وهو: الدعاء بطلب السقي على صفة مخصوصة، أي: الصلاة لطلب السقي على الوجه الآتي (إذا اجدبت الأرض) أي: أمحلت، والجدب: نقيض الخصب (وقحط) أي: احتبس (المطر) وضرَّ ذلك، وكذا: إذا ضرَّهم غور ماء عيون أو أنهار: (^١) (صلوها جماعة وفُرادى) وهي سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد: "خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" متفق عليه، والأفضل: جماعة حتى في سفر، ولو كان القحط بغير أرضهم، (^٢) ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة؛ لعدم
باب صلاة الاستسقاء
وفيه ثنتان وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الاستسقاء هو: دُعاء الله بأن يُنزل الغيث والمطر، أو بأن يُكثر ماء العيون والأنهار والآبار والبحار بصورة مخصوصة سيأتي ذكرها، فإن قلتَ: ما سبب الاستسقاء؟ قلتُ: سببه: انقطاع المطر واحتباسه وإجداب الأرض، وقحطها، وغور الماء وذهابه وعدم خروجه في العيون والأنهار والآبار، وانقلاب الماء العذب إلى مالح.
(^٢) مسألة: صلاة الاستسقاء مستحبَّة، تصح من الجماعة ومن المفرد، وهي في جماعة أفضل، وهذا مطلق، أي: سواء كان سبب القحط في أرض المصلين صلاة الاستسقاء أو بأرض غيرهم من أراضي المسلمين؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي حديث الأعرابي الذي بين فيه ﷺ أن الصلوات المفروضة خمس فقط، فقال الأعرابي: هل علي غيرهن قال: "لا إلا أن تطوع" فنفى ﷺ وجوب شيء غير الخمس، وأثبت أن ما عدا هذه الخمس نفل، والاستسقاء =
[ ٢ / ٨٤ ]
الضَّرر (^٣) (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) قال ابن عباس ﵁:
= غير الخمس: فيلزم أن تكون نفلًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى صلاة الاستسقاء جماعة - كما رواه عبد الله بن زيد - الثالثة: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن صلاة الكسوف تصح من الجماعة والمنفرد فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منهما فيه دعاء بإزالة ضرر، ثانيهما: كما أن صلاة الاستسقاء تصلى بسبب قحط حصل بأرض المصلين فكذلك تصلى بسبب قحط حصل بأرض غيرهم والجامع: إزالة الضرر عن المسلمين في كل، وهذا هو المقصد من صلاة الاستسقاء، فإن قلتَ: لمَ كانت الصلاة في جماعة أفضل؟ قلت: لأن الدعاء مع الجماعة أقرب إلى الاستجابة، فإن قلتَ: لا تستحب صلاة الاستسقاء وهو محكي عن أبي حنيفة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد استسقى على المنبر وهو يخطب لصلاة الجمعة، ولم يخرج لأجلها قلتُ: خروجه ﷺ لصلاة الاستسقاء ثابت بأحاديث كثيرة، ودعاؤه بالسقي وهو يخطب الجمعة لا يتعارض مع خروجه هذا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية والفعلية" فعندنا: تقدم السنة القولية والفعلية التي رواها عبد الله بن زيد؛ لكون السنة الفعلية الثانية لا يفهم منها عدم مشروعيتها، وعندهم: تقدم السنة الفعلية الثانية؛ لفهمهم منها: عدم مشروعيتها، وعدم ثبوت ما رواه عبد الله بن زيد عندهم.
(^٣) مسألة: لا تُشرع صلاة الاستسقاء إذا انقطع المطر عن أرض غير مسكونة، ولا يسلكها المسافرون؛ للتلازم؛ حيث إن الاستسقاء قد شُرع لإزالة الضرر عن المسلمين الساكنين فيلزم من هذا: عدم مشروعية هذه الصلاة في الأرض التي لا يسكنها ولا يمرُّ بها أحد؛ لعدم وجود ضرر على أحد.
