شُرِعت لأجل التواصل والتوادد، وعدم التقاطع (تلزم الرجال) الأحرار القادرين، ولو سفرًا في شدة خوف (للصلوات الخمس) المؤدَّاة، وجوب عين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيره أولى، ولحديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (^١) (لا شرط) أي: ليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، فتصح
باب صلاة الجماعة وأحكام الإمام والمأموم، والاقتداء والأعذار
وفيه مائة وسبع وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس المؤدَّاة في أوقاتها على الرجال الأحرار القادرين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من ثلاثة في قوم، أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلى قد استحوذ عليهم الشيطان، عليك بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم" فأوجب صلاة الجماعة؛ لأن ذلك هو اللازم من استحواذ الشيطان؛ حيث إنه عقاب، ولا عقاب إلا على ترك واجب، فإن قلتَ: لِمَ وجبت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة مع الجماعة فيه مصالح منها: التواصل والتعارف بين الناس والتوادد بينهم، والاجتماع على الحق، وقضاء الحاجات، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وفي ذلك تعليم الجاهل أحكام الشريعة، وتنشيط الكسلان على العبادة، فإن قلتَ: لِمَ وجبت على الرجال الأحرار القادرين؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن خروج النساء فيه تعرض للفتنة، وكذا الخنثى؛ لاحتمال أن يكون أنثى،=
[ ١ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصبي والمجنون لا تجب عليهما الصلاة أصلًا، والعبيد قد اشتراهم السيد لخدمته فلو وجبت عليهم الجماعة: لتضرَّر السيَّد، وغير القادرين قد سقطت عنهم؛ لعجزهم؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، تنبيه: استلال المصنف بالآية لا يصح؛ لأن الآية سيقت لتعليم صلاة الخوف عند ملاقاة العدو؛ لأن ذلك أبلغ في حراستهم؛ لأنَّه لو صلى كل واحد منفردًا لانشغل كل واحد بنفسه، ولو صلوا جماعة: فكذلك وفي الحالين: يغلبهم العدو، فأمر الشارع أن ينقسموا إلى فريقين فلم يكن في الآية دليل على وجوب الجماعة كما قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٣٠١)، أو سيقت لبيان أن الصلاة نفسها لا تسقط بالسفر أو الخوف كما قال القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٢٣) و(٥/ ٣١٤)، تنبيه آخر: استدلال المصنف بحديث أبي هريرة ﵁ وهو: "الهمُّ بالتحريق"، أو حديث ابن مسعود ﵁: "رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق" لا يصح من وجهين: أولهما: أنهُ يقصد في الحديثين: الذين يتخلَّفون عنها ولا يُصلُّونها مع الجماعة ولا فرادى وهذا قول الشافعي، يؤيده وصفهم بالنفاق، والمنافق هو من حبط عمله، والمصلي في بيته تصح صلاته - كما سيأتي - ويؤيده أيضًا: سياق هذا الحديث، ثانيهما: أنه همَّ بالإحراق ولم يفعل، ولو كان تاركو الجماعة منافقين فعلًا: لفعل وأحرقهم، فإن قلتَ: لو لم يجز تحريقهم لما همَّ به؟ قلتُ: يُحتمل أنه قد ذكره ذلك بيانًا لفضل صلاة الجماعة، ويُحتمل: أنه اجتهد بهذا وهمَّ بالتحريق، ولكن الله منعه منه، أو أنه تغيَّر هذا الاجتهاد منه، وهذا بناء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ، ذكره النووي في "المجموع" (٤/ ١٩٢)، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، تنبيه ثالث: قوله: "ولو سفرًا في شدة خوف" قلتُ: هذا لا يُسلِّم؛ لأن السفر والخوف من الأعذار المسقطة لصلاة الجماعة والجمعة كما سيأتي.
[ ١ / ٥٨٩ ]
صلاة المنفرد بلا عذر، وفي صلاته فضل، وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة؛ لحديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه، (^٢) وتنعقد
(^٢) مسألة: صلاة الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، فتصح صلاة المنفرد بلا عذر، والمراد: إن صلاته مع الجماعة تفضل عن صلاته منفردًا بسبع وعشرين درجة، أو بخمس وعشرين درجة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بسبع وعشرين درجة" وفي رواية: "بخمس وعشرين"، ويلزم من لفظ "تفضل" أن كلًا من صلاة الشخص وحده وصلاته مع الجماعة صحيحتان فاضلتان إلا أن صلاته مع الجماعة أفضل بذلك المقدار من الدرجات، وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده" والمراد: أفضل، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد رأى رجلين لم يصليا معه، فقال لهما: لِمَ لم تصليا معنا؟ فقالا: صلَّينا في رحالنا - أي منازلنا - فقال: "إن أحدكم إذا صلى في رحله ثم أتى جماعة فليصل معهم فإنها له نافلة"، فلم يُنكر عليهما صلاة كل واحد منهما في رحله ومنزله، فلو كانت صلاة كل واحد منهما في منزله غير صحيحة أو فيها إثم لأنكر عليهما، ولبيَّن ذلك؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونظرًا لهذين الحديثين ذهب الجمهور - وهم الحنفية والمالكية وكثير من الشافعية - إلى أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة وليست واجبة، فإن قلتَ: إن الجماعة شرط في صحة الصلاة، فلا تصح صلاة المنفرد بدون عذر وهو قول أكثر الظاهرية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فنفى صحة الصلاة إلا الجماعة، والتقدير: "لا صلاة صحيحة .. " قلتُ: إن هذا ضعيف فيه محمد بن سكين، وحديثه منكر، وهو مجهول كما نقله النووي في المجموع (٤/ ١٩٢) عن ابن أبي حاتم، وقد أخرجه البيهقي موقوفًا على علي ﵁، وعلى فرض قوته: فإن المراد به: نفي الكمال، لا نفي الصحة، ومما يؤيد هذا التأويل: السنة القولية والتقريرية التي ذكرناهما، وكذا: الإجماع؛ حيث=
[ ١ / ٥٩٠ ]
باثنين ولو بأنثى وعبد (^٣) في غير جمعة وعيد، (^٤) لا بصبي في فرض (^٥) (وله فعلها) أي: الجماعة (في بيته)؛ لعموم حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (^٦) وفعلها في المسجد هو:
قال بعض العلماء: لا أعلم أحدًا قال بوجوب الإعادة على من صلى وحده، فيلزم منه: صحتها، فلو لم تصح صلاة المنفرد: لوجبت إعادتها.
(^٣) مسألة: صلاة الجماعة تنعقد باثنين: سواء كانا رجلين، أو رجلًا وامرأة، أو حرًا وعبدًا، أو كانت فرضًا أو نفلًا، ويحصلان على أجر الجماعة - وهو سبع وعشرون أو خمس وعشرون درجة -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "الاثنان فما فوقهما جماعة" أي: في تحصيل ثواب الجماعة، وهو عام لما ذكرنا؛ لأن "الاثنان" مثنى معرّف بأل وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ: "هذان جماعة" لما رأى رجلين يصليان معًا، ويقصد: أنهما يُحصِّلان أجر الجماعة؛ فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه التمكين من الحصول على فضل الجماعة مع التيسير، وعدم المشقة على المسلمين.
(^٤) مسألة: لا تنعقد صلاة الجمعة والعيد باجتماع حر وعبد، أو باجتماع حر وزوجته؛ للتلازم؛ حيث إنه يُشترط في صلاة الجمعة والعيد حضور أربعين رجلًا، فيلزم من اشتراط ذلك: عدم انعقاد هاتين الصلاتين بما ذكر هنا.
(^٥) مسألة: لا تنعقد صلاة الجماعة في فرض باجتماع بالغ وصبي أو مجنون؛ للتلازم؛ حيث إن الصبي والمجنون ليسا أهلًا لوجوب الصلاة أصلًا ولا يصلحان إمامين فيها، فيلزم عدم انعقاد الصلاة بهما، فوجودهما كعدمهما فيكون البالغ منفردًا.
(^٦) مسألة: إذا صلى بالغ مع بالغ آخر من أهله في بيته: فإنه يتحصَّل على فضل صلاة الجماعة؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "الاثنان فما فوقهما جماعة" وهذا مطلق في الأمكنة، فيلزم منه: أن من صلى في أيِّ =
[ ١ / ٥٩١ ]
السنة (^٧) وتُسنُّ لنساء منفردات عن رجال، (^٨) ويُكره الحسناء حضورها مع رجال، ويُباح لغيرها، ومجالس الوعظ كذلك وأولى (^٩) (وتستحب صلاة أهل الثغر) أي:
مكان مع آخر: فإنه يتحَّصل على ثواب صلاة الجماعة، ثانيهما: قوله ﷺ: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وهذا عام لأرض المسجد وأرض البيت؛ لأن "الأرض" اسم جنس محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير مع الحصول على أجر الجماعة.
(^٧) مسألة: صلاة المسلم مع جماعة في المسجد، أفضل من صلاته مع جماعة في بيته؛ للمصلحة؛ حيث إن الصلاة في المسجد مظهر من مظاهر الإسلام، ويحصل فيه اجتماع المسلمين، وتآلفهم.
(^٨) مسألة: يُستحب أن تصلي النساء جماعة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وهذا عام، فيشمل النساء والرجال؛ لأن لفظ "الجماعة" من صيغ العموم، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن عائشة وأم سلمة ﵃ كانتا تؤمان بعض النسوة، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد ذكرناها في مسألة (١).
(^٩) مسألة: يُباح للمرأة حضور صلاة الجماعة، ومجالس الوعظ والإرشاد مع الرجال بشروط: أولها: أن لا تكون حسناء وجميلة، ثانيها: أن لا تكون شابة، ثالثها: أن لا تتزين بشيء من لباس أو طيب، رابعها: أن تكون في آخر الصفوف، فإذا حضرت فلها أجر كما للرجال؛ حيث قال ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهنَّ تَفِلَات" حيث إن الأصل أن يُمنعن من الخروج، فجاء هذا الأمر بعده فيفيد الإباحة، وخصص إباحته بالخروج إلى المساجد، فكأنه شرع: عدم الخروج إلا إذا أردن الخروج للصلاة في المساجد=
[ ١ / ٥٩٢ ]
موضع المخافة (في مسجد واحد): لأنَّه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة (والأفضل لغيرهم) أي: غير أهل الثغر الصلاة (في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره)؛ لأنَّه يحصل بذلك ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه (ثم ما كان أكثر جماعة) ذكره في "الكافي" و"المقنع" وغيرهما، وفي "الشرح": أنه الأولى؛ لحديث أُبَي بن كعب ﵁: "وما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله تعالى" رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حيان (ثم المسجد العتيق)؛ لأن الطاعة فيه أسبق، قال في "المبدع": والمذهب: "أنه مقدَّم على الأكثر جماعة" قال في "الإنصاف": "الصحيح من المذهب: أن المسجد العتيق أفضل من الأكثر جماعة" وجزم به في "الإقناع"، و"المنتهى" (وأبعد) المسجدين (أولى من أقرب) هما إذا كانا حديثين أو قديمين: اختلفا في كثرة الجمع أو قلَّته، أو استويا؛ لقوله ﷺ: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه الشيخان (^١٠)
فيُباح لهن ذلك استثناء من القاعدة، ولفظ "تفلات" استلزم جميع الشروط الأربعة السابقة؛ حيث إن المراد به: ترك كل زينة من ثياب وطيب، وأيِّ مُلفت للنظر والمقصود منه: منع الفتنة، وحضور مجالس الوعظ كحضور صلاة الجماعة؛ لعدم الفارق، بل إن حضورها للوعظ أولى، لما فيه من حصولها على العلم بأحكام الشريعة، بحيث ترفع الجهل عن نفسها والجهل عن غيرها، وهو من باب "مفهوم الموافقة الأولى".
(^١٠) مسألة: مراتب المساجد التي يُصلي فيها على حسب الأفضلية كما يلي: المرتبة الأولى: أن يجتمع رجال الثغور - وهم الذين على الحدود بين المسلمين والكفار - في مسجد واحد - إذا أمنوا مكر العدو -: سواء كان هذا المسجد قديمًا أو لا، بعيدًا أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن اجتماعهم فيه إظهار للإسلام، وإعلاء لكلمة الله، وأوقع هيبة للإسلام في نفوس الكفار، وفيه نشر الأخبار=
[ ١ / ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العدو، المرتبة الثانية: أن يصلي زيد في مسجد تُقام فيه الجماعة إذا حضر، وإذا لم يحضر لا تُصلى فيه جماعة: أي: أن هذا المسجد هو الأفضل لزيد أن يصلي فيه الجماعة ويُقدِّمه على غيره؛ للمصلحة؛ حيث إن حضور زيد يتسبَّب في إقامة الجماعة في ذلك المسجد وعمارته بالصلاة فيه: سواء كان هذا المسجد قديمًا أو لا، وسواء كان بعيدًا أو لا، وسواء كان يصلي فيه كثيرون أو لا، المرتبة الثالثة: أن يصلي في المسجد الأكثر جماعة ويقدمه على غيره: سواء كان قديمًا أو لا، بعيدًا أو لا؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ: "وما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله تعالى" وهو مطلق، فيستوي فيه القديم والجديد، والبعيد والقريب، المرتبة الرابعة: أن يصلي في المسجد القديم - إذا تساوى مسجدان في عدد الجماعة -: سواء كان بعيدًا أو قريبًا؛ للتلازم؛ حيث إن الطاعة فيه أسبق، والعبادة فيه أكثر، وبناءه من مال حلال أغلب على الظن؛ لكون الذين بنوه خيرًا ممن جاء بعدهم غالبًا، فيلزم تقديمه؛ لعموم قوله ﷺ: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"، فإن قلتَ: إن الأقدم مقدَّم على الأكثر جماعة؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه، وهو قول أكثر الحنابلة قلتُ: بل الأكثر جماعة مقدَّم على الأقدم - كما سبق -، لثبوت ذلك بالنص، ولأنه موافق للمقصد الشرعي من مشروعية صلاة الجماعة وهو: إظهار الإسلام بكثرة المجتمعين، بخلاف الصلاة في المسجد القديم فقد ثبت بالاجتهاد، وما ثبت بالنص مقدم على ما ثبت بالاجتهاد، ولا يحصل المقصود كثيرًا من مشروعية صلاة الجماعة في المسجد القديم، المرتبة الخامسة: أن يصلي في المسجد الأبعد عن سكنه - إذا تساوى المسجدان في القدم أو الحداثة أو الكثرة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء فأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رُفع له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد" وهو واضح الدلالة والمقصد.
[ ١ / ٥٩٤ ]
وتُقدم الجماعة مطلقًا على أول الوقت (^١١) (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره)؛ لأن الراتب كصاحب البيت، وهو أحق بها: لقوله ﷺ: "لا يؤمَّن الرجل في بيته إلا بإذنه" ولأنه يؤدِّي إلى التنفير عنه، ومع الإذن هو نائب عنه، قال في "التنقيح": "وظاهر كلامهم لا تصح" وجزم به في "المنتهى"، وقدم في "الرعاية": تصح، وجزم به ابن عبد القوي في "الجنائز"، وأما مع عذره: فإن تأخر وضاق الوقت: صلوا؛ لفعل الصديق وعبد الرحمن بن عوف ﵃ حين غاب النبي ﷺ فقال: "أحسنتم"، (^١٢) ويُراسَل إن غاب عن وقته المعتاد مع
(^١١) مسألة: إذا دخل وقت الصلاة وغلب على ظن الشخص أنه سيجد جماعة قبل خروج وقتها: فالأفضل أن ينتظر الجماعة حتى يصلي معهم، ولا يصلي في أول الوقت، أما إن لم يغلب على ظنه ذلك: فإنه يصلي أول الوقت منفردًا؛ للمصلحة؛ حيث إن أجر الصلاة مع الجماعة في الوقت، أكثر من أجر الصلاة منفردًا في أول الوقت، ولأن صلاة الجماعة مظهر من مظاهر الإسلام فيحرص على المشاركة في ذلك.
(^١٢) مسألة: إذا كان إمام مسجد قد عُيِّن من قبل السلطان، أو من قبل جماعة المسجد - وهو الإمام الراتب -: فيحرم على غيره أن يؤم جماعته في مسجده إلا إذا أذن الإمام في ذلك، أو كان معذورًا بالتأخر بسبب سفر، أو مرض، أو شغل، وضاق الوقت: فيجوز أن يؤمهم غيره، أما إن أمَّهم بدون ذلك فإنه يأثم، وتصح الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد صلى بالناس لما تأخر النبي ﷺ بسبب ذهابه إلى بني بكر بن عوف للإصلاح بينهم، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ قد صلي بالناس لما تأخر النبي ﷺ بسبب غزوة تبوك، فوافقهما على ذلك، ولم يُنكر عليهما، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز أن يؤم الرجلُ الرجل في بيته إلا بإذنه أو عذره - كما ورد عنه=
[ ١ / ٥٩٥ ]
قُرب محلِّه وعدم مشقة، وإن بَعُد محلُّه، أو لم يُظن حضوره، أو ظُنَّ، ولا يكره ذلك: صَلُّوا (^١٣) (ومن صلى) ولو في جماعة (ثم أقيم) أي: أقام المؤذَّن لـ (فرض: سُنَّ) له (أن يُعيدها) إذا كان في المسجد، أو جاء غير وقت نهي، ولم يقصد الإعادة، ولا فرق بين إعادتها مع إمام الحي أو غيره؛ لحديث أبي ذر: "صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أُقيمت وأنت في المسجد: فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي" رواه أحمد ومسلم (إلا المغرب) فلا تسنُّ إعادتها، ولو كان صلَّاها وحده؛ لأن المعادة تطوع، والتطوع لا يكون بوتر، (^١٤) ولا تكره إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب
- ﷺ فكذلك هذا الإمام الراتب: مثله والجامع: أن كلًا منهما له الحق في الإمامة بسبب تسلُّطه وكون ذلك تحت تصرفه، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضرار بالإمام الراتب: كتنفير الجماعة وتفريقهم وإعراضهم عنه، فدفعًا لذلك: حرم هذا، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة إذا فعل غير الإمام الراتب ذلك؟ قلتُ: لأنها كاملة الأركان والشروط والواجبات فلزم صحتها؛ ولم أجد دليلًا يدل على عدم صحتها كما قال بعض الحنابلة.
(^١٣) مسألة: إذا تأخر الإمام الراتب عن وقت حضوره المعتاد للصلاة بالناس: فإنه يرُسَل إليه رسول ليستعجله إذا كان محلَّه قريبًا، ويُمكن الوصول إليه بلا مشقة، ويغلب على الظن حضوره إذا وصله الرسول، وهو يكره أن يؤم الناس غيره، أما إن كان محله بعيدًا، أو قريبًا ولكن يشق الوصول إليه، أو يغلب على الظن عدم حضوره، أو معروفًا عنه أنه لا يكره أن يؤم الناس غيره: فلا يرسل إليه، بل يتقدم أحد المأمومين فيصلي بالناس؛ للمصلحة؛ حيث إن الإرسال إليه فيه دفع مضرة عنه، أما إن شقَّ ذلك، فلا يُشرع الإرسال إليه؛ حيث إن تأخره والمشقة يسقطان عنه حقه في الإمامة.
