سُمِّيت بذلك؛ لجمعها الخلق الكثير، ويومها أفضل أيام الأسبوع (^١)، وصلاة الجمعة مستقلة، (^٢) وأفضل من الظهر، (^٣) وفرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء الوقت: لم تصح، (^٤) وتؤخر فائتة؛ لخوف
باب صلاة الجمعة
وفيه مائة وأربع مسائل:
(^١) مسألة: أفضل أيام الأسبوع هو: يوم الجمعة، وهو من خصائص هذه الأمة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة" وقد ألَّف السيوطي كتابًا خاصًا بها سمَّاه: "اللمعة في خصائص يوم الجمعة"، فإن قلتَ: لمَ سميت بذلك الاسم؟ قلتُ: لاجتماع الخلق فيه، وفيه اجتمع آدم وحواء، وهو معظَّم عند العرب قبل الإسلام، ويُسمُّونه "يوم العروبة".
(^٢) مسألة: صلاة الجمعة صلاة مستقلَّة؛ فليست هي مبدلة عن صلاة الظهر؛ للتلازم؛ حيث إن صلاة الجمعة يمكن أن تصلى قبل الزوال، ولا يجوز جمعها مع العصر بخلاف الظهر، ولا تجزئ أن يصليها من لم تجب عليه الجمعة كالمرأة بنية أنها الظهر، ويلزم من وجود تلك الفروق: أنها صلاة مستقلة عن الظهر.
(^٣) مسألة صلاة الجمعة أفضل من صلاة الظهر ممن لا تجب عليهم الجمعة كالمرأة والعبد والمسافر والمريض؛ للتلازم؛ حيث يلزم مما ورد فيها من الترغيب والفضل أن تكون أفضل من الظهر.
(^٤) مسألة: إذا وجد وقت صلاة الجمعة: فلا تصلى الظهر: فلو صلى أهل بلد صلاة الظهر قبل خروج وقت صلاة الجمعة: فلا تصح صلاتهم؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تصح صلاة العصر في وقت الظهر، فكذلك لا تصح الظهر في =
[ ٢ / ٣ ]
فوتها، (^٥) والظهر بدل عنها إذا فاتت (^٦) (تلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعًا؛ لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال (حر)؛ لأن العبد محبوس على سيده (مكلف مسلم)؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة، فلا تجب على مجنون، ولا صبي؛ لما روى طارق بن شهاب مرفوعًا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة، أو صبي أو مريض "رواه أبو داود (مستوطن ببناء) معتاد، ولو كان فراسخ من حجر أو قصب ونحوه لا يرتحل منه شتاء ولا صيفًا (اسمه) أي: البناء (واحد ولو تفرَّق) البناء؛ حيث شمله اسم واحد كما تقدم (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجًا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبًا، (^٧)
وقت الجمعة، والجامع: أن كلًا منهما له وقت معيَّن قد خوطب به، فلا يُترك: إلا بعذر.
(^٥) مسألة: إذا حضرت صلاة الجمعة وعليه صلاة فائتة -كالفجر مثلًا-: فإنه يصلي الجمعة الحاضرة، ثم يصلي الفائتة؛ للتلازم؛ حيث إن صلاة الجمعة لا تُدرك إذا فاتت، وغيرها من الفرائض يمكن تداركها فيلزم تقديم الجمعة التي لا تدرك إلا مع الجماعة، وهذا من باب الاحتياط في الدين وهذا هو المقصد منه.
(^٦) مسألة: صلاة الظهر تكون بدلًا عن صلاة الجمعة بشرط: فوات صلاة الجمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم قضاء صلاة الجمعة إذا فاتت: أن يكون لها بدل، وهو صلاة الظهر؛ رخصة من الله تعالى في حق من فاتته، وهذا هو المقصد منه.
(^٧) مسألة: صلاة الجمعة فرض عين على كل قادر قد توفرت فيه شروط سبعة: أولها: أن يكون ذكرًا، فلا تجب على امرأة، ثانيها: أن يكون حُرًّا، فلا تجب على رقيق ولا مُبعَّض، ثالثها: أن يكون بالغًا: فلا تجب على صبي، =
[ ٢ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رابعها أن يكون عاقلًا، فلا تجب على مجنون خامسها: أن يكون مسلمًا، فلا تجب على كافر حال كفره، سادسها: أن يكون مستوطنًا ومقيمًا ببناء معتاد معروف كإسمنت أو طين أو خشب يطلق عليه اسم واحد من أسماء البلاد، ولو تباعدت البنايات بعضها عن بعض، فلا تجب على قوم يتنقَّلون دائمًا، أو مسافرين ونحو ذلك، سابعها: أن لا يكون بينه وبين الجامع أكثر من فرسخ تقريبًا، وهو يُقدَّر بثلاثة أميال، ومسيرة ساعة ونصف في المشي على القدم للرجل المتوسط في سيره، وهو ما يُعادل (٥، ٤) كم تقريبًا، وهذا الشرط في حق من هو خارج البلد ومقيم في بيت شعر أو مزرعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" حيث إن هذا دلَّ بمنطوقه على وجوبها على المسلم، ومفهوم الصفة دل على عدم وجوبها على الكافر، ودلَّ مفهوم الصفة أيضًا على إثبات وجوبها على الحر، والذكر، والبالغ والقادر؛ حيث نفى وجوبها على أضداد هؤلاء الأربعة؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وهذا لزم منه الشرط الأول والثاني والثالث والخامس؛ ثانيها: قوله: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق … " حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل مكلَّف بالشرع، ومنها: صلاة الجمعة وهذا لزم منه الشرط الرابع، ثالثها: قوله: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" ومن كان بينه وبين الجامع ثلاثة أميال - (٥، ٤) كم يُمكنه أن يأوي إلى أهله بعد صلاته الجمعة قبل الليل وهذا لزم منه الشرط السابع، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يصلي الجمعة أثناء سفره، بل صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في عرفة مع وجود العدد =
[ ٢ / ٥ ]
فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها، ولا تنعقد به ولم يجز أن يؤمَّ فيها، (^٨) وأما من كان
الكافي لصلاة الجمعة، وهذا لزم منه الشرط السادس، فإن قلتَ: لمَ وجبت الجمعة بتلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها مشعر من مشاعر إظهار الإسلام، وتذكير المسلمين بالأوامر والنواهي الشرعية، وقد اشترطت "الذكورية": لكون المرأة عورة تثير الفتنة، فليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، واشترطت "الحرية"؛ لكون العبد قد اشتراه سيده لخدمته، فلو وجبت عليه الجمعة لتضرر السيد، واشترط "التكليف"؛ لكون الصبي والمجنون ليسا من أهل التكليف أصلًا؛ لعدم إدراكهما وفهمهما للنية والمقصود من التكليف، واشترط "الإسلام"؛ لكون الكافر غير مخاطب بفروع الإسلام حال كفره، ولو فعلها: لا تصح منه، وذكرت هذا في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام" واشترط "الاستيطان والإقامة"؛ لكون المسافر منشغل بسفره، فيشق عليه ذلك، واشترط: "عدم بعد المسافة أكثر من فرسخ"؛ لكون الذي يبعد سكنه أكثر من ذلك يشق عليه الحضور إلى المسجد الجامع، ولا يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل الليل غالبًا لمن كان يمشي على قدميه وهذا في الغالب.
(^٨) مسألة: إن حضر من كان بينه وبين الجامع أكثر من فرسخ - (٥، ٤) كم-: فإن الجمعة تجب عليه، وتنعقد به فيُكمِّل لهم أربعين رجلًا -شرط صحة الجمعة- وتصح إمامته لهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حضوره: وجوبها عليه، ويلزم من وجوبها عليه: صحتها منه، ويلزم من صحتها: انعقادها به، وصحة إمامته فيها؛ لأنه من أهلها، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا حضرها انتفت المشقة التي أُسقطت عنه من أجلها فوجبت بسبب حضوره فيكون من أهلها، فإن قلتَ: تجب عليه إذا حضرها، لكن لا تنعقد به ولا تصح إمامته فيها -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه ليس من أهلها: عدم =
[ ٢ / ٦ ]
في البلد: فيجب عليه السعي إليها: قَرُب أو بَعُد: سمع النداء أو لم يسمعه؛ لأن البلد كالشيء الواحد (^٩) (ولم تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير، وكما لا تلزمه بنفسه: لا تلزمه بغيره، فإن كان عاصيًا بسفره، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة، أو أقام ما يمنع القصر، أو لم ينو استيطانًا: لزمته بغيره (ولا) تجب الجمعة على (عبد) ومُبعَّض وامرأة؛ لما تقدَّم، (^١٠) ولا خُنثى؛ لأنه لا يُعلم كونه
انعقادها به وعدم صحة إمامته إن حضر قلتُ: لا يُسلَّم هذا، بل يلزم من حضوره لها: أن يكون من أهل وجوبها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^٩) مسألة: تجب الجمعة على جميع ساكني البلد الواحد الذي يشمله اسم واحد: سواء كان قريبًا كفرسخ فأقل، أو بعيدًا كأكثر من الفرسخ، وسواء سُمع النداء، أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقامتهم ببلدٍ اسمه واحد: وجوبها عليهم مطلقًا؛ لتوفر شرط الجمعة "السادس" في مسألة (٧).
(^١٠) مسألة: تسقط الجمعة عن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة -وهو السفر المباح الذي تبلغ مسافته (٨٢) كم- أما إن سافر سفر معصية؛ أو سافر سفرًا مسافته أقل من (٨٢) كم أو سافر ثم أقام إقامة تمنع القصر كأن يقيم ببلد أكثر من أربعة أيام، أو تزوج ببلد غير بلده، أو أقام ببلد ولم ينو استيطانه فإن الجمعة لا تسقط عنه؛ لقواعد الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فلو سقطت الجمعة عن المسافر سفر معصية: لكان ذلك فيه تعاون على الإثم والعدوان، والله قد نهى عنه، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان قد صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا =
[ ٢ / ٧ ]
رجلًا (^١١) (ومن حضرها منهم: أجزأته)؛ لأن إسقاطها عنهم تخفيف (^١٢) (ولم
في يوم عرفة وهو موافق ليوم جمعة، ولم يصل الجمعة مع أنه معه العدد الكافي، لها؛ الثالثة: الإجماع؛ حيث إن الصحابة كانوا يسافرون في أيام الجمع، فلا يصلونها، بل يصلون الظهر، الرابعة: القياس، بيانه: كما أن المقيم تلزمه الجمعة فكذلك من سافر مسافة تبلغ أقل من مسافة قصر -وهي (٨٢) كم- وكذلك من نوى الإقامة فوجد أربعة أيام، وكذلك من أقام ولكنه لم ينو الاستيطان تلزمهم الجمعة، والجامع: عدم وجود مشقة، فإن قلتَ: لمَ سقطت الجمعة عن المسافر؟ قلتُ: لأن الشخص لو أُصيب بمرض أو خوف ونحوهما مما يخصُّ نفسه تسقط عنه الجمعة، فكذلك تسقط عنه بسبب خارج عنه كالسفر ونحوه، وذلك لدفع المشقة، تنبيه: قوله: "ولا تجب على عبد ومبعَّض وإمرأة" الخ قد سبق بيانه في مسألة (٧).
(^١١) مسألة: تسقط الجمعة عن الخنثى المشكل -وهو: ما له آلة ذكر وأنثى-؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يُحتمل أن يكون ذكرًا، ويُحتمل أن يكون أنثى، ونظرًا لهذا الاحتمال تسقط عنه الجمعة؛ لأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
(^١٢) مسألة: إذا حضر المسافر والعبد والمرأة والخنثى صلاة الجمعة: فإنه تُجزئهم عن صلاة الظهر؛ للقياس، بيانه: كما أن الجمعة تسقط عن المريض، ولكن لو حضرها: لأجزأته عن صلاة الظهر، فكذلك هؤلاء الأربعة تسقط عنهم الجمعة، لكن لو حضروها: لأجزأتهم عن الظهر، والجامع؛ أن كلًا منهم قد أُسقطت صلاة الجمعة عنهم؛ تخفيفًا ودفعًا للمشقة عنهم، فإذا حضروها أجزأتهم عن الظهر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: وجوب صلاة الجمعة على كل أحد، وقد أسقط الشارع الجمعة عن بعض الناس، لدفع المشقة، ولحماية المسلم، لكن إن حضرها: صحَّت منهم.
