والتطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعًا: طاعة غير واجبة، (^١) وأفضل ما يُتطوَّع به: الجهاد، ثم النفقة فيه، ثم تعلُّم العلم وتعليمه: من حديث وفقه وتفسير، ثم الصلاة (^٢)
باب صلاة التطوع، والأوقات المنهي عن صلاتها فيها
وفيه ثنتان وسبعون مسألة:
(^١) مسألة: التطوع لغة: الانقياد واللِّين، مأخوذ من: "طاع يطوع": إذا انقاد ولان، وهو في الاصطلاح: الانقياد والطاعة الله تعالى في فعل أو قول غير ما أوجبه الله، وحكمه: يُثاب على فعله، ولا يُعاقب على تركه، وهو المسمَّى بـ "النافلة" و"السُّنَّة" و"المستحب" و"الفضيلة" و"المندوب" و"المستحسن" و"المرغَّب فيه" وقد سبق بيان ذلك في سنن الوضوء وسنن الصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بالتطوع؟ قلتُ: لأن فاعله يقوم به تطوعًا وتبرُّعًا من عنده من غير إلزام من الشارع، مؤمِّلًا وطامعًا أن تزيد حسناته، وتُكفَّر سيئاته، وهذا هو المقصد من مشروعية صلاة التطوع وغيرها من أعمال التطوع.
(^٢) مسألة: مراتب التطوع في الأفضلية هي: المرتبة الأولى: الجهاد في سبيل الله، وهو: أن يُقاتل المسلم الكفَّار؛ لتكون كلمة الله هي العليا، المرتبة الثانية: النفقة في الجهاد بأن يقوم المسلم ببذل ما عنده من مال لمساعدة المجاهدين في شراء أكلهم وشربهم، وما يركبون عليه، وسلاحهم، والقيام على أولادهم، المرتبة الثالثة: تعلُّم العلم الشرعي، وتعليمه التلاميذ، والتصنيف فيه، والحرص على نشره بين الناس بنية رفع الجهل عن الناس؛ ليُعبد الله على بصيرة، المرتبة الرابعة: صلاة التطوع، وهي النوافل - كما سيأتي بيانها -؛ =
[ ١ / ٥٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقواعد: الأولى: الكتاب وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ حيث وصف الأجر الذي يناله المجاهد بهذا الوصف، ولم يصف غيره من النوافل بمثل هذا الوصف فيلزم: أنه أعظم النوافل، ثانيها: قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ .. هذا يدل على عظم أجر النفقة في سبيل الله، ثالثها: قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وهذا مدح عظيم للعلم وطلابه لا يعادله شيء، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد وصف الجهاد بأنه "ذروة سنام الإسلام" يقصد أعلاه وأرفعه، فلا يساويه شيء من النوافل الأخرى؛ ثانيهما: قوله: ﴿من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين﴾ حيث يدل على أن غير المتفقِّه لا خير فيه للأمة الإسلامية، الثالثة: السنة الفعلية: حيث كان ﷺ يصلي النوافل النهار والليل حتى تتفطَّر قدماه، فإن قلتَ: لمَ كان هذا الترتيب في الأفضلية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قدِّم الأعم نفعًا للإسلام والمسلمين والأشد في المشقة: فالجهاد فيه بذل النفس - وهي أعلى ما عند المسلم - لأجل نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، وكسر شوكة الكفار، قال أحمد: "لا أعلم شيئًا من الفرائض أفضل من الجهاد" ويليه في تعميم النفع: النفقة في سبيل الله وهو بذل المال للمجاهدين، وهو خير عون لهم؛ إذ لا جهاد بلا سلاح وطعام وشراب ونحوها، ولا تكون هذه إلا بالنفقة، ويليه في تعميم النفع: تعلُّم العلم الشرعي وتعليمه؛ حيث إنه شرح وبيان وتوضيح الحلال من الحرام في الشريعة؛ لأجل أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة، وهذا يستفيد منه الموجودون في حياة هذا العالم، والذين سيوجدون بعد آلاف السنين إلى قيام الساعة؛ ألا ترى: كتب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم من=
[ ١ / ٥٤٣ ]
(وآكدها: كسوف، ثم استسقاء)؛ لأنَّه ﷺ لم يُنقل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى (ثم تراويح)؛ لأنها تسنُّ لها الجماعة (ثم وتر)؛ لأنَّه تسن له الجماعة بعد التراويح، وهو سنة مؤكدة، روي عن الإمام: "من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن تُقبل له شهادة" وليس بواجب (^٣)
فقهاء المسلمين نستفيد منها وهي لها أكثر من ألف سنة ولم يكن لأي واحد منهم جاه ولا سلطان ولا مراكز ولا أموال، بل إن بعضهم لم يحج من فقره؛ لكونهم اشتغلوا بميراث الأنبياء وهو: العلم وتعليمه، لذلك قال أكثر السلف: إن الاشتغال بالعلم بإخلاص - طلبًا، وتعلُّمًا، وتعليمًا وتصنيفًا - أفضل من الاشتغال بسائر التطوع - سوى الجهاد ونفقته - ثم تأتي المرتبة الرابعة والأخيرة وهي صلاة التطوع؛ لأن الصلاة جامعة الجميع أنواع العبادة: من ذكر ودعاء وقراءة، وخضوع، وخشوع، وتذلُّل لله سبحانه، ولكن نفع ذلك قاصر على المصلي فقط لذلك جعلت في آخر المراتب. تنبيه: الآيات والأحاديث وآثار الصحابة وأقول السلف في الجهاد ونفقته، وتعلُّم العلم وتعليمه كثيرة جدًا، وقد أُلِّف فيها المؤلفات الكثيرة التي لا تخفى على أحد.
(^٣) مسألة: مراتب صلوات التطوع في الأفضلية هي: المرتبة الأولى: صلاة الكسوف وهي: صلاة تُشرع عند ذهاب ضوء الشمس أو القمر - وسيأتي بيانها -، المرتبة الثانية: صلاة الاستسقاء - وهي: صلاة شُرِعت لطلب السقي والمطر عند الجدب والقحط - وسيأتي بيانها -، المرتبة الثالثة: صلاة التراويح - وهي: قيام الليل في رمضان - وسيأتي بيانها -، المرتبة الرابعة: صلاة الوتر - وهي: صلاة ركعة واحدة بعد صلاة العشاء مباشرة، أو بعد عدد من صلوات النوافل بعدها - وسيأتي بيانها - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن=
[ ١ / ٥٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إعرابيًا سأل النبي ﷺ عن فروض الصلاة فقال: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا: إلا أن تطوع" والجمعة عن صلاة الظهر، فنفى الشارع وجوب شيء من الصلوات - غير الخمس والجمعة - وأثبت: أن غير الصلوات الخمس تطوع ونوافل؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وكذا دلَّ مفهوم العدد على أن غير الخمس ليست بواجبة، فتكون صلاة الكسوف، والاستسقاء والتراويح، والوتر، والعيدين تطوعًا ونوافل، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى تلك الصلوات وواظب عليها - أقصد الكسوف والاستسقاء والتراويح والوتر - ولم يأمر أحدًا أمر إيجاب بها، فإن قلتَ: لمَ كان هذا الترتيب في أفضلية صلوات التطوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث قُدّمت صلاة الكسوف؛ لكونه ﷺ لم يتركها عند حدوث سببها - وهو: غياب ضوء الشمس أو القمر - ولمشروعية الجماعة لها، بخلاف صلاة الاستسقاء فقد كان النبي ﷺ يتركها أحيانًا؛ وقُدِّمت صلاة الاستسقاء على التراويح؛ لأن الاستسقاء تشرع لها الجماعة في عهده ﷺ وبعده، أما التراويح فلم تُشرع الجماعة لها إلا بعد عهده ﷺ، وما شُرِعت لها الجماعة في عهده أكد مما شُرِعت لها الجماعة بعد عهده، وقُدِّمت صلاة التراويح على الوتر؛ لكون الوتر شُرِع في دُبُر صلاة التراويح: سواء بجماعة أو انفراد. [فرع]: صلاة الوتر سنة مؤكدة وليست بواجبة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهو حديث الأعرابي السابق الذكر في مسألة (٣)، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﷺ: "الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنه رسول الله ﷺ "، فإن قلتَ: لمَ كان سنة مؤكدة؟ قلتُ: المواظبة النبي ﷺ على فعله حضرًا وسفرًا، فإن قلتَ: لمَ استُحب الوتر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث "إن الله وتر يُحبُّ الوتر" - كما ورد في الحديث - فلذا يختم المسلم يومه وليلته بهذا الذي يُحبُّه الله تعالى:=
[ ١ / ٥٤٥ ]
(يُفعل بين) صلاة (العشاء و) طلوع (الفجر) فوقته: من صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديمًا إلى طلوع الفجر (^٤) وآخر الليل لمن يثق بنفسه أفضل (^٥) (وأقلُّه
لتحصيل الثواب العظيم بأدنى مشقة، فإن قلتَ: إن الوتر واجب وهو قول كثير من الحنفية، وبعض المالكية كسحنون؛ للسنة القولية؛ حيث روي عنه ﷺ أنه قال: "إن الله زادكم صلاة إلى صلواتكم الخمس ألا وهي: الوتر" وهو واضح الدلالة قلتُ: لم يثبت هذا عنه ﷺ كما قال أكثر أئمة الحديث، نقل هذا عنهم النووي في "المجموع" والقرافي في "الذخيرة" فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ثبوت الحديث السابق" فعندنا: لم يثبت، وعندهم: ثابت، تنبيه: قول أحمد: "من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة" وقال ابن تيمية: نحوه قلتُ: إن أرادا "أن من أنكر كون الوتر سنة": فكلامهما صحيح؛ حيث أجمع العلماء على مشروعيته، وإن أرادا بقولهما: "أن الذي لا يُوتر - مع قوله بسُنِّيته -: فإنه رجل سوء أو لا تقبل شهادته": فهذا فيه نظر؛ لأن الوتر سنة ونافلة لا يُذمُّ من تركه، ووصفه بالسوء ذم له، إلا إن أرادا: أن الوتر واجب: فيصح، ولكن خلاف ما نُقل من مذهبهما.
(^٤) مسألة: وقت صلاة الوتر يبدأ من صلاة العشاء، - ولو صُلِّيت العشاء مجموعة مع المغرب جمع تقديم، وينتهي بطلوع الفجر الصادق، للسنة الفعلية: حيث قالت عائشة ﵂: "قد أوتر النبي ﷺ من أول الليل وأوسطه، وآخره" فإن قلتَ: لمَ كان هذا وقت الوتر؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه مناسب لتلك الصلاة؛ حيث يدعو العبد ربه، ويناجيه؛ لخلوه من الاشغال الجسدي والفكري.
(^٥) مسألة: أفضل أوقات صلاة الوتر من الليل هو: آخره، وهو: الثلث الأخير منه لمن يثق بأنه سيقوم في ذلك الوقت؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن أكثر وتر النبي ﷺ في آخر الليل، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه=
[ ١ / ٥٤٦ ]
ركعة)؛ لقوله ﷺ: "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم، ولا يُكره الوتر بها؛ لثبوته عن عشرة من الصحابة: منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃ (^٦) (وأكثره) أي: أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعة (^٧) يُصلِّيها (مثنى مثنى) أي: يُسلِّم
يأتي بعد أخذه لقسط من النوم الكافي، فيكون أنشط للدعاء والقراءة والذكر، وهو أقرب الأوقات لاستجابة الدُّعاء؛ نظرًا لنزول الله تعالى في آخر كل ليلة فيقول: هل من داعٍ فأُجيبه؟.
(^٦) مسألة: أقل الوتر: ركعة واحدة، يصليها بعد صلاة العشاء، ولو بدون نوافل أخرى قبلها بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الوتر ركعة من آخر الليل" فيلزم من ذلك: أن أقله: ركعة واحدة؛ الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "الوتر ركعة" وكان أبو بكر وعمر وعثمان وزيد وعائشة ﵃ يوترون بواحدة، فإن قلتَ: لمَ كان أقلُّه ركعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل أجر الوتر، دون مشقة في تكثيره، وهذا لطف من الله بعباده، تنبيه: قوله: "ولا يُكره الوتر بها" يُشير إلى قول بعض العلماء: إنه يُكره الوتر بركعة واحدة، ولم أجد دليلًا قويًا عليه.