(^١٤) مسألة: إذا صلى الفرض مع جماعة أو منفردًا، ثم دخل مسجدًا في غير وقت منهي عن الصلاة فيه - كما سبق - ووجد جماعة يُصلُّون: فيُستحب أن يعيدها=
[ ١ / ٥٩٦ ]
كغيره، (^١٥) وكره قصد مسجد للإعادة (ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) ولا فيهما؛ لعذر، وتكره فيهما لغير عذر؛ لئلا يتوانى الناس في حضور
معهم ويصليها وينويها نافلة؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر أبا ذر بذلك، ثانيهما: أنه قال لرجلين: "إذا صلى أحدكما في رحله ثم وجد جماعة فليُصلِّ معهم فإنها له نافلة" وهذا هو الذي صرف الأمر الوارد في حديث أبي ذر من الوجوب إلى الندب، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير للجماعة، وإظهار للإسلام، فإن قلتَ: إن صلاة المغرب لا يُستحب إعادتها؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن المعادة تكون نافلة، ولا توجد نافلة عدد ركعاتها ثلاث، فيلزم عدم استحباب إعادتها قلتُ: إنه يُستحب إعادتها كغيرها؛ لعموم السنة القولية السابقة الذكر، وينوي أنها نافلة ويزيدها ركعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التلازم هنا خصص عموم السنة القولية التي ذكرناها أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم ..
(^١٥) مسألة: لا تكره إعادة صلاة الجماعة في مسجد له إمام راتب قد صلى بهم: سواء كان في المسجد الحرام بمكة أو بالمدينة أو غيرهما؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: لما رأى رجلًا واقفًا يُريد الصلاة قال: "من يتصدَّق على هذا؟ " فقام رجل فصفَّ معه فقال ﷺ: "هذان جماعة" وهذا يلزم منه: إباحة إنشاء جماعة ثانية في مسجد غير الأولى التي صلى بهم الإمام الراتب، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يؤدِّي إلى اختلاف القلوب، والتهاون بالصلاة مع الإمام الراتب وهو قول بعض العلماء قلتُ: إن مصلحة إنشاء جماعة مقدمة على المصلحة التي ذكرتموها؛ لأن إنشاء جماعة فيه الأجر وهذا مؤكد، أما اختلاف القلوب والتهاون فهو غير مؤكد، والمؤكد مقدم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين".
[ ١ / ٥٩٧ ]
الجماعة مع الإمام الراتب، (^١٦) (وإذا أقيمت الصلاة: فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وكان عمر ﵁ يضرب على الصلاة بعد الإقامة، فلا تنعقد النافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له، (^١٧) ويصح قضاء الفائتة، بل يجب مع سعة الوقت، ولا يسقط الترتيب بخشية فوات الجماعة (^١٨) (فإن) أقيمت و(كان) يُصلي (في نافلة: أتمها)
(^١٦) مسألة: يُكره أن يذهب ويقصد مسجدًا معينًا لإعادة الصلاة - التي ينويها نافلة - فيه، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي به إلى الاعتقاد بأن هذا المسجد فيه كثير أجر وقد يُقلِّده غيره في هذا، فيؤدي إلى تقديس هذا المسجد، تنبيه: قوله: "ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة " قلتُ: قد سبق بيانه: في مسألة (١٥).
(^١٧) مسألة: إذا كان شخص في المسجد وأقيمت صلاة الفريضة التي يُريد أن يُصليها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له: فإنه يحرم على هذا الشخص أن يشرع في صلاة نافلة، ولا تنعقد لو شرع بها، بل يجب عليه أن ينضمَّ إلى الإمام ليصلي مع الجماعة صلاة الفرض؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، حيث حرم الشارع البدء في نافلة بعد إقامة الصلاة المفروضة ولو دخل بها: فإنها فاسدة، فلا تنعقد؛ لأن النفي في قوله: "فلا صلاة": نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لمَ حرِّم ذلك قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا بدأ بنافلة بعد إقامة الفريضة، فإنه سيفوِّت على نفسه تكبيرة الإحرام مع الإمام وهو يستطيع إدراكها، ويؤدِّي إلى الاختلاف على الإمام، وإلى التفرقة، وهو منهي عنه.
(^١٨) مسألة: يجب قضاء الصلاة المفروضة الفائتة، ولو فأتت عليه الجماعة في صلاة حاضرة ولو كان الوقت واسعًا، فلو كان على شخص صلاة الظهر=
[ ١ / ٥٩٨ ]
خفيفة (إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها): لأن الفرض أهم (^١٩) (ومن كبرَّ) مأمومًا (قبل سلام إمامه) الأولى: (لحق الجماعة): لأنَّه أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة، (^٢٠) (وإن لحقه) المسبوق (راكعًا: دخل معه في
مثلًا، ودخل المسجد والناس يصلون العصر: يجب عليه أن يصلي الظهر، وإن فاتته العصر مع الجماعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ترتيب الصلوات المفروضة واجب بالاتفاق، وصلاة الجماعة واجبة عند بعض العلماء، وسنة عند الجمهور - الحنفية والمالكية، وكثير من الشافعية - فيلزم تقديم ما هو متفق عليه - وهو الترتيب - على المختلف فيه - وهو: صلاة الجماعة -؛ وذلك لتقديم الأهم على المهم، والأكثر أجرًا على غيره.
(^١٩) مسألة: إذا أقيمت صلاة الفرض الذي يريد أن يُصلِّيها مع الإمام، وهو داخل في نافلة: فيجب أن يقطعها إن خشي فوات الجماعة، أما إن لم يخش ذلك: فيُستحب إتمامها خفيفة؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الجماعة اختلف في كونها واجبة أو مستحبة، أما النافلة فاتفق على استحبابها، فيلزم من ذلك تقديم الجماعة؛ لأنها - بذلك - أهم من النافلة وأكثر أجرًا، تقديمًا للأهم على المهم.
(^٢٠) مسألة: يُدرك الشخص الجماعة وفضلها: إذا كبَّر تكبيرة الإحرام قبل أن يُسلِّم الإمام التسليمة الأولى؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا أدرك ركعة مع الإمام: فإنه يدرك الصلاة مع الجماعة؛ لقوله ﵇: "من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" فكذلك من أدرك تكبيرة الإحرام قبل تسليم الإمام يُدركها والجامع: أن كلًا منهما قد أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فإن قلتَ: لمَ يُدرك فضل الجماعة بهذا؟ قلتُ: لأن هذا نوى كونه مأمومًا، فأحرم مع إمامه، ونوى الصفة التي هو فيها، فيلزم أن يكون مدركًا لأجر الجماعة، فإن قلتَ: لا يدرك=
[ ١ / ٥٩٩ ]
الركعة)؛ لقوله ﷺ: "من أدرك الركوع: فقد أدرك الركعة" رواه أبو داود، فيدرك الركعة إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء قبل أن يزول الإمام عنه، ويأتي بالتكبيرة كلها قائمًا كما تقدَّم، ولو لم يطمئن، ثم يطمئن، ويُتابع (وأجزأته التحريمة) عن تكبيرة الركوع، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، فإن نواهما بتكبيرة، أو نوى به الركوع: لم يجزئه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأتِ بها، (^٢١)
فضل الجماعة إلا إذا أدرك ركعة كاملة، وهو قول أكثر المالكية وبعض الحنابلة كابن تيمية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أدرك ركعة، فقد أدرك الصلاة" حيث دلَّ مفهوم الشرط والعدد على أن من أدرك أقل من ركعة: لا يُدرك الجماعة قلتُ: إذا أدرك ركعة كاملة فهو مدرك لأمرين: "إدراك الركعة فلا يقضيها"، و"إدراك الجماعة" ونحن قسنا إدراك الشخص الإمام قبل التسليمة الأولى على إدراك الركعة في تحصيل فضل الجماعة فقط، ولم نقل: إنه يدرك الركعة، بل يقضيها، فيكون قياسنا على الأمر الثاني وهو: "إدراك الجماعة"؛ لكونه انضم إلى الإمام ناويًا الائتمام به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ السنة مع مقصودها" فعندنا: يقدم مقصودها، وهو إدارك جزء منها، فصح القياس، وعندهم: العمل على لفظ الحديث ومفهومه.
(^٢١) مسألة: إذا دخل شخص المسجد والإمام راكع: فإنه يُكبِر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم يكبِّر تكبيرة الركوع، ثم يركع مع الإمام إن استطاع ذلك، فإن لم يستطع ذلك: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام فقط وينوي دخول تكبيرة الركوع معها، ويركع، ويكون مدركًا للركعة إذا أمكنه أن يقول: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة وهو مجتمع مع الإمام في الركوع قبل أن يرفع الإمام رأسه، ولو بدون اطمئنان، ثم يطمئن بعد ذلك ويُتابع الإمام؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" وقد سبق تقريره في مسألة: (٢٠)، فإن =
[ ١ / ٦٠٠ ]
ويُستحب دخوله معه حيث أدركه، وينحط معه في غير ركوع بلا تكبير، ويقوم مسبوق به، (^٢٢) وإن قام قبل سلام إمامه الثانية ولم يرجع:
قلتُ: لمَ تكفِ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؟ قلتُ: لأن تكبيرة الإحرام ركن لا تصح الصلاة إلا بها؛ بخلاف تكبيرة الركوع فهي واجب فلزم تقديم الركن، ويدخل الواجب ضمنه عند عدم القدرة بالإتيان بهما معًا، ولهذا لا ينوي بذلك التكبير تكبيرة الركوع، فإن قلتَ: إذا نواهما معًا لا يُجزئه ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه شرَّك بين الواجب والركن في النية فيلزم عدم الإجزاء قلتُ: بل يُجزئ ذلك كما قلنا؛ للتلازم؛ حيث إن نية الركوع ونية التحريمة غير متنافيتين؛ لأنهما عبادة إجماعًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل نية تكبيرة الإحرام تختلف عن نية تكبيرة الركوع أو لا؟ " فعندنا: لا وعندهم: تختلف.
(^٢٢) مسألة: يُستحب أن يدخل الشخص مع الجماعة الذين يُصلُّون وراء إمام في أية حالة كانوا عليها، فإن كان الإمام جالسًا أو ساجدًا: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام وهو قائم ثم يجلس أو يسجد معه، وكذا: إذا سلَّم الإمام: فإن المسبوق يقوم ليأتي بما فاته مُكبِّرًا؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن من أدرك الإمام راكعًا يُكبِّر تكبيرة الإحرام ويركع، فكذلك من أدركه جالسًا أو ساجدًا يُكبِّر الإحرام ويجلس أو يسجد والجامع: أن كلًا منهما يُريد الدخول في الصلاة، ولا دخول إلا بتكبيرة الإحرام، ثانيهما: كما أن القائم من التشهد الأول يُكبِّر حين قيامه، فكذلك من قام يُريد أن يأتي بما فاته بعد سلام إمامه يُكبِّر لأجل هذا القيام، والجامع: أن كلًا منهما انتقال من حال إلى حال، فلا بدَّ من التكبير له، تنبيه: قوله: "وينحطّ معه في غير ركوع بلا تكبير" قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، فإن قلتَ: لمَ استحب له أن يدخل مع الإمام؟ قلتُ: للسنة القولية: حيث قال: "إذا جئتم الصلاة ونحن سجود=
[ ١ / ٦٠١ ]
انقلبت نفلًا (^٢٣) (ولا قراءة على مأموم) أي: يتحمَّل الإمام عنه قراءة الفاتحة؛ لقوله ﷺ "من كان له إمام فقراءته له قراءة" رواه أحمد (ويُستحب) للمأموم أن يقرأ (في إسرار إمامه) أي: فيما لا يجهر فيه الإمام (و) في (سكوته) أي: سكتات الإمام، وهي: قبل الفاتحة، وبعدها بقدرها بعد فراغه من القراءة، وكذا: لو سكت لتنفس (و) فيما إذا (لم يسمعه لبُعد) عنه (لا) إذا لم يسمعه (الطرش) فلا يقرأ إن أشغل غيره عن الاستماع، وإن لم يشغل أحدًا قرأ (^٢٤) (ويستفتح) المأموم (ويستعيذ فيما
فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا"، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب قرينة اللفظ، وهو قوله "ولا تعدُّوها شيئًا".
(^٢٣) مسألة: يجب على المسبوق أن يقوم ليأتي بما فاته بعد سلام الإمام التسليمة الثانية، فإن قام قبل تمام التسليمة الثانية، وهو عالم بتحريم ذلك وأنَّه مفسد لصلاته ومتذكَّر له: فإن صلاة الفرض تبطل، وتكون نفلًا، ويجب أن يُعيد الفرض، أما إن قام ثم رجع، ثم لما فرغ الإمام من سلامه: قام وأتى بما عليه: فإن صلاته صحيحة يُتمها، ويسجد للسهو قبل سلامه، أما إن لم يرجع وهو جاهل بالحكم أو ناسي: فصلاته صحيحة، ولا يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نية الائتمام: وجوب الاستمرار مع إمامه إلى فراغ الصلاة بالتسليمة الثانية ويلزم من رجوعه: صحتها، ويلزم من قيامه قبل ذلك وهو عالم ذاكر: بطلانها، وانقلابها إلى نافلة؛ لأن التسليمة الثانية ليست فرضًا، ويلزم من عدم رجوعه جهلًا أو نسيانًا: صحتها: لوجود العذر، وقد بان المقصد منه.
(^٢٤) مسألة: قراءة الفاتحة في جميع ركعات الصلاة ركن لا تصح الصلاة إلا بها - كما سبق في صفة الصلاة -، سواء كان المصلي مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، بعيدًا أو قريبًا أطرشًا أو لا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويقرأها المأموم في الجهرية عند سكتات الإمام بعد الفاتحة أو سكوته للتنفس؛ للسنة=
[ ١ / ٦٠٢ ]
يجهر فيه إمامه) كالسرية، قال في "الشرح" وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه، (^٢٥) وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها يستفتح له، ويتعوَّذ،
القولية حيث قال ﷺ لما انصرف من صلاة الفجر -: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم، لا تفعلوا إلا بأمَّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وهي الفاتحة، وهذا عام لجميع المصلين ولجميع الصلوات لأن "من" الموصولة في قوله: "لمن" وكذا: النكرة في سياق النفي وهي: "لا صلاة" من صيغ العموم ونفى صحة الصلاة مطلقًا إذا لم يقرأ المصلي بالفاتحة، ويدل على أن المراد: نفي الصحة: إثبات قراءتها بعد نفيه للقراءة كلها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من كان له إمام، فقراءته له قراءة" فخصَّص هذا الحديث الذي ذكرناه عندهم، قلتُ: إن هذا الحديث ضعيف، وروي موقوفًا على راويه - كما قال الدارقطني في سننه (١/ ٣١٤) وابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٨٠)، وعلى فرض صحته: فإن حديثنا يُقدَّم عليه؛ لقوته، ويؤيد ما قلناه: أن قراءة المأموم للفاتحة - في سكتات الإمام - فيه استحضار لما يقرأ والتفكير فيه أكثر مما يسمعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض هذين الحديثين" فعندنا: أن حديثهم لا يصح، وعندهم: يصح، لذا خصَّص عندهم حديثنا، وجعلوه خاصًا بالإمام والمنفرد [فرع]: يُشترط لصحة قراءة المأموم للفاتحة: أن لا يُشغل غيره ممن بجانبه؛ للمصلحة: حيث إنَّ ذلك فيه إلحاق الضرر على جيرانه من المأمومين من حيث منعهم من التفكَّر فيما يقرأون، والضرر يُزال فلذلك اشترط هذا الشرط دفعًا لهذا الضرر.
(^٢٥) مسألة: يُستحب للمأموم أن يستفتح، ويستعيذ في الصلاة الجهرية؛ قياسًا على الصلاة السرية بجامع: الحصول على خير ذلك وثوابه.
[ ١ / ٦٠٣ ]
ويقرأ سورة، (^٢٦) لكن لو أدرك ركعة من رباعية أو مغرب: تشهَّد عقب أخرى، ويتورَّك معه (^٢٧) (ومن ركع أو سجد) أو رفع منهما (قبل إمامه: فعليه أن يرفع)
(^٢٦) مسألة: ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو أولها، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام إمامه هو: آخرها: وبناء عليه: فإن المسبوق إذا قام ليقضي ما فاته فلا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما فاتكم فأتموا" فأوجب إتمام الصلاة، ويلزم من هذا: أن ما بقي من الصلاة يوصف بأنه متمِّم لأولها الذي فعله هذا المسبوق مع إمامه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عليه ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك" فإن قلتَ: إن ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو: آخر صلاته، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام الإمام هو أولها، ولذا: إذا قام المسبوق إلى إكمال صلاته، فإنه يستفتح ويتعوذ ويقرأ سورة بعد الفاتحة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وما فاتكم فاقضوا" والقضاء يكون لشيء قد فات محلُّه، ويُجعل في القضاء كما يجعل في الأداء، فكما أنه في أول الصلاة يستفتح ويتعوذ فكذلك في قضائه، قلتُ: المراد بالقضاء هنا: هو الفعل، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي فعلت الصلاة، وفعلتم مناسك الحج، وعلى هذا فلا تنافي بين "فأتموا" و"اقضوا" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في المراد بالقضاء الوارد في الحديث، فعندنا: الفعل، ولا تنافي بينها وبين الإتمام، وعندهم: يوجد تنافي.
(^٢٧) مسألة: إذا أدرك المسبوق ركعة من الرباعية، أو المغرب: فإنه إذا أتى بركعة - بعد سلام إمامه -: يجلس للتشهد الأول، ويتورَّك، ولا يُحسب له التشهد الأخير الذي أدركه مع إمامه لا من أول صلاته، ولا من آخرها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمحافظة على هيئة الصلاة، فتجب.
[ ١ / ٦٠٤ ]
أي: يرجع (ليأتي به) أي: بما سبق به الإمام (بعده) لتحصل المتابعة الواجبة، (^٢٨) ويحرم سبق الإمام عمدًا؛ لقوله ﷺ: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" متفق عليه، والأولى: أن يشرع في أفعال الصلاة بعد الإمام، (^٢٩) وإن كبَّر معه لإحرام لم تنعقد، (^٣٠) وإن
(^٢٨) مسألة: إذا ركع المأموم أو سجد قبل ركوع وسجود الإمام عمدًا: فهذا حرام ولا يُعتبر هذا الركوع أو السجود وعليه: أن يرجع ليأتي بالركوع أو السجود بعدما يفعلهما إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لَم شرع هذا؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام التي أمر بها الشارع؛ حيث قال ﷺ: "فلا تختلفوا عليه"، وللبعد عن تشبيهه بالحمار الذي لا يعقل شيئًا.
(^٢٩) مسألة: يُستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعدما يشرع به الإمام، ويُكره اتفاقه معه في نفس الشروع، فمثلًا: إذا ركع الإمام: يركع المأموم بعده، ولا يركع معه، فإن ركع معه: صحَّت الصلاة وكره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فلا تركعوا حتى يركع" أي: اركعوا بعد ركوع الإمام لا معه، وهو الذي أفاده مفهوم الغاية هنا، فإن قلتَ: لَم صحَّت إذا استويا في شروعهما بالركوع؟ قلتُ: لكون المأموم لم يسبق الإمام في ذلك فلم يرتكب منهيًا عنه، فإن قلتَ: لَم استحب أن يشرع المأموم بعد شروع الإمام؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام المأمور بها أو تأكيدها، تنبيه: قوله: "ويحرم سبق الإمام عمدًا" قلتُ: قد سبق بيانه في مسألة (٢٨).
