سمي به؛ لأنه يعود ويتكرَّر لأوقاته، أو تفاؤلًا، وجمعه أعياد (وهي) أي: صلاة العيدين (فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وكان النبي ﷺ والخلفاء بعده يُداومون عليها (^١)
باب صلاة العيدين
وفيه تسع وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: صلاة العيدين سنة مؤكدة -كما قال الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه لما سأل الإعرابي عن فرائض الصلاة قال له ﷺ: "خمس صلوات فرضهن الله على العبد في اليوم والليلة" فقال الإعرابي: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع" حيث دل منطوقه على أن الواجب خمس صلوات فقط، وأثبت أن غيرهن نوافل؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ودل مفهوم العدد -أيضًا- على أن غير الخمس لا يجب، وصلاة العيدين ليست من الخمس فيلزم عدم وجوبها، الثانية: القياس، بيانه: كما أن صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح نوافل فكذلك صلاة العيدين مثلها والجامع: أن كلًا منها ذات ركوع وسجود وتشرع لها الجماعة بدون أذان، فإن قلتَ: لمَ استُحبت تلك الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الله قد منَّ على عباده بانقضاء شهر رمضان وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، فشُرعت شكرًا لله على ذلك وإظهارًا للفرح والسرور على ذلك، وإظهارًا للإسلام، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بهذا الاسم؟ قلتُ: لكثرة تكراره وعوده بالفرح والسرور، أو سُمِّي بذلك للتفاؤل بأن يعود عليهم؛ قياسًا على تسمية القافلة، تفاؤلًا برجوعها وقفولها بكل خير، فإن قلتَ: لمَ جعل هذا الباب بعد باب الجمعة؟ قلتُ: لاشتراكهما في أمور: منها مشروعية الاجتماع، والجهر في القراءة، ووقوعها في النهار، ومشروعية الخطبة في كل =
[ ٢ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما فإن قلتَ: لمَ قُدِّمت الخطبة على صلاة الجمعة، بخلاف صلاة العيد؛ فإن خطبتها تقع بعد الصلاة؛ قلتُ: بسبب أن صلاة الجمعة فرض عين، ويكثر وقوعها فيحتاج المسلمون إلى بيان أحكام ما وقع خلال الأسبوع، أكثر من حاجتهم لخطبة صلاة العيد، فإن قلتَ: إن صلاة العيدين فرض كفاية -إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ حيث أمر بصلاة عيد الأضحى، ثم نحر الهدي أو الأضحية، وهذا واجب؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وعيد الفطر مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية، حيث كان ﷺ يُداوم عليها الثالثة: فعل الصحابة؛ حيث داوموا عليها، قلتُ: أما الآية: فالمراد بها الصلوات المفروضة -كما نقله القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٢١٨) عن ابن عباس ﵃، وقيل: غير ذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما السنة الفعلية وقول الصحابي: فإن المداومة على الشيء لا يدل على وجوبه دائمًا: يؤيده: أنه ﷺ كان يداوم على الوتر، وهو لم يكن واجبًا، فإن قلتَ: إن صلاة العيدين فرض عين، وهو قول أكثر الحنفية وتبعهم ابن تيمية وابن القيم ومال إليه ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر النساء حتى الحُيَّض، وذوات الخدور أن يخرجن إلى المصلى في العيد"، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وإذا وجبت على النساء فمن باب أولى أن تجب على الرجال من باب مفهوم الموافقة الأولى، الثانية: القياس، بيانه: كما أن صلاة الجمعة فرض عين على الرجال فكذلك صلاة العيد مثلها، والجامع: أن كلًا منهما من أعلام الدِّين الظاهرة قلتُ: أما السنة القولية: فلا يُحتج بها هنا؛ لمعارضتها لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ والأمر بالقرار في البيوت هنا للوجوب وهو عام في العيد وغيره، وهذا لمصلحة وهي: دفع مفسدة الاختلاط الذي يُسبِّب الفتنة عادة، =