[ ٢ / ٨٥ ]
"سنة الاستسقاء سنة العيدين" فتسنُّ في الصحراء، ويصلي ركعتين، يُكبِّر في الأولى ستًا زوائد، وفي الثانية خمسًا من غير أذان ولا إقامة، قال ابن عباس: "صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد" وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ويقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية، وتفعل وقت صلاة العيد (^٤) (وإذا أراد الإمام الخروج لها: وعظ الناس) أي: ذكَّرهم بما يُليِّن قلوبهم من الثواب والعقاب (ويأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) بردِّها إلى مستحقيِّها؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء وهي: العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير؛ لقوله ﷺ: "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفعت" (و) أمرهم بـ (الصيام)؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، ولحديث: "دعوة الصائم لا ترد" (و) أمرهم بـ (الصدقة)؛ لأنها متضمنة للرحمة (ويعدهم) أي: يُعيِّن لهم (يومًا يخرجون
(^٤) مسألة: صفة صلاة الاستسقاء: أن تُفعل في المصلى في الصحراء القريبة من البنيان - إن أمكن ذلك - وهي: ركعتان، يُكبر في الأولى - بعد تكبيرة الإحرام - بست تكبيرات زوائد، ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها بسورة "الأعلى" ويكبِّر في الثانية - بعد تكبيرة الرفع من السجود - بخمس تكبيرات زوائد، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ بسورة الغاشية، أو يقرأ غيرهما، وصفتها كصفة صلاة العيد: من حيث الخروج إليها، وكونها ركعتين، وما يقرأ فيهما، والجهر بذلك وحكمها، ووقتها، وكونها لا أذان لها ولا إقامة، وصفة التكبيرات الزوائد، وكون الصلاة قبل الخطبة، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في باب "صلاة العيد" من أوّل مسائل ذلك الباب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية حيث قال ابن عباس ﵁ في الاستسقاء: "صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد" الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة العيدين".
[ ٢ / ٨٦ ]
فيه) ليتهيؤا للخروج على الصفة المسنونة (^٥) (ويتنظف) لها بالغسل، وإزالة الروائح الكريهة وتقليم الأظفار؛ لئلا يؤذي (ولا يتطيب)؛ لأنه يوم استكانة وخضوع (^٦)
(^٥) مسألة: يُستحب للإمام أن يُعيِّن يومًا للخروج فيه لصلاة الاستسقاء، وأن يعظ الناس - قبل الخروج بيوم أو يومين -: فيُذكِّرهم بهذه الموعظة الأوامر والنواهي الشرعية، ويُرغِّبهم فيها بالمسارعة في فعل الخيرات، وترك المعاصي والمنكرات، ويُرغِّبهم بالتوبة، والتخلص من المظالم التي ارتكبوها، وأن يُكثروا من الاستغفار، وأن يخرجوا زكاة جميع أموالهم، وأن يترفّعوا عن التشاحن والتخاصم، وأن يتركوا الكذب والخيانة والنفاق، وأن يكثروا من الصدقات والصيام؛ للمصلحة؛ حيث إن خروج المسلم وهو قد تخلَّى عن المعاصي والمنكرات، وتحلَّى بالتوبة، والاستغفار، والتقوى، والصوم والصدقة سبب لنزول البركات: من الأمطار وغيرها من الخيرات قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال مجاهد في تفسير قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: "إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر وانقطع العشب"، والاستغفار سبب لكل بركة في كل شيء، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ويأمرهم بالخروج من المظالم؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإخراج الصدقة والزكاة؛ لكونها من أسباب منع غضب الله تعالى ونزول الرحمة، والصيام من أسباب استجابة الدعاء، قال ﷺ: "دعوة الصائم لا تُردَّ" والشحناء والبغضاء بين الناس: تمنع كل الخير.
(^٦) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف المسلم لصلاة الاستسقاء: بأن يغتسل، ويتسوَّك، ويُزيل كل ما يُسبِّب ظهور رائحة كريهة: من شعر، وأظفار ونحوهما، ولا يتطيب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة إيذاء الآخرين بالروائح =
[ ٢ / ٨٧ ]
(ويخرج) الإمام كغيره (متواضعًا متخشعًا) أي: خاضعًا (متذللًا) من الذل وهو: الهوان (متضرعًا) أي: مُستكينًا؛ لقول ابن عباس: "خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشِّعًا متضرِّعًا" قال الترمذي: "حديث حسن صحيح" (^٧) (ومعه أهل الدِّين والصلاح والشيوخ)؛ لأنه أسرع لإجابتهم (والصبيان المميزون)؛ لأنهم لا ذنوب لهم، وأُبيح خروج طفل وعجوز، وبهيمة، (^٨) والتوسُّل بالصالحين (^٩) (وإن
= الكريهة عند الاجتماع لهذه الصلاة، وترك الطيب أقرب إلى التذلل والاستكانة، وهذا أقرب إلى استجابة الدعاء.