(^٣٠) مسألة: إذا كبَّر المأموم تكبيرة الإحرام في نفس الوقت الذي كبَّر فيه الإمام تكبيرة الإحرام: فإن صلاة المأموم لا تنعقد، وتفوته فضيلة صلاة الجماعة: سواء كانت عمدًا أو سهوًا؛ للتلازم؛ حيث إن شرط اقتداء المأموم بالإمام هو: =
[ ١ / ٦٠٥ ]
سلَّم معه: كُره وصح، (^٣١) وقبله عمدًا بلا عذر: بطلت، وسهوًا: يُعيده بعده، وإلَّا: بطلت (^٣٢) (فإن لم يفعل) أي: لم يُعد (عمدًا) حتى لحقه الإمام فيه: (بطلت) صلاته؛ لأنه ترك الواجب عمدًا، وإن كان سهوًا أو جهلًا: فصلاته صحيحة، ويعتدُّ به (^٣٣) (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا: بطلت) صلاته؛ لأنه سبقه
أن يُكبر المأموم التحريمة بعد الإمام، لا قبله ولا معه: فلزم من مخالفة المأموم لهذا الشرط - وهو أنه كبر معه -: عدم انعقاد صلاة المأموم مع إمامه؛ لأنه بتكبيرة الإحرام بعد إمامه تبدأ متابعته له، بخلاف التكبيرات الأخرى فهي داخل الصلاة فلا يضر أن يُكبِّر تكبيرة الركوع مع تكبير الإمام.
(^٣١) مسألة: إذا سلَّم المأموم في نفس الوقت الذي سلَّم فيه إمامه: فإن صلاته تصح، ويُكره فعله ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسليمه مع الإمام: صحة صلاته؛ لأنه لم يُسلِّم قبله، ويلزم موافقته بالتسليم لإمامه: كراهة ذلك؛ لأنه لم يُسلِّم بعده، لتحقيق المتابعة.
(^٣٢) مسألة: إذا سلَّم المأموم عمدًا قبل سلام إمامه: فصلاته باطلة، وإن سلَّم سهوًا أو جهلًا قبل سلام إمامه: فإنه يُعيد السلام بعد سلام إمامه، وإن لم يُعد عمدًا: بطلت صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن السلام ركن - كما سبق في صفة الصلاة - ويكون للمأموم بعد سلام إمامه فيلزم من سلامه قبل سلام إمامه عمدًا: بطلان صلاته لتركه المتابعة؛ ويلزم وقوع ذلك سهوًا أو جهلًا: إعادته بعد سلام إمامه فتصح صلاته؛ لوجود العذر، ويلزم من عدم إعادته عمدًا: بطلان صلاته؛ لأنه ترك ركنًا، وهذا يُبطل العمل، وهذا المقصد منه.
(^٣٣) مسألة: إذا ركع المأموم أو سجد قبل ركوع الإمام أو سجوده، ولم يرجع عمدًا ليركع ويسجد بعد إمامه، ثم لحقه الإمام فيما سبقه فيه: فإن صلاته باطلة، أما إن لم يرجع سهوًا أو جهلًا: فيعتدُّ بتلك الركعة التي وقع فيها السبق، =
[ ١ / ٦٠٦ ]
بمعظم الركعة (وإن كان جاهلًا أو ناسيًا) وجوب المتابعة (بطلت الركعة) التي وقع السبق فيها (فقط) فيُعيدها، وتصح صلاته؛ للعذر (وإن) سبقه مأموم بركنين بأن (ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه) أي: رفع إمامه من الركوع: (بطلت) صلاته؛ لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة (إلا الجاهل والناسي) فتصح صلاتهما؛ للعذر (ويُصلِّي) الجاهل والناسي (تلك الركعة قضاء)؛ لبطلانها؛ لأنه لم يقتد بإمامه فيها، ومحلُّه: إذا لم يأت بذلك مع إمامه، (^٣٤) ولا تبطل بسبق بركن واحد غير ركوع، (^٣٥) والتخلُّف عنه كسبقه على ما
وتصح صلاته؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من تركه الواجب عمدًا - وهو متابعة إمامه - بطلان المتابعة والجماعة فتبطل صلاته؛ لكونه لا يُسمَى مصليًا وحده، ولا مصليًا مع الجماعة، فلم يؤدِّي الصلاة، ويلزم من وقوع ذلك جهلًا أو سهوًا: صحَّة صلاته؛ للعذر.
(^٣٤) مسألة: إذا ركع المأموم، ثم رفع من ركوعه قبل ركوع إمامه، أو ركع المأموم ورفع قبل ركوع إمامه، ثم سجد قبل رفع إمامه من ركوعه، وفعل المأموم ذلك عمدًا: بطلت صلاته في الحالتين، وإن فعل ذلك جهلًا أو نسيانًا: فإن تلك الركعة التي وقع فيها السبق هي التي تبطل، وتصح صلاته، ويقضي تلك الركعة فقط بعد سلامه؛ للتلازم؛ حيث إنه ترك المتابعة الواجبة عمدًا فيلزم: بطلان صلاته هذا الإمام، ويلزم من ترك المتابعة جهلًا أو نسيانًا: صحَّة صلاته؛ لوجود عذره، ويقضي تلك الركعة، التي وقع فيها السبق؛ لفسادها؛ لعدم متابعة إمامه فيها، ولفواتها عن محلِّها.
(^٣٥) مسألة: إذا سبق مأموم إمامه بركن واحد - غير التحريمة والركوع -: فإن صلاته - أي: المأموم - تصح، وتصح متابعته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا سبق يسير لا يؤثر فتلزم صحتها.
[ ١ / ٦٠٧ ]
تقدَّم (^٣٦) (ويُسنُّ للإمام التخفيف مع الإتمام)؛ لقوله ﷺ: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفِّف" قال في "المبدع": ومعناه: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة إلا أن يؤثر المأموم التطويل، وعددهم ينحصر، وهو عام في كل الصلوات، مع أنه سبق أنه يُستحب أن يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل، وتكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسنُّ، (^٣٧) (و) يُسنُّ (تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية)؛
(^٣٦) مسألة: إذا تخلَّف مأموم عن إمامه بركن أو ركنين من ركعة واحدة: كأن يركع الإمام، ثم يرفع من الركوع والمأموم لم يركع، فلا تبطل صلاة ذلك المأموم إذا كان ذلك التخلُّف وقع بسبب نعاس أو غفلة، أو زحام، أو عجلة إمام، والواجب عليه: أن يفعل ما سبقه إليه إمامه ويلحق بالإمام إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر: فإنه يترك تلك الركعة التي تخلَّف عن ركن أو ركنين منها، ويُتابع إمامه فيما هو عليه، فإذا سلَّم إمامه يقضي المأموم تلك الركعة التي ترك منها ركنًا أو ركنين، أما إن كان ذلك وقع عمدًا: فتبطل صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم إذا سبق إمامه بركن أو ركنين يفعل ذلك كما سبق في مسألة (٣٤) - فكذلك إذا تخلَّف عن إمامه يفعل ذلك والجامع: عدم متابعة الإمام، وقد سبق تفصيله.
(^٣٧) مسألة: يُستحب أن يُخفِّف الإمام الصلاة تخفيفًا غير مُخلِّ بأركان وواجبات الصلاة بأن يقتصر على أدنى الكمال في الأقوال والأفعال فيها، وتكره سرعته إلى حد لا يستطيع معها المأموم أن يفعل ويقول بعض المسنونات في الصلاة، أما إن كان المأمومون محصورين وهم موافقون على التطويل: فُيستحب التطويل فيها، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا صلى أحدكم بالناس فليُخفِّف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" وصرفت السنة الفعلية هذا الأمر في قوله: "فليخفف" من الوجوب إلى الاستحباب؛ =
[ ١ / ٦٠٨ ]
لقول أبي قتادة ﵁: "كان النبي ﷺ يطوِّل في الركعة الأولى" متفق عليه إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني، وبيسير كـ "سبَّح" و"الغاشية" (^٣٨) (ويُستحب) للإمام
حيث كان ﷺ يطيل الصلاة بالصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تخفيف الصلاة فيه مراعاة أحوال وظروف المأمومين؛ لكونهم غير متساويين في القوة والنشاط والفراغ، وفي تمكين المأموم من فعل بعض المسنونات في الصلاة فيه تمكينه من الحصول على الأجر، فيكره حرمانه منه، وفي التطويل على مأمومين قد وافقوا ذلك فيه الحصول على أجر استماع الذكر، فاستُحب لأجل ذلك.
(^٣٨) مسألة: يُستحب أن يُطوِّل الإمام الركعة الأولى ويجعلها أطول من الثانية بيسير: كأن يقرأ في الأولى بـ "سبِّح" والثانية بـ "الغاشية" إلا في صلاة الخوف: فإنه يُستحب أن يجعل الثانية أطول من الأولى إذا كان العدو في غير جهة القبلة؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ كان يطول في الأولى كما رواه أبوقتادة فيقرأ فيها بـ "سبِّح"، ويقرأ في الثانية بـ "الغاشية"، والفرق بينهما يسير، ثانيهما: أنه ﷺ قد طوَّل في الثانية دون الأولى في صلاة الخوف، فإن قلتَ: لمَ استحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تطويل الأولى فيه تمكين المتأخر من المأمومين من إدراكها، وهذا فيه فضل عظيم، وفيه مراعاة نشاط المصلي، حيث إنه أنشط في الأولى، وتطوَّل الثانية في صلاة الخوف لأجل أن يُتم من صلى معه الركعة الأولى صلاته، ويُسلِّمون ثم يذهبون ثم يأتي من لم يصل معه الأولى، فيصلي معه الركعة الثانية وهذه صفة صلاة الخوف كما سيأتي بيانها، وهذا فيه تمكين جميع الصحابة من الصلاة معه؛ لأنهم كانوا يريدون ذلك، فإن قلتَ: إن الركعتين الأوليين يُستحب أن تتساويا - في غير صلاة الخوف - وهو قول الشافعي؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: "حزرنا قيام النبي ﷺ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية" وهذا يلزم تساويهما قلتُ: إن حديث أبي قتادة قد تضمَّن زيادة على ما جاء في =
[ ١ / ٦٠٩ ]
(انتظار داخل إن لم يشق على مأموم)؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه (^٣٩) (وإذا استأذنت المرأة) الحرة أو الأمة (إلى المسجد: كره منعها)، لقوله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" رواه أحمد وأبو داود، وتخرج غير متطيبة، ولا لابسة ثياب زينة (وبيتها خير لها)؛ لما تقدَّم، ولأب ثم أخ ونحوه منع موليته من الخروج إن خشي فتنة أو ضررًا، ومن
حديث أبي سعيد، وهي: التفريق بين الركعتين، وهي زيادة ثقة فتُقبل، ويُرجَّح بهذا حديثُ أبي قتادة، ويؤيد ذلك: المصلحة التي ذكرناها، فإن قلتَ: ماسبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في زيادة الثقة هل هي حجة هنا؟ " فعندنا: حجة، ويعمل بها، وعندهم: ليست بحجة هنا.
(^٣٩) مسألة: يُستحب أن ينتظر الإمام الداخل إلى المسجد، ويُمكنِّه من إدراك الركعة الأولى، والجماعة بشرط: أن لا يشق على مأموم معه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المتأخر من إدراك فضل الركعة الأولى مع الإمام، وإدراك الجماعة، وفي اشتراط: عدم وجود مشقة على مأموم معه: تقديم مراعاة حال المأموم الذي معه على مراعاة شخص قد يأتي، وقد لا يأتي، فإن قلتَ: لا يُستحب ذلك؛ وهو قول بعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة لها هيئة معلومة وصفة مشروعة فيلزم: عدم تغيُّر ذلك بسبب انتظار أحد قلتُ: إن الشريعة مبنية على مراعاة جلب المصالح، ودفع المفاسد عن الخلق، وقد سبق كثير من ذلك، وهذا منه، يؤيده: مراعاته ﷺ أم الصبي الباكي؛ حيث يُعجِّل الصلاة رحمة بالصبي وأمه، ومراعاته الكبير والضعيف، والمريض، وذا الحاجة - كما سبق - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل تراعى المصلحة في الصلاة أو لا؟ " فعندنا: نعم؛ وعندهم: لا.
[ ١ / ٦١٠ ]
الانفراد (^٤٠) فصل: في أحكام (الأولى بالإمامة: الأقرأ) جودة (العالم فقه
(^٤٠) مسألة: صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، ويُكره منع المرأة من الخروج إلى المسجد إذا كانت غيرُ متزينة بثياب أو طيب، وإذا كانت مع مجموعة من النساء ولم يُخش من الفتنة، أما إن كانت متزينة، أو خرجت منفردة، أو خشي الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن أن خروجها فيه فتنة أو شُكَّ فيها أو نحو ذلك: فيُحرَّم عليها الخروج، ويجب على وليها - ممن سبق - أن يمنعها ولو بالقوة ولو كانت مُظهرة للديانة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن وهن تفلات" وصرف النهي في قوله: "لا تمنعوا" من التحريم إلى الكراهة قوله: "بيوتهن خير لهن" ليتمكن من إدراك تلك الخيرية، والأفضلية التي في الحديث الآتي، ويلزم من لفظ "خير لهن" أن صلاتها في بيتها الفرض والنافلة خير لها مطلقًا، ويلزم من لفظ "تفلات": أن لا يخرجن وهن متزينات بأي شيء ثانيهما: قوله: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" وهو واضح، الثانية: المصلحة: حيث إن الولي إذا غلب على ظنه وقوع فتنة على موليته أو شك في ذلك: فإنه يمنع موليته من الخروج ولو بالقوة، ولو كان ظاهرها الديانة؛ لمنع المفاسد المتوقعة بسبب هذا الخروج خاصة وأن صلاتها في بيتها خير لها كما صرَّح به النبي ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ لا يُكره منعها بالشروط السابقة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين لها من الحصول على فضل صلاة الجماعة، فإن قلتَ: يحرم منع المرأة غير الملفتة للنظر من الخروج إلى المسجد، وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تمنعوا … " والنهي مطلق فيقتضي التحريم، قلتُ: إن هذا النهي قد صرف من التحريم إلى الكراهة بالسنة القولية التي سبق ذكرها من وجهين، ثم إن منعها لمصلحتها التي يدركها الولي وقد لا =
[ ١ / ٦١١ ]
صلاته)؛ لقوله ﷺ: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا" رواه مسلم (ثم) إن استووا في القراءة (الأفقه)؛ لما تقدم، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أفقه أو أقرأ: قُدِّم، فإن كانا قارئين: قُدِّم أجودهما قراءة، ثم أكثرهما قرآنًا، ويقدم قارئ لا يعرف أحكام صلاته على فقيه أمِّي، وإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة: قُدِّم؛ لأن علمه يؤثِّر في تكميل الصلاة (ثم) إن استووا في القراءة والفقه: (الأسن): لقوله ﷺ: "وليؤمكم أكبركم" متفق عليه (ثم) مع الاستواء في السن (الأشرف) وهو: القرشي، وتُقدَّم بنو هاشم على سائر قريش، إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى؛ لقوله ﷺ: "قدِّموا قريشًا ولا تقدموها"، (ثم الأقدم هجرة) أو إسلامًا (ثم) مع الاستواء فيما تقدَّم (الأتقى)؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (ثم) إن استووا في الكل: يقدم (من قرع) إن تشاحُّوا؛ لأنهم تساووا في الاستحقاق، وتعذَّر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق (^٤١)
تدركها هي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل النهي في الحديث السابق على إطلاقه، أو هو مصروف إلى الكراهة؟ " فعندنا: مصروف بما ذكرناه، وعندهم على إطلاقه فيقتضي التحريم.
(^٤١) مسألة: إذا اجتمع اثنان يريدان إمامة الصلاة في مسجد: فإنه يُقدم الأفضل منهما وهو كما يلي: أولًا: إذا كانا قارئين للقرآن عالمين بفقه الصلاة: فإنه يقدم الأجود قراءةً والأعلم بفقهها، ثانيًا: إذا كانا سواء في القراءة، ولكن أحدهما أفقه بأحكام الصلاة فإنه يُقدَّم الأفقه، ثالثًا: إذا كانا قارئين فقيهين، ولكن أحدهما أقرأ، والآخر أفقه بأحكام الصلاة: فإنه يُقدَّم الأقرأ، رابعًا: إذا كانا قارئين، ولكن أحدهما أجود قراءة وأقل لحنًا وأقل حفظًا لكتاب الله، والثاني =
[ ١ / ٦١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثر حفظًا، وأكثر لحنًا: فإنهُ يقدم الأول، خامسًا: إذا كانا متساويين في جودة القراءة، لكن أحدهما أكثر قرآنًا: فإنه يُقدَّم، سادسًا: إذا كان أحدهما قارئ للقرآن ومحسن للفاتحة، ولكنه لا يعرف فقه أحكام الصلاة، والثاني يعرف فقه أحكام الصلاة، ولكنه أُمي لا يُحسن الفاتحة: فإنه يُقدَّم الأول، سابعًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه، ولكن الأول منهما أفقه في أحكام الصلاة والثاني أفقه في أحكام الزكاة والصيام وغيرهما: فإنه يُقدم الأول، ثامنًا: إذا كانا قارئين فقيهين، ولكن الأول هاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام قبل الثاني: فإنه يُقدَّم الأول، تاسعًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة ولكن الأول أسلم قبل الثاني: فإنه يقدم الأول، عاشرًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة والإسلام، ولكن الأول أكبر سنًا من الثاني: قدم الأول، حادي عشر: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة والإسلام والسن، ولكن الأول أتقى وأورع من الثاني: قُدِّم الأول - وهو: الذي يترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس -، ثاني عشر: إذا كانا متساويين فبالقراءة والفقه والهجرة والإسلام والتقوى: فإنه يُقرع بينهما، فأيهما أصابته القرعة يكون هو الإمام؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا" فلزم تقديم الأقرأ لكتاب الله مطلقًا، والمراد بالسنة: التفقه بدين الله خاصة أحكام الصلاة، وهذا الحديث يلزم منه استنباط تسعة مراتب، ثانيهما: أنه ﷺ قال لمالك بن الحويرث ولرجل معه: "وليؤمّكما أكبركما" وهذا يلزم منه العاشر، الثانية: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فيلزم من تكريمه: تقديمه، وهذا لزم منه الحادي عشر، الثالثة: القياس، بيانه، =
[ ١ / ٦١٣ ]
(وساكن البيت وإمام المسجد أحق) إذا كان أهلًا للإمامة ممن حضرهم، ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقه؛ لقوله ﷺ: "لا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه" رواه أبو داود عن ابن مسعود (٤٢) (إلا من ذي سلطان) فيقدَّم عليهما؛
كما أنه ﷺ يُقرع بين نسائه فأيتها خرجت القرعة لها تخرج معه إذا أراد السفر، فكذلك تُستعمل القرعة هنا والجامع: أن كلًا منهما حق من الحقوق ليس أحدهما بأولى من الآخر، وهذا يلزم منه: الثاني عشر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة فيُقدَّم من يُتقنها، ويُقدم من يُتقن قراءة القرآن كله على غيره، ثم يُقدَّم من يعلم فقه الصلاة، ليعرف كيف يتصرَّف إن طرأ له طارئ، ثم يُقدَّم الأسبق في الهجرة؛ وفي الإسلام، والأكبر؛ لكثرة معرفته بأحكام الصلاة عادة، ولسبقه للطاعة، ولتمكن الإيمان فيه أكثر من غيره، فإن قلتَ: إذا كانا سواء في القراءة والفقه، والهجرة، والإسلام والسن، ولكن الأول أشرف من الثاني نَسَبًا كأن يكون الأول من قريش، دون الثاني: فإنه يُقدَّم الأشرف نسبًا - وهو ما ذكره المصنف هنا - للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "قدِّموا قريشًا ولا تقدَّموها" وهذا عام في الإمامة الكبرى والصغرى قلتُ: هذا الحديث ليس بالقوي كما قال البيهقي في سننه (٣/ ١٢١)، فلا يُعمل به مع مخالفته للحديث الذي ذكرناه: "يؤم القوم أقرأهم … "، ويبطل ما بُني عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في قوة حديث: "قدِّموا قريشًا .. "، فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي. (٤٢) مسألة: إذا كان زيد هو الساكن للبيت وهو صالح للإمامة أو هو الإمام الراتب للمسجد: فإن زيدًا هو الأحق بالإمامة وإن كان معه من هو أقرأ منه أو أفقه أو أكبر، أو أقدم هجرة أو إسلامًا، ويحرم أن يتقدَّم غيره للإمامة بغير إذنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يؤمَّن الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه" =
[ ١ / ٦١٤ ]
لعموم ولايته، ولما تقدَّم من الحديث، (^٤٣) والسَّيد أولى بالإمامة في بيت عبده؛ لأنه صاحب البيت (^٤٤) (وحر) بالرفع على الابتداء (^٤٥) (وحاضر) أي: حضري وهو: الناشئ
حيث حرم أن يتَقَدَّم غير صاحب البيت وغير إمام المسجد للإمامة؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقديم غير صاحب البيت وغير الإمام الراتب للإمامة يتسبَّب في إساءة الظن فيهما، مما يؤدِّي إلى التنفير عنهما، وكذا فيه كسر قلبيهما، فدفعًا لذلك: حرم، فائدة: المراد من لفظ "ولا في سلطانه": المسلط عليه من قبل الإمام الأعظم أو نائبه كالمسجد فقد سلَّط السلطان إمامه الراتب عليه.