[ ٢ / ٥٣ ]
(إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام)؛ لأنها من أعلام الدِّين الظاهرة (^٢) (و) أول
وإذا بطل الأخذ بمنطوق الحديث: بطل الأخذ بمفهومه فيُحمل الأمر الوارد في الحديث على الاستحباب إذا أُمنت الفتنة، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الجمعة فرض عين كصلاة الظهر بدليل: أنها لو فاتت الجمعة لوجب أن تُصلَّى ظهرًا، وهذا لم يخالف فيه أحد، بخلاف صلاة العيد ففي حكمها خلاف -كما سبق-، ثم إن العلة منتقضة؛ حيث إن صلاة الاستسقاء والكسوف والتراويح من أعلام الدين الظاهرة ولم تكن فرض عين عندكم، ولا عند غيركم، فائدة: جمع "عيد" أعياد، مع أن أصل "الياء": واو، فالأصل أن يُقال: "أعواد"، ولكن تُرك ذلك؛ لأن الفرد منه قد لزمته الياء فيقال: "عيد" فأُبقيت في الجمع، وللفصل بينه وبين أعواد الخشب، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف في حكم صلاة العيد؟ قلتُ: سببه: "تعارض النصوص واختلاف مفهوم كل طائفة" فنحن لم نفهم من الآية أن المراد بها: "صلاة العيد، ولم نفهم من مداومة الرسول والصحابة عليها الوجوب، وهم فهموا ذلك، وأيضًا: طتعارض القياسين" فنحن ألحقنا صلاة العيد بصلاة الكسوف والاستسقاء لأنها أكثر شبهًا بها، وهم الحقوها بصلاة الجمعة لأنها أكثر شبهًا بها عندهم".
(^٢) مسألة: إذا ترك أهل بلد صلاة العيد: فإن الإمام أو نائبه يأمرهم بها، ويُبيِّن لهم حكمها، فإن أصرَّوا على تركها: فإنه يُؤدِّبهم بما يراه مناسبًا ليعملوا بتلك السنة المؤكدة، ولا يُقاتلهم إن لم يُصلُّوها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها سنة مؤكدة، -كما سبق-: عدم مقاتلتهم عند تركها؛ لأن النافلة لا يُعاقب على تركها، فإن قلتَ: لمَ يؤدبهم؟ قلتُ: لكونهم تركوا أمرًا يُعتبر من أعلام الدين الظاهرة، فإن قلتَ: يُقاتلهم على تركها -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها فرض كفاية أو عين مقاتلة من تركها قلتُ: هذا مبني =
[ ٢ / ٥٤ ]
(وقتها كصلاة الضحى)؛ لأنه "ﷺ ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس" ذكره في "المبدع" (وآخره) أي: آخر وقتها (الزوال) أي: زوال الشمس (فإن لم يُعلم بالعيد إلا بعده) أي: بعد الزوال: (صلوا من الغد) قضاء؛ لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: "غُمَّ علينا هلال شوال: فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر النبي ﷺ أن يُفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدًا لعيدهم" رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني وحسَّنه (^٣) (وتسنُّ) صلاة العيد (في صحراء) قريبة عرفًا؛ لقول أبي سعيد: "كان
على كونها فرض كفاية أو عين ونحن نخالف في ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حكم صلاة العيد هل هي سنة مؤكدة، أو فرض؟ "، فعندنا: لا يُقاتل من تركها؛ لكونها سنة، وعندهم: يُقاتل؛ لكونها فرض عندهم.