(^٧) مسألة: أكثر الوتر: إحدى عشرة ركعة؛ للسنة الفعلية: حيث كان النبي ﷺ يصليها هكذا كما قالت عائشة ﵂، فإن قلتَ: إن أكثره: ثلاث عشرة ركعة؛ للسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك قلتُ: إن رواية عائشة أقرب إلى الصحة؛ لكونها ترى تهجُّده ﷺ في الليل، ثم إنه يُمكن الجمع بين ذلك: بأن من قال: إنها ثلاث عشرة ركعة قد حسب الركعتين الخفيفتين اللَّتين كان ﷺ يفتتح بهما تهجُّده، أو كان قد حسب ركعتي الفجر الراتبة معها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يُرجِّح ما روته عائشة؛ لكونها أعلم بأحواله في الليل، وهذه قرينة للترجيح، وعندهم يُرجِّح ما رواه غيرها ولا يُعمل بتلك القرينة.
[ ١ / ٥٤٧ ]
من كل ثنتين (ويوتر بواحدة)؛ لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يُسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة" هذا هو الأفضل، (^٨) وله أن يسرد عشرًا، ثم يجلس فيتشهَّد، ولا يُسلِّم، ثم يأتي بالركعة الأخيرة، ويتشهَّد، ويُسلِّم (وإن أوتر بخمس أو سبع) سردها و(لم يجلس إلا في آخرها)؛ لقول أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام" رواه أحمد ومسلم (و) إن أوتر (بتسع) يسرد ثمانيًا ثم (يجلس عقب) الركعة (الثامنة ويتشهَّد) التشهد الأول (ولا يُسلِّم ثم يصلي التاسعة ويتشهَّد ويسلم)؛ لقول عائشة: "ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه وينهض ولا يسلِّم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يُسلِّم تسليمًا يُسمعناه" (^٩) (وأدنى الكمال) في
(^٨) مسألة: الأفضل - إذا أراد أن يوتر بإحدى عشرة ركعة بدون سرد -: أن يصلي ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يصلي ركعتين ثم يُسلِّم، وهكذا، حتى يُصلي عشر ركعات بخمس تسليمات، ثم يوتر ويصلي واحدة ثم يُسلِّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كثرة عمل، وقِلَّة مشقة.
(^٩) مسألة: إذا أراد أن يوتر بإحدى عشرة ركعة سردًا: فإنه يصلي عشر ركعات بدون جلوس، فإذا كان في آخر الركعة العاشرة: جلس للتشهد الأول، ثم يقوم ويأتي بالركعة الحادية عشرة، ثم يتشهَّد ويُسلِّم، وإذا أراد أن يوتر بخمس ركعات سردًا: فإنه يصلي الخمس ولا يجلس إلا في آخرها، فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن أراد أن يوتر بسبع ركعات سردًا: فعليه أن يصلي السبع ولا يجلس إلا في آخرها فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن أراد أن يوتر بتسع ركعات سردًا: فإنه يصلي ثمان ركعات سردًا بدون جلوس، ثم يجلس في آخر الركعة الثامنة ويتشهَّد التشهد الأول ثم يقوم ليصلي التاسعة، ثم يجلس ويتشهَّد ويُسلِّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث=
[ ١ / ٥٤٨ ]
الوتر (ثلاث ركعات بسلامين) فُيصلِّي ركعتين ويُسلِّم، ثم الثالثة؛ لأنَّه أكثر عملًا، ويجوز أن يسردها بسلام واحد (^١٠) (يقرأ) من أوتر بثلاث (في) الركعة (الأولى بـ) سورة (سبّح وفي) الركعة (الثانية بـ) سورة: قل يا أيها (الكافرون وفي) الركعة (الثالثة بـ) سورة (الإخلاص) بعد الفاتحة (^١١) (ويقنت فيها) أي: في الثالثة (بعد
كان النبي ﷺ يفعل ذلك في التسع، والسبع والخمس - كما روت ذلك عائشة وأم سلمة ﵃ ويفعل من أوتر بإحدى عشرة كما يفعل من أوتر بتسع؛ قياسًا عليه، فإن قلتَ: لمَ يُباح للمكلف أن يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه مراعاة أحوال الناس وقدراتهم.
(^١٠) مسألة: أدنى الكمال في صلاة الوتر: ثلاث ركعات تكون في سلامين: فيصلي ركعتين ثم يتشهد ويُسلِّم، ثم يصلي ركعة واحدة فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن جعل الثلاث بسلام واحد: فلا بأس، للسنة الفعلية وهي من وجوه: أولها: قول عائشة: "كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن"، ثانيهما: قول ابن عمر ﵁: "كان ﷺ يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة" فإن قلتَ: لمَ كان أدنى الكمال: ثلاث بسلامين؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه كثرة عمل، يؤدِّي إلى كثرة الأجر، وفيه تقوية على الركعة الأخيرة لوجود الدعاء فيها غالبًا. فإن قلتَ: لمَ لا يتشهَّد بتشهدين من أراد أن يصلي الثلاث بسلام واحد؟ قلتُ: لئلا تشبه صلاته هذه صلاة المغرب، وقد نهى ﷺ أن تُشبَّه صلاة الوتر بصلاة المغرب.
(^١١) مسألة: يُستحب لمن أوتر بثلاث: أن يقرأ في الأولى بسورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بسورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بسورة الإخلاص وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويقرأ تلك السور في الركعات بعد قراءته للفاتحة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك كثيرًا، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك السور قد تضمَّنت تجديد التوحيد الله تعالى، وتجديد الإيمان بذلك وإثبات صفات الكمال لله تعالى، وأنَّه متفرِّد بخلق=
[ ١ / ٥٤٩ ]
الركوع) ندبًا؛ لأنَّه صحَّ عنه ﷺ من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس، وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة: جاز؛ لما روى أبو داود عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر قبل الركوع، (^١٢) فيرفع يديه إلى صدره ويبسطهما وبطونهما نحو السماء، ولو كان مأمومًا (^١٣) (فيقول) جهرًا: (اللهم اهدني فيمن هديت) أصل
السموات والأرض، وعلى تأييد النبي ﷺ وتثبيته على تلقِّي الوحي، وأن الله قد أعطاه شريعة سمحة، وعلى أن دين الإسلام لا يمكن أن يخالطه شيء من دين الكفار، وإذا قرأ المسلم سورة "الكافرون" فكأنه قرأ ربع القرآن؛ وإذا قرأ سورة الإخلاص فكأنه قرأ ثلث القرآن - كما ورد - وقد أطال ابن القيم الكلام في ذلك في "زاد المعاد" (١/ ٣١٦).
(^١٢) مسألة: يُستحب أن يقنت بعد رفعه من ركوع الركعة الثالثة، وإن قنت قبل الركوع: فلا بأس؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يقنت بعد الركوع، وقد روي عنه أنه قنت قبله - كما ورد عن ابن مسعود وأُبي - فإن قلتَ: لمَ كان المستحب أن يكون القنوت بعد الركوع؟ قلتُ: لكونه قد ثبت عنه ﷺ كثيرًا، ولأن قنوته ﷺ قبل الركوع قد ضعَّفه كثير من العلماء كالنووي في "المجموع" (٤/ ٤٥٤) وقال ابن قدامة في "المغني (٢/ ٥٨٢) ": إنه قد تُكلِّم فيه، ثم إن القنوت قبل الركوع يُشارك القراءة في القيام، والقيام مخصَّص للقراءة، فيكون القنوت في غير موضعه فيكون القنوت بعد الركوع أقوى ثبوتًا، وأوفق محلًا وموضعًا فاستُحب.
(^١٣) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه إلى صدره - إذا أراد القنوت - ويضم إحداهما إلى الأخرى، ويجعل راحتي كفيه مبسوطتين وموجَّهتين إلى السماء: سواء كان مأمومًا أو إمامًا أو منفردًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك عند قنوته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذه الهيئة في اليدين أقرب إلى الاستجابة؛ حيث إنه بذلك يستجدي الله تعالى بيديه؛ حيث إنهما آلة أخذ الخيرات.
[ ١ / ٥٥٠ ]
الهداية: الدِّلالة، وهي من الله التوفيق والإرشاد (وعافني فيمن عافيت) أي: من الأسقام والبلايا، والمعافاة: أن يعافيك الله من الناس، ويُعافيهم منك (وتولَّني فيمن توليت) الولي: ضد العدو: من تولَّيت الشيء: إذا اعتنيت به، أو من وليته: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة (وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنعمت (وقني شرَّ ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد والترمذي وحسَّنه من حديث الحسن بن علي قال: "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" ورواه البيهقي وأثبتها فيه، ورواه النَّسَائِي مختصرًا وفي آخره: "وصلى الله على محمد" (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك) إظهارًا للعجز والانقطاع (لا نحصي) أي: لا نطيق ولا نبلغ ولا ننهي (ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) اعترافًا بالعجز عن الثناء وردًا إلى المحيط علمه بكل شيء جملةً وتفصيلًا، رواه الخمسة عن علي "أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في آخر وتره" ورواته ثقات (اللهم صلِّ على محمد)؛ لحديث الحسن السابق، ولما روى الترمذي عن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك" وزاد في "التبصرة" (وعلى آل محمد) واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه ﷺ (^١٤) (ويمسح وجهه بيديه) إذا فرغ من دعائه هنا، وخارج الصلاة؛
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يقنت ويدعو قائلًا: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولِّني فيمن تولِّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وصلى الله على نبينا محمد"؛ فإن شاء أن يدعو بعده بما أراد فلا بأس بشرط:=
[ ١ / ٥٥١ ]
لقول عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطُّهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي، (^١٥) ويقول الإمام: "اللهم اهدنا .. " إلى آخره، ويؤمِّن مأموم
عدم الإطالة فيه إلا برضى المأمومين، فإن لم يرضوا: فلا يجوز؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال الحسن بن علي: "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهنَّ في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت " الخ كما أخرجه الترمذي، وزاد النَّسَائِي: "وصلى الله على نبينا محمد" وهي زيادة ثقة مقبولة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﵁: "إن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" الخ؛ الثالثة: قول الصحابي وهو من وجهين: أولهما: قول عمر ﵁: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك" ثانيهما: أن عمر ﵁ كان يزيد في الدعاء قائلًا: "اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وألّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن الكفار الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويُقاتلون أوليائك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين" الخ فإن قلتَ: لمَ يُستحب هذا الدعاء والقنوت في الوتر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء جامع الخيري الدنيا والآخرة، ولمنافع الفرد والمجتمع الإسلامي، وفيه تجديد للتوحيد والإيمان، والإقرار بحكم الله المطلق، وأن العزيز الحقيقي هو من أعزَّه الله في طلب العلم والعمل به وتعليمه، وأدخله الجنة، وأن الذليل الحقيقي هو: من أذلَّه الله تعالى في النار يوم القيامة "فمن أُدخل الجنة فقد فاز".