(^٤٣) مسألة: إذا حضر السلطان الأعظم أو نائبه - كأمير البلد أو القاضي - في بيت زيد، أو كان حضر في مسجد له إمام راتب: فإنه يقدم السلطان، أو من يُنيبه في البيت والمسجد؛ للسنة الفعلية؛ حيث "أمَّ النبي ﷺ عتبان بن مالك وأخاه أنسًا في بيتهما" والمسجد مثله؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار هيبة السلطان أمام الآخرين، ويتضمَّن إظهار هيبة الإسلام ولكون ولايته عامَّة لصاحب المنزل، وللإمام الراتب.
(^٤٤) مسألة: إذا اجتمع سيد مع عبده في بيت العبد: فالأحق بالإمامة السيد، وإن كان أقل من العبد في القراءة والفقه؛ للقياس، بيانه: كما أن السلطان أحق بالإمامة إذا حضر مع صاحب منزل أو إمام راتب فكذلك السيد هنا، والجامع: الولاية في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٤٣).
(^٤٥) مسألة: إذا اجتمع حر وعبد، أو حر ومبعَّض: فيقدَّم الحر للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من كمال دين الحر: تقديمه على العبد؛ حيث إن العبد يسقط عنه الحج والجمعة والجهاد، والكامل في الشيء يكون عادة أحرص على الدِّين والتقوى من الناقص
[ ١ / ٦١٥ ]
في المدن والقرى (^٤٦) (ومقيم، (^٤٧) وبصير، (^٤٨) ومختون) أي مقطوع القُلْفة (^٤٩) (ومن له ثياب) أي: ثوبان (^٥٠) وما يستر به
(^٤٦) مسألة: إذا اجتمع الحضري مع البدوي فيُقدَّم الحضري للإمامة؛ للمصلحة حيث إن الحضري يكون عادةً أكمل دينًا ومعرفةً بسبب سماعه للعلماء الذين يتواجدون بالمدن والقرى عادة فيكون أفضل من حيث الأحكام الشرعية، بخلاف البدوي الذي يعيش في البوادي فهو مشتغل عادة بحلّه وترحاله وبعيد عن العلماء عادة.
(^٤٧) مسألة: إذا اجتمع مقيم ومسافر: فيُقدَّم المقيم للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن المقيم لا يقصر الصلاة، فلا يُفوِّت شيئًا من الصلاة على المأمومين، وهو أقل شغلًا من المسافر عادةً بسبب انشغال المسافر في حلِّه وترحاله وحرصه على متاعه. وانشغاله بمصير أهله وأولاده، مما يؤدِّي إلى كثرة غلطه في الصلاة وسهوه، فيُفضي ذلك إلى اضطراب المأمومين.
(^٤٨) مسألة: إذا اجتمع بصير وأعمى: فيُقدَّم البصير للإمامة؛ للمصلحة، حيث إن البصير يتحقق من إزالة النجاسة وإسباغ الوضوء، واستقبال القبلة بنفسه، بخلاف الأعمى: فلا تحصل تلك الأمور إلا بالاستعانة بغيره، ومن تحقق من الشيء بنفسه أولى ممن اعتمد على غيره.
(^٤٩) مسألة: إذا اجتمع مختون - وهو: مقطوع القُلفة - وغير مختون: فيُقدَّم المختون للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن المختون أكمل طهارة، وأكثر تنزيهًا للبول من غير المختون - كما سبق بيانه -، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
(^٥٠) مسألة: إذا اجتمع الأكثر ثيابًا مع الأقل ثيابًا: فُدِّم في الإمامة الأكثر ثيابًا؛ للمصلحة؛ حيث إنه أكمل في ستر عورته، وأبعد عن كشفها أو بعضها أثناء الصلاة وخارجها، بخلاف الأقل منه، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
[ ١ / ٦١٦ ]
رأسه (^٥١) (أولى من ضدهم) خبر عن "حر" وما عُطف عليه: فالحر أولى من العبد، والمبعَّض، والحضري أولى من البدوي الناشئ في البادية، والمقيم أولى من المسافر؛ لأنه ربما يقصر فيُفوِّت المأمومين بعض الصلاة في جماعة، وبصير أولى من أعمى، ومختون أولى من أقلف، ومن له من الثياب ما ذكر أولى من مستور العورة مع أحد العاتقين فقط، (^٥٢) وكذا: المبعَّض أولى من العبد، (^٥٣) والمتوضئ أولى من المتيمِّم، (^٥٤) والمستأجر في البيت أولى من المؤجِّر، (^٥٥) والمعير أولى من المستعير،
(^٥١) مسألة: إذا اجتمع من ستر رأسه مع من لا يستره: فيُقدَّم من يستره؛ للمصلحة؛ حيث إنه أكمل في تعظيم الله تعالى، وإكرامه، بخلاف الثاني، فيقدم الأكمل.
(^٥٢) مسألة: صلاة العبد أو المبعَّض بالحر، وصلاة العبد بسيده، وصلاة المسافر بالمقيم، وصلاة البدوي بالحضري، وصلاة الأعمى بالبصير، وصلاة غير المختون بالمختون، وصلاة الأقل ثيابًا بالأكثر منها، وصلاة من لم يستر رأسه بمن ستر رأسه: صحيحة إذا كان كل واحد منهما صالحًا للإمامة؛ للتلازم؛ حيث إن شروط وأركان وواجبات الصلاة قد وجدت فيلزم صحتها، ولكن الأفضل والأولى في التقديم ما ذكرناه في مسائل (٤٥ - ٥١)؛ للمصلحة، وقد بيناها.
(^٥٣) مسألة: إذا اجتمع مبعَّض - وهو من أُعتق بعضه - مع عبد كله: فيُقدَّم في الإمامة المبعَّض؛ للمصلحة؛ حيث إن المبعَّض اكمل من الذي هو رقيق كله؛ لقرب المبعَّض من الحر، فيكون أكمل بذلك، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
(^٥٤) مسألة: إذا اجتمع متوضئ بماء مع متيمم لأي سبب: فيُقدَّم المتوضئ للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن الوضوء رافع للحدث، والتيمم مبيح للصلاة فقط: فلو رأى المتيمم ماء في أثناء صلاته: لبطلت صلاته، فلذا يقدم المتوضيء، وقد سبق.
(^٥٥) مسألة: إذا اجتمع مستأجر لبيت مع مالك هذا البيت: فيُقدَّم المستأجر في الإمامة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يؤمَّن الرجلُ الرجلَ في بيته" =
[ ١ / ٦١٧ ]
وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه؛ لحديث: "إذا أمَّ الرجلُ القوم وفيهم من هو خير منه: لم يزالوا في سفال" ذكره أحمد في "رسالته"، إلا إمام المسجد، وصاحب البيت فتحرم (^٥٦) (ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق) سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو الاعتقاد إلا في جمعة وعيد تعذَّرا خلف غيره؛ لقوله ﷺ: "لا تؤمَّن امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه" رواه ابن ماجة عن جابر (ككافر) أي: كما لا تصح خلف كافر سواء علم بكفره في الصلاة، أو بعد الفراغ منها، (^٥٧)
ومن استأجر بيتًا فقد ملك منفعته، وهو قادر على منع المؤجِّر من دخول هذا البيت ما دام يدفع الأجرة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٤٢).
(^٥٦) مسألة: إذا أعار زيدا عمرًا دارًا لاستعمالها: وحضرت صلاة فإنه يُقدَّم للإمامة زيد وهو المعير؛ قياسًا على صاحب البيت -كما سبق في مسألة (٤٢) - بجامع: الملكية في كل، والقدرة على المنع، وهذا هو المقصد منه، تنبيه: قوله: "وتكره إمامة غير الأولى … " قلتُ: لم أجد دليلًا يدل على ذلك، والصواب: أن الصلاة صحيحة من غير كراهة، ولكن الأفضل: تقديم الأولى بالإمامة - وقد سبق بيانه في مسألة (٥٢) وأما حديث: "إذا أمَّ الرجل القوم … " فلا يدل على الكراهة، تنبيه آخر: قوله: "إلا إمام المسجد وصاحب البيت فتحرم" يشير به إلى أنه يحرم أن يتقدَّم شخص ويكون إمامًا لشخص آخر في بيته أو مسجده الذي هو إمام راتب فيه، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤٢).
(^٥٧) مسألة: لا تصح الصلاة خلف الفاسق، فلو صلى شخص وراء فاسق: فإن صلاته لا تصح: سواء كان فاسقًا في الأفعال كشرب خمر وزنا وغيبة ونميمة، أو فاسقًا في الاعتقاد - هو من فسَّقه العلماء في قول له في الأسماء أو الصفات - =
[ ١ / ٦١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسواء عُلم فسقه قبل الصلاة أو بعدها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يؤمَّن فاجر مؤمنًا" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد وعليه: فتفسد صلاة المؤمن خلف الفاجر، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه، فكذلك الفاسق مثله والجامع: أن كلًا منهما قد نُزِعت الثقة منه: فلا يؤمن أن يزيد أو ينقص من شروط أو أركان أو واجبات الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن منزلة الفاسق الإذلال والإهانة والاحتقار؛ ردعًا وزجرًا له، فلو صحَّت الصلاة خلفه: لكان في ذلك تكريم وتشريف له، وهذا مخالف لمرتبته الرذيلة، فإن قلتَ: إن الصلاة خلف الفاسق تصح، وهو قول بعض الشافعية وتبعهم ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" وهذا عام؛ لأن "من" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل الفاسق؛ لأنه يقول ذلك، الثانية: فعل الصحابي: حيث صلى عمر ﵁ خلف الحجاج، وصلى الحسن والحسين ﵃ خلف مروان بن الحكم، وصلى بعض الصحابة خلف الوليد بن عقبة وهو يشرب الخمر قلتُ: أما الحديث: فمقصوده: أن "لا إله إلا الله" لا تصح إلا من شخص قد عمل بما تقتضيه من العمل بالأوامر والترك لما نُهي عنه، فلا يشمل الفاسق؛ لكونه لم يعمل ببعض ذلك، ثم على فرض دخول الفاسق هنا: فإنه مخصَّص بالصلاة خلف الولاة الفسَّاق صلوات الجمع والأعياد؛ حيث تصح الصلاة خلفهم إذا تعذَّرت هاتان الصلاتان خلف غيرهم؛ لجمع كلمة المسلمين أمام أعدائهم، أما فعل الصحابي: فلا يُسلَّم أن الحجاج ومروان من الفسقة، وإنما وصفهم الحقدة والحسدة ومرضى القلوب؛ لينشروا عنهم ذلك؛ ليُقلِّلوا من قيمتهم وكرامتهم كما يحدث في زماننا الآن؛ حيث إن بعض المنافقين إذا رأوا شخصًا مخلصًا لا يُنافق أحدًا: بدأوا في تقليل =
[ ١ / ٦١٩ ]
وتصح خلف المخالف في الفروع، (^٥٨) وإذا ترك الإمام ما يعتقده واجبًا وحده عمدًا: بطلت صلاتهما، (^٥٩) وإن كان عند مأموم وحده: لم يُعد، (^٦٠) ومن ترك ركنًا أو شرطًا أو
قيمته بأي طريقة؛ حتى يُنفِّروا الخلق عنه، ليظهروا هم بالساحة ثم إنه على فرض أنهم فُساق: فإن هؤلاء الصحابة قد صلوا وراءهم؛ جمعًا لكلمة المسلمين، وحرصًا على عدم التفريق بينهم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المقصود من الحديث" فعندنا: مقصوده ما ذكرناه و"الخلاف فيمن قيل عنه بأنه فاسق هل يُقبل أو لا بدون أدلة؟ " فعندنا: لا يُقبل شيء إلا بدليل قوي؛ لأن الأصل في المسلم: العدالة والصلاح فيستصحب حتى يرد دليل قوي يغير الحالة.
(^٥٨) مسألة: تصح صلاة شخص خلف من يخالفه في بعض الفروع الفقهية: فتصح صلاة من يقول برفع اليدين في الصلاة خلف من لا يقول بذلك؛ للإجماع، ومستنده المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اجتماع لكلمة المسلمين؛ ونبذ التنازع، وترك التعصُّب المذهبي، ولا يوجد في ذلك ترك شيء من أركان أو واجبات الصلاة.
(^٥٩) مسألة: إذا ترك الإمام واجبًا عنده فقط عمدًا: فإن صلاة هذا الإمام والمأموم باطلة، ويجب أن تُعاد؛ للتلازم؛ حيث إن الإمام قد ترك واجبًا عمدًا فبطلت صلاته، ويلزم من بطلان صلاة الإمام: بطلان صلاة المأموم؛ لكونه تابعًا له فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لقرب هذه الصلاة من العبث واللَّعب.
(^٦٠) مسألة: إذا ترك الإمام واجبًا عند مأموم، ولكنه ليس بواجب عند هذا الإمام: فصلاة الإمام والمأموم صحيحة، ولا تُعاد؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة صلاة الحنفي خلف الشافعي أو العكس، فيلزم منه صحة صلاتهما؛ وهذا كله لنبذ الاختلاف والتفرق بين المسلمين.
[ ١ / ٦٢٠ ]
واجبًا مختلفًا فيه بلا تأويل ولا تقليد: أعاد (^٦١) (ولا) تصح صلاة رجل وخنثى خلف (امرأة) لحديث جابر السابق (و) لا خلف (خنثى للرجال) والخناثى؛ لاحتمال أن يكون امرأة، (^٦٢) (ولا) إمامة (صبي لبالغ) في فرض؛ لقوله ﷺ: "لا
(^٦١) مسألة: إذا ترك المصلي شيئًا مختلفًا فيه هل هو ركن أو لا، شرط أو لا، واجب أو لا؟ ولم يكن من أهل الاجتهاد، ولم يُقلِّد أحدًا مُعتبرًا في هذا الترك: فصلاته باطلة، ويجب عليه أن يعيدها؛ قياسًا على من ترك ركنًا أو شرط أو واجب عمدًا والجامع: ترك ركن أو واجب أو شرط بلا عذر ولا تقليد ولا اجتهاد، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: كون هذا ركنًا أو شرطًا أو واجبًا، فلا يُترك إلا بيقين [فرع]: تصح الصلاة خلف مجهول الحال - وهو الذي لم تظهر عليه علامات الفسق -؛ للاستصحاب حيث إن الأصل هو العدالة والصلاح في المسلمين، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، حتى يرد ما يُغيِّر ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(^٦٢) مسألة: لا تصح صلاة رجل خلف امرأة، ولا خلف خنثى، ولا صلاة خنثى خلف خنثى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تؤمَّن امرأة رجلًا" والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: القياس، بيانه: كما لا تصح صلاة رجل خلف امرأة فكذلك لا تصح صلاة خنثى خلف امرأة، وصلاة رجل خلف خنثى، وصلاة خنثى خلف خنثى، والجامع: إبعاد احتمال إثارة الفتنة؛ لأن الخنثى يُحتمل أن يكون رجلًا وأن يكون أنثى احتمالًا متساويًا، وهذا من باب الاحتياط وهو المقصد الشرعي. فإن قلتَ: تصح إمامة المرأة للرجل، وهو قول بعض العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث "أذن ﷺ لأم ورقة بنت الحارث أن تؤمَّ أهل دارها" وهذا عام للرجال والنساء؛ لأن "أهل دارها" جمع منكر مضاف إلى معرفة وهو من صيغ العموم قلتُ: إن الدارقطني =
[ ١ / ٦٢١ ]
تقدِّموا صبيانكم" قاله في "المبدع"، (^٦٣) وتصح في نفل، وإمامة
ذكر الحديث بلفظ: "تؤم نساء أهل دارها" فلفظ "نساء" زيادة ثقة وهي مقبولة؛ فلا يدخل الرجال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل الزيادة هنا يؤخذ بها وثابتة أو لا" فعندنا: يؤخذ بها، وعندهم لا.