(^٣) مسألة: وقت صلاة العيد يبدأ بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح -أي: بعد طلوع الشمس بربع ساعة تقريبًا- وينتهي وقتها إذا بدأت الشمس بالزوال -أي: قبل دخول وقت صلاة الظهر، وهذا وقت صلاة الضحى كما سبق- وإذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال: فإنهم يُفطرون -إن كان عيد الفطر- ولا يصلونها إلا في الغد في وقتها، وكذا عيد الأضحى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصلِّيها في هذا الوقت، ولما لم يعلم النبي ﷺ بهلال شوال إلا بعد الزوال أمر الناس بالفطر، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلَّاهم -كما رواه أبو عمير بن أنس عن عمومة له-، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن الخلفاء الأربعة كانوا يصلونها في هذا الوقت، فإن قلتَ: لمَ كانت تصلى في هذا الوقت؟ قلتُ: لأن هذا الوقت هو وقت الزينة، وهو: مناسب للناس؛ حيث يُمكنهم فيه وبعده من قضاء حوائجهم بدون ضيق أو حرج، وهو وقت نشاط الإنسان العادي.
[ ٢ / ٥٥ ]
النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى" متفق عليه، وكذلك الخلفاء من بعده (^٤) (و) يسن (تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) فيؤخرها؛ لما روى الشافعي مرسلًا: "النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم أن عجِّل الأضحى، وأخّر الفطر، وذكِّر الناس" (^٥) (و) يسن (أكله قبلها) أي: قبل الخروج لصلاة الفطر؛ لقول بريدة: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يُفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي" رواه أحمد، والأفضل: تمرات وترًا، والتوسعة على الأهل والصدقة
(^٤) مسألة: يُستحب أن تُقام صلاة العيد في صحراء قريبة من البنيان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك؛ فيخرج ﷺ إلى مكان بينه وبين مسجده ألف ذراع من الجهة الشرقية، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخروج لأجلها بهذا المظهر من التزين والفرح أظهر لشعائر الدين، وأوقع لهيبة الإسلام والمسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا يُخرج لصلاة الجمعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروجهم لها فيه مشقة؛ نظرًا لتكرارها في كل أسبوع.
(^٥) مسألة: يُستحب أن يُقدِّم الإمام صلاة عيد الأضحى قليلًا -وأن يؤخر صلاة عيد الفطر قليلًا؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بذلك" وصرفت المصلحة هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن في تقديم صلاة الأضحى مصلحة تمكين الناس من ذبح الضحايا والهدي قبل مجيء الليل، والأكل، والتصدق والهدي منها، وفي تأخير صلاة الفطر: مصلحة تمكين الناس من الفراغ من توزيع صدقة الفطر قبل الصلاة، فائدة: الحديث المرسل هو: أن يقول من لم ير النبي ﷺ: "قال النبي كذا" وهو حجة عند الجمهور، ولا يحتج به عند الشافعي إلا بخمسة شروط، وعند غيره يُحتج به مطلقًا، وقد بينت في كتابي: "المهذَّب" و"الخلاف اللفظي" ذلك بالتفصيل وذكرتُ أن الخلاف لفظي.
[ ٢ / ٥٦ ]
(وعكسه) أي: يُسنُّ الإمساك (في الأضحى إن ضحَّى) حتى يصلي؛ ليأكل من أضحيته، لما تقدَّم، والأولى من كبدها (^٦) (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) إلا بمكة المشرفة؛ لمخالفة فعله ﷺ، (^٧) ويُستحب للإمام أن يستخلف من يُصلِّي
(^٦) مسألة: يُستحب أن يأكل المسلم شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الفطر، والأفضل: أن يكون المأكول تمرًا تكون وترًا: ثلاثًا أو خمسًا ونحوها، ويُستحب: أن لا يأكل شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الأضحى وبعد صلاته يأكل من أضحيته إن ضحَّى من كبدها، ويُستحب أن يُوسِّع على أهله، ويتصدق على الفقراء في هذين اليومين؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" فيوسِّع على الفقراء، فإذا كان يفعل في الفقراء ذلك فمن باب أولى: أن يوسِّع على أهله، من باب "مفهوم الموافقة الأولى" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ "لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر بتمرات يأكلهن وترًا، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المبادرة في أكل شيء في يوم الفطر فيه إخلاص العبادة الله تعالى؛ حيث إنه نفَّذ الأمر بالإفطار مباشرة، وشُرع تأخير الأكل حتى يأكل من أضحيته في يوم الأضحى؛ لشكر الله تعالى على أنه أمكنه من ذلك، وشُرِع أكل التمر؛ لسرعة تناوله وهضمه، وسرعة جريانه في الأمعاء فيُسبِّب نشاطًا له لذا: استُحب أن يُفطر عليه الصائم، وشرع الوتر؛ لأن الله وتر يحب الوتر، وشرع الأكل من الكبد؛ لفائدتها، وسهولة هضمها، وسرعة طبخها، وشُرع أن يوسع على الفقراء في هذا اليوم؛ لتمكينهم من المشاركة في الفرح والسرور.