[ ٢ / ٨ ]
تنعقد به)؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما صحَّت منه تبعًا (ولم يصح أن يؤم فيها)؛ لئلا يصير التابع متبوعًا (^١٣) (ومن سقطت عنه لعذر) كمرض وخوف إذا حضرها: (وجبت عليه وانعقدت به) وجاز أن يؤم فيها؛ لأن سقوطها لمشقة السعي وقد زالت (^١٤) (ومن صلى الظهر) وهو (ممن) يجب (عليه حضور الجمعة قبل
(^١٣) مسألة: إذا حضر المسافر أو العبد الجمعة: فإنها تنعقد به، ويُكمِّل كل واحد منهما الأربعين شرط صحة الجمعة، وتصح إمامة كل واحد منهما فيها، أما إن حضرت المرأة أو الخنثى الجمعة فلا تنعقد بهما الجمعة، فلا يُكملان العدد المشترط لها -وهو: أربعون- ولا تصح إمامتهما لها مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حضور المسافر أو العبد: وجوبها عليه، ويلزم من وجوبها عليه: صحتها منه، ويلزم من صحتها: انعقادها به وصحة إمامته فيها، ويلزم من كون المرأة عورة تثير الفتنة، واحتمال الخنثى أنثى: عدم انعقاد الجمعة بهما، وعدم صحة إمامتهما لها، فإن قلتَ: لا تنعقد الجمعة بالأربعة جميعًا، ولا تصح إمامتهم -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم: حيث يلزم من كونهم ليسوا من أهلها: عدم انعقادها بهم، وعدم صحة إمامتهم لها؛ لأنه سيكون التابع متبوعًا وهذا خلاف الأصل، قلتُ: هذا لا يُسلَّم في المسافر والعبد؛ لأن الأصل: وجوبها عليهما ولكن خُفَّف عنهما: دفعًا للمشقة عن المسافر، وعن سيد العبد، لكن إذا حضرا صارا من أهل وجوبها ومن كان من أهل وجوبها: تنعقد به الجمعة وتصح إمامته كغيره، بخلاف المرأة والخنثى، فالمصلحة هي التي أخرجتهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^١٤) مسألة: إذا سقطت صلاة الجمعة عن شخص لعذر مرض أو خوف -أو غيرهما من الأعذار المسقطة لصلاة الجمعة كما سبق بيانها- ثم تحمَّل المشقة وحضرها: فإنها تجب عليه، وتنعقد به -أي: يُحسبُ من الأربعين- وتصح =
[ ٢ / ٩ ]
صلاة الإمام) أي: قبل أن تقام الجمعة أو مع الشكِّ فيه: (لم تصح) ظهره؛ لأنه صلى ما لم يُخاطب به، وترك ما خوطب به، (^١٥) وإذا ظنَّ أنه يدرك الجمعة: سعى إليها؛ لأنها فرضه، وإلا: انتظر حتى يتيقَّن أنهم صلُّوا الجمعة فيُصلِّي الظهر الظهر (^١٦) (وتصح) الظهر (ممن لا تجب عليه) الجمعة لمرض ونحوه، ولو زال عذره قبل تجميع الإمام (^١٧)
إمامته فيها؛ للتلازم؛ وقد بيناه في مسألة (١٣) فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: وجوبها على كل أحد، ولكن الشارع أسقطها عن المعذور؛ نظرًا لمشقة السعي إليها، فلزم من زوال هذا لعذر: وجوبها وصحة انعقادها وصحة الإمامة.
(^١٥) مسألة: إذا كان مَنْ تلزمه الجمعة قد صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، أو صلى وهو شاك هل صلى الإمام أو لا؟: فإن صلاته الظهر لا تصح؛ للقياس، بيانه: كما أن من صلى العصر مكان الظهر لا تصح صلاته فكذلك هذا مثله والجامع: إن كلًا منهما قد صلى صلاة لم يُخاطب بها، وترك صلاة قد خوطب بها، فيكون غير معذور بتركها، وهذا هو المقصد منه.
(^١٦) مسألة: إذا غلب على ظن مَنْ تلزمه الجمعة: أنه سيدرك الجمعة إذا سعى إليها: فيجب عليه ذلك، وإن شك في ذلك، أو غلب على ظنه أنه سيجد مشقة في ذلك فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من صلاته للجمعة: ثم يصلي الظهر وتصح منه؛ للتلازم؛ حيث إن فرض من تلزمه الجمعة السعي إليها إن غلب على ظنه، إدراكها، ويلزم من شكه في ذلك: عدم المشقة على نفسه في ذلك والصلاة ظهرًا؛ حماية له.
(^١٧) مسألة: إذا سقطت الجمعة عن شخص لعذر مرض أو خوف ونحوهما، ثم صلَّى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فصلاته الظهر صحيحة: سواء زال عذره، قبل صلاة الإمام الجمعة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن البعيد من موضع الجمعة إذا =
[ ٢ / ١٠ ]
إلا الصبي إذا بلغ (^١٨) (والأفضل) تأخير الظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة، (^١٩) وحضورها لمن اختلف في وجوبها عليه كعبد أفضل، (^٢٠) ونُدب تصدُّق بدينار أو
صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة: تصح صلاته وإن وصل البلد قبل صلاة الإمام للجمعة، فكذلك الأمر هنا والجامع: أن كلًا منهما لم يُخاطب بالجمعة، وفعل ماله فعله، وهو تيسير من الشارع، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^١٨) مسألة: إذا صلى الصبي الظهر، ثم بلغ قبل أن يصلي الإمام الجمعة: فتجب عليه صلاة الجمعة مع الإمام، أما إن بلغ بعد صلاة الإمام للجمعة: فتكفيه صلاته الظهر، ولا يُعيدها؛ للتلازم؛ حيث إن بلوغه قبل صلاة الإمام للجمعة: يلزم منه وجوبها عليه سواء صلى الظهر أو لم يصل، ويلزم من بلوغه بعد صلاة الإمام الجمعة: الاكتفاء بصلاة الظهر؛ لأنه فعل ماله فعله شرعًا.
(^١٩) مسألة: الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة لعذر مرض أو رق ونحوهما: أن يُصلِّي الظهر بعد ما يفرغ الإمام من صلاة الجمعة؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل زوال ذلك العذر، فيصلي الجمعة مع الإمام فيشارك الناس صلاتهم.
(^٢٠) مسألة: الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة لعذر: أن يحضرها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حضور اجتماع المسلمين، وتكثيرهم، وتحصيل أجر السعي إليها، [فرع]: العلماء اختلفوا في وجوب الجمعة على العبد، فذهب كثير من العلماء إلى وجوبها عليه وهو رواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ وهذا عام؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم فيشمل العبد وغيره قلتُ: إن هذا العموم مخصَّص بالسنة القولية وهي قوله ﵇ "الجمعة حق على كل مسلم: إلا عبد مملوك" فنفى الوجوب عن العبد هنا؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وهو من صيغ التخصيص المتصلة، فيكون محبوسًا على سيِّده أشبه المحبوس بالدَّين الذي تسقط الزكاة لأجله فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض =
[ ٢ / ١١ ]
نصفه لتاركها بلا عذر (^٢١) (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال) حتى يصلي (^٢٢) إن لم يخف فوات رفقته، (^٢٣) وقبل الزوال: يكره إن لم يأت بها في طريقه (^٢٤) فصل: (يُشترط لصحتها) أي: صحة الجمعة أربعة (شروط ليس
الكتاب مع السنة"، فعندنا: أن عموم الآية قد خُصِّص بالسنة، وعندهم: لا.
(^٢١) مسألة: إذا ترك مَنْ تلزمه الجمعة صلاة الجمعة بلا عذر: فإنه يستغفر الله تعالى للاستصحاب: حيث لم يرد فيه شيء، فنعمل على الأصل، فإن قلتَ: يُستحب أن يتصدَّق بدينار أو نصفه وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من ترك الجمعة من غير عذر فيتصدَّق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" قلتُ: هذا الحديث ضعيف عند كثير من أئمة الحديث فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع الاستصحاب" فنعمل بالاستصحاب؛ إذ لا يوجد ما يغيِّر الأصل، لكون الحديث الوارد فيه ضعيفًا، وعندهم: يعمل بالسنة لثبوتها عندهم.
(^٢٢) مسألة: يحرم على من لزمته الجمعة السفر بعد زوال شمس يومها، أي: بعد أذان الجمعة الثاني، فإذا صلى مع الإمام يسافر؛ للقياس؛ بيانه: كما يحرم البيع والتجارة بعد النداء الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فكذلك يحرم السفر بعد النداء الثاني، والجامع: منع الاشتغال عن الصلاة بشيء، لأنها مظهر من مظاهر المسلمين، فينبغي أن يُشاركهم، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٣) مسألة: إذا خاف من تلزمه الجمعة من فوات رفقته في السفر: فإنه يسافر معهم مطلقًا: سواء بعد الزوال أو قبله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفاظ للمسلم عن السفر وحده فيتعرض للخطر، وهذه المصلحة قد خصَّصت عموم الآية السابقة في مسألة (٢٢)، والتي وقع القياس عليها.
(^٢٤) مسألة: يكره أن يسافر من تلزمه الجمعة في يومها قبل زوال الشمس إذا لم يغلب على ظنه أنه سيُصلِّيها في طريقه، أما إن غلب على ظنه ذلك: فإنه لا =
[ ٢ / ١٢ ]
منها إذن الإمام)؛ لأن "عليًا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوَّبه عثمان" رواه البخاري بمعناه (^٢٥) (أحدها) أي: أحد الشروط: (الوقت)؛ لأنها صلاة مفروضة فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات، فلا تصح قبل الوقت ولا بعده إجماعًا، قاله في "المبدع" (وأوله أول وقت صلاة العيد)؛ لقول عبد الله بن سيدان: "شهدتُ الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني وأحمد، واحتج به قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم يُنكر (وآخرها: آخر وقت صلاة الظهر) بلا خلاف، قاله في "المبدع"، وفعلها بعد الزوال أفضل (^٢٦) (فإن
يكُره: للمصلحة؛ حيث إن سفره يتسبَّب في حرمانه من الاجتماع مع الناس، والمشاركة معهم في إظهار الإسلام.
(^٢٥) مسألة: لا يُشترط لصحة انعقاد الجمعة: أن يأذن الإمام الأعظم أو نائبه، فلو صلى الناس بدون إذنه: لصحت صلاتهم جمعة؛ للإجماع السكوتي؛ حيث إن عليًا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم يُنكر عليه أحد، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن طلب الإذن في ذلك فيه حرج وضيق ومشقة على الناس، فدفعًا لذلك: شرع.
(^٢٦) مسألة: في الأول -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن تُصلى في وقتها، وهو: وقت صلاة الظهر الذي يبدأ من بعد زوال الشمس بقليل، أي: قبل أذان الظهر بربع ساعة، وينتهي بكون ظل الشيء مثله -كما سبق في وقت صلاة الظهر في مسألة (٦) من باب "شروط الصلاة" ويُستحب تعجيلها كصلاة الظهر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال أنس =
[ ٢ / ١٣ ]
خرج وقتها قبل التحريمة) أي: قبل أن يُكبِّروا للإحرام بالجمعة: (صلوا ظهرًا) قال في "الشرح": "لا نعلم فيه خلافًا" (وإلا) بأن أحرموا بها في الوقت فـ (جمعة) كسائر الصلوات تُدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت، ولا تسقط بشك في خروج
﵁: "كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس" وقال سلمة بن الأكوع ﵁ "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس" ولفظ "كان" من صيغ العموم، فتفيد الاستمرار والدوام الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الجمعة هو وقت الظهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وقت الظهر معروف عند أكثر المسلمين ابتداءً وانتهاءً فيكون ذلك أيسر لمعرفة وقت صلاة الجمعة وأحصر لهم وأكثر دقة في تنظيم يوم الجمعة وتعجيلها أفضل لتحصيل فضل الصلاة في أول وقتها، فإن قلتَ: إن أول وقت للجمعة هو: أول وقت صلاة العيد وهو: بعد ارتفاع الشمس قدر رمح -وهو: بعد طلوع الشمس بربع ساعة- لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر وعثمان ﵁ صلوها قبل الزوال وبعده -كما رواه عبد الله بن سيدان-، وقد روي ذلك عن أبن مسعود وجابر وسعد ومعاوية ﵁ قلتُ: حديث ابن سيدان هذا ضعيف؛ حيث إن ابن سيدان هذا لا يُتابع على حديثه كما قال البخاري، وضعفه النووي في "المجموع"، وعلى فرض صحته: فإنه لا يُحتج به؛ لأنه قد خالف السنة الفعلية كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع السنة الفعلية"، فعندنا: يُعمل بالسنة الفعلية فقط دون تخصيصها بشيء؛ لأن فعل الصحابي هنا ضعيف، وعندهم: يعمل بفعل الصحابي.