(^٦٣) مسألة: لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي في صلاة الفرض؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما لا تصح صلاة الرجل خلف المرأة، فكذلك لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي، والجامع أن كلًا من المرأة والصبي ناقص العقل والدين، الثانية: قول الصحابي: حيث ثبت ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ﵃، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصبي لا يُؤمَّن أن يُخلُّ بشيء من شرائط أو أركان أو واجبات الصلاة، وكذا: ليس من أهل الضمان ولا من أهل التحمُّل، ويجوز له قطع صلاته بلا عذر، فإن قلتَ: تصح صلاة البالغ خلف الصبي وهو قول كثير من العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" وهو عام للصبي وغيره: لأن لفظ "أقرأوهم" نكرة مضاف إلى معرفة وهو من صيغ العموم، قلتُ: قد خصَّصته المصلحة؛ حيث إن المقصود به هو: البالغ المدرك لمعاني ومقاصد وإرادات ما يقرأ، والضامنين المتحمِّلين عن المأمومين ما نقص من الصلاة، لتكمل صلاتهم، والصبي عقله ضعيف لا يُدرك تلك الأمور، وليس أهلًا للتحمل؛ لذا حُجر عليه، فأخرج من هذا العموم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا قلتُ: سببه هل حديث: "أقرأوهم" يعم الصبي أو لا؟ فعندنا: لا؛ حيث خصَّص بالمصلحة وعندهم: يعمه ولا تقوى المصلحة على تخصيصه، تنبيه: استدلال المصنف بحديث: "لا تقدِّموا صبيانكم" لا يصح؛ لأنه ضعيف؛ حيث إنه لا يعرف له إسناد صحيح كما قاله بعض العلماء.
[ ١ / ٦٢٢ ]
صبي بمثله (^٦٤) (و) لا إمامة (أخرس) ولو بمثله؛ لأنه أخلَّ بفرض الصلاة لغير بدل (^٦٥) (ولا) إمامة (عاجز عن ركوع أو سجود أو
(^٦٤) مسألة: تصح صلاة البالغ خلف الصبي في صلاة النافلة كصلاة التراويح، والاستسقاء والكسوف ونحوها، وتصح صلاة صبي خلف آخر فرضًا ونفلًا؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن صلاة الصبي تكون نفلًا، والبالغ يصلي نفلًا فيلزم من تساويهما في ذلك: صحة صلاته خلف الصبي، لكون متنفِّلًا قد أم متنفِّلًا، فلا يتضرر البالغ فيما لو قطع الصبي صلاته وكذا: الصبي الذي صلى خلفه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٦٥) مسألة: لا تصح صلاة الناطق خلف الأخرس - وهو: العاجز عن النطق - ولا تصح صلاة الأخرس خلف أخرس مثله؛ للتلازم؛ حيث إن النطق بالتحريمة وقراءة الفاتحة لا تصح الصلاة إلا بهما - لكونهما ركنين - فيلزم من عدمهما - بدون بدل من إشارة أو إيماء عنهما -: بطلان إمامته واقتداء غيره به؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب المأموم وهو المقصد منه؛ فإن قلتَ: تصح الصلاة هنا، وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة الأخرس منفردًا ومأمومًا، فكذلك تصح صلاته إمامًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة المنفرد والمأموم إنما صحَّت؛ لعذره، ولا يعتمد عليه فيها غيره، بخلاف صلاته إمامًا مع وجود الناطق: ففيه اعتماد الناطق عليه، وهذا الأخرس غير متمكِّن من إبلاغه ما يريد قوله من تكبير وقراءة ونحو ذلك، ومع الافتراق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل يمكن لمن خلف الأخرس متابعته أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
[ ١ / ٦٢٣ ]
قعود) (^٦٦) إلَّا بمثله (^٦٧) (أو قيام) أي: لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه (إلا إمام الحي) أي: الراتب بمسجد (المرجو زوال علَّته)؛ لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام (^٦٨) (ويُصلُّون وراءه جلوسًا ندبًا) ولو كانوا قادرين على القيام؛ لقول
(^٦٦) مسألة: لا تصح صلاة القادر على الركوع أو السجود أو القعود خلف العاجز عنها؛ للقياس، بيانه: كما لا تصح صلاة القارئ خلف الأمي، فكذلك لا تصح صلاة القادر على تلك الأمور خلف العاجز عنها، والجامع: أن كلًا منهما عاجز عن إيجاد ركن في الصلاة، فلم يصح الائتمام به، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن القدرة كمال، فلا يُقدَّم الناقص على الكامل في الدين.
(^٦٧) مسألة: تصح إمامة العاجز عن الركوع أو القعود أو السجود لشخص مثله في هذا العجز؛ للقياس، بيانه: كما أن الأمي يصح أن يكون إمامًا لأمي مثله فكذلك هذا مثله، والجامع: العجز في كل، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين ولاستوائهما في الرتبة، فليس أحدهما أولى من الآخر في ذلك.
(^٦٨) مسألة: يصح أن يكون العاجز عن القيام إمامًا للقادر عليه إن كان إمامًا راتبًا لمسجد الحي، وكان عجزه بسبب مرض طارئ يُرجى برؤه عن قريب، فإن لم يكن هو الإمام الراتب، أو كان مرضه لا يرجى برؤه: فلا تصح صلاة القائم خلفه، للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد صلي بالناس وهو شاكٍ وهو جالس وقال: "وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون" وكان النبي هو الإمام، وكان مرضه يُرجى برؤه: فلزم الشرطان السابقان، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة حال الإمام الراتب تكريمًا له، واشترط: كون المرض يُرجى برؤه؛ سدًا للذرائع؛ حيث إنه لو كان لا يُرجى برؤه لأدَّى إلى ترك المأمومين للقيام على الدوام، وهذا فيه ترك ركن للصلاة عن عمد وهو مبطل لها.
[ ١ / ٦٢٤ ]
عائشة: "صلى النبي ﷺ في بيته وهو شاكٍ فصلى جالسًا، وصلى ورائه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى قوله: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" قال ابن عبد البر: "روي هذا مرفوعًا من طرق متواترة" (^٦٩) (فإن ابتدأ بهم) الإمام الصلاة (قائمًا ثم اعتلَّ) أي: حصلت له علَّة عجز معها عن القيام (أتموا خلفه قيامًا وجوبًا): لأنه "ﷺ صلى في مرض موته قاعدًا، وصلى أبو بكر ﵁ والناس خلفه قيامًا" متفق عليه عن عائشة، وكان أبو بكر ﵁ قد ابتدأ بهم قائمًا كما أجاب به الإمام (^٧٠) (وتصح خلف من به سلس
(^٦٩) مسألة: يُستحب للمأمومين القادرين على القيام أن يصلوا جلوسًا وراء إمامهم الذي يصلي جالسًا - بسبب مرض يُرجى برؤه -؛ للسنة الفعلية والقولية، وهي السابقة الذكر في مسألة (٦٨) حيث أمرهم ﷺ بالجلوس، وصرفت السنة التقريرية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إنه ﷺ لم يأمر الذين صلوا خلفه قيامًا في أول الصلاة بإعادة صلاتهم، وهذا يلزم منه: صحة صلاتهم خلفه وهم قيام، ولكن المستحب أن يجلسوا معه؛ ليوافقوه في هيئته التي هو عليها؛ لتحقيق الاتفاق، ونبذ الاختلاف، مما يتسبَّب في إظهار الإسلام، وهذا هو المقصد المقصد من ذلك.
(^٧٠) مسألة: إذا شرع الإمام في الصلاة قائمًا، ثم جلس لمرض أصابه، واستمر في الجلوس حتى فرغ من صلاته فيجب على من خلفه أن يتموا صلاتهم قيامًا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس حينما مرض ﷺ، وبدأ أبو بكر ﵁ بالصلاة وهو قائم، ثم جلس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر ﵁، فأتم النبي ﷺ الصلاة جالسًا، وأتموا قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس، بل أقرَّهم على ما هم عليه، وهذا يلزم منه: وجوب استمرارهم بالصلاة قيامًا كما بدأوها =
[ ١ / ٦٢٥ ]
البول بمثله) كالأمي بمثله (^٧١) (ولا تصح خلف محدث) حدثًا أصغر أو أكبر (ولا)
كذلك، ولم يُبيِّين ﷺ غير ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل في الصلاة القيام، فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا كان قادرًا عليه، فإن قلتَ: لا يجب ذلك، بل إذا صلَّى جالسًا فإنه يُستحب للمأمومين أن يصلون جلوسًا مثله؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ: "إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" وهذا عام؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل من بدأ صلاته قائمًا أو من بدأها جالسًا قلتُ: إن السنة التقريرية التي ذكرناها هنا قد خصَّصت السنة القولية، فيكون حكم من ابتدأ صلاته قائمًا ثم جلس، يختلف عن حكم من ابتدأ صلاته جالسًا، فالأول: واجب، والثاني مستحب، وهذا ما يُفهم من جواب الإمام أحمد على من زعم نسخ أحدهما بالآخر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "التعارض بين السنة القولية والتقريرية" فعندنا: التقريرية قد خصَّصت القولية، وعندهم: لا.
(^٧١) مسألة: تصح صلاة من به حدث دائم: كمن به سلس بول، أو خروج ريح دائم، أو رعاف، أو قروح سيَّالة أو نحو ذلك خلف من هو مثله في هذا؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة الأمي خلف الأمي فكذلك الحال هنا والجامع: التساوي بين الإمام والمأموم في نفس النقص، وهذا من باب التيسير على الخلق، ولكون أحدهما ليس بأولى من الآخر. [فرع]: لا تصح صلاة شخص ليس به حدث دائم خلف من به حدث دائم كسلس بول ونحوه؛ للقياس، بيانه: كما لا تصح صلاة المتطهر خلف المحدث، فكذلك الحال هنا؛ والجامع: أن كلًا منهما فيه خلل غير مجبور ببدل؛ حيث إن كلًا منهما يصلي إمامًا مع علمه بحدثه المنافي للطهارة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن =
[ ١ / ٦٢٦ ]
خلف (متنجِّس) نجاسة غير معفو عنها إذا كان (يعلم ذلك)؛ لأنه لا صلاة له في نفسه (^٧٢) (فإن جهل هو) أي: الإمام (و) جهل (المأموم حتى انقضت صحَّت) الصلاة (لمأموم وحده)؛ لقوله ﷺ: "إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمَّت
الصحيح أكمل حالًا من حيث الطهارة ممن به حدث دائم، والأكمل هو المقدَّم في الإمامة فلا تصح الصلاة هنا مع وجوده، فإن قلتَ: إن الصلاة تصح هنا، وهو قول بعض العلماء، ومنهم ابن عثيمين: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" وهذا عام؛ لأن لفظ "أقرأوهم" نكرة مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل من به حدث دائم وغيره، فيلزم أن إمامته صحيحة قلتُ: المراد من هذا الحديث: أنه يؤمُّهم بعد كمال الطهارة، ومن به حدث دائم لم تكتمل طهارته، لا يدخل تحت عموم هذا اللفظ، والذي خصصه: القياس الذي ذكرناه، والمصلحة؛ حيث إنه ليس من المناسب شرعًا أن يتقدَّم غير كامل الطهارة على من هو قد كمل، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه هل عموم قوله: يؤم القوم "أقرأوهم" باقي على عمومه أو مخصَّص؟: فعندنا مخصَّص بالقياس، وعندهم: قد بقي على عمومه، فلم يقو القياس على تخصيصه.
(^٧٢) مسألة: لا تصح صلاة الإمام والمأموم إذا كان الإمام فيه حدث، أو كان متنجس الثياب أو المكان أو البدن إذا علما ذلك قبل الشروع فيها أو في أثنائها، وعليه: فيجب أن يعيداها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم طهارة الإمام: بطلان صلاته، ويلزم من بطلانها: بطلان صلاة المأموم العالم لذلك: لبطلان الاقتداء. [فرع]: تصح صلاة الإمام والمأموم إذا وُجدت نجاسة معفو عنها كالذي يبقى بمحل الدُّبُر بعد الاستنجاء والاستجمار من الغائط، ونحو ذلك: سواء علما ذلك أو لم يعلما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مشقة إزالتها: أن يكون معفو عنها، فتلزم صحة صلاة الإمام والمأموم مع وجوده.
[ ١ / ٦٢٧ ]
للقوم صلاتهم" رواه محمد بن الحسين الحرَّاني عن البراء بن عازب، وإن علم هو أو المأموم فيها استأنفوا، (^٧٣) وإن علم معه واحد: أعاد الكل، (^٧٤) وإن علم أنه ترك واجبًا عليه فيها سهوًا، أو شكَّ في إخلال إمامه بركن أو شرط: صحَّت صلاته
(^٧٣) مسألة: لا تصح صلاة الإمام إذا صلى وهو محدث ولم يعلم به إلا بعد الفراغ من صلاته، وتصح صلاة المأموم، فيجب على الإمام إعادتها لوحده؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد صلى بالناس الفجر فلما فرغ علم أنه لم يتطهر من جنب أصابه، فأعاد الصلاة هو، ولم يأمر الناس بإعادتها، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام قد صلى بلا طهارة، ولا مشقة عليه في إعادتها، والمأموم معذور بجهله بحدث إمامه في أول وأثناء الصلاة، فوجوب إعادتها عليه فيه مشقة مع أنه فعل ماله فعله، تنبيه: ما ذكره المصنف من حديث: "إذا صلى الجنب بالقوم … " لم أجده، تنبيه آخر: قوله: "وإن علم هو أو المأموم فيها استأنفوا" قد سبق بيانه في مسألة (٧٢).
(^٧٤) مسألة: إذا علم واحد من المأمومين أن إمامه محدث أو متنجِّس قبل أو أثناء الصلاة: فإن صلاة هذا المأموم تبطل، دون غيره من المأمومين الذين لم يعلموا ذلك وهو قول كثير من العلماء كأبي يعلى وغيره؛ للتلازم؛ حيث إن إمامه قد فقد الطهارة في اعتقاده فبطلت صلاة إمامه ويلزم من بطلان صلاة إمامه: بطلان صلاته، ويلزم من جهل غيره من المأمومين: صحة صلاتهم؛ لوجود العذر وهو: الجهل، حيث إنهم يعتقدون طهارته فصح الاقتداء، فإن قلتَ: إن صلاة المأمومين الآخرين أيضًا تبطل مثله - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
[ ١ / ٦٢٨ ]
معه، بخلاف ما لو ترك السترة أو الاستقبال؛ لأنه لا يخفى غالبًا، (^٧٥) وإن كان أربعون فقط في جمعة، وفيهم واحد محدث أو نجس: أعاد الكل سواء كان إمامًا أو مأمومًا (^٧٦) (ولا) تصح (إمامة أمي) منسوب إلى الأم كأنه على الحالة التي ولدته عليها (وهو) أي: الأمي (من لا يحسن) أي: يحفظ (الفاتحة) (^٧٧) أو يُدغم مالا يُدغم: بأن يُدغم حرفًا فيما لا يُماثله أو يقاربه وهو "الأرت" (أو يُبدل حرفًا)
(^٧٥) مسألة: إذا علم المأموم أن إمامه قد ترك واجبًا سهوًا، أو شك بأنه أخلَّ بركن أو شرط مما يخفى غالبًا كطهارة: فإن صلاة هذا المأموم صحيحة، أما إذا علم أنه ترك شيئًا منها لا يخفى غالبًا كاستقبال القبلة أو سترة العورة: فصلاة هذا المأموم باطلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود السهو من الإمام أو الشك من المأموم: صحة الصلاة؛ لأن السهو يُعذر به، والشك لا تبنى عليه أحكام، ويلزم من ترك شرط أو ركن ظاهر: بطلان الصلاة؛ لأنه اقتدى بمن لا تصح صلاته، ولا يُعذر المأموم بذلك؛ لظهوره.
(^٧٦) مسألة: إذا اجتمع أربعون رجلًا لصلاة الجمعة - وهو: العدد المشترط لها كما سيأتي - ثم أحدث واحد منهم، أو تنجَّس قبل أو أثناء تلك الصلاة فلا تكون جمعة، بل يُعيدوها ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط الجمعة - وهو كمال العدد -: عدم صحتها، لفقدان شرطها؛ لأن وجود هذا المحدث أو المتنجِّس كعدمه.
(^٧٧) مسألة: لا تصح صلاة المحسن لقراءة الفاتحة خلف من لا يُحسنها ولا يحفظها - وهو الأمي -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ترك ركن من أركان الصلاة - وهي الفاتحة - بطلان صلاة من خلفه ممن ليس بأمي؛ نظرًا لترك إمامه هذا الركن مع قدرته على إيجاده.
[ ١ / ٦٢٩ ]
بغيره وهو الألثغ كمن يُبدل الراء غينًا، (^٧٨) إلا ضاد: "المغضوب عليهم" و"الضالّين" بظاء (^٧٩) (أو يلحن فيها لحنًا يُحيل المعنى) ككسر كاف: "إياكَ" وضم تاء، "أنعمتَ" وفتح همزة "اهدنا"، فإن لم يحل المعنى كفتح دال "نعبد" ونون "نستعين": لم يكن أميًا (^٨٠) (إلا بمثله) فتصح؛ لمساواته له، (^٨١) ولا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول بعاجز عن نصفها الأخير،
(^٧٨) مسألة: لا تصح صلاة المحسن لقراءة الفاتحة خلف الأرت، أو الألثغ وهما: اللذان يُدخلان بعض الحروف في بعض دون تفريق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط أحرف من حروف الفاتحة: بطلانها، ويلزم من بطلان الفاتحة: بطلان صلاة من يُحسن ذلك خلفه: لقدرته على الإتيان بما تركه ذلك الإمام.
(^٧٩) مسألة: الإمام الذي يُبدل الضاد بالظاء في قوله: "المغضوب" و"الضالين"، أو يُبدل الصاد بالسين في قوله: "الصراط" تصح الصلاة خلفه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يشق التحرز منه؛ نظرًا لقرب مخرجهما، وأيضًا: إبدال الصاد بالسين من القراءات السبع التي تجوز القراءة بها.
(^٨٠) مسألة: الإمام الذي يلحن بقراءة الفاتحة لحنًا يحيل المعنى من المراد إلى غير المراد - كما مثَّل المصنف -؛ لا تصح الصلاة خلفه، أما إن كان ذلك لا يحيل المعنى: فتصح الصلاة خلفه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إحالة المعنى من المراد إلى غيره: أنه عاجز عن قراءة الفاتحة فيلزم عدم صحة إمامته للقادر على ذلك، ويلزم من عدم الإحالة: صحة الصلاة؛ للقدرة على قراءتها وإفهام المعنى المراد.
(^٨١) مسألة: تصح صلاة الأمي خلف الأمي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مساواتهما في ذلك: صحة ذلك؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
[ ١ / ٦٣٠ ]
ولا عكسه، ولا اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها (^٨٢) (وإن قدر) الأمي (على إصلاحه: لم تصح صلاته) ولا صلاة من ائتمَّ به؛ لأنه ترك ركنًا مع القدرة عليه (^٨٣) (وتكره إمامة اللّحان) أي: كثير اللحن الذي لا يُحيل المعنى، (^٨٤) فإن أحاله في غير الفاتحة: لم يمنع صحة إمامته، إلا: أن يتعمَّده، ذكره في "الشرح"، وإن أحاله في غيرها سهوًا، أو جهلًا، أو لآفة: صحَّت صلاته (^٨٥) (و) تكره إمامة
(^٨٢) مسألة: إذا اختلف العجز في قراءة الفاتحة، أو في الأقوال الواجبة بين اثنين: فلا يصح أن يكون أحدهما إمامًا للآخر فمن قدر على أولها دون آخرها: لا يكون إمامًا لمن قدر على آخرها دون أولها، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مساواتهما في العجز: عدم صحة اقتداء أحدهما بالآخر؛ لكون أحدهما يُحسن مالا يُحسنه الآخر؛ إذ لا يصح أن يُكمِّل أحدهما الآخر في ذلك.