(^١٥) مسألة: لا يُشرع مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء الوتر ولا غيره؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم مسح الوجه هنا ولا في غيره، فنستصحب ذلك، ويبقى على النفي الأصلي، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع ذلك؟ قلتُ: لأن المسح يُعتبر من الحركات الزائدة التي ليست من جنس الصلاة فإن قلتَ: يُستحب أن=
[ ١ / ٥٥٢ ]
إن سمعه (^١٦) (ويُكره قنوته في غير الوتر) روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الدرداء ﵃، وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: "أشهد أني سمعتُ ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" (إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون فيقنت الإمام) الأعظم استحبابًا (في الفرائض) غير الجمعة، ويجهر به في الجهرية، ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمَّن، ويقول - بعد وتره -: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، ويمدُّ بها صوته في الثالثة (^١٧) (والتراويح) سنة مؤكَّدة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم يصلون أربع ركعات،
يمسح وجهه هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية، حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما قال عمر، قلتُ: هذا ضعَّفه كثير من العلماء كالبيهقي في "سننه" (٢/ ٤١٢)، والنووي في "المجموع" (٣/ ٥٠١) وابن تيمية في مجموع فتاويه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث عمر ضعيف أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^١٦) مسألة: إذا كان من يدعو ويقنت منفردًا: فإنه يُفرد الضمير قائلًا: "اللهم اهدني … " أما إن كان إمامًا: فإنه يجمع الضمير قائلًا: "اللهم اهدنا … " والمأموم يقول - في آخر كل جملة -: "آمين" ويقول عند قوله: "إنك تقضي ولا يقضى عليك … ": "سبحانك"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث قال ابن عباس ﵁: "قنت رسول الله وأمَّن من خلفه" ولم يُنكر عليهم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الإمام يجمع الضمير؛ لإدخال المأمومين معه في الدُّعاء؛ لإشراكهم في تحصيل الثواب.
(^١٧) مسألة: يكره القنوت والدعاء بالصفة السابقة في غير صلاة الوتر لغير حاجة، أما إن وُجدت حاجة مثل النوازل التي تنزل بالمسلمين وتخيفهم كعدو، وقحط، وجراد، وأمراض مستعصية كطاعون، وسرطان، ونحو ذلك: فإنه يُستحب أن يدعو إمام المسلمين أو نائبه بزوال ذلك ورفعه عن المسلمين، وهذا الاستحباب=
[ ١ / ٥٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون في كل صلاة: في فجر وجمعة وغيرهما يجهر في الجهرية، ويُسرُّ في السِّرِّية، ويؤمِّن المأموم إذا سمع إمامه يقنت في فجر وغيره؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قنت شهرًا كاملًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر على "رُعَل" و"ذكوان" و"عُصَيَّة" ويؤمِّن من خلفه، فلما تابوا: توقف؛ وهذا يُحمل على الحاجة؛ لأنَّه ﷺ توقف بعد توبتهم، ويُدخل صلاة الجمعة فيها؛ لأنها تنزَّل منزلة صلاة الظهر، وهو الذي تولى القنوت، ولم يُنب عنه أحدًا، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُدعى برفع ضرر العدو والخوف والقحط والجراد فكذلك يُدعى برفع الطاعون وغيره من الأمراض التي عمَّت والجامع: دفع الضرر عن المسلمين في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عدم مشروعية القنوت في غير الوتر عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر وكثير من الصحابة ﵃ إذا لم توجد حاجة، فإن قلتَ: لمَ كره القنوت في غير الوتر لغير حاجة؟ قلتُ: لورود تخصيصه في عبادة خاصة وهي: الوتر، فوجوده في عبادة أخرى يكون مكروهًا؛ لعدم موافقته لموضعه، فإن قلتَ: إنه لا يُقنت لرفع مرض الطاعون - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن المطعون شهيد، فيلزم من الدعاء برفعه: حرمان هذا المطعون من الحصول على أجر الشهادة، وهذا فيه ضرر قلتُ: إن النص - وهو: "أن المطعون شهيد" - لا يلزم منه: أنه لا يُدعى برفع هذا المرض عنه، وإنما يُخبر أن من مات فيه: فله أجر الشهداء فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بعبارة: "المطعون شهيد" الواردة في الحديث" فعندنا: مراده الإخبار بأن من مات شهيد فقط، وعندهم: لا، فإن قلتَ: لا يُقنت في صلاة الجمعة - هو ما ذكره المصنف هنا -؛ لمفهوم العدد من السنة الفعلية السابقة التي في "رعل" ومن معه؛ حيث لم يذكر راويها صلاة الجمعة قلتُ: إن صلاة الجمعة مُنزَّلة بمنزلة صلاة الظهر في غالب أحكامها ومنها القنوت، ولم تذكر، لندرتها بالنسبة للصلوات الخمس فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الجمعة هل=
[ ١ / ٥٥٤ ]
ويتروَّحون ساعة، أي: يستريحون (^١٨) (عشرون ركعة)؛ لما روى أبو بكر: عبد العزيز في "الشافي" عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" (^١٩) (تُفعل) ركعتين ركعتين (في جماعة مع الوتر) بالمسجد أول الليل (بعد
تحسب من الصلوات الخمس أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم لا، فإن قلتَ: لمَ كان الذي يتولى القنوت في الفرائض هو الإمام فقط أو نائبه؟ قلتُ: لأن هذا القنوت الذي يكون في الفرائض لأمر نزل بالمسلمين عامة، والذي له الولاية العامة هو الإمام الأعظم أو من يُنيبه، وهو الذي يُقدِّر هذا الأمر هل هو يضر بالمسلمين عامة أو لا؟ تنبيه: قوله: "ويقول بعد وتره" إلى آخره قلتُ: هذا مخالف للوارد: بأن يختم قنوته بالصلاة على النبي، ولا يُجهر في شيء في سجوده، وإذا فرغ من صلاة الوتر؛ لا يُقال شيء للفراغ منه فلا محلَّ؛ لقوله: "سبحان الملك القدوس" جهرًا.
(^١٨) مسألة: صلاة التراويح سنة مؤكدة؛ للإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على أنها سنة مؤكدة ومستند هذا الإجماع هو: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ فعلها في ليلتين أو ثلاث بأصحابه ثم صلاها في بيته وقال: "خشيتُ أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها" وقال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدَّم من ذنبه" فإن قلتَ: لمَ سُمّيت بذلك؟ قلتُ: لأن المصلين لها يستريحون إذا سلَّموا من ركعتين أو أربع، والمقصد من مشروعيتها واضح.
(^١٩) مسألة: عدد ركعات صلاة التراويح: عشرون ركعة - غير الوتر -؛ لقاعدتين: الأولى: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث كان الناس في عهد عمر يقومون في شهر رمضان بعشرين ركعة - كما رواه السائب بن يزيد ﵁ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عليًا ﵁ كان يقوم الليل بعشرين ركعة، فإن قلتُ: لم شرع هذا العدد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه كلما زادت الركعات في هذا الوقت من الليل في زمن رمضان زاد الأجر والثواب، تنبيه: حديث ابن=
[ ١ / ٥٥٥ ]
العشاء) والأفضل: وسنتها (في رمضان)؛ لما في "الصحيحين" من حديث عائشة: "أنه صلَّاها ليالي فصلَّوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر" وقال: "إني خشيتُ أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" وفي البخاري: "أن عمر ﵁ جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح" (^٢٠) وروي أحمد والترمذي وصحَّحه: "من
عباس ﵁ الذي ذكره المصنف هنا في سنده إبراهيم بن عثمان قد اتفق أئمة الحديث على ضعفه، تنبيه آخر: لقد اختلفت الروايات في عدد ركعات صلاة التراويح في عهد عمر ﵁: فروى السائب: "عشرين ركعة" وروى يزيد بن رومان: "ثلاثًا وعشرين" وروى نافع مولى ابن عمر ﵃: "تسعًا وثلاثين" وروى أُبي: "إحدى عشرة ركعة" يوترون منها بثلاث، وكل طائفة من العلماء اختارت ما صحَّ عندها - كما قال الباجي في "المنتقى" (١/ ٢٠٨)، ويمكن الجمع بين تلك الروايات بأن يُقال: إن الظاهر أن عمر ﵁: أمر أولًا أبي بالصلاة إحدى عشرة لما كان الناس يقوون على الوقوف وقراءة آيات طويلة في كل ركعة، وكُلَّما ضعف الناس: أمر بتقصير القراءة وتكثير الركعات، وهكذا حتى وصلت إلى ست وثلاثين - غير الشفع والوتر - هذا ما جمع به العلماء المحققون بين تلك الروايات كالباجي وابن تيمية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الآثار" فرجَّحنا: أنها عشرين؛ لكونه صح عندنا، وعندهم: رجحوا ما صح عندهم من الآثار.
(^٢٠) مسألة: يُستحب أن تُصلَّى التراويح مثنى مثنى في جماعة في المسجد بعد السنة الراتبة التي بعد صلاة العشاء، ويستمر وقتها إلى طلوع الفجر الصادق؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث كان الصحابة يُصلُّونها هكذا في عهد عمر ﵁، دون أن يُنكر أحد ذلك - كما سبق في مسألة: (١٩) - فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنشيط المسلمين على العبادة وإظهار للإسلام، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل أن يصلي راتبة العشاء قبل التراويح؟ قلتُ:=
[ ١ / ٥٥٦ ]
قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" (^٢١) (ويوتر المتهجِّد) أي: الذي له صلاة بعد أن ينام (بعده) أي: بعد تهجُّده؛ لقوله ﷺ: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه (فإن تبع إمامه) فأوتر معه، أو أوتر منفردًا، ثم أراد التهجُّد: لم ينقض وتره، وصلى ولم يوتر، وإن (شفعه بركعة) أي: ضمَّ لوتره - الذي تبع إمامه فيه - ركعة: جاز، وتحصل فضيلة متابعة إمامه، وجعل وتره آخر صلاته (^٢٢)
لأن السنة الراتبة متأكدة مؤقتة بعد العشاء، ولأن التراويح تختتم بالوتر، ولا صلاة بعده. [فرع]: صلاة المنفرد التراويح في بيته أفضل إذا كان أصلح لعبادته، وأسلم له من الرياء والسمعة، وإذا كان لا يؤدّي تخلُّفه عن المسجد إلى تعطيل الجماعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على أفضل الأعمال وخيرها مع مراعاة أحواله.
(^٢١) مسألة: يُستحب للمأموم في صلاة التراويح: أن يوتر مع إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" ومعلوم: أن الإمام في التراويح لا ينصرف حتى يُوتر، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدعاء مع الجماعة أقرب إلى الاستجابة.
(^٢٢) مسألة: إذا كان المأموم معتادًا على أن يتهجَّد ويصلي في آخر الليل: فإن شاء ينصرف بعد فراغ الإمام من التراويح والشفع، ولا يوتر معه، ثم يقوم آخر الليل فُيصلِّي ما شاء ثم يختم ذلك بالوتر، وإن شاء أوتر مع إمامه، وإذا قام آخر الليل يُصلِّي ولا يُوتر، وإن شاء أوتر مع إمامه، فإذا سلَّم إمامه من الوتر: قام هو وأتى بركعة تشفع ذلك الوتر، ثم يُسلِّم - وهذا يُسمَّى نقض الوتر -، فإذا قام يصلي آخر الليل: ختم صلاته بوتر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" وهو قد حقَّق ذلك بالطريقة الأولى والثالثة هنا الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصلِّي بعد الوتر بركعتين ليلًا ولم يوتر=
[ ١ / ٥٥٧ ]
(ويُكره التنفل بينها) أي: بين التراويح، روى الأثرم عن أبي الدرداء: أنه أبصر قومًا يُصلُّون بين التراويح فقال: "ما هذه الصلاة أتصلِّي وإمامك بين يديك؟، ليس منا من رغب عنَّا" (^٢٣) و(لا) يُكره (التعقيب) وهو: الصلاة (بعدها) أي: بعد
بعدهما، وهذا مثبت للطريقة الثانية هنا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنه إذا أوتر مع إمامه: - سواء شفعه أو لا -: فإنه يتحصَّل على أجر الوتر، وأجر متابعة الإمام، والانصراف معه، وأجر التهجُّد آخر الليل، وهذا فضل عظيم، فإن قلتَ: إن قيام المأموم المتهجِّد ليأتي بركعة تشفع له الوتر الذي صلَّاه مع إمامه يُعتبر مخالفًا فيه إمامه، وهذا حرام؛ حيث نهى الشارع عن ذلك قائلًا: "فلا تختلفوا عليه" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وخالف أيضًا ما نواه أولًا من أنه سيصلي وترًا فصلى شفعًا قلتُ: هذه ليست بمخالفة للإمام؛ لأن هذا لما دخل مع إمامه لصلاة الوتر نوى قبل الدخول فيها أنه سيُصلِّيها شفعًا، لا وترًا، ففعل ما نواه؛ قياسًا على المقيم إذا صلى وراء مسافر فإنه ينوي هذا المقيم أنه سيتم الصلاة، فإذا سلم المسافر من ركعتين: قام المقيم ليتم صلاته؛ وقد أمر ﵇ بذلك لما كان في مكة ثمان عشرة ليلة - بعد الفتح - يصلي ركعتين، ويقول لأهل مكة: "صلوا أربعًا فإنا سُفُر" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل قيام المأموم ليشفع وتره تُعتبر مخالفة للإمام المنهي عنها أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٢٣) مسألة: يُكره أن يُصلِّي المأموم في التراويح نافلة بعد كل تسليمة من ركعتين أو أربع؛ لقول الصحابي؛ حيث أنكر أبو الدرداء ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نوع مفارقة للإمام والرغبة عنه - وقد أشار أبو الدرداء إلى ذلك - وفيه مشقة على من فعل ذلك، مما قد يؤدِّي إلى انقطاعه عن مواصلة صلاة التراويح مع الإمام، فدفعًا لذلك: كره.