(^٧) مسألة: يُستحب أن يخرج الإمام والمأموم لصلاة الاستسقاء وهو متَّصف بالتواضع والخشوع والخضوع، والاستكانة والتضرع، والتذلُّل في جميع أقواله وأفعاله، ويُكثر الدعاء لنفسه ولغيره وهو في هذه الحالة؛ للسنة الفعلية؛ حيث خرج النبي ﷺ وهو كذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروجه وهو في هذه الحالة أقرب إلى الاستجابة.
(^٨) مسألة: يُستحب أن يخرج الإمام لصلاة الاستسقاء ومعه مَنْ يعرفهم بتقواهم وورعهم وعلمهم، وأن يتجنَّب أغلب أهل المناصب والمراكز، وكذا يخرج معه: المميزون من الصبيان والأطفال، والعجائز، والبهائمُ، للمصلحة؛ حيث إن دعوة هؤلاء قريبة من الاستجابة؛ نظرًا لعدم الذنوب، أو قلَّتها.
(^٩) مسألة: لا يُشرع التوسُّل بالصالحين: فلا يحرص على خروج شخصٍ بعينه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع مفسدة قيام بعض الجهلة بعبادته أو بتقديسه، أو بالدعاء عند قبره إذا مات كما يفعل بعض الطوائف المبتدعة في هذا الزمان، فإن قلتَ: إن ذلك يُباح وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن قد حرص على خروج العباس عمِّ النبي ﷺ حينما أراد صلاة الاستسقاء قلتُ: هذا اجتهاد منه لا يلزمنا، ثم إن زمان عمر ﵁ غير الأزمنة المتأخرة؛ =
[ ٢ / ٨٨ ]
خرج أهل الذمَّة منفردين عن المسلمين) بمكان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (لا) إن انفردوا (بيوم): لئلاَّ يَّتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم: (لم يُمنعوا) أي: أهل الذمة؛ لأنه خروج لطلب الرزق (^١٠) (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد؛ لما تقدَّم (ثم يخطب) خطبة (واحدة)؛ لأنه لم يُنقل أن النبي ﷺ خطب بأكثر منها، ويخطب على منبر، ويجلس للاستراحة، ذكره الأكثر كالعيد في الأحكام والناس جلوس قاله
= حيث قلَّ الإيمان بالله في الأزمنة المتأخرة، فلذلك قلنا بعدم مشروعية ذلك؛ سدًا للذرائع؛ حيث إن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع المصلحة" فعندنا: تقدم المصلحة، وهم: قدَّموا فعل الصحابي.
(^١٠) مسألة: إذا أراد الكفار أهل الذمة - وهم من أعطاهم المسلمون العهد على حمايتهم - أن يخرجوا للاستسقاء: فإنه يؤذن لهم بذلك بشرطين: أولهما: أن يخرجوا إلى مكان غير المكان الذي خرج إليه المسلمون، ثانيهما: أن يخرجوا في اليوم الذي خرج فيه المسلمون؛ للمصلحة؛ حيث إن الله يُجيب دعوة المضطر وإن كان كافرًا؛ لسعة لطف الله تعالى وعطفه وكرمه، لأن الله خلق الخلق وضمن أرزاقهم جميعًا، وخروجهم كان لطلب هذا الرزق، واشتُرط الأول؛ لمنع اختلاط الكفار بالمسلمين؛ لما فيه من فتنة ونجاسة، واشترط الثاني؛ لمنع حصول فتنة بهم وبدينهم فيما لو نزل المطر في اليوم الذي استسقوا فيه؛ حيث قد يقول ضعفاء العقول: لو لم يكونوا على حق: لما نزل المطر في يومهم، تنبيه: سبب ذكر المصنف لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً …﴾ أن هذا القحط قد يكون بسبب الظالمين ومنهم الكفار فشمل المسلمين وديارهم، والمراد منها: اتقوا فتنة تتعدَّى الظالم فتصيب الصالح والطالح كما ذكر القرطبي (٧/ ٣٩٣).