(^٨٣) مسألة: إذا قدر الأمي على تعلَّم قراءة الفاتحة بدون لحن ونحوه: ولم يفعل ذلك عمدًا: فلا تصح صلاته، ولا صلاة من صلى خلفه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" حيث إن صلاة الإمام المتعمد عدم تعلم الفاتحة قد فعل شيئًا ليس مشروعًا فيكون فاسدًا مردودًا على صاحبه لكونه ترك ركنًا عمدًا، ويلزم من بطلان صلاة الإمام: بطلان صلاة المأموم؛ لفساد الاقتداء؛ لأنه يُشبه من ائتم بالمتلاعب.
(^٨٤) مسألة: تكره إمامة كثير اللَّحن في قراءة الفاتحة الذي لا يُحيل المعنى، ولا يصرفه عن مراده؛ للمصلحة؛ حيث إن الذي لا يلحن أو لا يُكثر اللَّحن أفضل ممن يُكثر اللحن، فكره ذلك؛ لأن فيه تقديم المفضول على الفاضل، وهذا فيه كسر لقلب الفاضل.
(^٨٥) مسألة: تصح إمامة من يُكثر اللّحن في غير قراءة الفاتحة إذا كان بسبب سهو أو جهل أو مرض بلسانه؛ أما إن كان هذا اللَّحن وقع عمدًا: فلا تصح =
[ ١ / ٦٣١ ]
(الفأفاء والتمتام) ونحوهما، و"الفأفاء" الذي يُكرر الفاء، و"التمتام" الذي يكرر التاء (و) تكره إمامة (من لا يفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد، وتصح إمامته: أعجميًا كان أو عربيًا، وكذا: أعمى، وأصم، وأقلف، وأقطع يدين أو رجلين أو إحداهما إذا قدر على القيام، ومن يُصرع، فتصح إمامتهم مع الكراهة؛ لما فيه من النقص (^٨٦) (و) يُكره (أن يؤمَّ) امرأة (أجنبية فأكثر، لا رجل معهنَّ)؛ لنهيه ﷺ أن يخلو الرجل بالأجنبية (^٨٧) فإن أمَّ محارمه، أو أجنبيات معهن رجل: فلا
صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع اللحن في غير ركن ولا واجب سهوًا أو جهلًا أو مرضًا: صحة صلاته؛ لأنه معذور بذلك، ويلزم من وقوع ذلك عمدًا: عدم صحة صلاته؛ لكونه قد تعمَّد مخالفة الشارع، أصله؛ قوله ﷺ: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" والجهل والمرض مثل ذلك؛ لعدم الفارق، فمنطوقه دل على أنه معذور بذلك، ومفهومه الشرط منه دل على أن المتعمِّد لا يعذر.
(^٨٦) مسألة: تصح إمامة كل شخص فيه نقص غير مُخل بشيء من شروط أو أركان أو واجبات الصلاة: كأن يُكرر الفاء، أو الواو، أو التاء، أو نحوها، أو بعض الحروف الأخرى أو لا يُفصح عن بعض الحروف كالصاد والقاف، أو لا يراعي قواعد التجويد، أو كان أعمى، أو أصمًا أو أقطع اليدين أو الرجلين إذا قدر على القيام، أو كان مصابًا بالصرع، أو غرابة الشكل ونحو ذلك، ولكن تكره إمامته بمن هو أحسن حالًا منه؛ للمصلحة؛ حيث إن صحة إمامة هؤلاء فيه توسعة على المسلمين، وتقديمهم على من هم أحسن حالًا منهم فيه كسر لقلب الأحسن، فلذا: كُره.
(^٨٧) مسألة: يحرم أن تصلِّي امرأة أجنبية بمفردها خلف رجل أجنبي عنها، وصلاتها صحيحة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا =
[ ١ / ٦٣٢ ]
كراهة؛ لأن النساء كنَّ يشهدن مع النبي ﷺ الصلاة (^٨٨) (أو) أن يؤم (قومًا أكثرهم
مع ذي محرم"، وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن لفظ "أحدكم" منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم؛ فيشمل حالة الصلاة وغيرها؛ لكون صلاته بها منفردة تعتبر خلوة وإن كان يظهر الصلاح، فإن قلتَ: لمَ حرم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة الفتنة، وهذا يفضي إلى الوقوع بأعظم جرم وهو: الزنا غالبًا؛ لأن الشيطان يُحسِّنها في نظره، ويُحسِّنه في نظرها فتقع الكارثة؛ مصداقًا لقوله ﷺ: "ما خلى رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان"، والنساء ناقصات عقل ودين - كما أخبر النبي ﷺ يؤثِّر عليهن أيُّ كلام معسول يقوله مرضى القلوب - وما أكثرهم - فمن ترك نسائه أو بناته أو أخواته بدون مراقبة شديدة فقد أهمل أعظم مهمة له في الدين، فإن قلتَ: إنه يكره ذلك ولا يُحرَّم - وهو الذي ذكره المصنف هنا - قلتُ: لا توجد قرينة قويت على صرف النهي في الحديث من التحريم إلى الكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل النهي على إطلاقه أو لا؟ " فعندنا: على إطلاقه، وعندهم: ليس على إطلاقه بل هو مصروف إلى الكراهة. [فرع]: تكره صلاة مجموعة من النساء خلف رجل واحد أجنبي عنهن؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل احتمالًا بعيدًا وجود فتنة، فدفعًا لذلك كُره، فإن قلتَ: لمَ لم يحرم ذلك؟ قلتُ: لأن المرأة لا تفسد غالبًا بحضور نسوة معها.
(^٨٨) مسألة: إذا أمَّ رجلٌ نساءً محرمات عليه - بنسب أو مصاهرة -: سواء معهن أجنبيات عنه أو لا، أو أمَّ أجنبيات عنه ومعهن رجل: فيصح ذلك بلا كراهة؛ للسنة التقريرية؛ حيث كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبي ﷺ مع رجل أو رجال، فلم يُنكر ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يُكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل الأجر الجماعة، وبُعْدُهُ عن مفسدة الفتنة.
[ ١ / ٦٣٣ ]
يكرهه بحق) كخلل في دينه، أو فضله؛ لقوله ﷺ: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" رواه الترمذي، وقال في "المبدع": "حسن غريب وفيه لين"، فإن كان ذا دين وسُنَّة وكرهوه لذلك: فلا كراهة في حقه (^٨٩) (وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) وكذا: اللقيط، والأعرابي، حيث صلحوا لها؛ لعموم قوله ﷺ: "يؤم القوم أقرأوهم" (^٩٠) (و) تصح إمامة (من يؤدِّي الصلاة بمن يقضيها
(^٨٩) مسألة: يُكره أن يؤم شخص لأناس أكثرهم يكرهونه لخلل في دينه أو فضله: كأن يكون خائنًا، أو كذابًا، أو حريصًا على جمع الأموال المشبوهة، أو حريصًا على تولي المناصب: فيدعو السلطان أو من حوله أو منافقيهم للاجتماع لتناول طعام ونحوه، أما إن كرهوه بغير وجه حق كأن يكرهوا شكله أو قبيلته، أو نحو ذلك: فلا كراهة في هذا؛ للمصلحة؛ حيث إن المكروه لدينه يتسبَّب في تنفير الناس عن الصلاة في المسجد الذي هو إمام له، وهذا يشق عليهم، فدفعًا لذلك كُره وحسُن استبعاده عن الإمامة، تنبيه: استدلال المصنف بحديث: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم .. " لا يصح: لأنه ضعيف عند أكثر أئمة الحديث.
(^٩٠) مسألة: تصح إمامة ولد الزنا، واللقيط، والجندي، والأعرابي وغيرهم ممن توفَّرت فيهم صفات الإمامة: من القراءة، والفقه والتقوى والديانة بلا كراهة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" حيث إن هذا عام؛ لأن "أقرأوهم" مُنكَّر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما ذكرناهم، فإن قلتَ: لمَ صحَّت إمامة هؤلاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين فإن قلتَ: تكره إمامة ولد الزنا واللَّقيط وهو قول الشافعي ومالك؛ للقياس، بيانه: كما تكره إمامة العبد للحر، فكذلك تكره إمامة ولد الزنا واللقيط لغيرهما والجامع: وجود النقص فيهم، قلتُ: إن هذا =
[ ١ / ٦٣٤ ]
وعكسه) من يقضي الصلاة بمن يؤدِّيها؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، وكذا: لو قضى ظهر يوم خلف ظهر يوم آخر، (^٩١) (لا) ائتمام (مفترض بمتنفِّل)؛ لقوله ﷺ: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (^٩٢) ويصح النفل خلف
قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن العبد فيه نقيصة الرق، وسقوط الجمعة والحج والزكاة عنه بخلاف ولد الزنا واللقيط فلا نقيصة فيهما، فإن قلتَ: تكره إمامة الجندي؛ وهو قول بعض العلماء؛ للمصلحة؛ حيث إنه يغلب على الجندي الجفاء، وهذا يُنفِّر الناس عن المسجد، قلتُ: لا يُسلَّم ذلك على إطلاقه، بل هم كغيرهم من غير الجنود، يوجد فيهم من يتصف بذلك، وفيهم من لا يتصف به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "معارضة القياس والمصلحة للسنة القولية" فعندنا: السنة مقدمة بعمومها، وعندهم: إن السنة مخصَّصة بالقياس والمصلحة.
(^٩١) مسألة: إذا كان زيد يصلي ظهر الخميس أداء فاقتدي به بكر وصلى خلفه ظهر الأربعاء قضاء، أو كان زيد يصلي ظهر الأربعاء قضاء، فاقتدى به بكر وصلى خلفه ظهر الخميس أداء: فإن صلاة زيد وبكر هنا صحيحة في الحالتين؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة واحدة، والنية واحدة فيلزم صحتها، والاختلاف في الوقت لا يضر، وهذا من التيسير على العباد، وهو المقصد منه.
(^٩٢) مسألة: لا يصح صلاة المفترض خلف المتنفل كأن يصلي صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" حيث حرم الشارع الاختلاف بين الإمام والمأموم في الأفعال والنيات؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وعليه: فتفسد صلاة من نوى الفرض خلف من نوى النَّفل، فإن قلتَ: لمَ شرُع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع يتسامح عادةً عن النوافل، دون الفرائض، فيجوز =
[ ١ / ٦٣٥ ]
الفرض (^٩٣) (ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) (^٩٤)
قطع النافلة والصلاة قاعدًا بلا عذر، فلو قطع الإمام النافلة التي يصليها فهل يقطع الذي يصلي الفرض خلفه صلاته، أم ينوي الانفراد بعدما نوى الائمتام أم ماذا يصنع؟ فالأصلح والأحوط دينًا: هو الذي قلناه؛ ليسلم من هذا الحرج، فإن قلتَ: تصح صلاة المفترض خلف المتنفل وهو قول كثير من العلماء منهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل صحة ذلك، ولا يوجد دليل يُغيِّر ذلك، أما حديث: "فلا تختلفوا عليه" فهو خاص بالأفعال فقط، ولا يشمل النيات، قلتُ: إن الحديث السابق عام فيشمل الأفعال والنيات، وهو الدليل الذي غيَّر الأصل؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل الحديث السابق عام للأفعال والنيات أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٩٣) مسألة: تصح صلاة المتنفِّل خلف المفترض كأن يصلي شخص نافلة خلف من يصلي الظهر مثلًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجلين: "إذا صليتما في رحالكما ووجدتما جماعة يصلون فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" فإن قلتَ: لمَ صحَّت مع اختلاف النيتين بين الإمام والمأموم؟ قلتُ: إن صلاة المتنفِّل خلف المفترض مخصَّصة من عموم حديث: "فلا تختلفوا عليه" والمخصص: السنة القولية السابقة وهي: "فإنها لكما نافلة"، ثم إن نية الإمام الفرض شاملة لنية المأموم وزيادة - وهو التقرب والطاعة - وزيادة اللُّزوم والوجوب؛ إذ لا يمكن للإمام أن يقطع صلاته؛ لكونه يُصلِّي فرضًا.
(^٩٤) مسألة: لا تصح صلاة المأموم الذي يصلي الظهر خلف من يصلي العصر - مثلًا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق فيقتضي الفساد، وبناء عليه: إذا اختلفت الصلاة بين المأموم والإمام: لزم اختلاف نيتهما، ويبطل الائتمام عند الاختلاف في النية.
[ ١ / ٦٣٦ ]
ولو جمعة في غير المسبوق إذا أدرك دون ركعة، (^٩٥) قال في "المبدع": "فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف، واستسقاء وجنازة وعيد: منع فرضًا، وقيل: ونفلًا؛ لأنه يؤدِّي إلى المخالفة في الأفعال" انتهى، ويؤخذ منه: صحة نفل خلف نقل آخر لا يُخالفه في أفعاله كشفع وتر خلف تراويح حتى على القول الثاني (^٩٦) فصل: في موقف الإمام والمأمومين: السنة أن (يقف المأمومون) رجالًا
(^٩٥) مسألة: لا تصح صلاة الظهر خلف من يصلي الجمعة إلا في حالة واحدة وهي: أن يدخل رجلٌ الجامعَ ولم يُدرك الركعة الثانية مع الإمام في صلاة الجمعة بل أدرك ما هو أقل منها: فإنه ينوي الظهر، ويدخل معه؛ فإذا سلَّم الإمام فإنه يصلي أربع ركعات ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف نية المصلي ظهرًا ونية المصلي جمعة: عدم صحة الصلاة، ويلزم من نيته الدخول مع الإمام لتحصيل ثواب الجماعة، ونيته الظهر: صحة الصلاة؛ لكونه معذورًا في عدم إدراك الجمعة.
(^٩٦) مسألة: إذا صلى زيد فرضًا كصلاة الفجر، أو صلاة نفل، وصلى خلفه بكر صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، أو نحوها مما يُخالف صلاة الفجر في الأفعال، أو بالعكس بأن صلى زيد صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، وصلى خلفه بكر صلاة الفجر مثلًا، أو صلاة نفل يُخالف صلاة زيد: فإن صلاة بكر - المأموم - باطلة في الحالتين، أما إن لم توجد مخالفة كأن يصلي زيد نافلة معينة كركعتين من التراويح، وصلى خلفه بكر نافلة أخرى تماثل صلاة زيد في الأفعال كأن ينوي بكر بأنه يصلي خلف زيد شفع وتره: فإن صلاة بكر - المأموم - تصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال: "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق، فيقتضي الفساد، فيلزم من وجود الاختلاف بين صلاة الاستسقاء والكسوف والعيد والجنازة وبين صلاة =
[ ١ / ٦٣٧ ]
كانوا أو نساء إن كانوا اثنين فأكثر (خلف الإمام)؛ لفعله ﷺ: "كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه" (^٩٧) ويستثنى منه إمام العراة يقف وسطهم وجوبًا، والمرأة إذا أمَّت النساء تقف وسطهن استحبابًا ويأتي (^٩٨) (ويصح) وقوفهم (معه) أي: مع الإمام (عن يمينه أو عن جانبيه)؛ لأن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود، وقال: "هكذا رأيت رسوله ﷺ فعل" رواه أحمد وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه، والصحيح: أنه من قول ابن مسعود (^٩٩) (لا قدَّامه) أي: لا قدَّام الإمام، فلا تصح للمأموم ولو بإحرام؛ لأنه ليس موقفًا بحال، (^١٠٠) والاعتبار بمؤخر
الفرض والنفل في الصورة والهيئة: وجود الاختلاف في الأفعال: فيبطل الائتمام؛ ودل مفهوم الصفة من الحديث على صحة الصلاة إذا لم يوجد اختلاف في الأفعال والهيئات.
(^٩٧) مسألة: يُستحب أن يقف المأمومون خلف الإمام، سواء كانوا رجالًا أو نساء، في الفرض والنفل؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة كانوا يقفون خلف النبي ﷺ، ولا يُنكر عليهم ذلك؛ فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق متابعة الإمام في الركوع والسجود بدقة.
(^٩٨) مسألة: يجب أن يقف إمام العراة وسطهم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للمأمومين من أن يروا عورته، لأن كشف العورة حرام، وما يُترك به الحرام واجب، تنبيه: قوله: "والمرأة إذا أمَّت .. " سيأتي بيانه في مسألة (١١٢).
(^٩٩) مسألة: يصح أن يقف المأمومون عن يمين الإمام أو عن يساره؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود ﵁ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(^١٠٠) مسألة: لا تصح صلاة مأموم وقف قُدَّام إمامه ولو بتكبيرة الإحرام؛ للتلازم، حيث إن المأموم يتبع الإمام في أفعاله ويأتمَّ به؛ لقوله ﷺ: "إنما جعل =
[ ١ / ٦٣٨ ]
القدم وإلا: لم يضر، وإن صلى قاعدًا فالاعتبار بالإلية، حتى لو مدَّ رجليه، وقدَّمهما على الإمام: لم يضر، وإن كان مضطجعًا: فبالجنب (^١٠١) وتصح داخل
الإمام ليؤتمَّ به" فموقفه خلف أو بجانب الإمام، لتتحقق المتابعة ويلزم منه: أن لا يكون قدامه؛ لكونه لا يمكنه متابعته إذا كان قدامه إلا بالالتفات، وهذا يُبطل الصلاة، فإن قلتَ: لمَ تبطل صلاة المأموم هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنظيم الصلاة، وعدم الجرأة على التقدم على إمام الصلاة، ولتحقق المتابعة والاقتداء، وهذا يجمع شمل المسلمين، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم إذا وقف قدام الإمام؛ إذا أمكنه متابعته؛ قياسًا على من وقف خلف الإمام بجامع: إمكان المتابعة، وهو قول للإمام مالك قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الواقف خلف أو بجانب الإمام يمكنه بيسر متابعة الإمام، بخلاف من وقف قدامه فلا يُمكنه ذلك إلا بالالتفات، ومع هذا الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم قدام الإمام عند الضرورة كوجود زحام ونحوه، وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للمصلحة الضرورية قلتُ: لا نُسلِّم وجود ضرورة هنا مع صحة صلاة المأموم خلف الإمام وإن بَعُد مكانه، وصحة صلاته منفردًا؛ لأن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة - كما سبق في مسألة (٢)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في الشيء الذي يحقق المتابعة للإمام" فعندنا: لا يحققها إلا الوقوف خلفه أو عن جانبه، وعندهم: تتحقق بدون ذلك.
(^١٠١) مسألة: إذا صلى المأموم عن يمين أو يسار إمامه وهما واقفان: فإنهما يتساويان بمؤخر القدم، وهو العقب، وإن كانا قاعدين: فيتساويان بالإلية، وإن كانا مضطجعين: فيتساويان بالجنب، وإن كان المأموم قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا بخلاف الإمام فيتساويان بما ذكرنا بالتقدير، ولا يضر تقدُّم قليلًا عن إمامه برجليه أو رأسه عند السجود؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم بهذه الطريقة =
[ ١ / ٦٣٩ ]
الكعبة إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه، أو ظهره إلى ظهره، لا إن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لأنه متقدِّم عليه، (^١٠٢) وإن وقفوا حول الكعبة مستديرين: صحَّت، فإن كان المأموم في جهته أقرب من الإمام في جهته: جاز إن لم يكونا في جهة واحدة: فتبطل صلاة المأموم، (^١٠٣) ويُغتفر التقدُّم
يمكنه متابعة إمامه بيسر وسهولة، بدون التفات فلزمت، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك بما ذكر؟ قلتُ: لأن مؤخر القدم هو محل الوقوف، والإلية هي محل القعود، والجنب هو محل الاضطجاع، فيُقدَّر بها.