[ ٢ / ١٤ ]
الوقت، فإن بقي من الوقت قدر الخطبة والتحريمة: لزمهم فعلها، وإلا: لم تجز، (^٢٧) الشرط (الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها) -وتقدم بيانهم- الخطبة والصلاة، قال أحمد: "بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جُمعت بالمدينة" وقال جابر: "مضت السنة: أن في كل أربعين فما فوق جمعة وإضحى وفطر" رواه الدارقطني، وفيه ضعف قاله في "المبدع"، (^٢٨) الشرط (الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين) بها
(^٢٧) مسألة: إذا غلب على ظنهم أن الباقي من الوقت يكفي للخطبتين، وقدر تكبيرة الإحرام للصلاة أو شكوا في بقاء ذلك: فإنهم يصلون جمعة، أما إن غلب على ظنهم أن الوقت لا يكفي للخطبتين: فإنهم يصلون ظهرًا؛ لقواعد: الأولى: القياس، بيانه: كما أن سائر الصلوات تدرك بتكبيرة الإحرام فكذلك الجمعة تدرك بالخطبتين وتكبيرة الإحرام، والجامع: أن كلًا منهما شرط لصحة الصلاة وركن من أركانها، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء وقت صلاة الجمعة، فلا يزول هذا الأصل بالشك فتصلى جمعة، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من غلبة الظن في شيء العمل عليه؛ لأن العمل بالغالب واجب كالعمل بالمقطوع به.
(^٢٨) مسألة: في الثاني -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن يحضر الخطبة وصلاة الجمعة أربعون ممن تلزمهم الجمعة -وهم من توفرت فيهم الشروط السبعة التي في مسألة (٧) -؛ للسنة التقريرية؛ وهي من وجوه: أولها: أنه ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فلما جاءت تجارة خرج بعض الحاضرين معه من المسجد، وبقي معه أربعون رجلًا وأكمل خطبته، ثانيها: أن أسعد بن زرارة قد صلى بالناس الجمعة بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ إليها وكان عددهم أربعين، ثالثها: أن مصعب بن عمير قد صلي بالناس الجمعة بالمدينة، وكان عددهم =
[ ٢ / ١٥ ]
مبنية بما جرت العادة، فلا تتم من مكانين متقاربين، ولا تصح من أهل الخيام، وبيوت الشعر ونحوهم؛ لأن ذلك لم يُقصد للاستيطان غالبًا، وكانت قبائل العرب حوله ﷺ ولم يأمرهم بها، (^٢٩) وتصح بقرية خراب عزموا على
أربعين، فلو لم يكن هذا العدد مشترطًا لما أقرهم عليه، فيلزم اشتراطه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ويبعد عدم علم النبي ﷺ بذلك؛ لكونه من العبادات، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا العدد يحصل فيه الغرض الذي من أجله شرعت الجمعة وهي: حضور الاجتماع، وإظهار الإسلام، فإن قلتَ: إن العدد المشترط: هو اثنا عشر رجلًا من أهل وجوبها؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن عدد الذين بقوا معه ﷺ في المسجد -لما جاءت العير والتجارة- اثنا عشر رجلًا، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، قلتُ: إنه صح عند البيهقي والدارقطني أن الباقين: أربعون، وعلى فرض أن الباقين إثنا عشر: فإنه يُحتمل أن الذين خرجوا قد عادوا، ويُحتمل أنه دخل غيرهم، فحضروا أركان الخطبة والصلاة، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل: بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين التقريريتين" وأيضًا "الخلاف في عدد الباقين بعد خروج من خرج لما رأوا التجارة من مسجده ﷺ" فعندنا: أربعون، تنبيه: حديث جابر الذي ذكره المصنف ضعيف لا يُحتج بمثله كما قال البيهقي.
(^٢٩) مسألة: في الثالث -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن يكون من تلزمهم الجمعة قد أقاموا واستوطنوا بلدًا لا يرحلون منه صيفًا ولا شتاء، وهو الذي يُبنى من طين أو حجر أو إسمنت أو سعف، ونحو ذلك مما جرت العادة الاستيطان بمثله، وبناء عليه: فلو اجتمع أربعون من بلدين متقاربين، أو من أهل خيام وبيوت شعر: فلا جمعة عليهم؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه كان =
[ ٢ / ١٦ ]
إصلاحها والإقامة بها (^٣٠) (وتصح) إقامتها (فيما قارب البنيان من الصحراء)؛ لأن "أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة" أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي: "حسن الإسناد صحيح" قال الخطابي: "حرة بني بياضة على ميل من المدينة"، (^٣١) وإذا رأى الإمام وحده العدد فنقص: لم يجز أن يؤمهم، ولزمه استخلاف أحدهم، وبالعكس لا تلزم واحدًا منهم (^٣٢) (فإن نقصوا) عن الأربعين
يوجد حول المدينة أقوام يسكنون بيوت شعر، وكانوا لا يحضرون صلاة الجمعة معه ﷺ ولم يُنكر عليهم ذلك، مما يدل على سقوطها عنهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو أيضًا لم يأمرهم بها، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المستوطن ببلد واحد لا يشقُّ عليه السعي إلى الجمعة، بخلاف من لم يقصد الاستيطان: فيشِقُّ ذلك؛ فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٣٠) مسألة: إذا عزم أربعون رجلًا ممن تلزمهم الجمعة أن يُقيموا بقرية متهدِّمة بعد إصلاحها: فإن صلاة الجمعة تصح منهم فيها؛ للتلازم؛ حيث إن عزمهم الإقامة بتلك القرية التي قاموا بإصلاحها: يلزم منه الاستيطان بها، وتصح الجمعة من المستوطنين.
(^٣١) مسألة: لا تُشترط إقامة صلاة الجمعة داخل بنيان البلد، بل تصح في الصحراء القريبة من البنيان؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أسعد بن زرارة أقام الجمعة في مكان يبعد عن المدينة المنورة بميل تقريبًا في زمن النبي ﷺ وهو يُقدَّر (٥، ١ كم تقريبًا)، فإن قلتَ: لمَ صحَّت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على المسلمين.
(^٣٢) مسألة: إذا كان مذهب الإمام: أن حضور أربعين شرط لصحتها -فلما رأى المأمومين وجدهم لا يبلغون الأربعين: فلا يجوز له أن يؤمهم، بل يُنيب عنه منهم من يؤمهم إذا كان هذا النائب لا يشترط حضور الأربعين، ويصلي =
[ ٢ / ١٧ ]
(قبل إتمامها): لم يُتموها جمعة؛ لفقد شرطها (واستأنفوا ظهرًا) (^٣٣) إن لم تمكن إعادتها جمعة، (^٣٤) وإن بقي معه العدد بعد انفضاض بعضهم، ولو ممن لم يسمع الخطبة ولحقوا بهم قبل نقصهم: أتموا جمعة (^٣٥) (ومن) أحرم في الوقت و(أدرك مع الإمام منها) أي من الجمعة (ركعة: أتَّمها جمعة)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" رواه الأثرم (وإن أدرك أقل من ذلك) بأن رفع الإمام رأسه من الثانية، ثم دخل معه: (أتمها ظهرًا)؛ لمفهوم ما سبق (إذا كان نوى الظهر) ودخل وقته: لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، وإلا: أتمها
الإمام صلاة الظهر، وكذلك إذا رأى واحد من المأمومين هذا الشرط: لا يصلي جمعة معهم، بل يصلي ظهرًا وإن كان منفردًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط حضور الأربعين: عدم صحة الجمعة ممن يرى هذا الشرط.
(^٣٣) مسألة: إذا حضر الأربعون رجلًا، ثم شرع الإمام في الخطبة أو الصلاة، ثم خرج واحدًا أو أكثر قبل تمام الخطبة، أو الصلاة: فإنها تبطل، فيقطعها الإمام إن علم ذلك، ويستأنف ويصلي ظهرًا بمن بقي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نقصان العدد المشترط: عدم صحتها جمعة.
(^٣٤) مسألة: إن خرج بعض الأربعين، ثم بقي وقت الجمعة يُمكن فيه إعادتها بعد استكمال شروط صحة انعقادها: فإنه تجب إعادتها جمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بقاء وقتها، واستكمال شروط صحة انعقادها، وجوب أدائها فيه؛ لكونها فرضه.
(^٣٥) مسألة: إن خرج بعض الأربعين، ثم عادوا، أو دخل المسجد غيرهم، ولحقوا قبل خروج الأولين ونقصهم بهذا الخروج: فإن الإمام يُتم بهم الجمعة، ولو كان هؤلاء اللاحقون لم يسمعوا الخطبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الأربعين: صحة الجمعة؛ نظرًا لتوفر شرطها.
[ ٢ / ١٨ ]
نفلًا، (^٣٦) ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود: لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله، فإن لم يُمكنه: فإذا زال الزحام، (^٣٧) وإن أحرم، ثم زحم وأخرج
(^٣٦) مسألة: إذا دخل شخص الجامع وكبَّر تكبيرة الإحرام قبل أن يرفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية من صلاة الجمعة: فإنه يكون مُدركًا لصلاة الجمعة، وإن لم يسمع الخطبة، وعليه أن يأتي بركعة ثانية فقط بعد سلام الإمام، أما إن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية قبل أن يدركه ذلك الداخل: فإنه يدخل معه ويُتمها ظهرًا أربع ركعات إذا نوى الظهر قبل الدخول مع الإمام إذا كان الوقت وقت الظهر -إذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال- فإن لم يدخل وقت صلاة الظهر: أتمها نافلة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" ومن أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يرفع الإمام من الركوع فقد أدرك الركعة والجمعة، هذا منطوقه، ودل مفهوم الشرط على أن من أدرك أقل من ركعة: فإنه لا يُدرك الجمعة، ويلزم منه أن يصلي ظهرًا؛ لكونه هو الواجب عليه بعد فوات الجمعة، ثانيهما: قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" حيث دلَّ على عدم صحة عمل إلا بنية، فيلزم هذا الداخل الذي لم يُدرك الركعة الثانية: أن ينوي أنه سيُصلِّي ظهرًا، وإن لم ينو ذلك لا تصح صلاته؛ لأن النية شرط لصحة العمل، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم دخول وقت صلاة الظهر: أن تكون الصلاة التي صلاها مع الإمام -ولم يدرك بها الركعة الثانية- نافلة؛ لعدم موافقتها لوقت صلاة الظهر.
(^٣٧) مسألة: إذا لم يستطع المأموم في صلاة الجمعة السجود على الأرض بسبب زحام شديد: فيجب عليه السجود ولو على ظهر مسلم، أو رجله، فإن لم يستطع: صبر حتى يزول الزحام، ثم يسجد على الأرض، ثم يلحق بإمامه إن استطاع ذلك قبل فوات السجدة الثانية، وإن لم يستطع حاول أقصى جهده =
[ ٢ / ١٩ ]
عن الصف فصلى فدًّا: لم تصح، وإن أخرج في الثانية: نوى مفارقته وأتمَّها جمعة، (^٣٨) الشرط الرابع: تقدُّم خطبتين وأشار إليه بقوله: (ويُشترط تقدُّم خطبتين)؛
متابعة إمامه ويتمها جمعة، فإن لم يُتابعه -وهو قادر عالم-: بطلت جمعته، ويصليها بعد ذلك ظهرًا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، وهذا الشخص قد فعل أقصى ما يستطيعه للحوق بالإمام، فيشمله ذلك، ويجب عليه؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وما لا يستطيعه يسقط عنه؛ لأن الشرط والركن والواجب تسقط بالعجز عنها، ولذلك تبطل صلاته إذا ترك عمدًا شيئًا يستطيعه، وهذا من لطف الله تعالى على عباده، وهو المقصد الشرعي منه.
(^٣٨) مسألة: إذا اضطر المأموم في صلاة الجمعة للخروج من الصف؛ لوجود زحام: فإنه يُتابع إمامه ويُتمها معه جمعة ولو كان منفردًا: سواء كان في الركعة الأولى أو الثانية، أما إن لم يتمكَّن من متابعة إمامه في ركوع ولا سجود: فصلاته لا تصح مطلقًا: سواء في الركعة الأولى أو الثانية؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا لم يستطيع إلا أن يصلي منفردًا خلف الصف؛ لوجود الزحام، فتصح صلاته؛ لعذره، ثانيهما: قوله ﷺ: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" وعدم القدرة على متابعة المأموم للإمام تستلزم الاختلاف عليه، وهو منهي عنه نهيًا مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي الفساد، وهو فساد العمل، وعليه فلا تصح صلاته؛ لعدم المتابعة، فإن قلتَ: إن وقف خلف الصف منفردًا في الركعة الأولى: لم تصح صلاته الجمعة، وإن وقف خلف الصف منفردًا في الركعة الثانية: فإنه تصح بشرط: أن ينوي مفارقة إمامه لعذر الزحام: قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التفريق بهذا الاعتبار، بل التفريق يكون من حيث المتابعة وعدمها.
[ ٢ / ٢٠ ]
لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو: الخطبة، ولقول ابن عمر ﵃ "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس" متفق عليه (^٣٩) وهما بدل ركعتين لا من الظهر (^٤٠) (ومن شرط صحتهما: حمد الله) بلفظ: "الحمد لله"؛ لقوله
(^٣٩) مسألة: في الرابع -من شروط صحة انعقاد الجمعة-: أن يتقدَّم صلاة الجمعة خطبتان، فإن لم يتقدَّمها شيء، أو تقدمها خطبة واحدة، أو تأخرتا عن الصلاة: فلا تصح صلاة الجمعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ و"الذكر" هو: الخطبة والصلاة -كما نقله القرطبي في تفسيره عن سعيد بن جبير- الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يواظب على تقديم خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس، ثم يصلي الجمعة"، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يخطبون بخطبتين ويقدِّمونهما على صلاة الجمعة، ولم ينكر ذلك بقية الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من أهم المقاصد الشرعية لصلاة الجمعة هو: الاجتماع لسماع المواعظ وتذكير الناس بالأوامر والنواهي، وهذا لا يحصل إلا بخطبة، ولولا ذلك: لما استفاد الناس من التجمُّع لها، ولكانت كغيرها من الصلوات.