[ ٢ / ٨٩ ]
في "المبدع" (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد)؛ لقول ابن عباس ﵁: "صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيد" (^١١) (ويُكثر فيها الاسغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات قال في "المحرَّر" و"الفروع": ويُكثر فيها الدعاء، والصلاة على النبي ﷺ؛ لأن ذلك معونة على الإجابة (ويرفع يديه) استحبابًا في الدعاء؛ لقول أنس ﵁: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يُرى بياض إبطيه" متفق عليه، وظهورهما نحو السماء؛ لحديث رواه مسلم (^١٢) (فيدعو بدعاء النبي ﷺ)
(^١١) مسألة: إذا فرغ الإمام من ركعتي صلاة الاستسقاء: فإنه يرقى المنبر فيجلس للاستراحة عليه قبل ابتدائه بالخطبة والناس أمامه، ثم يقوم ليُلقي خطبة واحدة يفتتحها بتسع تكبيرات كما يفعل في الخطبة الأولى من خطبتي العيد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك- كما رواه ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ شرع لها خطبة واحدة بعد الصلاة؟ قلتُ: لأن المقصود الأهم هي: الصلاة المتضمِّنة للقراءة والدعاء والذكر، والمناجاة، وكانت خطبة واحدة؛ لأن الدعاء والتكبير والتذلل في ذلك ينبغي أن يتواصل دون انقطاع، وفيه أيضًا: اختصار الخطبة.
(^١٢) مسألة: يُستحب أن يُكثر الإمام في خطبة الاستسقاء من الاستغفار بأي عبارة، ويُكثر من قراءة الآيات التي تتضمَّن بيان أن الاستغفار هو: السبب لكل خير، ويُكثر من الدعاء بأي أسلوب، رافعًا يديه أثناء ذلك، جاعلًا بطون يديه نحو وجهه، وظهورهما نحو القبلة أو السماء؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الصلاة على النبي، والدعاء مع رفع اليدين فيه مصلحة استجابة الدعاء بصورة أسرع؛ وهو مبالغة في التذلُّل، والخضوع، والاستجداء.
[ ٢ / ٩٠ ]
تأسيًا به (ومنه): ما رواه ابن عمر الله ﵃: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثًا) أي: مطرًا (مُغيثًا) أي: مُنقذًا من الشدِّة يُقال: "غائه وأغاثه" (إلى آخره) أي: آخر الدعاء، أي: "هنيئًا مريئًا غدقًا مُجلِّلًا عامًا سحًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، "اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق"، "اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مالا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء مالا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (^١٣) ويُسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويُحوِّل رداءه: فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرًّا، فيقول: "اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتَّنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتَّنا" (^١٤) فإن سقوا وإلا: عادوا ثانيًا
(^١٣) مسألة: يُستحب أن يدعو الخطيب في خطبة الاستسقاء بالدعاء المأثور الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا به - كما ثبت بروايات مختلفة -، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء جامع لمصالح الدنيا والآخرة.
(^١٤) مسألة: إذا فرغ من الخطبة يُستحب أن يستقبل الخطيب القبلة، ويُحوِّل رداءه، أو عباءته، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويتبعه الحاضرون ويفعلون مثل ما فعل، ويدعون سرًا قائلين: "اللهم أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرت فاستجب لنا كما وعدتنا" ثم يخرجون من المصلى وهم على تلك الهيئة، وينزعون ذلك في منازلهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، وفعله معه أصحابه في خطبة الاستسقاء، =
[ ٢ / ٩١ ]
وثالثًا (^١٥) (وإن سقوا قبل خروجهم: شكروا الله وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج، فيصلونها شكرًا لله ويسألونه المزيد من فضله (^١٦) (ويُنادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد بخلاف جنازة وتراويح، والأول منصوب على الإغراء، والثاني: على الحال، وفي "الرعاية" برفعهما
= فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: تفاؤلًا بتغيير الحال من القحط إلى نزول المطر، ومن ضيق الحال إلى سعته فإن قلتَ: لمَ يستقبل القبلة ويدعو سرًا بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والتذلل، وأسرع في الإجابة.