[ ١ / ٥٥٨ ]
التراويح والوتر (في جماعة)؛ لقول أنس ﵁: "لا ترجعون إلا لخير ترجونه"، وكذا: لا يُكره الطواف بين التراويح، (^٢٤) ولا يُستحب للإمام الزيادة على ختمة في التراويح إلا أن يؤثروا زيادة على ذلك، ولا يُستحب لهم أن ينقصوا عن ختمة؛ ليحوزوا فضلها (^٢٥) (ثم) يلي الوتر في الفضيلة (السنن الراتبة) التي تفعل مع
(^٢٤) مسألة: إذا فرغ المصلي من صلاة التراويح مع الوتر: فلا يُكره أن يفعل بعد ذلك خيرات من صلاة تطوع، سواء كان ذلك منفردًا أو مع جماعة، أو طواف على الكعبة؛ لقول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁: "لا ترجعون إلا الخير ترجونه" فأثبت استحباب فعل الخيرات؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهذا شامل للصلاة والطواف وغيرهما، مع الأفراد، أو مع الجماعة، وخيرية هذا غير خاف على أحد، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^٢٥) مسألة: يُستحب للإمام أو غيره: أن يختم القرآن في التراويح، بأن يرفع يديه - بعد آخر سورة "الناس" وقبل الركوع - ويدعو لنفسه ولوالديه ومشايخه، وكل من له حق عليه، وللسلطان بأن يعمل بالكتاب والسنة، ولجميع المؤمنين، ويجمع أهله وغيرهم عند دعاء ختم القرآن، وإن كان إمامًا فيُسمع المأمومين جميع القرآن في شهر رمضان، ولا يزيد عن ختمة واحدة إلا أن يُريد أغلب المصلِّين، ولا يُستحب أن يُنقص عن ختمة واحدة؛ لقاعدتين: الأولى: فِعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، الثانية: المصلحة؛ حيث إن القرآن قد أنزل في شهر رمضان، وكان جبريل ﵇ يُراجع القرآن مع النبي ﷺ في رمضان، فكان من المناسب قراءته كله في هذا الشهر، وأيضًا من المصلحة أن يُدعى بدعاء ختم القرآن لينال القارئ والمستمع الفضل والأجر في ذلك، لعلَّ الله أن يستجيب لهم الدعاء فينالوا خيري الدنيا والآخرة.
[ ١ / ٥٥٩ ]
الفرائض وهي: عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر)؛ لقول ابن عمر ﵁: "حفظتُ من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل المظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها أحد، حدَّثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر: صلى ركعتين" متفق عليه (^٢٦) (وهما) أي: ركعتا الفجر (آكدها) أي: أفضل
(^٢٦) مسألة: السنن الرواتب أفضل السنن - بعد صلاة الوتر - وهي: عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر؛ ويُستحب أن تكون هذه السنن في البيت وكذا: السنن المطلقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فإنه أثبت أن المستحب في النوافل أن تكون في البيوت، ونفى ذلك في الفرائض؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وإذا استثنينا المكتوبة: لم يبق إلا السنن والنوافل، وهي عامة للسنن الرواتب المقيدة، والسنن المطلقة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّى السنن الرواتب العشر في بيته - كما رواه ابن عمر ﵁ فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت تلك الركعات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحصل فيها سدُّ الخلل والنقص الذي يمكن حصوله في الفرائض، فيكمل أجر العبد، وفيها زيادة شكر الله تعالى على نعم حصلت في أوقات الصلوات - كما سبق بيانه - فإن قلتَ: لمَ لم يكن لصلاة العصر راتبة؟ قلتُ: للنهي عن الصلاة بعد العصر، وللاكتفاء براتبة الظهر البعدية، فإن قلتَ: لمَ يُستحب أن تكون تلك السنن في البيت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال خشوع وإخلاص وفيه أيضًا إنزال الرحمة على أهل البيت، وابتعاد عن الرياء والعجب، وإبعاد للبيت عن المقبرة حيث قال ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أي صلُّوا بها، ولا تجعلوها كالمقابر لا يُصلَّى بها، وفيه أيضًا التسبُّب في خروج الشيطان من البيت، =
[ ١ / ٥٦٠ ]
الرواتب؛ لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه، فيُخيَّر فيما عداهما وعدا الوتر سفرًا، ويُسنّ تخفيفهما، واضطجاع بعدهما على الأيمن، (^٢٧) ويقرأ في الأولى - بعد الفاتحة -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية، (^٢٨) ويلي ركعتي الفجر: ركعتا المغرب، ويُسنُّ أن يقرأ فيهما بـ "الكافرون"
والتسبُّب في اقتداء من في البيت بتلك الصلاة، بخلاف الفريضة: ففيها مشاركة الناس فيها، وهي مظهر من مظاهر الإسلام.
(^٢٧) مسألة: آكد السنن الرواتب: ركعتا الفجر، وهما يُفعلان في الحضر والسفر، وكذا: الوتر مثلهما، أما السنن الرواتب الأخرى فتُستحب في الحضر فقط، ويخيَّر في فعلها في السفر، ويُستحب تخفيف ركعتي سنة الفجر، والاضطجاع بعد الفراغ منهما على الشقِّ الأيمن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يُبيِّن تأكيدها على غيرها على الإطلاق، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يترك سنة الفجر والوتر في حضر ولا سفر، وكان يحرص على ركعتي سنة الفجر، وكان: يخففهما ويضطجع بعدهما - كما روت عائشة ذلك - فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن وقت ركعتي الفجر أفضل الأوقات؛ حيث إنه وقت مشهود، ويُخفِّف فيهما؛ ويضطجع بعدهما: للتهيئة وأخذ بعض الراحة قبل البدء بصلاة الفجر التي يُشرع فيها القراءة من طوال المفصَّل وكونه يضطجع على الأيمن؛ لكونه أكثر راحة في التَّنفس من الشق الأيسر؛ لوجود القلب في جهته.
(^٢٨) مسألة: يُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من ركعتي سنة الفجر بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية منها بسورة: "الإخلاص" بعد الفاتحة، وإن شاء يقرأ في الأولى بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ …﴾ [البقرة: ١٢٦]، ويقرأ في=
[ ١ / ٥٦١ ]
و"الإخلاص" (^٢٩) (ومن فاته شيء منها) أي: من الرواتب: (سُنَّ له قضاؤه) كالوتر؛ لأنَّه ﷺ قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر، وقيس الباقي، وقال: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر" رواه الترمذي، لكن ما فات مع فرضه وكثُر: فالأولى تركه إلا سنة فجر، (^٣٠) ووقت كل سنة قبل الصلاة من دخول وقتها إلى فعلها،
الثانية بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ … [آل عمران:٦٤]؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد للتوحيد والعقيدة، ونبذ الكفر والكفار.
(^٢٩) مسألة: أفضل السنن الرواتب - بعد ركعتي سنة الفجر: ركعتا سنة المغرب، ويقرأ في الأولى منهما بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية: بسورة "الإخلاص" بعد الفاتحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ فيهما بهاتين السورتين، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن سنة الفجر تفضل على السنن الرواتب فكذلك سنة المغرب فيها فضل والجامع: أن كلًّا منهما تقع في آخر فترة من الزمن، فسنة الفجر في آخر الليل، وسنة المغرب في آخر النهار، وما كان آخر شيء فهو فضيلة وهو المقصد منه.
(^٣٠) مسألة: إذا فات شيء من السنن الرواتب - بأن خرج وقت الظهر مثلًا وهو لم يصل سنتها القبلية أو البعدية -: فإنه يُستحب أن يقضيها، إلا إذا كثرت هذه الفوائت من الرواتب: فيُستحب أن لا يقضيها إلا سنة الفجر فيُستحب قضاؤها؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قضى ﷺ راتبة الفجر، وراتبة الظهر لما فاتتا، الثانية: القياس، بيانه: كما يُقضى الوتر حيث أمر النبي ﷺ بقضائه، وراتبة الفجر والظهر، فكذلك السنن الرواتب تقضى والجامع: التطوع في كل، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنها إذا كثُرت: فإنه يشق قضاؤها، لذلك سقط القضاء، فإن قلتَ: لمَ استحب القضاء هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث=
[ ١ / ٥٦٢ ]
وكل سنة بعد الصلاة: من فعلها إلى خروج وقتها: فسنة فجر وظهر الأوَّلة بعدهما قضاء، (^٣١) والسنن غير الرواتب: عشرون: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، غير السنن الرواتب، قال جمع: يُحافظ عليها، (^٣٢)
إن ذلك فيه إدراك فعل الخيرات، فإن قلتَ: لمَ تقضى سنة الفجر؟ قلتُ: لتأكُّد سُنِّيتها - كما سبق -.
(^٣١) مسألة: وقت السنة الراتبة التي قبل صلاة الفجر والظهر: يبدأ من دخول وقتهما، وينتهي بالفراغ من الصلاتين، فلو فُعِلت تلك السنة بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة الظهر: لكانت قضاء، ويبدأ وقت السنة الراتبة التي بعد صلاة الظهر، والتي بعد المغرب، والتي بعد العشاء: من حين الفراغ من صلاة الفرض، وينتهي بخروج وقت تلك الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ربط تلك السنن الرواتب بالفرائض: تعلُّقها بوقتها دخولًا وخروجًا.
(^٣٢) مسألة: السنن غير الرواتب: عشرون ركعة وهي: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها: حرَّمه الله على النار" ثانيها: قوله ﷺ: "رحم الله امرءًا صلى أربعًا قبل العصر" ثالثها: قوله ﷺ: "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلَّم فيما بينهن بسوء: عُدِلْنَ له بعبادة ثنتي عشرة سنة" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: كان رسول الله يصلي بأربع، أو بست ركعات بعد العشاء؛ فإن قلتَ: ما الفرق بين هذه السنن والسنن الرواتب؟ قلتُ: السنن الرواتب يُحافظ عليها مع الفرائض؛ ليُكمل بها ما نقص منها، بخلاف غير الرواتب فيُستحب المحافظة عليها، لكن بصورة أخف من المحافظة على السنن الرواتب، وكل فيه خيرا الدنيا والآخرة.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وتُباح ركعتان بعد أذان المغرب (^٣٣)
فصل: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار)؛ لقوله ﷺ: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل" رواه مسلم عن أبي هريرة، فالتطوع المطلق أفضله: صلاة الليل؛ لأنَّه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص (^٣٤) (وأفضلها) أي: الصلاة (ثلث الليل بعد نصفه مطلقًا)؛ لما في "الصحيح" مرفوعًا: "أفضل الصلاة صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، (^٣٥) ويُسنُّ قيام
(^٣٣) مسألة: يُباح أن يُصلَّى بعد أذان المغرب وقبل إقامتها ركعتين نفلًا، ويتحصَّل على الأجر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلوا ركعتين قبل المغرب" وكرَّرها، ثم قال في الثالثة: "لمن شاء"، فإن قلتَ: لمَ قال: "لمن شاء" أن مع المصلي يتحصَّل على أجر ذلك؟ قلتُ: خشية أن يتخذها الناس سنة راتبة، وهي ليست كذلك كما قال ذلك ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ قال المصنف: "ويباح ركعتان" مع أنه يتحصَّل على أجرهما؟ قلتُ ردًا على من قال: إن السنة بعد أذان المغرب مكروهة.