(^٤٠) مسألة: شرعت خطبتا الجمعة بدلًا عن ركعتين، وليستا بدلًا عن ركعتين من الظهر؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الجمعة لو كانت أربع ركعات مع تقديم خطبتين: للحق بعض المسلمين مشقة وضيق بسبب طول البقاء في المسجد، وهو على طهارة وحالة واحدة من التحفُّز والاستعداد لأي طارئ، وهو منقطع عن أهله وماله، فدفعًا لذلك: نُقصِّت ركعتان منها؛ تخفيفًا تنبيه: قد سبق بيان أن صلاة الجمعة صلاة مُستقلَّة، وليست بدلًا عن صلاة الظهر وذلك في مسألة (٢) تنبيه آخر: شروط صحة انعقاد الجمعة أربعة فقط "دخول =
[ ٢ / ٢١ ]
ﷺ: "كل كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله: فهو أجذم" رواه أبو داود عن أبي هريرة (^٤١) (والصلاة على رسوله) محمد (ﷺ)؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى: افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، ويتعيَّن لفظ "الصلاة" (^٤٢) (وقراءة آية) كاملة؛ لقول جابر بن سمرة: "كان رسول الله ﷺ يقرأ آية ويُذكِّر الناس" رواه مسلم، قال أحمد: "يقرأ ما شاء" وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: لم يكف، والمذهب: لا بدَّ من قراءة آية ولو جُنبًا مع
وقتها" "وحضور أربعين" و"الاستيطان" و"تقدم خطبتين عليها" كما سبق بيانها في مسائل (٢٦ و٢٨ و٢٩ و٣٩).
(^٤١) مسألة: في الأول -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحمد الله تعالى في كل خطبة وإن تلفَّظ بذلك قائلًا: "الحمد لله" فهو أفضل؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على حمد الله والثناء عليه في خطبه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقديم الحمدلة على أي كلامٍ يجعل ذلك الكلام مباركًا مستفادًا منه تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف هنا لا يصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف في سنده ومتنه كما قال كثير من أئمة الحديث، نقله عنهم الألباني في الإرواء (١/ ١٩، ٢١، ٣٠).
(^٤٢) مسألة: في الثاني -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يُصلِّي على نبينا محمد ﷺ في كل خطبة وإن تلفظ في ذلك فهو أفضل؛ للقياس، بيانه: كما وجب ذكر الرسول مع ذكر الله في الأذان فكذلك يجب ذكر الرسول مع ذكر الله في خطبتي الجمعة والجامع: أن كلًا منهما عبادة وذكر افتقرت إلى ذكر الله فافتقرت إلى ذكر رسوله ومعنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: لا أُذكر إلا ذُكرتَ معي، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ﷺ يستحق الدُّعاء له، وتأكيد الإيمان به، والتصديق بما جاء به.
[ ٢ / ٢٢ ]
تحريمها، (^٤٣) فلو قرأ ما تضمَّن "الحمد" و"الموعظة" ثم الصلاة على النبي ﷺ: أجزأه (^٤٤) (والوصية بتقوى الله ﷿؛ لأنه المقصود، (^٤٥) قال في "المبدع": ويبدأ
(^٤٣) مسألة: في الثالث -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يقرأ آية كاملة، أو سورة تفيد المسلمين بحكم شرعي معيَّن، وذلك في كل خطبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قراءة آية، ويقرأ أحيانًا بسورة "ق"، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بركة لقارئ الآية ولسامعها، وللاستشهاد بها على ما يقوله من أوامر ونواهي، تنبيه: قوله: "ولو جُنبًا" يشير به إلى أن الخطيب يقرأ آية ولو كان عليه حدث أكبر وسيأتي بيانه في مسألة (٥٦).
(^٤٤) مسألة: لا يُشترط -في الخطبتين-: أن يتلفَّظ بالحمد لله، والموعظة، فلو عبَّر بعبارات تضمَّنت هذه الأمور، وتفهم الآخرين معناها: لأجزأ ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قرأ النبي سورة "ق" في الخطبة، الثانية: الإجماع؛ حيث إن عمر ﵁ قرأ سورة "الحج" على المنبر، ولم يخطب بغيرها، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اشتراط التعبير بألفاظ معينة يشق على كثير من الخطباء.
(^٤٥) مسألة: في الرابع -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يوصي الخطيب الحاضرين بتقوى الله بأي عبارة شاء، لكن لو تلفَّظ بقوله: "أوصيكم بتقوى الله": لكان أفضل، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على وصية الناس بذلك في خطبه، الثانية: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يفعلون ذلك بدون نكير من أحد، فإن قلتَ: لمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقوى الله إذا اتصف بها المسلم: ضمن خيري الدنيا =
[ ٢ / ٢٣ ]
بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ، ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة، ولا بدَّ في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (^٤٦) (و) يُشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشتُرط له العدد كتكبيرة الإحرام، (^٤٧) فإن نقصوا، وعادوا قبل فوت ركن منها:
والآخرة؛ لأنه لا يوصف بالتقوى إلا إذا كان ممتثلًا لأوامر الله، وتاركًا لنواهيه وهو المقصود من الخطبة، والأفضل التعبير بنفس عبارة "تقوى الله"؛ لأنها أوقع في النفوس.
(^٤٦) مسألة: تُشترط تلك الشروط الأربعة السابقة في كل واحدة من الخطبتين -الأولى والثانية- ويُستحب أن يُرتبها هكذا: الحمدلة، ثم الصلاة على النبي، ثم الوصية بتقوى الله، ثم قراءة الآية؛ للتلازم؛ حيث إنَّ لكل شيء أركانًا يقوم عليها لا يتم إلا بها، وكل خطبة لا تتم إلا بتلك الأمور الأربعة فلزمت، ولا تتم الاستفادة منها استفادة كاملة إلا بترتيبها كما قلنا؛ فلزم ذلك؛ لأن ذلك فيه إقناع الآخرين بصورة أسرع.
(^٤٧) مسألة: في الخامس -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحضر كل واحدة من الخطبتين العدد المشترط لحضور الجمعة -وهم: أربعون ممن تلزمهم الجمعة- كما سبق في مسألتي (٧ و٢٨) -وذلك لسماع الحمدلة، والصلاة على النبي، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله، فلو حضر أقلُّ من ذلك، ثم لما أُقيمت الصلاة: تم العدد أربعين: فإن صلاتهم الجمعة لا تصح، بل يُصلُّونها ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن تكبيرة الإحرام تُشترط للدخول في الصلاة، فلا تصح إلا بها، فكذلك حضور الأربعين يُشترط لكل واحدة من الخطبتين والجامع: أن كلًا منهما ذكر اشترط لشيء فلا يتم هذا الشيء إلا به، فإن قلتَ: لا يشترط هذا، بل يخطب وإن لم يحضر العدد المشترط، وهذا رواية عن أبي =
[ ٢ / ٢٤ ]
بنوا، (^٤٨) وإن كثر التفريق أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهر: استأنف مع سعة الوقت، (^٤٩) ويُشترط لهما أيضًا
حنيفة؛ للقياس، بيانه: كما أن المؤذن يؤذن ولو لم يكمل عدد الجماعة، فكذلك الخطيب مثله والجامع: أن كلًا منهما ذكر يتقدَّم الصلاة، فلا يُشترط له كمال العدد قلتُ: هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المقصود من الأذان: إعلام الغائبين بأن وقت الصلاة قد دخل، أما الخطبة فهي وعظ وإرشاد الحاضرين، فلا بدَّ من حضورهم لأجل ذلك، وهو المقصد من مشروعية الجمعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالتحريمة لكونه أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوه بالأذان؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٤٨) مسألة: إذا اجتمع أربعون -من أهل وجوبها- فاستمعوا لأول الخطبة، ثم خرج بعض منهم، ثم عاد هؤلاء الخارجون قبل أن يفوت عليهم ركن وشرط من الأربعة السابقة -وهي الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-: فإنهم يبنون على ما سبق من استماعهم وتصح الخطبة؛ للتلازم؛ حيث إنهم أدركوا شروط الخطبة وأركانها: فتلزم صحتها.
(^٤٩) مسألة: إذا كثر التفريق بين أجزاء وجُمل الخطبة، أو لم يذكر الخطيب شرطًا أو ركنًا من أركان الخطبة الأربعة -وهي: الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-، أو أحدث الخطيب فذهب وتطهر ثم رجع: فإن الخطبة قد بطلت، وتجب إعادتها بشرط: أن يكون الوقت واسعًا: يسع إعادة الخطبتين والصلاة أما إن ضاق الوقت: فإنه يصلي بهم ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كثرة التفريق بين جُمل الخطبة: عدم حصول المقصود من مشروعية الخطبة، وهو الاستفادة، وهذا يلزم منه =
[ ٢ / ٢٥ ]
الوقت، (^٥٠) وأن يكون الخطيب يصلح إمامًا فيها، (^٥١) والجهر بهما بحيث يُسمع العدد المعتبر، حيث لا مانع، (^٥٢) والنية، (^٥٣) والاستيطان للقدر
بطلان الخطبة، فلزم استئنافها.
(^٥٠) مسألة في السادس -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: وقوع الخطبتين في وقت صلاة الجمعة -وهو وقت صلاة الظهر كما سبق في مسألة (٢٦) -، فلو وقعت الخطبتان أو إحداهما قبل أو بعد هذا الوقت: فلا يصح؛ للسنة الفعلية والإجماع؛ والمصلحة وقد سبق بيانها في مسألة (٢٦).
(^٥١) مسألة: في السابع -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يكون الذي يخطب في الخطبتين صالحًا للإمامة في الصلاة -وهو: من توفرت فيه شروط مَنْ تلزمه الجمعة وهي السبعة التي ذكرت في مسألة (٧) -؛ للقياس، بيانه: كما أن تلك الشروط تُشترط فيمن يُصليها فكذلك تكون شروطًا فيمن يتولى الخطبة فيها من باب أولى، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه عدم التغيير على المأمومين؛ لئلا يضطربوا.
(^٥٢) مسألة: في الثامن -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يجهر الخطيب بالخطبتين بحيث يُسمع العدد المشترط لحضورهما -وهم الأربعون رجلًا- ولو وُجد مانع عند الحاضرين من سماع تلك الخطبة من نوم، أو غفلة، أو طرش؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على رفع صوته في خطبه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق الغرض الذي من أجله شرعت الجمعة.
(^٥٣) مسألة: في التاسع -من شروط خطبتي الجمعة- وهو: أن ينوي أنه سيُلقي خطبتي الجمعة قبل الشروع فيهما، أما إن جمع شخص أناسًا ثم خطب بهم ووعظهم بدون نية ذلك، فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة ونوى بما =
[ ٢ / ٢٦ ]
الواجب منهما، (^٥٤) والموالاة بينهما وبين الصلاة (^٥٥) (ولا يشترط لهما الطهارة)
قاله سابقًا أنهما خطبتا الجمعة أو أن الحاضرين قد استمعوا لهما على أنهما ليستا خطبتا جمعة: فإن الجمعة لا تصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" والخطبتان عمل شرعي، فيجب أن يُنويا أنهما خطبتا الجمعة، وأن الخطيب والمأمومين يتعبَّدون الله بقولهما وسماعهما، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: لتمييز الخطبتين عن غيرهما من المواعظ.
(^٥٤) مسألة: في العاشر -من شروط خطبتي الجمعة- وهو: أن يكون الخطيب مستوطنًا حال ذكره للقدر الواجب في كل خطبة، وذلك بأن يحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية في كل خطبة، وهو في حالة الاستيطان، أما لو ذكر ذلك وهو غير مستوطن، أو ذكر بعضها وهو قائم على سفينة، ثم أكملها بعد وصول السفينة إلى بلده -مثلًا-: فإن خطبته لا تصح، ويجب أن يُعيدها إن اتسع الوقت، وإن لم يتسع: يصلي ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاستيطان: عدم صحة الخطبة، لفقدان شرط من شروط صحة انعقاد الجمعة -كما سبق في مسألة (٢٩) - ويلزم من عدم صحة الخطبة: عدم صحة الصلاة فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يجعل الحاضرين يستفيدون مما يُلقى ويقال في تلك الخطبة.