(^١٥) مسألة: إذا استسقى الناس ولم يُسقوا: فيُستحب أن يستسقوا مرة ثانية، وثالثة حتى يُسقوا؛ للمصلحة؛ حيث إن تكرار الدعاء والإلحاح فيه مطلوب شرعًا وهو خير من الانقطاع؛ لأن الدعاء في ذلك وفي غيره هو مخَّ العبادة، فإن الله يُريد ذلك.
(^١٦) مسألة: إذا اتِّفق على الخروج في يوم من الأيام للاستسقاء، ولكن الله تعالى قد سقاهم قبل ذلك اليوم: ففيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كانوا قد استعدُّوا للخروج: فإنهم يخرجون ويصلون صلاة الاستسقاء شكرًا الله تعالى، ثانيًا: إن لم يستعدُّوا لذلك: فإنهم لا يصلونها، بل يشكرون الله تعالى على تفضُّله بذلك بقولهم: "اللهم اجعله صيبًا نافعًا غير ضار"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا بذلك لما رأى المطر، الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من نزول المطر: عدم الاستسقاء؛ لأن الغرض الذي من أجله شرعت له تلك الصلاة قد حصل فلا داعي لها، ولكنهم يشكرون الله؛ لأنه بالشكر تزيد النعم قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
[ ٢ / ٩٢ ]
وبنصبهما (^١٧) (وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (^١٨) (ويُسنُّ: أن
(^١٧) مسألة: لا يُنادى لصلاة الاستسقاء، ولا العيد بأيِّ شيء: فلا يُقال: "الصلاة جامعة" لها ولا يُقال غيرها؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى الاستسقاء والعيدين ولم يُناد لهما بشيء، الثانية: الإجماع، حيث إن الخلفاء الأربعة لم يُنادوا لها بهذه العبارة ولا بغيرها، ولم يُنكر عليهم أحد فكان إجماعًا سكوتيًا: الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لا يُنادى لصلاة التراويح والجنازة بأي عبارة، فكذلك صلاة الاستسقاء والعيدين لا ينادى لها بشيء، والجامع: أن كلًا منها لا تأتي فجأة، بل هي معلومة الوقت من قبل، فإن قلتَ: إنه يُنادى لصلاة الاستسقاء والعيدين بعبارة: "الصلاة جامعة" وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُنادى لصلاة الكسوف بهذه العبارة فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منها شُرِعت لحاجة الناس إليها فيُناسب أن ينادى لها بالصلاة جامعة قلت: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الكسوف تأتي فجأة؛ نظرًا لحصول الكسوف بغتة وبدون علم الناس بذلك، بخلاف صلاة الاستسقاء فإن الإمام يُخبر الناس بموعد صلاته للاستسقاء قبل ذلك -كما سبق في مسألة (٥) -، وكذلك: صلاة العيد والتراويح والجنازة يعلم الناس موعدها: فلا تحتاج إلى مناداة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فعندنا صلاة الاستسقاء والعيد تلحق بصلاة التراويح والجنازة، لأنها أكثر شبهًا بهما، وعندهم تلحق بصلاة الكسوف؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم وهذا هو قياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^١٨) مسألة: لا يُشترط أن يُستأذن الإمام أو نائبه لإقامة صلاة الاستسقاء، فتُقام عند حصول سببها ولو لم يأذن الإمام وكذلك صلاة العيدين مثلها؛ للقياس، =
[ ٢ / ٩٣ ]
يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه؛ ليُصيبها)؛ لقول أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ " قال: "لأنه حديث عهد بربه" رواه مسلم، وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل، لأنه روي ﷺ أنه كان يقول: - إذا سال الوادي: "أخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" (^١٩) وفي معناه: ابتداء زيادة النيل ونحوه (^٢٠) (وإذا زادت المياه، وخيف
= بيانه: كما أن صلاة الكسوف لا يُشترط لإقامتها إذن الإمام أو نائبه فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منهما شرع لإزالة ضرر عام، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن القحط ضرر عام، فلو اشتُرط إذن الإمام أو نائبه: لتأخر الإذن، فيطول زمن الضرر على الناس.
(^١٩) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقف في أول نزول المطر، ويخرج ثوبه ورحله، ليصيبها بعض القطرات منه، وإن تيسَّر الأمر: فيُستحب أن يتطهر منه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ كان يقول: "اخرجوا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" - إذا سال الوادي - يُشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد حسر ثوبه حتى أصابه شيء من المطر، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تم ذلك فيه بركة، قرب عهده بربه؛ حيث قال تعالى:؟ ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ وقال ابن عباس ﵁ لما أخرج فراشه ورحله: "أحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي".