(^٣٤) مسألة: أفضل وقت لصلاة التطوع المطلق هو الليل؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة: صلاة الليل" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في الخشوع والتذلل والخضوع والتفكُّر، وهو أكمل في إسرارها والإخلاص بها الله، وأبعد عن الرياء والسمعة، وهذا لا شكَّ أنه يزيد في الأجر.
(^٣٥) مسألة: أفضل وقت من الليل لصلاة التطوع هو: الثلث الأوسط من النصف الثاني من اللَّيل، أي: يُقسِّم الليل إلى نصفين: فينام في النصف الأول منه، ثم يُقسِّم النصف الثاني إلى ثلاثة أقسام: فينام في الثلث الأول منه، ويقوم في الثلث الثاني، وهو الأوسط، وينام في الثلث الأخير إلى صلاة الفجر فمثلًا لو=
[ ١ / ٥٦٤ ]
الليل، (^٣٦) وافتتاحه بركعتين خفيفتين، (^٣٧) ووقته من الغروب إلى طلوع الفجر،
كان يؤذن للمغرب الساعة السادسة، وتطلع الشمس في الساعة السادسة: فإن الليل يكون اثنتي عشرة ساعة، فينام ست ساعات نصفها، ثم يقسِّم الست الباقية إلى ثلاثة أجزاء، كل جزء تكون مدته ساعتين، فينام ساعتين، ويصلي ساعتين، ثم ينام ساعتين إلى أذان الفجر، وهذا الأخير يُعتبر سدس الليل؛ للسنة القولية؛ حيث بيَّن ﷺ أن ذلك أفضل الصلاة، وهي صلاة داود ﵇، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يأتي بعد أخذ قسط كبير من الراحة، وفي وقت من أوقات الاستجابة كما قال ﷺ: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له"، ونومه في السدس الأخير من الليل يُكسبه قوة لصلاة الفجر، ولعمله فيما بعدها.
(^٣٦) مسألة: قيام الليل سنة مؤكَّدة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قيامه، وقد حثَّ الشارع على قيامه بنصوص كثيرة، فإن قلتَ: لمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد سبقت.
(^٣٧) مسألة: يُستحب أن يبدأ قيام الليل بركعتين خفيفتين، وأن يتسوَّك قبلهما، وأن يُكبِّر الله، ويحمده، ويُسبِّحه، ويُهلِّل، ويستغفره، وأن يدعو بالهداية والرزق والعافية ويتعوذ من شياطين الإنس والجن، ومن ضيق يوم القيامة، وأن يقرأ القرآن بجهر، أو سر على حسب الحال؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يبدأ صلاة الليل بركعتين خفيفتين، ويتسوَّك قبلهما، ويُكبر الله ويدعو، ويقرأ القرآن "ورُبَّما أسر ورُبَّما جهر" - كما روت عائشة - فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعرُّض لنفحات الله تعالى، وفيه تهيئة وإعداد لصلاة التهجُّد.
[ ١ / ٥٦٥ ]
ولا يقومه كله إلا ليلة عيد، ويتوجَّه وليلة النصف من شعبان (^٣٨) (وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى)؛ لقوله ﷺ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي، و"مثنى مثنى" معدول عن اثنين اثنين، ومعناه: معنى المكرَّر،
(^٣٨) مسألة: وقت صلاة الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، فلو صلى بعد المغرب ناويًا أنها صلاة ليل: صحَّ منه ذلك، لكن الأفضل: هو الثلث الأوسط من النصف الثاني من الليل - كما سبق في مسألة (٣٥) -، ويُكره قيام الليل كله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تسمية ذلك صلاة ليل: أن يصلي في أي وقت من دخول الليل وهو: من غروب الشمس حتى طلوع الفجر؛ لصدق اسم الليل عليه، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الليل كله يصح أن تصلى فيه صلاة الليل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، فإن قلتَ: لمَ كره قيامه كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نوم الليل لا يُعوض عنه أيُّ نوم آخر، فلو سهر الليل كله لتضررت صحته، وتعطَّلت مصالحه، وأصبح عالة على المجتمع، فإن قلتَ: لا يكره قيام ليلة العيد كلها، وليلة النصف من شعبان - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر ﵃ يُحيي ليلة العيد، وتقاس ليلة النصف من شعبان عليها قلتُ: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنَّه معارض للسنة الفعلية التي ذكرتها عائشة، وإذا بطل: بطل ما قيس عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض فعل الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة الفعلية، وهي هنا: من باب التروك، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لكون الترك ليس بفعل عندهم.
[ ١ / ٥٦٦ ]
وتكريره لتوكيد اللفظ لا للمعنى، (^٣٩) وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام فيما لم يرد تطويله (^٤٠) (وإن تطوع في النهار بأربع) بتشهدين (كالظهر: فلا بأس) لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي أيوب: "أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" وإن لم يجلس إلا في آخرهن: فقد ترك الأولى، ويقرأ في كل ركعة مع الفاتحة سورة، وإن زاد على اثنتين ليلًا، أو أربع نهارًا، ولو جاوز ثمانيًا نهارًا بسلام واحد: صحَّ، وكُرِه في غير الوتر، ويصح التطوع بركعة ونحوها (^٤١)
(^٣٩) مسألة: يُستحب عند صلاة التطوع في ليل أو نهار: أن يصليها مثنى مثنى بأن يصلي ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يُصلِّي ركعتين ثم يُسلِّم، وهكذا للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى" وصلاة النهار مثل صلاة الليل؛ لعدم الفارق، بجامع: أنه في كل منهما صلاة تطوع، ويراد منها التخفيف من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ قال "مثنى مثنى" ولم يقل: اثنتين اثنتين؟ قلتُ: للتخفيف وتيسير النطق بذلك، فإن قلتَ: لمَ كرَّر ذكر "مثنى"؟ قلتُ: لتأكيد اللفظ والمعنى معروف، تنبيه: الحديث ذكره المصنف بزيادة لفظ "والنهار" وهذه الزيادة لم ترد عند أئمة الحديث.
(^٤٠) مسألة: كثرة الركوع والسجود في صلاة التطوع أفضل من طول القيام أو الركوع أو السجود - إذا لم يرد من الشارع مشروعية تطويله -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من عبدٍ يسجد سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة"، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير الحسنات، وتقليل السيئات، ورفع الدرجات كما ورد.
(^٤١) مسألة: يُباح التطوع بركعة واحدة فقط، ويُباح التطوع بأربع ركعات: سواء بتشهدين كالظهر أو بتشهد واحد، ويُباح الزيادة على ذلك في ليل أو نهار، بسلام واحد أو بسلامين، ويقرأ في كل ركعة بالفاتحة وما تيسَّر من القرآن بعدها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى" وهذا لا يدل على كراهية الزيادة، وإنما هو يُبين الأفضل، وصلاة النهار=
[ ١ / ٥٦٧ ]
(وأجر صلاة قاعد) بلا عذر (على نصف صلاة قائم)؛ لقوله ﷺ: "من صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" متفق عليه، (^٤٢) ويُسنُّ تربُّعه بمحل قيام، وثني رجليه بركوعُ وسجود (^٤٣) (وتُسنُّ صلاة الضحى)؛ لقول
كصلاة الليل؛ لعدم الفارق في هذا من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي قبل الظهر أربعًا بسلام واحد، وكان يصلي خمسًا وسبعًا وتسعًا بسلام واحد، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵁ قد صلى ركعة وقال: "هو تطوع" فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، تنبيه: قوله: "وكُره في غير الوتر" قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية.
(^٤٢) مسألة: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو قاعد مع قدرته على القيام ويكون أجره على النصف من أجر القائم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" ويلزم من لفظ "أفضل" أن تحمل الصلاة في الحديث على صلاة التطوع؛ لأن "القيام" ركن في صلاة الفرض للقادر عليه لا تصح صلاته إلا به - كما سبق - فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك قدرته على القيام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على فعل الخيرات بأدنى مشقة، وهذا فيه إرشاد المسلم بأن يُشغل نفسه بفعل الطاعات لئلا تشغله بفعل المعاصي. [فرع]: إذا كانت عادته أن يصلي قائمًا، فعرض عليه عارض جعله يصلي قاعدًا: فإن له أجر المصلي قائمًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حثٌّ على المداومة على فعل الطاعات.
(^٤٣) مسألة: طريقة المصلي قاعدًا المستحبَّة هي: أن يكون في حال القيام مُتربِّعًا - بأن يجعل باطن قدمه الأيمن تحت فخذه الأيسر، وباطن قدمه الأيسر تحت =
[ ١ / ٥٦٨ ]
أبي هريرة ﵁: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ: بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" رواه أحمد ومسلم، وتُصلَّى في بعض الأيام دون بعض؛ لأنَّه ﷺ لم يكن يداوم عليها (^٤٤) (وأقلَّها ركعتان): لحديث أبي هريرة ﵁ (وأكثرها: ثمان) لما روت أمُّ هانئ: "أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثمان ركعات، سبحة الضحى" رواه الجماعة (^٤٥) (ووقتها: من خروج وقت النهي) أي:
فخذه الأيمن ويسترخي - ويجعل كفَّيه على ركبتيه، وأن يُفرِّق بين أصابع كل يد كهيئته وهو راكع، ويُثني رجليه في حال الركوع والسجود، وهو ردّ الركب إلى القبلة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس ﵃ قد فعلا ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرِعت هذه الطريقة؟ قلتُ: ليكون أقرب إلى هيئة القيام والركوع والسجود. [فرع]: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو مضطجع، وإن كان قادرًا على القيام والقعود، ويكون أجره على النصف من أجر المصلي وهو قاعد؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة التطوع من القاعد وهو قادر على القيام، وله نصف أجره فكذلك تصح صلاة التطوع من المضطجع وهو قادر على القعود، والجامع: الحث على فعل الطاعات، والإكثار من العبادات في كل، وهو المقصد الشرعي منه.
(^٤٤) مسألة: يُستحب أن يُصلي صلاة الضحى في بعض الأيام دون بعض؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى بها أبا هريرة ﵁، والثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يُداوم عليها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنها سبب في غفران الذنوب، قال ﷺ: "من حافظ على شفعة الضحى: غفرت له ذنوبه" وقد أطال القرطبي في ذكر ما ورد في ذلك في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٧) و(١٢/ ١٩٢)، وشرع عدم المداومة عليها: لئلا تشبه الفرائض.
(^٤٥) مسألة: أقل صلاة الضحى: ركعتان، وأكثرها: ثمان ركعات؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى أبا هريرة بأن يصلي ركعتين في:=
[ ١ / ٥٦٩ ]
من ارتفاع الشمس قدر رمح (إلى قبيل الزوال) أي: إلى دخول وقت النهي بقيام الشمس، (^٤٦) وأفضله: إذا اشتد الحر (^٤٧) (وسجود التلاوة) والشكر: (صلاة)؛ لأنَّه
الضحى، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى ثمان ركعات عام الفتح في مكة - كما روته أم هانئ - فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من صلى ركعتين في الضحى جعله الله من الأوابين - وهم التائبون المغفور لهم - مع ما فيهما من قلة المشقة، وكذلك يكفيان عن الصدقة عن جميع عظام البدن - وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا - وشرع أكثره ثمان: ليكمل الأجر والغفران، وقد بسط النووي الكلام في هذا في "المجموع" (٤/ ٣٥)، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بسبحة الضحى؟ قلتُ: لكثرة تسبيحه فيها من باب تسمية الكل بالجزء.
