصحتها، ثالثها: أنه يلزم من عدم دخول وقت العصر: إتمامها نفلًا، لكون الصلاة المفروضة لا تصح قبل دخول وقتها.
(^٥٨) مسألة: اشتُرط لجمع التأخير شرطان أولهما: أن ينوي في وقت الصلاة الأولى: أنه سيجمعها مع الثانية، في وقت الثانية، وأن تكون هذه النية في وقت الأولى الموسَّع، فلو أن رجلًا عنده سبب مبيح للجمع، فأخر المغرب حتى لم يبق من وقتها إلا وقت لا يمكنه فعلها فيه؛ نظرًا لضيقه، فنوى في هذه اللحظة جمعها مع العشاء: فهذا لا يصح، ثانيهما: أن يستمر العذر المبيح للجمع إلى حين دخول وقت الثانية، فإن زال ذلك العذر في وقت الأولى كأن يبرأ المريض أو ينقطع المطر، أو يرجع المسافر: فلا يصح الجمع؛ للتلازم، وهو من وجوه: =
[ ١ / ٦٨٣ ]
صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع: صح (^٥٩) فصل: (وصلاة الخوف صحَّت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة) قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها أو تختار واحدًا منها؟ قال: "أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل: فأنا أختاره" وشرطها: أن يكون العدو مباح القتال: سفرًا كان أو حضرًا مع خوف هجومهم على المسلمين، وحديث سهل الذي أشار إليه هو: صلاته ﷺ بذات الرقاع: "طائفة صفَّت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه
أولها: أن تحديد أوقات الصلوات يلزم منه عدم جواز تأخير أي صلاة عن وقتها بلا عذر أو وجود سبب مبيح لجمع التأخير ولا يكون ذلك إلا بنية وقصد يكون في وقت الأولى؛ إذ لا بدَّ من الفعل أو عزم ونية على الفعل، وإن لم توجد هذه النية: فإن صلاته الأولى في وقت الثانية: يكون قضاء، ثانيها: أن تأخير الصلاة إلى وقت يضيق عن فعلها فيه حرام، وهذا يُنافي الرخصة -وهي الجمع- أي: لا يُباح شيء رخصة عن طريق محرم، فيلزم عدم صحة النية، وإذا بطلت النية بطل الجمع، ثالثها: أن استمرار وجود العذر إلى دخول وقت الثانية يلزم منه: تحقق العذر في الوقتين فيصح جمعهما لعذر واحد، تنبيه: قوله: "ولا بأس بالتطوع بينهما" يشير به إلى جواز الفصل بين الصلاتين المجموعتين قلتُ: هذا لا يصح، وهو مخالف لشرط الموالاة بينهما، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٥).
(^٥٩) مسألة: لا يُشترط في الجمع اتحاد الصلاتين المجموعتين من حيث كونهما وقعتا من منفرد أو إمام أو مأموم، فلو صلى الجامع الأولى منفردًا، ثم صلى الثانية، وهو إمام، أو مأموم، أو خلف من لم يجمع: لصح ذلك؛ للتلازم: حيث إن شروط الجمع -التي في مسائل (٥٤ و٥٥ و٥٨) - إذا وجدت لزم صحة الجمع مطلقًا، بصرف النظر عن وقوعهما من منفرد أو مؤتم أو إمام.
[ ١ / ٦٨٤ ]
ركعة، ثم ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم" متفق عليه، (^٦٠) وإذا اشتدَّ الخوف: صلوا رجالًا وركبانًا
(^٦٠) مسألة: تجوز صلاة الخوف بشرط: كون العدو يُخاف هجومه على المسلمين، ويحل قتاله، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وهو واضح الدلالة، الثانية: السنة الفعلية: حيث ثبت عنه ﷺ أنه صلاها بصفات أشهرها صفتان: الصفة الأولى: تكون إذا كان العدو في غير جهة القبلة وهي التي ذكرها المصنف والتي رواها صالح بن خوات عن بعض الصحابة كسهل بن أبي حثمه الأنصاري في صلاة ذات الرقاع، الصفة الثانية: تكون إذا كان العدو في جهة القبلة، بحيث لا يخفى بعضهم عن المسلمين، قال جابر: "صففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبَّر رسول الله ﷺ فكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر نحو العدو، فلما قضى النبي السجود وقام الصف الذي يليه: انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعًا، ورفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه -الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى- وقام الصف المؤخر نحو العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا معه جميعًا" فإن قلتَ: لمَ شُرِعت تلك الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على المسلمين من غدر العدو، فإن قلتَ: إن صلاة الخوف خاصة بالنبي ﷺ فقط، ولا يُصليها غيره، وهو قول بعض الحنفية؛ =
[ ١ / ٦٨٥ ]
للقبلة وغيرها يومئون طاقتهم، وكذا: حالة هرب مباح من عدو، أو سيل ونحوه، أو خاف فوت عدو يطلبه، أو وقت وقوف بعرفة (^٦١) (ويُستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يُثقله كسيف ونحوه) كسكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحال؛ للحاجة بلا إعادة. (^٦٢)
للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ حيث إنه خطاب له ﷺ فلا يتعدَّى قلتُ: هذا ضعيف؛ لقاعدتين: الأولى: أن ما ثبت في حق النبي ﷺ فإنه ثابت في حق الأمة إذا لم يوجد دليل على اختصاصه به، وضمير المخاطب هنا لا يجعل ذلك خاصًا به ﷺ وإن كان مفردًا، يؤيده قول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الثانية: فعل الصحابي: حيث إن عليًا وأبا موسى الأشعري ﵁ قد صليا صلاة الخوف بكثير من الصحابة من غير نكير، وهذا قريب من إجماع الصحابة السكوتي.
(^٦١) مسألة: إذا اشتدَّ خوف مسلم على نفسه أو أهله أو ماله بسبب عدو، أو حريق، أو غرق، أو سبع، أو بسبب خوفه من فوات الوقوف بعرفة، أو اشتد هربه من العدو، وخاف من فوات الوقت: فإنه يصلي صلاة الخوف، أو الصلاة العادية بأي طريقة من ركوع أو سجود إن أمكن أو إيماء بالرأس أو بالحاجب، سواء كان راكبًا أو ماشيًا، وسواء اتجه إلى القبلة أو لا؛ وإن شق عليه ذلك فإنه يؤخر الصلاة حتى يأمن على نفسه ومن معه ثم صلي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد أخَّر الصلوات في غزوة الأحزاب حتى أمن، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المسلمين، لئلا ينالهم أذى.
(^٦٢) مسألة: إذا غلب على ظن المسلم هجوم العدو أثناء صلاته: فيجب أن يحمل سلاحه وهو يصلي: سواء كان هذا السلاح طاهرًا أو لا، وسواء كان خفيفًا
[ ١ / ٦٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالسكين، أو ثقيلًا كالبندقية، أما إن شك في هجومه: فيُستحب أن يحمل سلاحه أثناء صلاته؛ لقاعدتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فأوجب حمل السلاح؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المضرة عن المسلم.
هذه آخر مسائل باب "صلاة أهل الأعذار، وقصر الصلاة وجمعها وصلاة الخوف" وهو آخر المجلد الأول من كتاب: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها، ومصالحها وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها" لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثاني وأوله باب "صلاة الجُمعة"
[ ١ / ٦٨٧ ]