(^٥٥) مسألة: في الحادي عشر -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يوالي بين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة بأن تكون الخطبة الثانية تلي الأولى مباشرةً، وتكون الصلاة تلي الخطبة الثانية مباشرةً، ولا يفصل بين ذلك إلا بجلوس خفيف جدًا بين الخطبتين أو بين الصلاة والخطبة الثانية، وهو: يُقدَّر بقدر الموالاة بين الصلاتين المجموعتين أو بقدر الوضوء، أو التيمُّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك دائمًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق المقصود من مشروعية صلاة الجمعة؛ حيث إنها عبادة =
[ ٢ / ٢٧ ]
من الحَدَثين والنجس ولو خطب بمسجد؛ لأنهما ذكر تقدم الصلاة أشبه الأذان، وتحريم لبث الجنب بالمسجد لا تعلّق له بواجب العبادة، (^٥٦) وكذلك لا يُشترط لهما
واحدة مكوَّنة من خطبتين وصلاة، فلا يجوز التفريق بين أجزائها؛ إذ لو فرق لما تحقق ذلك المقصود، تنبيه: شروط صحة خطبتي الجمعة أحد عشر شرطًا وقد سبقت في مسائل (٤١) إلى (٥٥).
(^٥٦) مسألة: لا تُشترط الطهارة لصحة خطبتي الجمعة، فلو خطب وهو على غير طهارة، أو كان ثوبه أو بدنه أو بقعته التي يخطب عليها نجسًا: فإن خطبته تصح؛ سواء كان ذلك في مسجد أو لا، وسواء كان حدثه أصغر كبول، أو أكبر كجنابة، وكذلك المستمع للخطبتين لا تشترط طهارته؛ للقياس، بيانه: كما أن الأذان يصح بدون طهارة فكذلك الخطبة مثله والجامع: أن كلًا منهما ذكر تقدَّم الصلاة، والذكر لا تشترط له الطهارة، فإن قلتَ: لمَ لا تشترط الطهارة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين؛ حيث إن بعض الخطباء، أو المأمومين لا يستطيع الاستمرار طوال الخطبتين وهو على طهارته، فدفعًا للمشقة عليه: شرع هذا، فإن قلتَ: تشترط الطهارة عن الحدث الأكبر إذا كانت الخطبة في المسجد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم اللبث والجلوس في المسجد على الجنب: تحريم الخطبة في المسجد؛ لأنه لُبث فيه قلتُ: إن الخطبة عبادة واجبة هنا، ولا تعلُّق لتحريم اللبث في المسجد بتلك العبادة، فهو يؤجر على خطبتيه، ويأثم في هذا اللبث، فيكون كمن صلى وفي جيبه ريال مسروق، فيؤجر على صلاته، ويأثم على سرقته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياس مع التلازم" فعندنا: يعمل بالقياس على عمومه، وعندهم: تُخصَّص بعض الحالات بالتلازم.
[ ٢ / ٢٨ ]
ستر العورة (^٥٧) (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة)، بل يُستحب ذلك؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين، ولا يشترط أيضًا حضور متولِّي الصلاة الخطبة، (^٥٨) ويُبطلها كلام محرم ولو يسيرًا، (^٥٩) ولا تجزئ بغير العربية مع
(^٥٧) مسألة: لا تشترط لصحة خطبتي الجمعة: ستر العورة، فلو خطب شخص أو استمع لها وعورته مكشوفة، لكن لا يراها الحاضرون: فإن خطبته صحيحة والاستماع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ستر العورة للصلاة فقط: عدم اشتراطه في غيرها، وخطبتا الجمعة ليستا بصلاة، فلا يشترط سترها، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الخطباء فقد لا يجد بعض الخطباء أو بعض المأمومين ما يستر به عورته؛ فلا يلزم بذلك، لكن يقف أمام جدار؛ لئلا يراه أحد.
(^٥٨) مسألة: لا يُشترط أن يتولَّى الخطبتين مَنْ يتولَّى الصلاة بل يستحب، فلو خطب رجل، وصلى الجمعة آخر: فإن ذلك يصح، ولا يُشترط لمن يتولَّى الصلاة أن يسمع الخطبة، فيصح أن يكون إمامًا للصلاة وهو لم يستمع الخطبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انفصال الخطبة عن الصلاة: صحة أن يتولاهما إثنان، وصحة الصلاة ممن لم يستمع للخطبة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لإظهار وحدة الخطبة والصلاة بصوت واحد، ولانتفاع جميع الناس بالخطبة.
(^٥٩) مسألة: تبطل الخطبتان بكلام محرم يوجده الخطيب بين كلمات الخطبة كالغيبة والنميمة والكذب والخيانة والتوصية بذلك، ولو كان هذا الكلام يسيرًا؛ للقياس بيانه كما أن الأذان يبطل بوجود كلام محرم بين كلماته فكذلك الخطبة مثله، والجامع أن كلًا منهما ذكر مأمور به يتنافى مع المنهي عنه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الكلام المحرم ينافي الكلام الذي شرع في الخطبة =
[ ٢ / ٢٩ ]
القدرة (^٦٠) (ومن سُننهما) أي: الخطبتين: (أن يخطب على منبر)؛ لفعله ﷺ -وهو بكسر الميم- من "النَّبر" وهو الارتفاع، واتخاذه سنة مجمع عليها قاله في "شرح مسلم"، ويصعده على تؤده إلى الدرجة التي تلي السطح (أو) يخطب على (موضع عال) إن عُدم المنبر؛ لأنه في معناه (^٦١) عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب، وإن خطب بالأرض: فعن يسارهم (^٦٢) (و) أن (يُسلَّم على المأمومين إذا أقبل عليهم)؛ لقول
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنواعهما.
(^٦٠) مسألة: تجب أن تُلقى الخطبة باللغة العربية، ولا تصح بغيرها مع القدرة عليها، أما إن عجز عن العربية، ولا يوجد غيره يصلح لذلك فإنها تصح بغيرها؛ للقياس، بيانه: كما أن قراءة الفاتحة لا تجزئ بغير العربية للقادر عليها، وينوب عنها غيرها عند عدم القدرة فكذلك الخطبة مثلها والجامع: أن كلًا منهما شرط لصحة الصلاة، ويسقط الشرط بالعجز عنه، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن اللغة العربية أفصح اللغات، وأقلها ألفاظًا وأكثرها معان، ونزل الشرع بها، فإن قلتَ: لمَ تجزئ بغير العربية عند العجز عنها؟ قلتُ: لأن المقصود هو الوعظ والإرشاد والنصيحة، وهذا يتحقَّق بغير العربية.
(^٦١) مسألة: يُستحب أن يخطب في الجمعة على موضع مرتفع قليلًا عن الأرض: من منبر ونحوه ويصعده برفق وهدوء حتى يصل إلى مكان الاستراحة له؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ ستُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المأمومين من رؤية الخطيب، وهذا يجعلهم يرون حركاته، وإشاراته، وهذا أبلغ في التأثير، تنبيه: قال النووي في شرح مسلم (٦/ ٢) عند شرحه للسنة الفعلية هنا: "وهو سنة مجمع عليها".
(^٦٢) مسألة: يُستحب أن يقف الخطيب عن يمين من يصلي في المحراب وهو مستقبل القبلة سواء كان يخطب على المنبر أو على الأرض؛ للسنة الفعلية؛ =
[ ٢ / ٣٠ ]
جابر: "كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر: سلَّم" رواه ابن ماجه ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير ﵁ ورواه النجاد عن عثمان كسلامه مع من عنده في خروجه (^٦٣) (ثم) يُسن أن (يجلس إلى فراغ الأذان): لقول ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب" رواه أبو داود (^٦٤) (و) أن (يجلس بين الخطبتين)؛ لحديث ابن عمر
حيث كان ﷺ يفعل ذلك في خطبه، ولا فرق بين أن يخطب على المنبر أو على الأرض في المكان بجامع: التبرُّك في اتخاذ اليمين؛ لكونه ﷺ يُحب التيامن في شأنه كله، فإن قلتَ: إنه إذا وقف على الأرض فإنه يقف عن يسار من وقف بالمحراب وهو مستقبل القبلة، وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التفريق، ولا سببه.
(^٦٣) مسألة: يُستحب للخطيب أن يسلم على الحاضرين في المسجد إذا دخله، وإذا رقى المنبر وجَّه وجهه إليهم وسلَّم عليهم قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان أبو بكر وعمر وعثمان ﵁ وغيرهم يفعلون ذلك، الثالثة: القياس، بيانه: كما يُستحب أن يُسلِّم على مَنْ دخل عليهم في أي مكان فكذلك الخطيب في الجمعة يُستحب له ذلك والجامع: اطمئنان القلوب في كل، فالسلام الأول شُرِع لدخوله عليهم، والسلام الثاني شُرِع؛ لأنه استقبلهم بعد استدبارهم، وهو: المقصد الشرعي من ذلك.
(^٦٤) مسألة: يُستحب للخطيب أن يجلس على المنبر حتى يفرغ المؤذن من آذانه الثاني؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحُب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان للناس بقرب بدء الخطيب بخطبته، وفيه راحة للخطيب من مشقة المشي وصعود المنبر.
[ ٢ / ٣١ ]
السابق (^٦٥) (و) أن (يخطب قائمًا)؛ لما تقدَّم (^٦٦) (ويعتمد على سيف أو قوس أو عصى)؛ "لفعله ﷺ" رواه أبو داود عن الحكم بن حزن، وفيه إشارة إلى أن هذا الدِّين فُتِح به، قال في "الفروع": ويتوجَّه باليُسرى، والأخرى بحرف المنبر، فإن لم يعتمد: أمسك يمينه، بشماله أو أرسلهما (^٦٧) (و) أن (يقصد تلقاء وجهه)؛ لفعله، ﷺ، ولأن التفاته إلى أحد جانبيه إعراض عن الآخر، وإن استدبرهم: كُره، (^٦٨)
(^٦٥) مسألة: يُستحب أن يجلس الخطيب بين الخطبة الأولى والثانية جلسة خفيفة تقدر بقراءة سورة "الإخلاص"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه راحة للخطيب من طول القيام والكلام، وفيه راحة للمستمع من طول التركيز.
(^٦٦) مسألة: يُستحب أن يكون الخطيب قائمًا أثناء الخطبة، فإن خطب وهو قاعد فلا بأس، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يخطب وهو قائم -كما رواه جابر بن سمرة وابن عمر ﵃- فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قيامه يؤثر في المستمعين أكثر مما لو كان جالسًا.
(^٦٧) مسألة: يُستحب أن يُمسك الخطيب بيده اليُسرى عصى أو قوسًا ويُمسك بيده اليمنى طرف المنبر، فإن لم يمسك بشيء، أو جعل اليمني على اليسرى أو بالعكس، أو أطلقهما: فلا بأس؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يتوكأ على عصى أو قوس في خطبه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة له على الوقوف تنبيه: لم يثبت عنه ﷺ أنه اعتمد على سيف قاله ابن القيم، تنبيه آخر: قوله: "وفيه إشارة إلى أن هذا الدِّين فُتح به" قلتُ: هذا لا يُسلِّم، بل إن الإسلام قد انتشر بسبب اقتناع الناس بما جاء بالكتاب والسنة وتطبيق الخلفاء الأربعة لهما خير تطبيق.
(^٦٨) مسألة: يُستحب أن يتوجه الخطيب أثناء الخطبة أمام وجهه، بدون أن يلتفت =
[ ٢ / ٣٢ ]
وينحرفون إليه إذا خطب، لفعل الصحابة، ذكره في "المبدع"، (^٦٩) (و) أن (يُقصِّر الخطبَة)؛ لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مِئنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة"، (^٧٠) وأن تكون الثانية أقصر، ورفع صوته قدر إمكانه (^٧١) (و) أن (يدعو للمسلمين)؛ لأنه مسنون في غير الخطبة
يمنة أو يسرة، ويُكره استدبارهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع مفسدة تخصيص جهة دون جهة وفيه إعراض عن بعض الناس بالاتجاه إليها، ودفع مفسدة الإعراض عن الناس باستدبارهم.
(^٦٩) مسألة: يُستحب أن ينظر الحاضرون إلى الخطيب أثناء خطبته؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان الصحابة يفعلون ذلك فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن نظرهم إليه أبلغ في تأثرهم بالخطبة.
(^٧٠) مسألة: يُستحب أن يُقصِّر الخطيب خطبته ويوجزها بكلمات وألفاظ قليلة وبمعان ومقاصد كثيرة من غير إخلال بشروطها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب مدحه لمقصِّر الخطبة بأنه فقيه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرَّة طول الوقوف للخطيب، وطول الجلوس للمستمعين، وعدم انقطاع الحاضرين عن حوائجهم.
(^٧١) مسألة: يُستحب أن يجعل الخطيب الخطبة الثانية أقصر من الأولى؛ للمصلحة؛ حيث إن الخطيب والمستمعين يكونون أقل نشاطًا في الثانية من الأولى، فمن باب دفع المفسدة مراعاة ذلك. تنبيه: قوله: "ورفع صوته قدر إمكانه" قد سبق بيانه في مسألة (٥٢).