(^٤٦) مسألة: وقت صلاة الضحى يبدأ من بعد خروج الشمس بربع ساعة تقريبًا - وهو: وقت ارتفاع الشمس مقدار رمح - وينتهي قبل دخول وقت صلاة الظهر بربع ساعة تقريبًا - أي: قبل زوال الشمس -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعمرو بن عَبَسَة: "صلِّ صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة؛ حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تُسجر جهنَّم، فإذا أقبل الفيء: فصلِّ" حيث حدَّد هنا بداية ونهاية صلاة الضحى من قوله: "حتى ترتفع" إلى قوله: "ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة" فإن قلتَ: لمَ كان هذا وقت الضحى؟ قلتُ: لمناسبته لهذه الصلاة؛ لوقوعه بين وقتين منهي عن الصلاة فيهما وهما: "وقت طلوع الشمس" و"وقت زوالها".
(^٤٧) مسألة: أفضل وقت لصلاة الضحى هو: وقت اشتداد حر الشمس في الصيف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلاة الأوابين: حين ترمض الفِصَال" أي: حين لا تقوى الفصال على المشي على خفافها من شدة حرارة الأرض - =
[ ١ / ٥٧٠ ]
سجود يُقصد به التقرب إلى الله تعالى: له تحريم وتحليل فكان كسجود الصلاة، فيُشترط له ما يُشترط لصلاة النافلة: من ستر العورة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك (^٤٨) (ويُسنُّ) سجود التلاوة (للقارئ والمستمع): لقول ابن عمر ﵃ "كان النبي يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه،
والفصال: هي: صغار الإبل - فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: لكثرة المشقة، وكلَّما زادت المشقة والعبادة كُلَّما زاد الأجر.
(^٤٨) مسألة: سجود التلاوة، وسجود الشكر: يعتبران صلاة تطوع، وبناء عليه: يُشترط لهما ما يُشترط لكل صلاة: من طهارة، وستر عورة، واستقبال القبلة والنية؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن السجود في الصلاة يُعتبر صلاة، فكذلك سجود التلاوة والشكر مثله، والجامع: وجود التكبير والتسبيح والذكر والدعاء، والتحريم والتسليم، والقصد به وجه الله في كل، ثانيهما: كما أن سجود السهو الذي بعد السلام يُعتبر صلاة يُشترط له ما يُشترط للصلاة، فكذلك سجود التلاوة والشكر مثله، والجامع: أن كلًّا منهما سجود منفرد يقصد منه التقرُّب إلى الله وله تحريم وتحليل وتكبير، فإن قلتَ: إن سجود التلاوة والشكر لا يُعتبر صلاة؛ وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود التكبير والتسليم فيهما: عدم اعتبارهما صلاة؛ لأن التكبير والتسليم من علامات الصلاة، قلتُ: بل يوجد في سجود التلاوة والشكر تكبير وتسليم، وقد سبق بيان الدليل على ذلك من القياس. وأصله: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا أراد أن يسجد سجدة تلاوة كبَّر وسجد - كما رواه ابن عمر ﵁ فبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في سجود التلاوة والشكر هل لهما تكبير وتسليم أو لا؟ " فعندنا: لهما ذلك وبناء عليه: كانا صلاة، وعندهم: لا يُشرع لهما ذلك وبناء عليه: لا يعتبران صلاة.
[ ١ / ٥٧١ ]
حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته" متفق عليه، وقال عمر ﵁: "إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء" رواه البخاري، (^٤٩) ويسجد في طواف مع قصر فصلٍ، (^٥٠) ويتيمَّم محدث بشرطه، ويسجد مع
(^٤٩) مسألة: سجود التلاوة مستحب لقارئ آية السجدة، ولمستمعها: لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث كان ﷺ إذا قرأ آية السجدة: سجد، وسجد من استمع لها، ولم يُنكر على من سجد تبعًا لسجوده، وهذا يدل على استحبابه؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر ﵁ قرأ في خطبة الجمعة سورة النحل حتى وصل إلى آية السجدة وقال: "أيها الناس إنما نمُّر بالسجود: فمن سجد: فقد أصاب؛ ومن لم يسجد: فلا إثم عليه" ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة المستمعين لذلك فكان إجماعًا منهم على ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك للقارئ والمستمع؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن هذا السجود فيه كمال العبودية لله تعالى، وهذا يشترك فيه القارئ والمستمع؛ حيث إن فيه تذلَّل وخضوع لعظمته سبحانه وقد أطال ابن القيم في ذلك في "أعلام الموقعين" (٢/ ٤٤٤)، فإن قلتَ: إن سجود التلاوة واجب على القارئ والمستمع، وهو قول أكثر الحنفية كما ذكر الكاساني في "البدائع" (١/ ١٨٠)؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وهو ذمٌ لهم، ولا يُذم إلا على ترك واجب قلتُ: إنما دَّمهم لترك السجود؛ لكونهم غير معتقدين مشروعيته كما قال النووي في "المجموع" (٢/ ٦٢) فلا يصح ما قالوه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في سبب الذم في الآية": فعندهم الذم لتركهم سجود التلاوة، وعندنا: الذم لتركهم العقيدة.
(^٥٠) مسألة: إذا كان يقرأ آية سجدة وهو يطوف بالكعبة فيُستحب أن يسجد للتلاوة بشرط: عدم إطالة فصل زمني بين القراءة والسجود، أما إذا أطال الفصل: فلا=
[ ١ / ٥٧٢ ]
قصره، (^٥١) وإذا نسي سجدة: لم يُعِد الآية؛ لأجله، ولا يسجد لهذا السهو، (^٥٢) ويُكرّر السجود بتكرار التلاوة كركعتي الطواف، قال في "الفروع": وكذا: "يتوجَّه في تحية المسجد إن تكرر دخوله" أ. هـ، ومراده: غير قيِّم المسجد (^٥٣) (دون السامع)
يُشرع السجود؛ للتلازم؛ حيث إن محلَّ سجود التلاوة بعد تلاوة آية السجدة مباشرة: فيُستحب السجود لها ولو كان مشتغلًا بشيء لا يمنع السجود كالطواف، ويلزم من طول الفصل: عدم السجود؛ لفوات محلِّه فإن قلتَ: لمَ استُحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين أجر الطواف وأجر السجدة.
(^٥١) مسألة: إذا قرأ آية سجدة وهو محدث حدثًا أصغر ولم يستطع التطهر بالماء - لعدم أو بُعد، أو ضرر -: فإنه يُستحب أن يتيمَّم ويسجد للتلاوة بشرط عدم إطالته فصل زمني بين القراءة والسجود؛ للتلازم، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٠).
(^٥٢) مسألة: إذا نسي سجود التلاوة - لما مرَّ بآية سجدة -: فلا يُشرع إعادة قراءتها لأجل أن يسجد للتلاوة، وإذا تذكَّر فيما بعد: فلا يسجد للسهو لأجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن محلَّ سجود التلاوة يكون بعد قراءتها مباشرة فيلزم من نسيانه لها: أن لا يُعيد قراءتها لأجل السجود؛ لفوات محلَّها، ويلزم من سقوطها هنا: عدم سجود السهو لأجلها؛ لأن الفرع - وهو سجود السهو - يسقط بسقوط الأصل وهو سجود التلاوة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه توسعة على المسلمين.
(^٥٣) مسألة: إذا كرَّر قراءة آية فيها سجدة بدون حاجة، أو كرَّر دخول مسجد بدون حاجة: فإنه يُستحب أن يُكرر سجود التلاوة، ويُكرر تحية المسجد، أما إن كرَّر قراءة آية سجدة الحاجة كأن يُريد تدبُّرها، أو حفظها، أو تعليمها لغيره فلا يُشرع سجود التلاوة، أو كرَّر دخول المسجد الحاجة كالقائم بكنسه وتنظيفه، وإنارة المصابيح: فأنه لا يشرع إعادة تحية المسجد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن سنة الطواف يُكررها إذا كرَّر الطواف، فكذلك الحال في تكرار=
[ ١ / ٥٧٣ ]
الذي لم يقصد الاستماع؛ لما روي أن عثمان ﵁ مرَّ بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فلم يسجد وقال: "إنما السجدة على من استمع" ولأنه لا يُشارك القارئ في الأجر فلم يُشاركه في السجود (^٥٤) (وإن لم يسجد القارئ) أو كان لا يصلح إمامًا للمستمع: (لم يسجد)؛ لأنَّه ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنك كنتَ إمامنا لو سجدتَ: سجدنا" رواه الشافعي في "مسنده" مرسلًا، (^٥٥) ولا يسجد
قراءة آية السجدة، وتكرار دخول المسجد لغير حاجة، والجامع: أن كلًّا منها أسباب المسببات، فإذا وجد السبب وُجِد المسبَّب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تكرار السجود عند تكرار قراءة الآية، أو تكرار تحية المسجد عند تكرار دخول المسجد للحاجة فيه مضرة على المكرِّر لحاجته، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٥٤) مسألة: إذا سمع شخص آية سجدة من شخص آخر صدفة ولم يقصد سماعها: فلا يُستحب لهذا السامع أن يسجد؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عثمان: "إنما السجدة على من استمع"، وثبت هذا عن ابن مسعود وابن عباس ﵁ فإن قلتَ: لمَ تُستحب السجدة للمستمع، دون السامع؟ قلتُ: لأن المستمع قصد الاستماع للقراءة وأنصت لها إنصات المهتم المستفيد، التارك لكل شيء لأجل الاستماع، أما السامع: فلم يقصد الاستماع، بل سمع ذلك صدفة، فلذلك لا يُشارك القارئ في الأجر والفضل، لذلك منع من مشاركته في السجود؛ لعدم حصول المقصود منها.
(^٥٥) مسألة: إذا مرَّ القارئ بآية سجدة، ولم يسجد لها، أو كان القارئ لا يصلح أن يكون إمامًا للمستمع -كأن تكون القارئة أنثى أو خنثى-: فإن المستمع لا يسجد؛ للسنة التقريرية؛ حيث قال زيد بن ثابت: "قرأت على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد منا أحد" ولم يُنكر النبي ﷺ، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر لما لم يسجد للتلاوة: لم يسجد بقية الصحابة، ولم يُنكر=
[ ١ / ٥٧٤ ]
المستمع قدَّام القارئ ولا عن يساره مع خلو يمينه (^٥٦)، ولا رجل لتلاوة امرأة، (^٥٧) ويسجد لتلاوة أُمّي وصبي (^٥٨) (وهو) أي: سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة) في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، و(في الحج منها: اثنتان) والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحمِّ السجدة، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك، وسجدة "ص" سجدة شكر، (^٥٩) ولا يُجزئ ركوع ولا سجود الصلاة
أحد منهم ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن المستمع تابع للقارئ، فلا يسجد المستمع بدون سجود القارئ كما لو كانا في صلاة - ذكره ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٣٦٨)، تنبيه: استدلال المصنف بما رواه عن الشافعي مرسلًا: لا يصح؛ لأن هذا لم يثبت عنه ﷺ كما قال أكثر أئمة الحديث.
(^٥٦) مسألة: يسجد المستمع لتلاوة آية سجدة خلف القارئ، أو عن يمينه، ولا يُشرع ولا يُستحب له أن يسجد أمامه أو عن يساره إذا كان الخلف أو اليمين خاليين؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم يقف خلف الإمام أو عن يمينه، ولا يقف أمامه ولا عن يساره فكذلك الحال هنا، والجامع، أن كلًّا منهما صلاة.
(^٥٧) مسألة: لا يسجد الرَّجل المستمع لتلاوة المرأة أو الخنثى لآية سجدة؛ للقياس بيانه: كما لا يجوز أن يصلي الرجل خلف امرأة أو خنثى فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما صلاة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في مسألة (٥٥).
(^٥٨) مسألة: يسجد الرجل المستمع لتلاوة أُمِّي وصبي لآية سجدة؛ للقياس، بيانه: كما تجوز صلاته خلف الأمي والصبي، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما صلاة.