(^٢٠) مسألة: إذا ابتدأ نهر النيل أو دجلة أو الفرات أو غيرها من الأنهار بالزيادة بالماء: فيُستحب: أن يتطهر به؛ للقياس: بيانه: كما أن الماء إذا سال في الوادي يُتطهر به، فكذلك هذا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد زاد الماء فيه بسبب كثرة =
[ ٢ / ٩٤ ]
منها: سُنَّ أن يقول: اللهم حوالينا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النبات (ولا علينا) في المدينة ولا غيرها من المباني (اللهم على الضراب) أي: على الروابي الصغار (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدَّة على وزن "آصال" وبكسر الهمزة بغير مدٍّ على وزن "جبال" قال مالك: هي "الجبال الصغار" (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها؛ لما في الصحيح: أنه ﷺ كان يقول ذلك ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال مالا نطيق (الآية) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^٢١) ويُستحب أن يقول: "مُطرنا بفضل الله ورحمته" ويُحرَّم: "بنوء كذا"
= المطر وهو مثله في المقصد أيضًا، فإن قلتَ: إن التطهر خاص بالماء السائل في الوادي فقط دون زيادة تلك الأنهار وهو قول بعض الحنابلة؛ للسنة القولية، وهو - أمره ﵇ بالخروج إلى الوادي للتطهر ولا يقاس عليه؛ لأن علته قاصرة قلتُ: إن زيادة الماء في النهر ناتجة عن نزول مطر في مكان آخر بعيد، فيكون مثل سيلان الماء في الوادي من مطر نازل في نفس المكان، ولا فرق، فيكون القياس صحيحًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل علة التطهر خاصة بالماء السائل في الوادي أم متعدية؟ " فعندنا: مُتعدِّية فقسنا عليه غيره، وعندهم قاصرة، فلم يقيسوا عليه غيره.
(^٢١) مسألة: إذا استمر المطر في النزول، أو زادت مياه العيون والأنهار والآبار والبحار وخيف من ذلك الضرر على المباني والزروع من التلف والهلاك: فيُستحب أن يدعو الناس الله تعالى بمنع ذلك، ويدعون بجعل ذلك في الصحراء، دون داخل البلدان قائلين بدعائهم: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر" ثم يقرأون قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى أخر سورة البقرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث =
[ ٢ / ٩٥ ]
ويُباح: "في نوء كذا" وإضافة المطر إلى النوء دون الله: كفر إجماعًا، قاله في "المبدع" (^٢٢).
= إنه ﷺ قد دعا بذلك في خطبة الجمعة، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تسبُّب في منع الضَّرر، وجعله في الصحراء يضمن الانتفاع به في إنبات الشجر.
(^٢٢) مسألة: يُستحب أن يقول المسلم إذا نزل المطر: "مُطرنا بفضل الله ورحمته" ويجوز أن يقول: "مُطرنا في نوء كذا": أي: مُطرنا في الزمان الذي خرج فيه النجم الفلاني، أما من قال: "مُطرنا بنوء كذا": فهو كافر؛ للسنة القولية؛ حيث بيَّن ﷺ: أن من قال: "مُطرنا بفضل الله ورحمته فهو المؤمن، ومن قال مُطرنا بنوء كذا: فهو الكافر" فإن قلتَ: لمَ يكفر من قال: "مُطرنا بنوء كذا"؟ قلتُ: لأن الباء سببية فكأنه قال: "مطرنا بسبب النجم الفلاني" لذلك أجمع العلماء على كفره؛ لكونه نسب إنزال المطر إلى النجم، لا إلى الله، فإن قلتَ: لم سُمِّي النجم بالنوء؟ قلتُ: لأنه إذا سقط بالمغرب: ناء الطالع بالمشرق. [فرع]: يُستحب للمسلم إذا سمع صوت الرعد أن يقول: "سبحان من سبَّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته" أو يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"؛ لقول الصحابي؛ حيث إن الزبير كان يقول ذلك.
هذه آخر مسائل باب "صلاة الاستسقاء" وهو آخر كتاب "الصلاة" ويليه كتاب "الجنائز"
[ ٢ / ٩٦ ]