[ ٢ / ٣٣ ]
ففيها أولى، (^٧٢) ويُباح الدعاء لمعيَّن، (^٧٣) وأن يخطب من صحيفة، (^٧٤) قال في "المبدع": وينزل مسرعًا، (^٧٥) وإذا غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة: جاز اتِّباعهم نصًا، وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة ويعيدها ظهرًا (^٧٦) فصل:
(^٧٢) مسألة: يُستحب أن يدعو الخطيب لعامة المسلمين ويخص: أولي الأمر منهم من العلماء والسلاطين العاملين بالشرع؛ للقياس الأولى، بيانه: كما أن الدعاء بذلك مستحب في كل وقت فيكون مُستحبًا في الخطبة من باب أولى؛ لأن فيه ساعة مستجابة لعله يوافقها.
(^٧٣) مسألة: يُباح الدعاء في الخطبة لشخص معيَّن باسمه إذا شهد أكثر الناس بأنه خدم الإسلام والمسلمين؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا موسى الأشعري قد دعا لعمر بن الخطاب ﵁ في خطبته، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنبيه للآخرين بالاقتداء به، ولبيان منزلة من يخدم الإسلام والمسلمين.
(^٧٤) مسألة: يُباح أن يخطب الخطيب من صحيفة ينظر إليها، ويقرأها أمام الناس، للقياس، بيانه: كما يُباح أن يقرأ القرآن في الصلاة وهو ينظر في المصحف فكذلك يُباح هنا والجامع: النظر في صحيفة، وذكر ما كتب فيها من مواعظ، وهذا هو المقصد من هذا.
(^٧٥) مسألة: يُستحب أن ينزل الخطيب من المنبر مسرعًا إذا فرغ من خطبته لأداء الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز الفصل بين الخطبة والصلاة أن ينزل مسرعًا لتحقيق ذلك.
(^٧٦) مسألة: إذا غلب الفجَّار والفسَّاق على بلد كالخوارج والمنافقين الذين يلهثون وراء السلاطين؛ طمعًا في الولايات والمناصب، وأقام هؤلاء صلاة الجمعة: فإن يُباح أن يصلي الصالحون خلف هؤلاء الفسَّاق، ولا يعيدونها ظهرًا؛ لفعل =
[ ٢ / ٣٤ ]
(و) صلاة (الجمعة ركعتان) إجماعًا حكاه ابن المنذر (يُسنُّ: أن يقرأ جهرًا)؛ لفعله ﷺ (في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة (وفي) الركعة (الثانية بالمنافقين)؛ لأنه "ﷺ ان يقرأ بهما" رواه مسلم عن ابن عباس ﵁، وأن يقرأ في فجرها في الأولى بـ ﴿ألم﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾؛ لأنه "ﷺ كان يقرأ بهما" متفق عليه من حديث أبي هريرة (^٧٧) (وتحرم إقامتها) أي: إقامة الجمعة وكذا: العيد (في أكثر من
الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كابن عمر ﵁ قد صلوا خلف بعض الفجار، ولم يرو عنهم أنهم يُعيدون ذلك ظهرًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع لكلمة المسلمين، واتحاد صفوفهم فإن قلتَ: إن الصالحين يعيدون الصلاة التي صلوها خلف الفُسَّاق ظهرًا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^٧٧) مسألة: صلاة الجمعة ركعتان فقط، يُفعل ويُقال فيهما كما يُفعل ويُقال في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويُستحب أن يقرأ جهرًا في الركعة الأولى بسورة "الجمعة" وفي الثانية بسورة "المنافقين" وذلك بعد الفاتحة، ويُستحب أن يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة "السجدة" في الركعة الأولى، ويقرأ في الثانية بسورة "الإنسان" ويُستحب أن لا يداوم على قراءة ذلك في الجمعة، ولا في فجر يومها، فيقرأ بما شاء غيرهما كسورة "الأعلى" و"الغاشية"؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة ركعتان؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ جهرًا في الجمعة وفي فجر يومها بما سبق ذكره من السور، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنه لو داوم على قراءة ذلك في كل جمعة: لظن بعض عوام المسلمين أنه لا تجزئ القراءة إلا بذلك، فإن قلتَ: لمَ كانت الجمعة ركعتين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف على الناس -كما سبق ذكره- فإن قلتَ: لمَ استُحبت قراءة ذلك؟ قلتُ: لأنَّ في =
[ ٢ / ٣٥ ]
موضع بالبلد)، لأنه ﷺ وأصحابه لم يُقيموها في أكثر من موضع واحد (إلا لحاجة) كسعة البلد، وتباعد أقطاره، أو بعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنة فيجوز التعدُّد بحسبها فقط؛ لأنها تُفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا ذكره في "المبدع" (^٧٨) (فإن فعلوا) أي: صلُّوها في موضعين أو أكثر بلا حاجة: (فالصحيحة: ما باشرها الإمام، أو أذن فيها) ولو تأخرت، وسواء قلنا إذنه شرط أو لا، إذ في تصحيح غيرها: إفتيات عليه وتفويت الجمعته (فإن استويا في إذن أو عدمه: فالثانية باطلة)؛ لأن الاستغناء حصل بالأولى فأنيط الحكم بها، ويُعتبر السبق
سورة الجمعة تبشير المؤمنين، وفي سورة المنافقين توبيخ لمن فعل كفعلهم، وفي سورة "السجدة" و"الإنسان" ذكر للموت، وخلق آدم وحشر العباد، وفي ذلك تذكير لمن يصلي بما كان وما سيكون، فيقوى بذلك إيمانه.
(^٧٨) مسألة: تحرم إقامة صلاة الجمعة والعيد في أكثر من موضع من بلد واحد بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة لذلك مثل كثرة سكان، أو ضيق مكان، أو بُعْد بعض أحياء البلد عن بعض، أو الخوف من حصول فتنة وحرب إذا اجتمعوا: فإنه يُباح أن يصلوا في موضعين أو أكثر على حسب الحاجة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية، حيث كان ﷺ يقيمها في موضع واحد، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث كان الصحابة يقيمونها في موضع واحد، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن دفع المضرة يقتضي إقامتها في أكثر من موضع، فإن قلتَ: إنه في آخر عهد النبي ﷺ كثر الناس، وكذا في عهد الصحابة ومع ذلك كانوا يجتمعون في مسجد رسول الله ﷺ قلتُ: إن كثرة الناس في عهد النبي ﷺ أو الصحابة ﵃ لم تبلغ درجة حاجتهم إلى إقامتها في موضع آخر، ثم إن الصحابة كانوا يحرصون على الصلاة مع النبي ﷺ، والتابعون كانوا يحرصون على الصلاة مع الصحابة؛ للاستفادة من مخالطتهم ومشاركتهم الصلاة.
[ ٢ / ٣٦ ]
بالإحرام (وإن وقعتا معًا) ولا مزية لإحداهما: بطلتا؛ لأنه لا يُمكن تصحيحهما ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعة: فعلوا وإلا: صلوها ظهرًا (أو جُهلت الأولى) منهما: (بطلتا) ويصلون ظهرًا؛ لاحتمال سبق إحداهما فتصح ولا تعاد، وكذا: لو أقيمت في المصر جُمُعات، وجهل كيف وقعت، (^٧٩) وإذا وافق العيد
(^٧٩) مسألة: إذا صلى بعض أهل البلد صلاة الجمعة في موضع، وصلى بعضهم الآخر في موضع آخر من غير حاجة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: أنه إذا صلى الإمام أو نائبه في إحداهما أو حصل الإذن في إحداهما: فهي الصحيحة، وتكون الأخرى باطلة، ويصلونها ظهرًا: سواء تقدَّمت التي صلاها معهم الإمام أو تأخرت، وسواء اشترط إذن الإمام أو لا، للمصلحة؛ حيث إنه يلزم من تصحيح الجمعة التي لم يحضرها الإمام أو نائبه أو لم يأذن فيها: تفويت جمعته، وجمعة من صلى معهم، وهذا فيه تقليل من هيبة السلطان، وتفريق للكلمة، وسرور للكفار، فدفعًا لذلك: شرع هذا، ثانيًا: إذا تساوت الجمعتان في إذن الإمام بهما، أو عدم الإذن: فإن الجمعة التي صُلِّيت متقدمة هي الصحيحة، والمتأخرة هي: الباطلة، فإذا كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام في الجمعة الأولى قبل الثانية: تكون بذلك متقدِّمة؛ للتلازم؛ حيث إن الجمعة الأولى وقعت بشروطها، ولم يزاحمها ما يُبطلها، ولا سبقها ما يُغني عنها: فيلزم من ذلك صحتها، ويلزم من صحتها: بطلان الثانية؛ لكونها سُبقت بما يغني عنها، ولكونها تُسبِّب الفتنة بين المسلمين ثالثًا: إذا تساوت الجمعتان في الإذن، أو عدمه، والوقت: فإن الجمعتين تبطلان، وعليهم جميعًا الاجتماع لصلاة الجمعة في موضع واحد إن لم يخرج وقتها، وإن خرج: فعليهم أن يصلوا ظهرًا؛ للسبر والتقسيم؛ حيث إنه لا يمكن أن تكونا صحيحتين معًا؛ لالتباس الصحيحة بالباطلة، ولا يمكن أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى باطلة؛ لأنه ليست إحداهما بأولى من الأخرى فلم يبق إلا بطلانهما معًا؛ لأن ذلك أخف المفاسد =
[ ٢ / ٣٧ ]
يوم الجمعة: سقطت عن من حضره مع الإمام كمريض، دون الإمام، فإن اجتمع معه العدد المعتبر: أقامها وإلا: صلى ظهرًا وكذا: العيد بها إذا عزموا على فعلها: سقط (^٨٠) (وأقلُّ السنة) الراتبة (بعد الجمعة: ركعتان)؛ لأنه "ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵃ (وأكثرها: ست) ركعات:
فيقال به، رابعًا: إذا كانت إحداهما صليت قبل الأخرى، ولكن لا نعلم أيهما المتقدِّمة: فإنهما يبطلان، ولا تُعاد الجمعة هنا، وكذلك: يكون الحكم فيما لو تعدَّدت الجمعات في بلد واحد وجُهل وقتها؛ للتلازم؛ حيث إن إحداهما باطلة بيقين، ولكن لا يعلم عينها، فيلزم من ذلك: بطلان الجمعتين معًا؛ لعدم تميز إحداهما على الأخرى بشيء.
(^٨٠) مسألة: إذا وافق يوم العيد في يوم جمعة: فإن من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، وكذلك من عزم على صلاة الجمعة: فإن العيد يسقط عنه، بخلاف الإمام فيهما: فلا يسقط عنه منهما شيء، وإذا حضر في وقت الجمعة ولم يجد أربعين رجلًا -وهو شرط صحة انعقاد الجمعة-: فإنه يُصلِّي بالحاضرين ظهرًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: من شاء أن يُجمع فليجمع فإنا مجمعون" -لما وافق العيد يوم الجمعة- فلزم من هذا: أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد، الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن المريض تسقط عنه صلاة الجمعة ويصلي ظهرًا لكن إن حضر الجمعة أجزأته عن الظهر، فكذلك من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، ثانيهما: كما أن من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، فكذلك من عزم على صلاة الجمعة يسقط عنه العيد، والجامع: أن كلًا منهما صلاة تشرع لها الجماعة فتجزئ إحداهما عن الأخرى، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط انعقاد الجمعة وهم الأربعون: عدم صحتها جمعة، ويلزم من عدم صحتها: أن تصلى ظهرًا.
[ ٢ / ٣٨ ]
لقول ابن عمر ﵃: "كان النبي ﷺ يفعله" رواه أبو داود، ويصليها مكانه بخلاف سائر السنن ففي بيته، (^٨١) ويُسن فصل بين فرض وسنة بكلام، أو انتقال من موضعه، (^٨٢) ولا سنة لها قبلها، أي: راتبة قال عبد الله: رأيتُ أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعتين (^٨٣) (ويُسن أن يغتسل) لها في يومها؛ لخبر عائشة: "لو أنكم
(^٨١) مسألة: للجمعة سنة راتبة تكون بعدها، أقلُّها ركعتان، وأكثرها: ست ركعات، والأفضل في صلاة هذه الراتبة أن تكون في البيت؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وهذا عام في جميع السنن: في الجمعة وغيرها؛ لأن لفظ "بيته" مفرد منكر أُضيف إلى معرفة وهو الضمير وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي بعدها ركعتين إلى ست، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للابتعاد عن الرياء والسُّمعة، فإن قلتَ: إنه يصلِّي راتبة الجمعة في مكانه في المسجد -وهو ما ذكره المصنف هنا- قلتُ: لم أجد دليلًا يُخصِّص راتبة الجمعة عن غيرها من عموم الحديث السابق.
(^٨٢) مسألة: إذا أراد أن يُصلِّي راتبة الجمعة في المسجد الجامع: فإنه يُستحب أن يفصل بين صلاته الفرض، وهذه السنة بمكان أو كلام؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن توصل صلاة بصلاة حتى يُفصل بينهما بقيام أو كلام، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة توهم أنه لا زال في الفرض.