(^٥٩) مسألة: عدد سجدات التلاوة في القرآن: أربع عشرة سجدة وهي: الآية الأخيرة من الأعراف، والآية "١٥" من الرعد، والآية "٥٠" من النحل، والآية "١٠٩" من الإسراء، والآية "٥٨" من مريم، والآية "١٨" من الحج، وكذا الآية "٧٧" منها، والآية "٦٠" من الفرقان، والآية "٢٦" من النمل، والآية=
[ ١ / ٥٧٥ ]
عن سجدة التلاوة (^٦٠) (و) إذا أراد السجود: فإنه (يكبِّر) تكبيرتين: تكبيرة (إذا سجد و) تكبيرة (إذا رفع) سواء كان في الصلاة أو خارجها (ويجلس) إن لم يكن في الصلاة (ويُسلِّم) وجوبًا، وتجزئ واحدة (ولا يتشهَّد) كصلاة الجنازة، ويرفع يديه إذا سجد ندبًا ولو في صلاة، (^٦١)
"١٥" من السجدة، والآية "٣٨" من فُصِّلت، والآية الأخيرة من النجم، والآية "٢١" من الانشقاق، والآية الأخيرة من العَلقَ؛ للسنة القولية والفعلية الثابتة في حديث عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر ﵃ وهما مشهوران، فإن قلتَ: إن الآية "٣٨" من "ص" من السجدات؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سجد فيها، وهو قول كثير من الصحابة والعلماء قلتُ: إن هذه سجدة شكر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في سجدة "ص": "سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس ﵁: ليست "ص" من عزائم السجود، فإن قلتَ: لمَ كانت أربع عشرة؟ قلتُ: لوجود ما يُسبِّب ذلك في تلك الآيات الأربعة عشرة من تخويف، ورعب، وشكر الله ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية وقول الصحابي مع الفعلية" فعندنا: يُعمل بالقولية مؤيدة بقول الصحابي، وعندهم: يعمل بالفعلية؛ لأنها أتت بشيء زائد، ولا تخالف ما سبق.
(^٦٠) مسألة: لا يُجزئ عن سجود التلاوة ركوع، ولا سجود الصلاة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يسجد سجودًا منفردًا عن غيره، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن كل شيء شرعه الله له سببه الخاص به، فلا يُجزيء شيء عن شيء آخر في العبادات.
(^٦١) مسألة: طريقة سجود التلاوة هي: أنه إذا أكمل آية السجدة: فإنه يُكبِّر فيسجد كسجوده للصلاة في القول والفعل، وإذا رفع من سجوده: كبَّر، ثم يجلس قليلًا، ثم يسلِّم عن يمينه تسليمة واحدة إن كان خارج الصلاة، أما إن كان داخلها: فإنه - بعد إكمال سجود التلاوة - يُكمّل قراءته وصلاته؛=
[ ١ / ٥٧٦ ]
وسجود عن قيام أفضل (^٦٢) (ويُكره للإمام قراءة) آية (سجدة في صلاة سرِّ و) كره (سجوده) أي: سجود الإمام للتلاوة (فيها) أي: في صلاة سرية كالظهر؛ لأنَّه إذا قرأها إما أن يسجد لها أو لا، فإن لم يسجد لها: كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها: أوجب الإبهام والتخليط على المأموم (^٦٣) (ويلزم المأموم متابعته في غيرها) أي: غير
للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، تنبيه: قوله: "كصلاة الجنازة" يقصد: أن سجود التلاوة كصلاة الجنازة في عدم التشهد، وإجزاء تسليمة واحدة. [فرع]: لا يرفع الساجد للتلاوة يديه عند سجوده ولا عند رفعه؛ للقياس بيانه: كما أن الساجد للسهو لا يرفع يديه فكذلك هذا مثله والجامع: أن كلًّا منهما سجود منفرد والسجود لا ترفع له الأيدي، فإن قلتَ: يُستحب أن يرفع يديه هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(^٦٢) مسألة: إذا قرأ آية سجدة: فالأفضل أن يقوم ثم يسجد للتلاوة، وكذا: سجود شكر؛ للقياس، بيانه: كما أن صلاة النافلة من القائم أفضل من صلاته قاعدًا، فكذلك سجود القائم أفضل من سجود القاعد والجامع: كثرة العمل والتذلُّل والشكر من القائم في كل.
(^٦٣) مسألة: يُكره للإمام أن يقرأ آيات فيها سجدة في الصلاة السرية - وهي: الظهر والعصر -، وإن قرأ بها في هاتين الصلاتين: فإنه يُكره أن يسجد؛ للمصلحة؛ حيث إنه إن قرأها ولم يسجد لها: فإنه حرم نفسه من ثواب السجود لها، وإن سجد لها فإنه يلتبس على المأموم الأمر، فلا يعلم المأموم سبب سجوده: فقد يعتقد أنه سجد لكونه نسي سجود أو ركوع، أو أنه سجد للتلاوة، وكل هذا مشغل له مما يتسبَّب في اضطراب نيته وصلاته، فكره هذا لمنع ذلك الضرَّر.
[ ١ / ٥٧٧ ]
الصلاة السِّرِّية، ولو مع ما يمنع السماع كبُعد وطرش، ويُخيَّر في السرية (^٦٤) (ويُستحب) في غير الصلاة (سجود الشكر عند تجدُّد النعم واندفاع النقم) مطلقًا؛ لما روى أبو بكر ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يُسرُّ به: خرَّ ساجدًا" رواه أبو داود وغيره وصحَّحه الحاكم (^٦٥) وتبطل به) أي:
(^٦٤) مسألة: يجب على المأموم أن يُتابع إمامه في سجوده للتلاوة فيسجد معه إذا سجد: سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، وسواء كان يسمع القراءة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: " … فإذا سجد فاسجدوا" فأوجب على المأمومين السجود عند سجود الإمام؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام فيشمل سجود الفرض وسجود السهو، والتلاوة، ويشمل الصلاة الجهرية والسرية، ويشمل من سمع القراءة ومن لم يسمعها، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق متابعة الإمام، وعدم الاختلاف عليه المنهي عنه بقوله ﷺ: "فلا تختلفوا عليه" وفي هذا توحيد المسلمين، تنبيه: قوله: "ويُخيَّر في السرية" هذا غير صحيح؛ لمخالفته لظاهر الحديث السابق والمصلحة.
(^٦٥) مسألة: يُستحب أن يُسجد لله سجود شكر له - في غير صلاة - عند حدوث نعمة، أو اندفاع نقمة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ غير ساجدًا؛ شكرًا لله تعالى عندما يسمع بشيء يفرح له، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يزيد النعم حيث قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وهذا السجود وما فيه من تذلُّل يقمع النفس من فرحها الذي قد يؤدِّي إلى البطر والتكبُّر على الآخرين، فإن قلتَ: إن سجود الشكر مكروه، وهو رواية عن الإمام مالك كما نقله القرافي في الذخيرة (٢/ ٤١٦)؛ للاستقراء؛ حيث إنه ﷺ قد فُتحت له الفتوح، وأتي بالأولاد ولم يكن يسجد للشكر؟ قلتُ: إن عدم=
[ ١ / ٥٧٨ ]
بسجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس)؛ لأنَّه لا تعلُّق له بالصلاة، بخلاف سجود التلاوة، (^٦٦) وصفة سجود الشكر وأحكامه كسجود التلاوة (^٦٧)
سجوده في بعض الأحيان لا يدل على عدم استحباب سجود الشكر، فقد سجد لأجل ذلك كثيرًا قاله ابن القيم في أعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨) وعدة الصابرين (١٧٢) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل عدم سجوده ﷺ في بعض الأحيان للشكر يفيد كراهة السجود؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٦٦) مسألة: إذا سمع بشيء يُفرحه وهو يصلي فرضًا أو نفلًا، وسجد للشكر في أثنائها: فإن تلك الصلاة تبطل إن كان عالمًا بتحريم ذلك، ذاكرًا لذلك، أما إن كان جاهلًا بالحكم، أو عالمًا به ولكنه نسي ذلك: فصلاته صحيحة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو زاد في صلاته سجودًا مُتعمِّدًا ذاكرًا عالمًا: فصلاته باطلة، وإذا زاد ذلك ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة، فكذلك الذي يسجد للشكر في أثناء صلاته مثله، والجامع: أنه في كل منها زاد سجودًا لم يكن من الصلاة المأمور بها، فالمتعمد والعالم غير معذور فبطلت صلاته، والناسي أو الجاهل معذور، فلم تبطل صلاته؛ لعذره، فإن قلتَ: لمَ بطلت صلاته بتعمُّده وذكره إذا سجد للشكر، بخلاف سجود التلاوة فلا تبطل مطلقًا؟ قلتُ: لأن سبب سجود الشكر ليس منها فبطلت، أما سجود التلاوة فسببه منها؛ حيث إنه متعلِّق بها.
(^٦٧) مسألة: طريقة وصفة سجود الشكر كطريقة وصفة سجود التلاوة من الأفعال والأقوال، وجميع الأحكام: من تكبير، وتسليم، وعدم تشهُّد، وعدم رفع يدين - كما سبق في مسائل (٦٠ و٦١ و٦٢)، ولكن يُكثر في سجود الشكر من شكر الله وحمده، والتذلُّل والخضوع، وتعفير الوجه في التراب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقمع نفسه من التكبُّر على الآخرين لما تجدَّد له نِعم، ودُفِعت عنه نقم وقد سبق في مسألة: (٦٥). [فرع]: تستحب صلاة الاستخارة، وصلاة التوبة، وصلاة الحاجة، وصلاة بعد كل تطهر: فأولها: صلاة الاستخارة وهي: أنه=
[ ١ / ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أراد أن يقوم بأمر من الأمور: فإنه يصلي ركعتين، وقبل سلامه أو بعده يدعو بدعاء الاستخارة وهو: قوله: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويُسمِّي حاجته - خير لي في ديني ودنياي، ومعاشي وعاقبة أمري: فيسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني أو دنياي ومعاشي وعاقبة أمري: فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به" فإن لم يجد نفسه متوجهة إليه، يُعيد هذا الفعل في وقت آخر، فإن لم يجد نفسه متوجهة: فليتركه؛ للسنة القولية؛ حيث قال جابر: كان ﷺ يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كما يُعلِّمنا السورة من القرآن، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحثُّ على استشارة الله تعالى في الأمور كلها، وفيه الحثُّ على التريِّث والتأني في اتخاذ القرارات، وثانيها: صلاة التوبة، وهي مشروعية عندما يعصي المرء ربَّه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من رجلُ يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويُحسن وضوءه، فيُصلي ركعتين، فيستغفر الله إلا غفر الله له"، وثالثها: صلاة، الحاجة، وهي صلاة يفعلها المسلم عندما يستعصي عليه قضاء حاجة؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ: "من كانت له حاجة إلى الله، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليُحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين؛ ثم يُثني على الله، وليُصلِّ على النبي ﷺ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين"، ورابعها: الصلاة بعد كل تطهر، للسنة التقريرية؛ حيث قال النبي ﷺ: "يا بلال حدَّثني بأرجى عمل عملته في=
[ ١ / ٥٨٠ ]
وأوقات النهي خمسة: الأول (من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس)؛ لقوله ﷺ: "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" احتج به أحمد (و) الثاني (من طلوعها حتى ترتفع قِيد) بكسر القاف أي: قدر (رمح) في رأي العين (و) الثالث (عند قيامها حتى تزول)؛ لقول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلِّي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب" رواه مسلم و"تتضيَّف" بفتح المثنَّاة فوق أي: تميل (و) الرابع (من صلاة العصر إلى غروبها)؛ لقوله ﷺ: "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" متفق عليه عن أبي سعيد، والاعتبار بالفراغ منها، لا
الإسلام؛ فإني سمعت دُفَّ نعليك بين يدي في الجنة" فقال له: "ما عملتُ عملًا أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صلَّيت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلِّيه" فلم يُنكر النبي ﷺ ذلك. [فرع آخر]: لا تُشرع صلاة الرغائب - وهي الصلاة في ليلة أول جمعة من رجب -، ولا صلاة الألفية، ولا صلاة ليلة السابع والعشرين من رجب، ولا صلاة ليلة النصف من شعبان، ولا صلاة التسبيح، وهي بدع منكرة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في العبادات ثبوتها من الشارع ثبوتًا قطعيًا أو يغلب على الظن، ولم تثبت تلك الصلوات السابقة لذكر من الشارع؛ فتبقى على النفي الأصلي، فلا يُتعبَّد الله بها حيث إنها إحداث في الدين فيكون مردودًا؛ لعموم قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فإن قلتَ: إنها قد ثبتت بأحاديث نبوية؟ قلتُ: إن كل ما جاء فيها من الأحاديث: إما أن تكون موضوعة، أو ضعيفة كما ذكر ذلك كثير من محققي العلماء كالنووي، وابن تيمية، وابن الجوزي، وابن رجب، وابن القيم.