(^١٠٢) مسألة: تصح صلاة مأموم نافلة خلف إمامه وهما داخل الكعبة بشرط: أن يجعل المأموم وجهه متجهًا إلى وجه إمامه، أو أن يجعل المأموم ظهره متجهًا إلى ظهر إمامه، أما إن جعل المأموم ظهره إلى وجه إمامه: فلا تصح صلاته؛ للتلازم؛ حيث إنه في الحالة الأولى لم يتقدَّم إمامه: فلزم صحة صلاته، أما في الحالة الثانية - وهي: كون ظهره متجهًا إلى وجه إمامه - فإنه يتقدم عليه فلزم: عدم صحة صلاته؛ لعدم قدرته متابعة إمامه، وهذا هو المقصد من المسألة.
(^١٠٣) مسألة: إذا صلى الناس مستديرين حول الكعبة: فتصح صلاتهم: سواء تقدم المأموم إلى الكعبة وصار أقرب إليها من الإمام أو لا بشرط: أن لا يتقدَّم المأموم إمامه في الجهة التي فيها الإمام، فإن تقدمه في هذه الجهة: بطلت صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا تقدم إلى الكعبة أكثر من إمامه في غير الجهة التي هو فيها فلا يكون متقدمًا لإمامه، فيلزم: صحة صلاته أما إن تقدم إمامه في الجهة التي هو فيها: فيكون متقدمًا لإمامه: فيلزم منه بطلان صلاته؛ لتقدُّمه - كالمسجد العادي - فإن قلتَ: لمَ صحت الصلاة في الحالة الأولى دون الحالة الثانية؟ قلتُ: لكونه في الحالة الأولى يمكنه أن يُتابع إمامه بيسر وسهولة، بخلاف الحالة الثانية: فلا يمكنه ذلك كما سبق بيانه.
[ ١ / ٦٤٠ ]
في شدة خوف إذا أمكن المتابعة (^١٠٤) (ولا) يصح للمأموم إن وقف (عن يساره فقط) أي: مع خلو يمينه إذا صلى ركعة فأكثر؛ لأنه ﷺ أدار ابن عباس وجابرًا ﵃ عن يساره إلى يمينه، وإذا كبَّر عن يساره: أداره من ورائه إلى يمينه، فإن كبَّر معه آخر: وقفا خلفه، فإن كبَّر الآخر عن يساره: أدارهما بيده وراءه، فإن شقَّ ذلك أو تعذر: تقدم الإمام فصلى بينهما أو عن يسارهما، (^١٠٥) ولو تأخَّر الأيمن قبل إحرام
(^١٠٤) مسألة: صلاة المأموم قدام إمامه لا تصح مطلقًا: سواء كان ذلك في شدَّة خوف أو لا؛ للتلازم، وقد بيناه في مسألة (١٠٠)، فإن قلتَ: إن أمكنه متابعة إمامه وهو في حالة خوف فتصح - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لا داعي لافتراض أمرٍ لا يُمكن حصوله - وهو إمكان متابعة المأموم المتقدم على إمامه لما يفعله الإمام - بل قد يصل ذلك إلى الاستحالة، ثم إنه لا ضرورة لذلك كما سبق قوله في مسألة (١٠٠).
(^١٠٥) مسألة: تصح صلاة المأموم إذا وقف عن يسار الإمام وإن كان اليمين خاليًا، ويُديره الإمام من خلفه ويجعله عن يمينه، وإن جاء مأموم آخر: فإنه يُديرهما إلى يساره إن تيسر، فإن شقَّ ذلك: تقدَّم الإمام وجعلهما خلفه، أو انتقل هو وجعل نفسه عن يسارهما؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن ابن عباس ﵃ قد وقف عن يسار النبي ﷺ فأداره من خلفه وجعله عن يمينه، ولم يأمره بإعادة تلك الصلاة التي أحرم بها عن يساره، وهذا يلزم منه صحتها، وكان ﷺ قد واظب على تقدُّمه على المصلين، فإن قلتَ: إن صلاة المأموم الواقف عن يسار الإمام لا تصح إذا كان اليمين خاليًا؛ للسنة الفعلية، "حيث أدار ﷺ ابن عباس من يساره إلى يمينه" فلو كانت صحيحة لأقره على اليسار، قلتُ: هذا يدل على أن الوقوف في اليمين أفضل من اليسار فقط، ولو لم تكن صحيحة: لبيَّن له عدم صحتها، ولكنه لم يفعل، ولا يجوز تأخير البيان عن =
[ ١ / ٦٤١ ]
الداخل؛ ليُصلِّيا خلفه: جاز، (^١٠٦) ولو أدركهما الداخل جالسين: كبَّر وجلس عن يمين صاحبه، أو يسار الإمام ولا تأخر إذن؛ للمشقة، والزَّمنى لا يتقدمون ولا يتأخرون (^١٠٧) (ولا) تصح صلاة (الفذ) أي: الفرد (خلفه) أي: خلف الإمام (أو خلف الصف) إن صلى ركعة، فأكثر عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا؛ لقوله ﷺ: "لا صلاة لفرد خلف الصف" رواه أحمد وابن ماجة، "ورأى ﷺ رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" رواه أحمد والترمذي وحسنَّه، وابن ماجه،
وقت الحاجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل عدم أمره ﷺ لابن عباس بإعادة الصلاة التي صلاها عن يسار النبي يلزم منه: صحتها أو لا؟ " فعندنا: نعم يلزم صحتها، وعندهم: لا.
(^١٠٦) مسألة: إذا صلى مأموم واقفًا عن يمين إمامه، ودخل شخص ثالث ووجدهما واقفين وتأخر ذلك المأموم قبل أن يُكبِّر الداخل تكبيرة الإحرام معه فصفَّا معًا خلف ذلك الإمام: صح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن تأخر هذا المأموم بنية وصول الداخل إليه: يلزم منه صحة صلاتهما خلف ذلك الإمام، وهو الموقف المستحب للمأموم إذا كان معه آخر.
(^١٠٧) مسألة: إذا دخل شخص ووجد مأمومًا جالسًا عن يمين إمامه: فإنه يُكبِّر، ويجلس عن يمين هذا المأموم، أو يجلس عن يسار الإمام، ولا يتأخر المأموم معه ليُصلِّيا خلف الإمام؛ نظرًا لجلوس المأموم؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص الذي مرضه مزمن - وهو: المقعد - لا يتأخر لمأموم قد دخل، ولا يتقدَّم، فكذلك الحال هنا بجامع: وجود المشقَّة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي دفع المشقة عنه عن المعذور.
[ ١ / ٦٤٢ ]
وإسناده ثقات، (^١٠٨) (إلا أن يكون) الفذ خلف الإمام أو الصف (امرأة) خلف
(^١٠٨) مسألة: لا تصحُّ صلاة منفرد خلف الإمام؛ أو خلف الصف إذا صلى ركعة فأكثر مع تمكُّنه من الوقوف في الصف، أو عن يمين أو يسار الإمام، إذا كان عالمًا بأن صلاته تبطل، وكان ذاكرًا لذلك، أما إن انضمَّ إليه آخر قبل أن يصلي ركعة، أو لم يجد مكانًا إلا خلف الصف أو كان جاهلًا للحكم، أو كان عالمًا به ولكنه نسيه: فإن صلاته تصح؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "لا صلاة لفرد خلف الصف" حيث إن المنفي هنا الصحَّة، والتقدير "لا صلاة صحيحة ؛ لأنه يمكن حمله على ذلك، ولا يحمل على نفي الكمال؛ لإمكاننا حمله على نفي الصحة من باب: "دلالة الاقتضاء"، ثانيها: أنه ﷺ قد أمر رجلًا صلى خلف الصف وحده بإعادة صلاته، فلو كانت صحيحة: لما أمره بإعادتها، ثالثها: قوله ﷺ: "عُفي لأمَّتي عن الخطأ والنسيان .. " فالمخطي والناسي والجاهل معفو عنه؛ للعذر، فتكون صلاته منفردًا جاهلًا أو ناسيًا صحيحة، ومن صلى خلف إمامه كمن صلى خلف الصف منفردًا؛ لعدم الفارق بجامع: الانفراد في كل من باب: "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الذي لم يجد مكانًا إلا خلف الصف إما أن يصبر إلي أن يحضر شخص آخر يصلي معه، وهذا يُفوّت عليه الركعة أو الجماعة، وإما أن يجذب معه شخصًا من الصف المكتمل، وهذا يتسبَّب في إشغال المجذوب وإشغال من حوله، ونقله من الفاضل إلى المفضول، وفتح فرجة في الصف، فدفعًا لتلك المفاسد: شُرع أن يقف منفردًا خلف الصف؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الثالثة: التلازم؛ حيث إن الداخل في الصف، أو الآتي معه شخص وصف معه قبل فوات الركعة حقَّق الاصطفاف: فلزم صحة صلاته، تنبيه: قوله: "عامدًا أو ناسيًا أو عالمًا أو جاهلًا" قلتُ: هذا لا يُسلَّم على إطلاقه وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: تصح صلاة الفرد خلف الصف =
[ ١ / ٦٤٣ ]
رجل فتصح صلاتها؛ لحديث أنس، (^١٠٩) وإن وقفت بجانب الإمام فكرجل، (^١١٠) وبصف رجال لم تبطل صلاة من يليها أو خلفها فصف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (^١١١) (وإمامة النساء تقف في صفهن) ندبًا، روي عن عائشة
مطلقًا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكرة قد صلى منفردًا خلف الصف ولم يأمرْ ﷺ بالإعادة، وهذا يلزم منه: صحة صلاته مطلقًا، قلتُ: إن أبا بكرة مشى وهو راكع حتى دخل في الصف، وهذا يخالف ما نحن فيه، وسيأتي بيانه في مسألة (١١٦).
(^١٠٩) مسألة: تصح صلاة امرأة منفردة خلف رجل أو خلف صف من الرجال؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس ﵁: "صلَّى رسول الله بأم أنس أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا"؛ فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكثر سترًا للمرأة، وأمنع من الفتنة.
(^١١٠) مسألة: تصح صلاة امرأة وقفت عن يمين أو يسار رجل غير أجنبي عنها، للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح ذلك من الرجل: فكذا يصح من المرأة، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر موقفًا للمأموم وهذا من تيسير الشارع على الناس، وهو المقصد منه.
(^١١١) مسألة: إذا وقفت عدة نساء صفًا واحدًا خلف رجل، أو خلف صف من الرجال، ثم صف وراء هذا الصف من النساء عدة رجال، وهم مقتدون بذلك الإمام: فإن صلاة الجميع تصح؛ للتلازم؛ حيث إن هذا يُعتبر موقفًا للمأمومين من الرجال والنساء، ولا يقطعن النساء صلاة الرجال - كما سبق - فلزم صحة صلاة الجميع، وهذا من تيسير الشارع على الناس، وهو المقصد منه.
[ ١ / ٦٤٤ ]
وأم سلمة، فإن أمَّت واحدة: وقفت عن يمينها، ولا يصح خلفها (^١١٢) (ويليه) أي: يلي الإمام من المأمومين (الرجال) الأحرار، ثم العبيد الأفضل فالأفضل؛ لقوله ﷺ: "ليليني منكم أولو الأحلام والنّهى" رواه مسلم (ثم الصبيان) الأحرار ثم العبيد (ثم النساء): لقوله ﷺ: "أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله" ويُقدم منهن البالغات الأحرار، ثم الأرقاء، ثم من لم تبلغ من الأحرار فالأرقاء الفضلى فالفضلي، وإن وقف الخناثى صفًا: لم تصح صلاتهم (كـ) الترتيب في (جنائزهم) إذا اجتمعت، فيُقدَّمون إلى الإمام وإلى القبلة في القبر على ما تقدَّم في صفوفهم (^١١٣)
(^١١٢) مسألة: إمامة النساء يُستحب أن تقف في وسطهن، فإن وقفت عن يسارهن أو يمينهن، أو أمامهن: فلا بأس، وإن كانت المأمومة واحدة: فإنها تقف عن يمينها أي: يمين الإمامة، ولا تصح صلاة امرأة منفردة وقفت خلف إمامتها، أو خلف صف النساء إن كانت واجدة لمكان لها في الصف أو عن يمين الإمامة أو يسارها؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة وأمَّ سلمة ﵄ قد وقفتا في وسط النساء حين أمَّتاهن، الثانية: القياس، بيانه: كما تصح صلاة الرجل عن يمين أو يسار الإمام، ولا تصح صلاته إذا وقف منفردًا خلف إمامه أو خلف الصف إن كان واجدًا مكانًا له - كما سبق في مسألتي (١٠٥ و١٠٨) - فكذلك المرأة مثله في هذين الحكمين.
(^١١٣) مسألة: إذا أراد جماعة من الرجال والنساء والصبيان أن يصلوا جماعة: فإن المستحب أن يقف خلف الإمام مباشرة الرجال البالغون من الأحرار، ثم يليهم الرجال البالغون من العبيد، ويُقدَّم منهم الفاضل ثم المفضول في العلم، ثم يليهم الصبيان من الأحرار، ثم يليهم الصبيان من العبيد، ثم يلي هؤلاء النساء البالغات الحرائر، ثم تليهن النساء البالغات من الإماء، ثم يليهن الصبيات الحرائر، ثم يليهن الصبيات الإماء؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال =
[ ١ / ٦٤٥ ]
(ومن لم يقف معه) في الصف (إلا كافر أو امرأة) أو خنثى، وهو رجل، (أو من علمَ حدثه) أو نجاسته (أحدهما) أي: المصلي أو المصافف له (أو) لم يقف معه إلا (صبي في فرض: ففذ) أي: فرد، فلا تصح صلاته ركعة فأكثر، وعُلِم منه: صحة مصافَّة الصبي في النفل، أو من جهل حدثه أو نجسه حتى فرغ (^١١٤) (ومن وجد
- ﷺ "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى" أي: ذوي العقول والعلم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صف الرجال، ثم الغلمان، ثم النساء - كما رواه أبو مالك الأشعري - الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لو مات رجل وصبي وامرأة: فإنه يُستحب أن توضع المرأة أقربهم إلى القبلة وأبعدهم عن الإمام، ثم يليها الصبي - من جهة الإمام، ثم يليه الرجل ويكون ألصق الثلاثة بالإمام عند الصلاة عليهم، فكذلك يُفعل بهم في الصلاة والجامع: تقديم الرجال وتأخير النساء، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إبعاد عن الفتنة وتقريب من يُمكنه تنبيه الإمام إن غلط أو سها. [فرع]: لا تصح صلاة مجموعة من الخناثى صفًا واحدًا؛ للمصلحة؛ حيث إن كل واحد منهم يُحتمل أن يكون رجلًا، والباقي نساء؛ لمنع احتمال الفتنة.
(^١١٤) مسألة: إذا وقف زيد خلف الصف بمفرده بلا عذر، أو وقف معه كافر، أو وقفت معه امرأة، أو خنثى، أو رجل به حدث أو نجس يعلم زيد هذا الحدث والنجس، أو وقف معه صبي في فرض، فإن زيدًا يكون قد صلى منفردًا، فلا تصح صلاته إن صلى ركعة فأكثر، أما إن صف معه صبي في نفل، أو صفَّ معه شخص لا يعلم هل هو كافر أو لا؟ أو لا يعلم هل هو على طهارة أو لا؟: فإن صلاة زيد صحيحة؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وقوف الكافر، والمرأة والخنثى والمحدث والمتنجس معه: أنه مفرد؛ لأن وجودهم كعدمهم، فلزم عدم صحة صلاته - كما سبق في مسألة (١٠٨)، الثانية: السنة =
[ ١ / ٦٤٦ ]
فُرجة) بضم الفاء، وهي: الخلل في الصف ولو بعيدة: (دخلها) وكذا: إن وجد الصف غير مرصوص: وقف فيه؛ لقوله ﷺ: "إن الله وملائكته يُصلُّون على الذين يصلون الصفوف" (وإلا) يجد فُرجة: وقف (عن يمين الإمام)؛ لأنه موقف الواحد (فإن لم يُمكنه: فله أن يُنبِّه من يقوم معه) بنحنحة، أو كلام، أو إشارة، وكره بجذبه، ويتبعه من نبهه وجوبًا (فإن صلى فذًا ركعة: لم تصح) صلاته؛ لما تقدَّم، وكرره لأجل ما أعقبه به (^١١٥) (وإن ركع فذًا) أي: فردًا؛ لعذر: بأن خشي فوات الركعة
التقريرية؛ حيث إن أنسًا صفَّ خلف النبي ﷺ ومعه يتيم في نفل، ولم ينكر النبي ذلك، الثالثة: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن كل من يدخل المسجد مسلم طاهر، فيُستصحب ذلك ويُعمل به فصحَّت مصافَّته، فصحَّت صلاة زيد بذلك، ولا يُلتفت إلى شيء بعد الفراغ من الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشكَّ لا تُبنى عليه أحكام؛ للتيسير، والنفل قد تساوي به مع الصبي؛ لجواز قطعه بلا عذر بدون تفريق.
(^١١٥) مسألة: إذا وجد الداخل فرجة تسعه في الصف: فيجب عليه أن يقف فيها، ويصل الصف بذلك ولا يصف وحده، فإن لم يجد فرجة: فإنه يقف عن يمين أو يسار الإمام إن لم يشق ذلك عليه ولا على المأمومين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "تراصُّوا وسدُّوا الخلل" حيث أوجب الشارع أن يسدَّ كل شخص كل خللٍ يجده في الصف؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهو وجوب كفائي - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين - الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون يمين أو يسار الإمام موقفًا للمأموم: أن يصح أن يقف المأموم فيه بشرط: عدم المشقة على الآخرين، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على الأجر العظيم؛ حيث قال ﷺ في ذلك: "إن الله وملائكته يصلون على الذين =
[ ١ / ٦٤٧ ]
(ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحَّت) صلاته؛ لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف فقال له النبي ﷺ: "زادك الله حرصًا ولا تعد" رواه البخاري، وإن فعله ولم يخش فوات الركعة: لم تصح إن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل الصف أو يقف معه آخر (^١١٦) فصل: في أحكام الاقتداء (يصح اقتداء المأموم بالإمام) إذا كانا
يصلون الصفوف، من سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة" تنبيه: قوله: "فله أن ينبه" إلى قوله: "وجوبًا" قلتُ: هذا لا يُسلَّم، بل إن لم يجد فرجة، ولم يستطع الوقوف بجانب الإمام: فإنه يصلي وحده وتصح صلاته، وعليه: فلا يجب على المأموم في الصف أن يرجع لهذا المتأخر، وهذا كله قد سبق بيانه في مسألة (١٠٨)، تنبيه آخر: قوله: "فإن صلى فذًا ركعة لم تصح صلاته" يُشير به إلى قوله سابقًا: "ولا تصح صلاة الفذ". وقد سبق بيانه في مسألة (١٠٨)، وكرَّره؛ لكونه سيُرتب عليه ما سيأتي من الأحكام.