(^٨٣) مسألة: لا تُشرع سنة راتبة قبل صلاة الجمعة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يخرج من بيته ويصعد المنبر، ويؤذن بلال ﵁، فإذا فرغ أخذ النبي ﷺ بالخطبة، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسيرُ وتوسعة، فإن قلتَ: إن بعض الصحابة، وبعض السلف كأحمد كانوا يصلون =
[ ٢ / ٣٩ ]
تطهرتم ليومكم هذا" وعن جماع، وعند مضي أفضل (وتقدم) وفيه نظر (^٨٤) (و) يسن (تنظُّف وتطيب)؛ لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج، فلا يُفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم -أي: خطب الإمام- إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (و) أن (يلبس أحسن ثيابه)؛ لوروده في بعض الألفاظ، وأفضلها البياض، ويعتم ويرتدي (^٨٥) (و) أن (يُبكِّر إليها
قبل صلاة الجمعة عددًا من الركعات قلتُ: لعلَّ هذا كان من باب السنن المطلقة، وليس من الرواتب، ثم لا يصحُّ شيء مما يفعله بعض الناس -مهما كان- إذا لم يأت به الشارع، ولم يؤيده.
(^٨٤) مسألة: يُستحب أن يغتسل المسلم في يوم الجمعة، والأفضل: أن يكون هذا قبيل مضيه وذهابه إلى الصلاة مباشرة، وأن يكون هذا الغسل بعد جماعه لامرأته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا"، وقال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وقال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة ثم راح … "، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الاغتسال قبل الذهاب إلى الصلاة مباشرة أبلغ في عدم إيذاء الآخرين في رائحته حتى قال الإمام مالك: "إن الغسل لا يجزئ إلا أن يتعقَّبه الرواح لها" تنبيه: قوله: "وتقدَّم" يقصد أنه أشار إلى غسل الجمعة في كتاب الطهارة عند قوله: "وإن استعمل في طهارة مستحبَّة كتجديد وضوء وغسل جمعة"، وقول البهوتي: "وفيه نظر" يقصد: أنه لا يُسلِّم بأن ذكر ذلك قد تقدَّم، قلتُ: هذا غير صحيح، بل تقدَّم كما قال الماتن، وقد بينته في مسألة (٢٠) من مسائل: حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها".
(^٨٥) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف ويتطيَّب المسلم قبل ذهابه إلى صلاة الجمعة بأن =
[ ٢ / ٤٠ ]
ماشيًا)؛ لقوله ﷺ: "ومشى ولم يركب" ويكون بسكينة ووقار بعد طلوع الفجر الثاني (و) أن (يدنو من الإمام) مستقبل القبلة؛ لقوله ﷺ: "من غسل واغتسل، وبكَّرَ وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ: كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل: صيامها وقيامها" رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده ثقات، ويشتغل بالصلاة والذكر والقراءة (^٨٦) (و) أن (يقرأ سورة الكهف في
يزيل كل شعر وظفر يتسبَّب في تجمع الأوساخ والأقذار، وأن يلبس أحسن ما عنده من الثياب، ويحرص على البيض منها، وأن يضع على رأسه شيئًا من عمامة أو طاقية، أو غترة أو شماغ، وأن يلبس ملحفة أو رداء، أو جبَّة أو عباءة ونحو ذلك مما يجعل باطنة وظاهرة نظيفًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد حثَّ على التنظف والتطيب في يوم الجمعة، وحث على لبس أحسن الثياب، وبين أن خير الثياب هو: البياض، الثانية: المصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه زينة وتجمُّل، وهذا يُناسب هذا الاجتماع، ولا يشمُّ أحدٌ منه إلا رائحة طيبة، وهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإن قلتَ: لمَ كانت أحسن الثياب هي البيضاء؟ قلتُ: للدلالة على أن القلوب سالمة من الحقد والحسد والخيانة.
(^٨٦) مسألة: يُستحب أن يذهب إلى صلاة الجمعة مبكِّرًا قدر ما يستطيع، وأن يذهب إليها ماشيًا على قدميه، وأن يكون متأنيًا في مشيته، ولا يلتفت، ولا يكثر العبث، ويغض البصر، ويخفض الصوت، وأن يتصف بالهيبة، وهذه هي: "السكينة والوقار" وأن يبدأ بالمشي إليها بعد صلاته الفجر بقليل، وأن يجلس قريبًا من من الإمام مستقبل القبلة، وأن يشتغل أثناء جلوسه بالنوافل من الصلوات والذكر والقراءة للقرآن ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد قال: "من غسل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من =
[ ٢ / ٤١ ]
يومها)؛ لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (^٨٧) (و) أن (يُكثر الدعاء)؛ رجاء أن يصادف ساعة الإجابة (و) أن يكثر (الصلاة على النبي ﷺ)؛ لقوله ﷺ: "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة" رواه أبو داود، وغيره، وكذا ليلتها (^٨٨) (ولا
الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة: أجر سنة عمل: صيامها وقيامها … " وقال: "إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة" وقال: "من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة" والمراد: من جاء في الجزء الأول من النهار، الثانية: المصلحة؛ حيث إن جلوسه وهو مستقبل القبلة يكون متوجهًا إلى أشرف الجهات، واشتغاله بالقراءة والذكر والصلاة فيه تحصيل للأجر، بدل أن يُضيع الوقت في الكلام أو النظر إلى الداخلين وفي دنوه من الإمام الاستفادة من الخطبة أكثر من البعيد.
(^٨٧) مسألة: يُستحب أن يقرأ سورة "الكهف" في يوم الجمعة: سواء في أوله، أو في وسطه أو في آخره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" وهذا عام فيشمل جميع أجزاء يوم الجمعة؛ لأن اسم الشرط من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه السورة قد تضمَّنت ذكر أحوال يوم القيامة، وهو قريب من يوم الجمعة في التجمُّع، وذكر قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين؛ ويأجوج ومأجوج، وأصحاب الجنتين، وموسى والخضر، وهذه القصص تزيد إيمان المؤمن، وتحذره من شياطين الجن والإنس ومن منافقي هذا الزمان.
(^٨٨) مسألة: يُستحب أن يكثر المسلم من الدعاء في يوم الجمعة بما شاء، وأن يُكثر أيضًا من الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة، وليلتها كيومها في ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن في يوم الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو =
[ ٢ / ٤٢ ]
يتخطَّى رقاب الناس)؛ لما روى أحمد: أن النبي ﷺ وهو على المنبر رأى رجلًا يتخطَّى رقاب الناس فقال له: "اجلس فقد آذيت" (إلا أن يكون) المتخطِّي (إمامًا) فلا يُكره؛ للحاجة، والحق به في "الغنية" المؤذن (أو) يكون المتخطِّي (إلى فرجة) لا يصل إليها إلا به فيتخطَّى، لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم (^٨٩) (وحرم أن يُقيم
قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" فيُكثر المسلم الدعاء، لعلَّهُ يصادف تلك الساعة، وقال: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة" وليلة الجمعة كيومها؛ إذ لا فرق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الدعاء، والصلاة على النبي من الخيرات والفضل ما لا يحصى.
(^٨٩) مسألة: يحرم على المسلم أن يتخطَّى رقاب الناس إذا دخل المسجد ويُزاحمهم بالمشي بينهم بلا حاجة، أما إن كان هناك حاجة كأن يكون الإمام لم يجد طريقًا إلى المنبر إلا بتخطي رقابهم، أو يكون مؤذنًا كذلك، أو أن يجد مسلم فرجة لا يُمكنه الوصول إليها إلا بتخطي رقابهم: فإنه يجوز تخطِّيهم؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجل رآه يتخطَّى الناس: "اجلس فقد آذيت" حيث أوجب عليه الجلوس؛ لئلا يتخطى رقاب الناس؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام الثانية: التلازم؛ حيث إن مشروعية وصول الإمام أو المؤذن إلى مقدمة المسجد ليقوما بالخطبة والآذان، ويلزم من إسقاط بعض المأمومين حقه وجلوسه في آخر الصفوف: يلزم منه جواز التخطي؛ لوجود ما هو مشروع أكثر من حرمة التخطي، وهو: الخطبة للإمام، والأذان للمؤذن، ووجود فرجة ينبغي أن تُسد ليكمل الصف، وهذا التلازم قد قيَّد مطلق الحديث السابق، فإن قلتَ: لمَ حرم التخطي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة المأمومين بتخطِّي أحد من عندهم، وإشغالهم عن الاستماع للخطبة والتفكُّر بما فيها.
[ ٢ / ٤٣ ]
غيره) ولو عبده أو ولده الكبير (فيجلس مكانه)؛ لحديث ابن عمر ﵃: "أن النبي ﷺ نهى أن يُقيم الرجل أخاه من مقعده، ويجلس فيه" متفق عليه، ولكن يقول: "افسحوا" قاله في "التلخيص" (إلا) الصغير (ومن قدَّم صاحبًا له فجلس في موضع يحفظه له)، وكذا: لو جلس لحفظه بدون إذنه، قال في "الشرح": لأن النائب يقوم باختياره، (^٩٠) لكن إن جلس في مكان الإمام، أو طريق المارَّة، أو استقبل المصلِّين في مكان ضيِّق: أقيم قاله أبو المعالي، (^٩١) وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله،
(^٩٠) مسألة: إذا دخل المسلم المسجد: فيحرم عليه أن يُقيم آخر ويجلس مكانه: سواء كان عبدًا له، أو ولد له، وسواء كان كبيرًا أو صغيرًا، ولكن يقول: "إن شئتم فتفسَّحوا"، أما إذا أرسل وكيلًا له قائلًا له: "احفظ لي مكان كذا في الجامع" فيجوز أن يُقيمه إذا دخل الجامع ويجلس مكانه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث نهى ﷺ "أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، وهذا عام لما ذكرنا لأن "أخاه" منكر مضاف إلى معرفة وهو الضمير، وهذا من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كونه وكيلًا عنه: أن يقيمه إذا حضر؛ لأنه فعله باختياره، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامة الآخرين فيه كسر لقلوبهم، ويؤدي إلى البغضاء والتنازع والعداوة، فإن قلتَ: إن الصغير يجوز أن يُقيمه الكبير من مجلسه ويجلس فيه -وهذا ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا يخصص الصغير من عموم الحديث السابق، تنبيه: قوله: "وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه" يُشير به إلى أن بعض الناس يجلس لحفظ بعض الأماكن الفاضلة، فإذا جاء شخص كبير في السن أو العلم قام لأجله، وترك له المكان، قلتُ: هذا لا يدخل في المسألة هنا؛ لأن هذا مُتبرِّع بمكانه، وتخلَّى عنه باختياره.
(^٩١) مسألة: إذا جلس شخص في مكان الإمام أو المؤذن، أو في طريق المسلمين، =
[ ٢ / ٤٤ ]
وليس لغير المؤثر سبقه (^٩٢) (وحُرِّم رفعُ مصلَّى مفروش) لأنه كالنائب عنه (ما لم تحضر الصلاة) فيرفعه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، ولا يصلي عليه (^٩٣) (فإن قام من
أو كان متجهًا بوجهه إلى المصلِّين مُستدبرًا للقبلة في مكان ضيق: فيجوز أن يُقام ويُبعد عن هذا المكان؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن هؤلاء فشرع.
(^٩٢) مسألة: إذا كان زيد في مكان فاضل في الجامع: فيُكره أن يؤثر غيره به بأن يقوم عنه، ويجلس عمرًا فيه، لكن إن قام عنه زيد، وأعطاه عمرًا: فيجوز أن يقبله عمرو بلا كراهة، ولا يجوز لبكر أن يسبق عمرًا ويجلس فيه؛ للتلازم؛ حيث إن إيثار زيد غيره بمكانه يلزم منه: أن زيدًا يرغب عن المكان الفاضل، وهذا فيه حرمان نفسه من الخير، ولكن عمرو قبل من زيد ذلك بلا كراهة، لكون زيدًا قد تبرِّع به فيلزم قبوله؛ لأن فيه فضلًا، والفضل لا يُردُّ، ويلزم من سبق بكر إلى المكان الذي تبرَّع به زيد لعمرو: أن يكون بكر قد أخذ حقًا ليس له، وهذا محرَّم.