(^٧) مسألة: يُكره أن يصلي الإمام صلاة العيد في جامع داخل البلد بلا عذر، أما إن وجد عذر كنزول مطر، أو هبوب ريح، أو كثرة سكان، والصحراء بعيدة: فإنها تصلى في الجامع داخل البلد بلا كراهة، وتصلى في مكة في الحرم: سواء وجد عذر أو لا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصليها خارج المدينة، ولا =
[ ٢ / ٥٧ ]
بضَعَفَة الناس في المسجد؛ لفعل علي ﵁، ويخطب لهم، ولهم فعلها قبل الإمام وبعده، وأيُّهما سَبَق: سقط به الفرض، وجازت التضحية (^٨) (ويُسنُّ تبكير مأموم إليها)؛ ليحصل له الدنو من الإمام، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه (ماشيًا)؛ لقول علي ﷺ: "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" رواه الترمذي، وقال: "العمل على هذا عند أكثر أهل العلم" (بعد) صلاة (الصبح و) يُسنُّ (تأخر إمام إلى وقت الصلاة)؛ لقول أبي سعيد: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم، ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر (^٩)، ويخرج
يُصلِّيها في مسجده، فلو لم تكن مكروهة في المسجد: لما شقَّ النبي ﷺ على نفسه وعلى غيره وخرج إلى خارج البلد، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاة العيد من مظاهر الدِّين، فإذا صُلِّيت داخل البلد لم تتحقق تلك المصلحة، فإن قلتَ: لمَ تصلى في الحرم المكي مطلقًا؟ قلتُ: لكثرة قاصدي هذا المسجد، والمضاعفة الصلاة فيه، فلو خرجوا لشقَّ عليهم ذلك، وللزم حرمانهم من مضاعفة الأجر فيه.
(^٨) مسألة: إذا خرج الإمام ليصلي بالناس العيد خارج البلد: فإنه يُستحب أن يُنيب عنه شخصًا يُصلِّي بالمعذورين من الناس: كالمرضى والضعفة، ويجوز لأي شخص أن يذبح أضحيته بعد إحدى الصلاتين كما لو كانتا في بلدين منفصلتين؛ فيقوم هذا النائب بالخطبة والصلاة قبل صلاة الإمام أو بعدها؛ لفعل الصحابي؛ حيث "إن عليًا ﵁ قد أناب عنه أبا مسعود البدري ليصلي بضَعَفَة الناس" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال الآخرين وتمكينهم من فعل الخيرات.