[ ١ / ٥٨١ ]
بالشروع فيها، ولو فُعِلَت في وقت الظهر جمعًا، لكن تفعل سنة ظهر بعدها (و) الخامس (إذا شرعت) الشمس (فيه) أي في الغروب (حتى يتم)؛ لما تقدم (^٦٨)
(^٦٨) مسألة: الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها ثلاثة: أولها: من بعد صلاة الفجر إلى بعد طلوع الشمس بربع ساعة تقريبًا، ثانيها: من وقوف الشمس في وسط السماء إلى ميلانها إلى الغروب - وهو زوالها -، أي: قبل أذان الظهر بربع ساعة تقريبًا إلى أذان الظهر، ثالثها: من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس تمامًا ويؤذن لصلاة المغرب؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد بيَّن تحريم صلاة التطوع فيها بأحاديث كثيرة ثابتة رواها عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر، فإن قلتَ: لمَ نهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الملائكة لا تشهد النوافل التي تُقام بتلك الأوقات؛ لأنها إما أن تكون أوقات عبادة الكفار للشمس كطرفي النهار، أو أوقات تُسعَّر النار فيها - كوقت كون الشمس في وسط السماء -؛ فمن صلى فيها نافلة وهو يعلم تحريم ذلك: فهو آثم وصلاته فاسدة؛ لأن النهي عن الصلاة فيها مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد. تنبيه: الأوقات الخمسة التي ذكرها المصنف ترجع إلى تلك الأوقات الثلاثة التي ذكرناها؛ جمعًا بين الأحاديث ولتيسير تصورها. [فرع]: الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها التي بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر تُعتبر بحسب فراغ كل فرد منها، ولا يُلتفت إلى فعل غيره فمثلًا: مَنْ لم يصل فرض العصر يُباح له التنفل قبل أن يصليها - وإن كان غيره قد صلاها -، وكذلك يُباح لمن لم يصل الفجر حتى طلعت الشمس أن يتنفل قبلها، وكذلك لو جمع الظهر والعصر في وقت الظهر، فإنه لا يصلي نافلة بعد ذلك إلا إذا نوى بهذه النافلة أنها راتبة الظهر البعدية فيُباح ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب=
[ ١ / ٥٨٢ ]
(ويجوز قضاء الفرائض فيها) أي: في أوقات النهي كلها؛ لعموم قوله ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها" متفق عليه، ويجوز أيضًا: فعل المنذورة فيها؛ لأنها صلاة واجبة (و) يجوز حتى (في الأوقات الثلاثة) القصيرة (فعل ركعتي الطواف)؛ لقوله ﷺ: "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار" رواه الترمذي وصحَّحه (و) تجوز فيها (إعادة جماعة) أُقيمت وهو بالمسجد؛ لما روى يزيد بن الأسود قال: "صليتُ مع النبي ﷺ صلاة الفجر، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يُصلَّيا معه فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا قال: "لا تفعلا إذا صلَّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" رواه الترمذي، وصحَّحه، فإن وجدهم يُصلُّون: لِمَ يُستحب الدخول، وتجوز الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر، دون بقية الأوقات ما لم يُخف عليها، (^٦٩)
الشمس" وهذا يخص كل فرد بحسبه، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ صلى ركعتين بعد العصر، وذكر لأم سلمة أنهما راتبة الظهر، فإن قلتَ: لمَ اعتبر فراغ كل شخص من صلاته بنفسه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الناس، واختلاف الأوقات من بلد إلى بلد.
(^٦٩) مسألة: الصلوات التي تجوز أن تصلي في الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها خمس صلوات: أولها: الصلاة المقضية: فيجوز للمسلم أن يقضي صلاة فرض فائتة عليه في تلك الأوقات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" حيث إن هذا خاص بصلاة الفرض؛ لأنَّه أمر بقضائها، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يجب إلا قضاء الفرض، وهو عام من جهة الزمن؛ حيث إنه أمر بقضاء الفرض في جميع الأوقات، فيشمل وقت النهي وغيره؛ لأن "إذا" زمانية وهي من صيغ العموم، ثانيها: الصلاة=
[ ١ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المنذورة، فلو نذر أن يصلي ركعتين بعد العصر: فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك وإن كان الوقتُ وقت نهي؛ للقياس على قضاء الفرض في ذلك الوقت، والجامع: وجوب إبراء الذمة من ذلك الواجب في كل، ثالثها: سنة الطواف، فلو طاف على الكعبة - فرضًا أو نفلًا - فيجوز أن يصلي ركعتي الطواف في وقت النهي؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن يُمنع شخص أراد الطواف وسنَّته في ليل أو نهار، وهذا يشمل أوقات النهي حتى في الأوقات الثلاثة - وهي حين تطلع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها - الواردة في حديث عقبة ابن عامر خلافًا لبعض العلماء -، رابعها: الصلاة المعادة، فلو صلى شخص في بيته، ثم دخل مسجدًا فوجد جماعة يصلون: فإنه يصلي معهم، وتكون الأخيرة نافلة، ويفعل ذلك وإن كان الوقت وقت نهي؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" وهذا عام في الأزمان؛ لأن "إذا" من صيغ العموم، فيشمل هذا وقت النهي تنبيه: قوله: "فإن وجدهم يصلون .. " قلتُ: هذا مرجوح، والراجح أنه يدخل معهم؛ لعموم الحديث السابق، خامسها: صلاة الجنازة، فتجوز في أي وقت، ولو كان وقت نهي إذا خيف انفجارها، أو ظهور رائحة كريهة منها، أما إذا لم يُخف منها ذلك: فإنه يُصلَّى عليها بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر فقط، أما في وقت وقوف الشمس في كبد السماء فلا يجوز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ نهى أن يُدفن الموتى في تلك الأوقات المنهي عنها - كما رواه عقبة بن عامر - والمراد بالدفن هو: الصلاة على الجنازة؛ لكونها لا تدفن قبل الصلاة عليها؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن ما بعد الفجر وما بعد العصر: وقت طويل يغلب على الظن ظهور رائحة كريهة من الميت: فأبيحت الصلاة عليه فيهما، وكذا إذا خيف عليه من الانفجار وظهور رائحة منه: فإنه=
[ ١ / ٥٨٤ ]
(ويحرم تطوع بغيرها) أي: غير المتقدِّمات: من إعادة جماعة، وركعتي طواف، وركعتي فجر قبلها (في شيء من الأوقات الخمسة حتى ماله سبب) كتحية المسجد، وسنة وضوء، وسجدة تلاوة، وصلاة على قبر، أو غائب، وصلاة كسوف، وقضاء راتبة سوى سنة ظهر بعد العصر المجموعة إليها، (^٧٠) ولا ينعقد النفل إن ابتدأه في هذه الأوقات، ولو
يدفن في أي وقت؛ دفعًا للمفسدة؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: لمَ أُبيحت تلك الصلوات في الأوقات المنهي عنها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الصلوات إما أن تكون واجبة اشتغلت الذمة بها، فلا تبرأ إلا بفعلها، فيتضرَّر إن لم يفعلها كقضاء الفوائت، أو المنذورة، أو أن الصلاة فيها أكثر دفعًا للمفاسد من تركها كالباقي، وإذا تعارضت مفسدتان: قُدِّمت أخفهما وعمل بها.
(^٧٠) مسألة: تحرم صلاة التطوع في الأوقات المنهي عنها - كما سبق بيانها في مسألة (٦٨) - غير ما ذكر من صلوات في مسألة (٦٩) -: وهذا التحريم عام شامل للصلوات التي لها سبب كتحية المسجد، أو سنة الوضوء، أو سجدة تلاوة، أو سجدة شكر، أو صلاة كسوف، أو صلاة استسقاء، أو سنة راتبة، أو الصلوات التي لا سبب لها كصلوات التطوع المطلقة، وكذا تحرم الصلاة على الجنازة بعد دفنها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن صلاة التطوع في تلك الأوقات - كما رواه ابن عمر، وعقبة بن عامر، وعمرو بن عَبَسَة - والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: إن الصلاة التي لها سبب كتحية المسجد يجوز فعلها ولو كان الوقت وقت نهي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" فأمر الشارع هنا بتحية المسجد، وهو عام في الأزمان؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل وقت النهي وغيره قلتُ: إن أحاديث النهي عن الصلاة في تلك=
[ ١ / ٥٨٥ ]
جاهلًا إلا تحية مسجد إذا دخل حال الخطبة فتجوز مطلقًا، (^٧١) ومكة
الأوقات مقدمة على حديث تحية المسجد؛ لأمور: أولها: أن أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات خاصة، وحديث تحية المسجد عام، والخاص يُقدم على العام في العمل، ثانيها: أن الأمر بتحية المسجد للندب، والنهي عن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم، وترك الحرام واجب، والعمل بالواجب مقدم على العمل بالمندوب، ثالثها: على فرض أن تحية المسجد واجبة؛ للأمر الوارد في الحديث السابق، فإن أحاديث النهي عن صلاتها في الأوقات المنهي عنها تقدم ويعمل بها؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الخاص من حديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، مع العام من حديث تحية المسجد" فعندنا: يعمل بالخاص، وعندهم: يعمل بالعام تنبيه: قوله: "سوى سنة ظهر بعد العصر" يُشير به إلى أنه إذا جمع العصر مع الظهر جمع تقديم: فإنه يجوز أن تصلى راتبة الظهر بعد صلاة العصر إذا نواها، وقد سبق بيانه في الفرع التابع لمسألة (٦٨).
(^٧١) مسألة: إذا صلى تطوعًا في تلك الأوقات المنهي عنها - غير الصلوات الخمس المتقدم ذكرها في مسألة (٦٩) - فصلاته لا تنعقد، أي: أنها فاسدة: سواء كان عالمًا، أو جاهلًا، ذاكرًا أو ناسيًا، وعلى ذلك: فإنه يقطعها إن علم بالتحريم في أثنائها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن صلاة التطوع في تلك الأوقات كما ورد في حديث عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر - والنهي مطلق، فيقتضي الفساد، وهي شاملة وعامة لكل من ذكرنا من العالم والجاهل وغيرهما، فإن قلتَ: لمَ يقطعها إذا دخل فيها ثم علم أنه في وقت نهي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث تعارضت مصلحة صلاته النافلة، ومفسدة وقوعها في الوقت المنهي عنه؛ فُيقدَّم دفع المفسدة على جلب المصلحة هنا. تنبيه: قوله:=
[ ١ / ٥٨٦ ]
وغيرها في ذلك سواء. (^٧٢)
" إلا تحية مسجد" إلى آخره يُشير به إلى أنه إذا دخل المسجد والإمام يخطب في يوم الجمعة: فإنه يصلي تحية المسجد، ولو كان الوقت وقت نهي قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأن أحاديث النهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات عامة ليوم الجمعة وغيره، وسيأتي بيانه في باب "صلاة الجمعة".
(^٧٢) مسألة: النهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات عام وشامل لجميع الأمكنة: مكة والمدينة، والقدس، وغيرها من البلدان؛ للسنة القولية، وهي أحاديث النهي عن الصلاة فيها - كما رواها عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر - وهذا عام لجميع الأمكنة، فإن قلتَ: لمَ خصَّ الفقهاء ذكر مكة هنا؟ قلتُ: لأنَّه نُقل عن الشافعي، وهو رواية عن أحمد: أنهما قالا: لا نهي في مكة، فأورد كثير من الفقهاء ذلك للرَّد عليهم؛ لأن الحديث عام في الأماكن.
هذه آخر مسائل باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها" ويليه باب "صلاة الجماعة وأحكام الإمام والائتمام والاقتداء والأعذار"
[ ١ / ٥٨٧ ]