(^٩٣) مسألة: إذا وضع شخص مُصلَّى كالسجَّادة مثلًا في مكان فاضل في الجامع وتركها، وخرج: فيجوز لغيره من المصلِّين رفعها، وجعلها جانبًا والجلوس في مكانها: سواء حضرت الصلاة أو لا، لقاعدتين؛ الأولى: المصلحة؛ حيث إنه لو لم يجز رفع ذلك والجلوس في مكانها لأرسل أكثر الناس مصلياتهم في الصباح الباكر وجعلوها في أرض الجامع، ولم يجد الداخل للجامع مكانًا يجلس فيه، فسدًا لذلك: شرع جواز رفعها، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الصلاة على تلك المصلَّيات: الإثم، وعدم صحة الصلاة؛ لأن الصلاة على الشيء المغصوب لا تصح، ويأثم المصلي عليها، لذلك تُرفع، ويجلس ويُصلَّي في مكانها، فإن قلتَ: إنه يحرم رفع تلك المصلَّيات والفرش -وهو ما ذكره المصنف =
[ ٢ / ٤٥ ]
موضع لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا: فهو أحقُّ به)؛ لقوله ﷺ: "من قام من مجلسه ثم رجع إليه قريبًا فهو أحق به" رواه مسلم، ولم يُقيِّده الأكثر بالعود قريبًا (^٩٤) (ومن دخل) المسجد (والإمام يخطب: لم يجلس) ولو كان وقت نهي (حتى يصلي
هنا-؛ للقياس، حيث إن ذلك المصلَّى المفروش كالنائب عنه فكما لا يجوز أن يُقيم النائب عنه ويجلس مكانه فكذلك المصلى هذا مثله والجامع: النيابة في كل قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشخص النائب قد شغل المكان بشخصه، بخلاف المصلَّيات فليست مشخَّصة بأحد، فقد لا يأتي صاحبها، قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة"، فعندنا: المصلحة العامة مقدمة على القياس، وعندهم: القياس مقدم.
(^٩٤) مسألة: إذا جلس مسلم في مكان في المسجد، ثم خرج بسبب عذر عارض كرعاف أو حصر بول أو نحوه ثم رجع: فإنه يكون أحق بمجلسه الأول بشرط: أن يرجع قريبًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "من قام من مجلسه ثم رجع إليه قريبًا: فهو أحقُّ به" وخُصِّص القيام بالعذر بالعادة والعرف؛ لكون المسلم لا يقوم عادة إلا لعذر أصابه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه سبق إليه مبكرًا، ولم يقم منه إلا بسبب العذر الذي طرأ عليه، فيكون أحق به، فإن قلتَ: هو أحقُّ به مطلقًا سواء عاد قريبًا أو بعيدًا وهو قول الأكثر من الحنابلة قلتُ: النص قد قيَّده بالعود قريبًا، فمفهوم الزمان منه قد دل على أنه ليس أحق به إذا عاد إليه بعد زمن بعيد من مفارقته له -وهو: الزمن الذي يزيد عن مجرَّد ذهابه للتطهر ونحوه-، فقول بعض الحنابلة ذلك مخالف لهذا المفهوم، فلا يُقبل، قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مفهوم الزمان هنا" فعندنا: هو حجة، وعندهم: لا.
[ ٢ / ٤٦ ]
ركعتين يوجز فيهما)؛ لقوله ﷺ: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين" متفق عليه، زاد مسلم: "وليتجوَّز فيهما"، فإن جلس قام فأتى بهما ما لم يطل الفصل، فتسنُّ تحية المسجد لمن دخله، غير وقت نهي (^٩٥) إلا الخطيب،
(^٩٥) مسألة: يُستحب لمن دخل المسجد في يوم الجمعة: أن يُصلِّي ركعتين تحية المسجد؛ سواء كان الإمام يخطب أو لا بشرط: أن لا يكون الوقت وقت نهي، والأفضل أن يُخفف هاتين الركعتين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليُصلِّ ركعتين وليتجوَّز فيهما" وقد صرفت السنة القولية الأخرى هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث قال ﷺ لرجل رآه يتخطَّى رقاب الناس: "اجلس فقد آذيت" فلو كانت تحية المسجد والإمام يخطب واجبة لما أمره بالجلوس بدونها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم لله تعالى؛ حيث إن المسجد بيت الله فيُستحب لمن دخله أن يُعظم صاحبه، فإن قلتَ: تكره تحية المسجد والإمام يخطب وهو قول بعض العلماء؛ للمصلحة؛ حيث إنها تُشغل المصلي عن الاستماع للخطبة، وتمنع الاستفادة الكاملة قلتُ: هذا غير مُسلَّمِ؛ لأن المسلم يعلم ويفهم ما يدور حوله وهو يُصلِّي، ثم إنه يُستحب تخفيف ذلك؛ حتى يجمع بين تعظيم الله، والاستماع للخطبة، تنبيه: قوله: "ولو كان وقت نهي" يقصد: أن تحية المسجد تصلى ولو كان الوقت وقت نهي -وهو كون الشمس في كبد السماء- قلتُ: هذا لا يصح؛ لأنه مخالف للشرط الأول من شروط صحة انعقادها وهو أن صلاة الجمعة لا تصلى إلا في وقت صلاة الظهر وهو بعد الزوال وقد سبق في مسألة (٢٦)، ثم إن هذا مخالف لحديث النهي عن صلاة التطوع في الأوقات الثلاثة المعروفة وقد سبق تفصيلها في مسائل (٦٨ و٧٠ و٧١) من باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها".
[ ٢ / ٤٧ ]
وداخله لصلاة عيد، أو بعد الشروع في إقامة، وقيِّمه، وداخل المسجد الحرام؛ لأن تحيته: الطواف (^٩٦) (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) إذا كان منه بحيث يسمعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، ولقوله ﷺ: "من قال: صه: فقد لغا، ومن لغا: فلا جمعة له" رواه أحمد (^٩٧) (إلا له) أي: للإمام، فلا يحرم
(^٩٦) مسألة: لا تُستحب تحية المسجد في حالات: أولها: عند دخول الخطيب ليُلقي خطبة الجمعة والعيد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يفعل ذلك، والترك: فعل، ثانيها: عند دخول شخص والمقيم يقيم الصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة: فلا صلاة إلا المكتوبة" فنفى أيَّ صلاة أخرى غير المفروضة، فيلزم ترك تحية المسجد، ثالثها: عند دخول قيِّم المسجد، وخادمه الذي يقوم بإصلاح ما فسد منه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يتكرَّر دخوله إليه وخروجه منه فلو شرع له أن يصلي تحية المسجد كلما دخل أو خرج: للحقه الحرج والمشقة؛ رابعها: عند دخول المسجد الحرام لمن يريد الطواف بالبيت؛ للتلازم؛ حيث إن تحية المسجد الحرام في حق من يريد أن يطوف بالكعبة هي: الطواف نفسه فيلزم عدم مشروعية تحية أخرى له، فإن قلتَ: لمَ لا تُستحب تحية المسجد في تلك الأحوال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين، ومنع من تفويت الفريضة على من صلى نافلة، ودفع لمشقة جمع التحية مع الطواف.
(^٩٧) مسألة: يحرم على المسلم الكلام أثناء إلقاء الخطيب خطبة الجمعة فمن تكلَّم: فهو آثم، وتصح جمعته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ومن قال له: صه: فقد لغا، ومن لغا: فلا جمعة له" حيث دل ذلك على نقصان أجر من تكلم ولو كان كلامه للإصلاح -كمن قال لأخيه: "أنصت" أثناء الخطبة- ثبت =
[ ٢ / ٤٨ ]
عليه الكلام (أو لمن يُكلِّمه)؛ المصلحة؛ لأنه ﷺ كلَّم سائلًا، وكلَّمه هو، (^٩٨) ويجب لتحذير ضرير وغافل عن هلكة (^٩٩) (ويجوز) الكلام (قبل الخطبة وبعدها) وإذا
هذا بدلالة الاقتضاء، حيث إن التقدير: "فلا جمعة كاملة له"، ودلَّ مفهوم الموافقة الأولى على تحريم أيِّ كلام آخر؛ حيث إنه أولى بالنهي عنه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث "إن عثمان وابن عمر ﵁ كانا ينهيان عن الكلام والإمام يخطب"، وهو نهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنَّ الاستماع للخطبة مقصد من مقاصد مشروعية الجمعة، فإذا أبيح الكلام أثناء الخطبة: لم يتحقَّق هذا المقصود؛ حيث إن المتكلم لا يستفيد ولا يجعل الآخرين يستفيدون منها، تنبيه: استدلال المصنف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ لا يصح؛ لأن المراد: وجوب الإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة، والخطبة ليست قرآنًا، ولا صلاة.
(^٩٨) مسالة: يُباح أن يتكلّم الخطيب أثناء الخطبة مع الآخرين، وأن يتكَّلموا معه بشرط: أن يكون الكلام خاصًا بمصلحة الخطبة أو الصلاة، أو عامة المسلمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خاطب عباس بن مرداس في الاستسقاء، وخاطبه وهو يخطب، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين من تنبيه بعض الحاضرين للخطيب أو إرشاد الخطيب لبعض الحاضرين، وهذه السنة الفعلية والمصلحة قد خصصتا عموم السنة القولية السابق ذكرها في مسألة (٩٧).
(^٩٩) مسألة: يجب الكلام أثناء الخطبة إذا اقتضت المصلحة ذلك كأن يرى بعض الحاضرين إنسانًا آخر في خطر: بأن يرى حوله حية أو عقربًا، أو جدارًا يريد أن يسقط أو حريقًا أو نحو ذلك فُيحذِّر منه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن الآخرين فوجب، وهذه المصلحة مخصِّصة =
[ ٢ / ٤٩ ]
سكت بين الخطبتين أو شرع في الدعاء، (^١٠٠) وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب، وتُسنُّ سِرًّا كدعاء وتأمين عليه، وحَمْده خفية إذا عطس، وردُّ سلام، وتشميت عاطس، (^١٠١) وإشارة أخرس إذا فُهمت
لعموم السنة القولية التي ذكرت في مسألة (٩٧).
(^١٠٠) مسألة: يُباح للمسلم أن يتكلم قبل أن يبدأ الخطيب خطبته، وبعد الفراغ منها، وبين الخطبتين، وأثناء دعاء الخطيب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الكلام والإمام يخطب" حيث دلَّ مفهوم الحال على أن الكلام في غير وقت الخطبة مباح، والدعاء ليس من الخطبة فيشمله عموم هذا المفهوم فأبيح الكلام أثناء دعاء الخطيب، الثانية: الإجماع؛ "حيث كان الصحابة يتحدَّثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن وقام عمر: لم يتكلَّم أحد حتى يقضي خطبته، فإذا نزل عمر تكلَّموا" -كما رواه ثعلبة بن عامر-، ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا سكوتيًا، وما بين الخطبتين مثل ذلك من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^١٠١) مسألة: يُباح أن يُصلي الحاضر للخطبة على النبي ﷺ إذا سمع ذكره من الخطيب، ويقول: "آمين" إذا دعا الخطيب، ويحمد الله إذا عطس، ويردُّ السلام على من سلَّم عليه من الحاضرين، ويُشمَّته إذا عطس كل ذلك يكون سرًا، أو يُسمع جاره فقط؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بالصلاة عليه، والتأمين عند الدعاء، وتشميت العاطس، وردِّ السلام أمرًا عامًا، فيشمل من حضر خطبة الجمعة ومن لم يحضرها؛ إذ لا يوجد مخصِّص لذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك سرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين ثواب هذه الأمور، والاستماع للخطبة، وفيه عدم إيذاء الآخرين =
[ ٢ / ٥٠ ]
ككلام، (^١٠٢) لا تسكيت مُتكلِّم بإشارة، (^١٠٣) ويكره العبّث والشرب حال الخطبة إن سمعها، وإلا: جاز، نصَّ عليه (^١٠٤).
بالتشويش عليهم إذا رفع بذلك صوته.
(^١٠٢) مسألة: يحرم أن يُشير الأخرس أثناء الخطبة إلى شخص آخر يُفهم من تلك الإشارة مقصود الأخرس؛ للقياس، بيانه: كما أن قول المتكلم لآخر محرم فكذلك إشارة الأخرس مثل ذلك والجامع: أن كلًا منهما مشغل له وللآخرين، يؤيده: أن إشارة الأخرس تقوم مقام الكلام في البيع والشراء والتأجير، ونحو ذلك من المعاملات.
(^١٠٣) مسألة: يُباح أن يشير المتكلِّم بيده إلى متكلِّم آخر أثناء الخطبة بإشارة يُفهم منها أنه يُسكِّته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الإشارة تجوز أثناء الصلاة فكذلك تجوز الإشارة أثناء الخطبة، وجواز ذلك هنا أولى، والجامع: عدم وجود الكلام الممنوع في كل، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسكيتٌ للشخص الذي أذى الحاضرين بكلامه.
(^١٠٤) مسألة: يكره العبث بتحريك يده أو رجله أو ما عليه من ثياب أو أن يشرب أثناء الخطبة إذا كان يسمعها، أما إن كان لا يسمعها: فلا بأس بذلك؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُكره مسُّ الحصى والإمام يخطب، فكذلك يكره العبث والشرب حال خطبته، والجامع أن كلًا منهما عبث يمنع الاستماع، وقد يُشغل الآخرين، وهذا هو المقصد من ذلك.
هذه آخر مسائل باب "صلاة الجمعة" ويليه باب "صلاة العيدين"
[ ٢ / ٥١ ]