(^١١٦) مسألة: إذا دخل شخص المسجد فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ لعذر كأن يخشى فوات الركعة، ثم مشى حتى دخل الصف وهو راكع قبل أن يسجد الإمام، أو وقف معه شخص آخر قبل سجود ذلك الإمام: فصلاته صحيحة، أما إن ركع قبل أن يصل الصف بلا عذر: فلا تصح صلاته إن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل الصف أو يقف معه شخص آخر معه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكرة قد ركع قبل الصف ثم مشى حتى دخل فيه قبل سجود الإمام، فلما علم النبي ﷺ بذلك: لم يأمره بإعادتها فلزم من ذلك صحتها، ويلزم مما يُخالف ذلك: بطلانها، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وقوف شخص آخر معه: صحة صلاته؛ لكونهما يُعتبران صفًا، لا فردًا.
[ ١ / ٦٤٨ ]
(في المسجد وإن لم يره، ولا من ورائه إذا سمع التكبير)؛ لأنه في موضع الجماعة، ويُمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير أشبه المشاهدة (^١١٧) (وكذا) يصح الاقتداء إذا كانا أحدهما (خارجه) أي: خارج المسجد (إن رأى) المأموم (الإمام أو) بعض (المأمومين) الذين وراء الإمام، ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة أو من شِبَّاك ونحوه، وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف، حيث صحَّت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى في غير شدَّة خوف: لم يصح الاقتداء (^١١٨) (وتصح) صلاة المأمومين (خلف إمام عال عنهم)؛
(^١١٧) مسألة: يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا سمع تكبيرات الإمام، وهو داخل المسجد سواء كان يرى الإمام أو لا يراه، وسواء كان يرى بعض المأمومين أو لا، وسواء اتصلت الصفوف أو لا؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المأموم إذا رأى إمامه وشاهده، فكذلك تصح صلاته إذا سمع التكبيرات وهو في المسجد والجامع: أن كلًا منهما في موضع الجماعة - وهو: المسجد - ويُمكنه متابعة الإمام والاقتداء به، وهذا من باب التوسعة على الناس، وهو المقصد منه.
(^١١٨) مسألة: يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا كان خارج المسجد بشرطين: أولهما: أن يسمع تكبيرات الإمام، ثانيهما: أن يرى المأموم الإمام، أو بعض المأمومين الذين يصلون وراء ذلك الإمام وهذا مطلق، أي: سواء رأى ذلك في جميع الصلاة، أو في جزء منها، وسواء كانت الرؤية مباشرة، أو من وراء زجاج أو شباك أو نحو ذلك، وسواء كانت الصفوف متصلة أو لا، وسواء وُجد فاصل بين الإمام والمأموم كنهر أو بئر أو نار، أو طريق يمشي فيه بعض الناس أو لا، وسواء كان الإمام في سفينة والمأموم في سفينة أخرى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" ويمكن تحقيق الائتمام والمتابعة بهذين الشرطين لذا صح الاقتداء هنا، وهذا عام لكل الحالات المذكورة، فإن قلتَ: لمَ شرع =
[ ١ / ٦٤٩ ]
"لفعل حذيفة وعمار ﵃" رواه أبو داود، (ويُكره) علو الإمام عن المأموم (إذا كان العلو ذراعًا فأكثر)؛ لقوله ﷺ: "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومنَّ في مكان أرفع من مكانهم" فإن كان العلو يسيرًا دون ذراع: لم يكره؛ لصلاته ﷺ على المنبر في أول يوم وضع، فالظاهر: أنه على الدرجة السفلى؛ جمعًا بين الأخبار، ولا بأس بعلو المأموم (^١١٩) (كـ) ما تكره (إمامته في الطاق) أي: طاق القبلة، وهو المحراب؛ روي
هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس، فإن قلتَ: إذا وُجد بين الإمام والمأموم فاصل من بئر أو نهر أو طريق، أو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى: فلا يصح الاقتداء إلا لشدة خوف قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، [فرع]: الأعمى يكفيه أن يسمع تكبيرات الإمام، وأن يُصلِّي بجانب بصير، والأصم يكفيه أن يرى الإمام أو بعض المأمومين؛ لما سبق من السنة القولية.
(^١١٩) مسألة: تصح الصلاة إذا كان الإمام أعلى من المأموم، أو المأموم أعلى من الإمام في المكان، ولكن يُكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم بذراع فأكثر بغير عذر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ صلى على المنبر، والذي خصَّص الكراهة بالذراع فأكثر: قول الصحابي؛ حيث قال عمار لحذيفة: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ " قال: "بلى، ومحل النهي إذا كان ذراعًا فأكثر"، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التوسعة والتيسير على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتمال ترفع الإمام عن المأمومين، تنبيه: قوله: "فالظاهر: أنه كان على الدرجة " قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك الجمع.
[ ١ / ٦٥٠ ]
عن ابن مسعود ﵁ وغيره؛ لأنه يستتر عن بعض المأمومين، فإن لم يمنع رؤيته: لم يكره (^١٢٠) (و) يكره (تطوعه موضع المكتوبة) بعدها؛ لقوله ﷺ: "لا يصلِّين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحَّى عنه" رواه أبو داود، عن المغيرة بن شعبة ﵁ (إلا من حاجة) فيهما: بأن لا يجد موضعًا خاليًا غير ذلك (^١٢١) (و) يكره للإمام (إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة)؛ لقول عائشة: "كان النبي ﷺ إذا سلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم، فيُستحب له أن يقوم أو ينحرف عن قبلته إلى مأموم
(^١٢٠) مسألة: يكره أن يصلي الإمام داخل محراب المسجد - وهو المسمى بالطاق - بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كزحام: فلا كراهة؛ لقول الصحابي؛ حيث كره ابن مسعود ﵁ ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاته داخله يتسبَّب في عدم رؤية بعض المأمومين للإمام، وهو شرط الاقتداء به - كما سبق -.
(^١٢١) مسألة: يُكره أن يصلي الإمام النافلة في موضع صلاته المفروضة بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كضيق مكان ونحوه: فلا كراهة، أما المأموم فيصلي النافلة في موضع صلاته المفروضة بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن يصلي الإمام النافلة في موضعه، والذي صرف هذا من التحريم إلى الكراهة المصلحة؛ حيث إن النهي هنا لمنع أن يظن الداخل للمسجد أن الإمام لا زال في صلاة المفروضة فيلتبس عليه الأمر، وهو المقصد من هذا النهي، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يصلي في موضعه الذي صلى فيه الفريضة إذا كان مأمومًا، تنبيه: قوله: "إلا من حاجة فيهما" يقصد في المسألتين السابقتين (١٢٠ و١٢١).
[ ١ / ٦٥١ ]
جهة قصده، وإلا: فعن يمينه (^١٢٢) (فإن كان ثمَّ) أي: هناك (نساء: لبث) في مكانه (قليلًا؛ لينصرفنَّ)؛ لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك، (^١٢٣) ويُستحب: أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه؛ لقوله ﷺ: "لا تسبقوني بالانصراف" رواه مسلم، قال في "المغني" و"الشرح": إلا أن يخالف الإمام السنة في إطالة الجلوس أو لم ينحرف: فلا بأس بذلك (^١٢٤) (ويُكره وقوفهم) أي؛ المأمومين (بين السواري إذا قطعن)
(^١٢٢) مسألة: يُكره أن يُطيل الإمام قعوده وهو مستقبل القبلة بعد سلامه، بل يُستحب أن يقوم مباشرة، أو ينحرف إلى جهة المأمومين عن اليمين أو اليسار؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يقعد بعد سلامه إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، وكان يُقبل على أصحابه بوجهه - كما روته عائشة وجابر بن سمرة ﵃، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنه إذا قعد وهو مستقبل القبلة بعد سلامه فقد يتوهَّم أحد أنه لا زال في الصلاة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^١٢٣) مسألة: يُستحب للإمام أن يجلس قليلًا وهو مستقبل القبلة بعد سلامه إذا وجدت نساء يُصليِّن معه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين النساء من أن يخرجن قبل الرجال؛ لئلا يحصل اختلاط الرجال والنساء عند باب الانصراف.
(^١٢٤) مسألة: يُكره أن ينصرف المأموم ويخرج من المسجد قبل أن ينصرف إمامه عن القبلة وينحرف عنها إذا كان الإمام لا يطيل قعوده باتجاه القبلة عادة، أما إن كان يُطيل القعود وهو مستقبل القبلة بعد سلامه - خلافًا للمستحب والسنة - فلا كراهة على المأموم أن ينصرف ويخرج من المسجد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تسبقوني بالانصراف" والذي صرف هذا إلى الكراهة: المصلحة؛ حيث إن النهي هنا لمصلحة المأموم؛ حيث إن الإمام قد يتذكّر شيئًا نسيه أو زاده أو =
[ ١ / ٦٥٢ ]
الصفوف عرفًا بلا حاجة؛ لقول أنس ﵁ "كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ" رواه أحمد وأبوداود، وإسناده ثقات، فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين: فلا بأس، (^١٢٥) وحرم بناء مسجد يُراد به الضِّرار لمسجد بقربه فُيهدم مسجد الضرار، (^١٢٦) ويُباح اتخاذ
نقصه فيسجد للسهو، فلا يتمكَّن المأموم المسرع في الخروج من فعل ذلك معه فيفوته، فنظرًا لهذا الاحتمال: شُرِعت هذه الكراهة، لذلك قال بعض العلماء: لو كانت عادة الإمام إطالة القعود: فلا يُكره للمأموم أن يسبقه بالخروج والانصراف؛ لزوال ذلك الاحتمال.
(^١٢٥) مسألة: يُكره أن يقف المأمومون بين السواري والأعمدة بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة كضيق مسجد، أو كان ما بين العمودين قدر صف كامل بحيث لا ينقطع: فلا كراهة؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة يتجنَّبون ما بين السواري والأعمدة في عهده ﷺ، وكان ﷺ لا يُنكره، مما يلزم منه: كراهة الوقوف بينها، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك لغير حاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوقوف بينها يؤدي إلى قطع الصفوف، وعدم التصاق المأمومين مع بعض، وعند الحاجة إلى ذلك لا يُكره؛ للتوسعة على المسلمين.
(^١٢٦) مسألة: يحرم أن يُبنى مسجد بقرب مسجد آخر أقدم منه لقصد الضرار وجلب الجماعة عن المسجد القديم، ويجب هدم مسجد الضرار وهو الجديد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهو عام؛ لأنه نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، والنفي هنا هو بمنزلة النهي، والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فيُهدم هذا المسجد الجديد، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للبغضاء والتقاطع بين المسلمين.
[ ١ / ٦٥٣ ]
المحراب، (^١٢٧) وكره حضور مسجدُ وجماعة لمن أكل بصلًا ونحوه حتى يذهب ريحه (^١٢٨) فصل: في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (ويُعذر بترك جمعة وجماعة مريض) لأنه ﷺ لما مرض تخلَّف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" متفق عليه، وكذا خائف حدوث مرض، (^١٢٩) وتلزم الجمعة، دون الجماعة من لم يتضرَّر بإتيانها راكبًا أو محمولًا (^١٣٠) (و) يُعذر بتركهما (مُدافع أحد الأخبثين) البول
(^١٢٧) مسألة: يُستحب وضع المحراب في المسجد، وهو الذي يقف الإمام اتجاهه، أو داخله عند الحاجة؛ للمصلحة؛ حيث يستدل به الجاهل لجهة القبلة فيصلي - كما سبق - تنبيه: قوله: "يُباح اتخاذ المحراب" قلتُ: لم أجد دليلًا على الإباحة فقط، حيث إن المصلحة تقتضي الاستحباب.
(^١٢٨) مسألة: يُكره للشخص أن يصلي مع جماعة وفيه رائحة كريهة كآكل بصل أو ثوم أو كراث أو شارب دخَّان ونحو ذلك، أو يشتغل بالجزارة ونحوها؛ وعليه: ترك ذلك حتى تذهب تلك الرائحة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيذاء للمأمومين الآخرين من ذلك، وتنفيرهم، ومُضايقتهم.
(^١٢٩) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن المريض في بدنه أو نفسيته، أو من خاف المرض بشيء؛ للسنة الفعلية؛ حيث "ترك النبي ﷺ الجماعة لما مرض" والجمعة، والخوف من المرض مثل الجماعة، والمرض؛ لعدم الفارق، وذلك لدفع المشقة والحرج عن المسلمين من باب مفهوم الموافقة.
(^١٣٠) مسألة: تجب الجمعة على المريض الذي يقدر على الوصول إلى الجامع بأي وسيلة دون أذى؛ للمصلحة؛ حيث إن الجمعة فرض عين، وهي لا تتكرر كالصلوات الخمس، فلا يضره إتيانها في الغالب، بخلاف الصلوات الخمس فيضرُّه إتيانها غالبًا؛ نظرًا لتكرارها في خمس مرات في اليوم والليلة.
[ ١ / ٦٥٤ ]
والغائط (ومن بحضرة طعام) هو (محتاج إليه) ويأكل حتى يشبع: لخبر أنس في "الصحيحين" (^١٣١) (و) يُعذر بتركهما (خائف من ضياع ماله أو فواته، أو ضرر فيه) كمن يخاف على ماله من لص ونحوه، أو له خبز في تنُّور يخاف عليه فسادًا، أو له ضالَّة، أو آبق يرجو وجوده إذًا، أو يخاف فوته إن تركه، ولو مستأجرًا لحفظ بستان، أو مال، أو ينضر في معيشة يحتاجها (أو) كان يخاف بحضوره الجمعة أو الجماعة (موت قريبه) أو رفيقه، أو لم يكن من يمرضهما غيره، أو يخاف على أهله أو ولده، (أو) كان يخاف (على نفسه من ضرر) كسبع (أو) من (سلطان) يأخذه (أو) من (ملازمة غريم ولا شيء معه) يدفعه به؛ لأن حبس المعسر ظلم، وكذا: إن خاف مطالبته بالمؤجل قبل أجله، فإن كان حالًّا وقدر على وفائه: لم يُعذر (أو) كان يخاف بحضورهما (من فوات رفقته) بسفر مباح سواء أنشأه أو استدامه (أو) حصل له (غلبة نعاس) يخاف به فوات الصلاة في الوقت أو مع الإمام، (^١٣٢) (أو) حصل
(^١٣١) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن من حصره بول أو غائط أو ريح، أو حضره طعام يشتهيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين" والمنفي هنا: "الكمال" والتقدير: "لا صلاة كاملة … " فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن هذه الأمور تشغل المسلم عن التركيز فيما يقول ويفعل في صلاته.
(^١٣٢) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن الخائف مطلقًا: أي: سواء خاف على نفسه، أو ماله أو أهله، أو أولاده، أو عبيده، أو كان الوقت المناسب لإيجاد ماله الضائع هو وقت الصلاة، أو كان خائفًا من غريمه، أو خاف على مريض عنده أن يتضرَّر أو يموت، أو خاف أن يغلبه النعاس في الطريق، أو خاف من السلطان أن يؤذيه أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
[ ١ / ٦٥٥ ]
له (أذى بمطر وَوَحْل) بفتح الحاء وتسكينها لغة رديئة، وكذا: ثلج وبرد (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة)؛ لقول ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة "صلوا في رحالكم" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (^١٣٣) وكذا: تطويل إمام، (^١٣٤) ومن عليه قَوَد يرجو العفو عنه، لا من عليه حدُّ، (^١٣٥) ولا إن كان في طريقه أو المسجد منكر، ويُنكر
(^١٣٣) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخص يوجد مطر أو وَحْل - وهو الطين الرطب - أو برد أو حر شديدين، أو ريح أو نحو ذلك مما يؤذي في طريقه بين المسجد وبيته؛ للسنة القولية؛ حيث كان ﷺ يُرسل مناديه في الليلة الباردة والمطيرة لينادي قائلًا: "صلوا في رحالكم" وما ذكرنا مثل البرد والمطر؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، وكل ذلك لرفع الضَّرر عن المسلمين.
(^١٣٤) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخصٍ يُطيل إمامه الصلاة إطالة لا يُمكنه مواصلة الصلاة معه، ولا يمكنه الذهاب إلى مسجد آخر، وكذا: إن كان إمامه يختصر الصلاة ويُسرع بها سرعة لا يُمكنه معها اللَّحاق به، أو إكمال أركانها وواجباتها أو بعض مسنوناتها؛ للسنة التقريرية، حيث إن رجلًا قد ترك الصلاة مع معاذ، فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك: قال: إن معاذًا يُطيل الصلاة، فأنكر النبي ﷺ على معاذ ذلك، ولم يُنكر على ذلك الرَّجل تركه له، مما يدل على جواز ترك الإمام المطيل للصلاة، والمسرع في صلاته كالمطيل؛ لعدم الفارق بجامع: دفع المشقة، وهو المقصد من هذا الحكم، وهذا من باب: "مفهوم الموافقة".
(^١٣٥) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخص يرجو العفو عنه بسبب حق من حقوق الآدميين كأن يكون عليه قصاص وقود أو عليه دية، أو عليه حد القذف، بخلاف من عليه حد من حدود الله كحد الخمر أو الزنا ونحوهما: فلا =
[ ١ / ٦٥٦ ]
بحسبه، (^١٣٦) وإذا طرأ بعض الأعذار في الصلاة: أتمها خفيفة إن أمكن وإلا: خرج منها، قاله في "المبدع" قال: "والمأموم يُفارق إمامه أو يخرج منها" (^١٣٧).
تسقط عنه الجمعة من أجل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن حقوق الآدميين تدخله المصالحة والمفاوضة، ويمكن إسقاطه بسبب ذلك، فتكون هناك مصلحة في غياب هذا الشخص المطالب بذلك، بخلاف حقوق الله فلا تدخلها المفاوضة والمصالحة، فهي واجبة عليه سواء صلى مع الجماعة أو لا.
(^١٣٦) مسألة: لا تسقط الجمعة والجماعة عن شخص توجد في طريقه منكرات كشرب خمور، أو المتاجر بها، أو بالمخدرات، أو طرب، أو غناء، بل يذهب إلى المسجد وإذا رأى شيئًا من ذلك: فإنه يُنكره على حسب قدرته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" وهو واضح الدلالة، وفيه مصلحة نشر السنة، وقمع البدعة والضلالة.
(^١٣٧) مسألة: إذا دخل في صلاة الجمعة أو الجماعة ثم طرأ عليه عذر الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة مما سبق ذكره كمرض، أو حصر بول أو غائط أو جوع، أو خوف أو برد أو حر أو نحو ذلك مما سبق في مسائل (١٢٩ إلى ١٣٥): فإنه يُتمها خفيفة إن قدر، أو يقطعها، ويصليها منفردًا لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن الرجل الذي قطع صلاته معاذ، وصلى لوحده: لم يُنكر عليه ﷺ ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفاسدُ مقدَّم على جلب المصالح.
هذه آخر مسائل باب "صلاة الجماعة وأحكام الإمام والمأموم والاقتداء والأعذار … " ويليه باب "صلاة أهل الأعذار وقصر الصلاة وجمعها، وصلاة الخوف"
[ ١ / ٦٥٧ ]