(^٩) مسألة: يُستحب أن يبدأ المأموم بالمشي على قدميه إلى مصلى العيد مبكرًا: بأن يكون بعد صلاته الفجر مباشرة، ويُستحب للإمام أن يتأخر بالمشي =
[ ٢ / ٥٨ ]
(على أحسن هيئة) أي: لابسًا أجمل ثيابه؛ لقول جابر: "كان رسول الله ﷺ يعتمَّ ويلبس بُرْدَه الأحمر في العيدين والجمعة" رواه ابن عبد البر (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه)؛ لأنه أثر عبادة، فاستُحب بقاؤه، (^١٠) (ومن شرطها) أي: شرط
بحيث إذا وصل المصلى يبدأ بالصلاة ثم الخطبة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﵁: "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" وهذا القول له حكم الحديث المرفوع، "وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا" -كما رواه ابن عمر ﵃ و"كان ﷺ يخرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة"- كما رواه أبو سعيد، وهذا يلزم منه تأخره في الحضور، حتى يكمل حضور الصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضور صلاة العيد مبكرًا سبب لحصول الثواب والأجر، حيث إنه بذلك يدنو من الإمام، وينتظر الصلاة، ويجلس في الصف الأول، ولا يؤذي الآخرين بتخطِّي رقابهم، وفي حضور الإمام قبل المأمومين مشقة عليه، فالناس ينتظرونه وهو لا ينتظر الناس، وفي المشي: تكثير للأجر؛ لأن في كل خطوة حسنة ورفع سيئة.
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يخرج المسلم إلى صلاة العيدين بأحسن ما عنده من ثياب وزينة وطيب، وبأجمل هيئة يستطيعها، أما إن كان معتكفًا إلى صلاة العيد: فإنه يخرج بثيابه المعتادة في اعتكافه، ولا يُستحب تغييرها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يلبس عمامته وبرده الأحمر في العيدين والجمعة، الثانية: القياس، بيانه، كما أنه لا يُستحب أن يُغيِّر الصائم رائحة فمه في آخر نهار يوم صومه، فكذلك لا يُستحب للمعتكف تغيير ثيابه والجامع: أن كلًا منهما أثر عبادة يستحب عند الشارع بقاؤه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن يوم العيد والجمعة من أيام الزينة والجمال، فيُستحب أن يلبس أحسن ما عنده ليُحقِّق ذلك، أما أثر العبادة فهو زينة بذاته فلا يُشرع تغييره؛ ليُباهي الله به ملائكته.
[ ٢ / ٥٩ ]
صحة صلاة العيد: (استيطان، وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في حجَّته ولم يُصلِّ (لا إذن إمام) فلا يُشترط كالجمعة (^١١) (ويُسنُّ) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر)؛ لما روى البخاري عن جابر: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق" وكذا: الجمعة، قال في "شرح المنتهى": ولا يمتنع ذلك في غير الجمعة، وقال في "المبدع": "الظاهر أن المخالفة فيه شُرِعت لمعنى خاص، فلا يلتحق به غيره" (^١٢) (ويُصلِّيها ركعتين قبل الخطبة): لقول
(^١١) مسألة: يُشترط لصحة صلاة العيد شرطان: أولهما: أن يكون الحاضرون مستوطنين بلدًا معينًا، فلا صلاة عيد على مسافرين، ثانيهما: أن يبلغ الحاضرون أربعين رجلًا؛ ولا يشترط أن يأذن الإمام، فتصح ولو لم يأذن بها الإمام أو نائبه؛ القاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يصل العيد حينما كان مسافرًا في حجة الوداع، فيلزم منه: اشتراط الاستيطان لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة بلوغ الحاضرين أربعين رجلًا، ولا يُشترط لها إذن الإمام فكذلك العيد مثلها والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وموضعًا يظهر فيه قوة المسلمين واجتماعهم، فيشترط لها بلوغهم الأربعين، ولا يُشترط إذن الإمام لذلك؛ إذ المقصود متحقق بدونه
(^١٢) مسألة: يُستحب أن يذهب المسلم إلى مصلى العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر غير الأول؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار هذه الشعيرة في أكثر من موضع، وحصول التعارف مع أصحاب الطريقين، ومشاركتهم فرحتهم فيه، فإن قلتَ: إن هذا يُستحب في صلاة الجمعة، وكذا باقي الصلوات؛ قياسًا على صلاة العيد بجامعِ: وجود تلك المصالح في ذلك، وهو الذي نقله المصنف =
[ ٢ / ٦٠ ]
ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵁ يصلون العيدين قبل الخطبة" متفق عليه، فلو قدَّم الخطبة: لم يعتد بها (^١٣) (يُكبِّر في الأولى بعد) تكبيرة (الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ والقراءة ستًا) زوائد (وفي) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسًا)؛ لما روى أحمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ كبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة" إسناده حسن، قال أحمد: اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير، وكله جائز (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)؛ لقول وائل بن حجر: "إن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع
عن بعض الحنابلة قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الجمعة تتكرر كل أسبوع، والصلوات تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فلو شرع هذا وحرص بعض الناس على فعله لشق على نفسه أنه لم يرد عنه ﷺ أنه فعله في غير العيد، فيكون فعل ذلك في الجمعة وفي باقي الصلوات إحداثًا في الدين ما ليس منه فيكون مردودًا قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة الفعلية" فعندنا: يُعمل بالسنة، وعندهم: يُعمل بالقياس.
(^١٣) مسألة: صلاة العيد ركعتان، تكون قبل الخطبة عكس صلاة الجمعة، فلو خطب قبل صلاته في العيد: فلا يُعتدُّ بتلك الخطبة ولا الصلاة، فتُعادان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي ركعتين صلاة العيد، ثم يخطب، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك ولم يُنكر عليهم أحد، فإن قلتَ: لمَ كانت الصلاة قبل الخطبة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس بحاجة إلى الانتفاع بالوقت بعد صلاة العيد؛ لمعايدة الآخرين، ولذبح الأضحية والهدي فلا يُلزمون بالانتظار لها، ولأن حضور الصلاة أعظم أجرًا من حضور الخطبة.
[ ٢ / ٦١ ]
التكبير" قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله، وعن عمر ﵁ "أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد"، وعن زيد كذلك رواهما الأثرم (^١٤) (ويقول) بين كل تكبيرتين (الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا)؛ لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود ﵁ عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: "يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ" رواه الأثرم وحرب واحتجَّ به أحمد (وإن أحبَّ قال غير ذلك)؛
(^١٤) مسألة: صفة صلاة العيد هي أن يُكبِّر في الركعة الأولى: تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يُكبِّر ست تكبيرات، ثم يتعوذ، ثم يُبسمل، ثم يقرأ جهرًا الفاتحة، ثم يقرأ سورة بعدها، ثم يركع، ثم يرفع منه، ثم يسجد سجدتين -كالصلاة العادية- ثم يقوم للركعة الثانية مُكبِّرًا لها، ثم يُكبر خمس تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة بعدها، ثم يركع، فيرفع منه، فيسجد سجدتين -كالصلاة العادية- ثم يتشهد ويُسلِّم، ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث ﷺ يفعل ذلك -كما رواه عمرو بن شعيب، وكان يرفع يديه مع كل تكبيرة- كما رواه وائل بن حجر -الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس، وأبا هريرة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعمر ﵃ كانوا يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرعت كثرة التكبيرات هنا؟ قلتُ: لبيان عظم الله تعالى، وأنه أكبر من أي شيء يعظم في نفوس الناس؛ لأن الناس في هذا اليوم يتعاظمون في أنفسهم بسبب كثرة الزينة والتجمُّل، فأراد الشارع أن يُبيِّن أنهم لا شيء بالنسبة لله تعالى، فإن قلتَ: لمَ استُحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع له تعظيمان: تعظيم قولي، وهو قوله: "الله أكبر" وتعظيم فعلي وهو: رفع اليدين.
[ ٢ / ٦٢ ]
لأن الغرض الذكر بعد التكبير، (^١٥) وإذا شك في عدد التكبير: بنى على اليقين (^١٦) وإذا نسي التكبير حتى قرأ: سقط؛ لأنه سنة فات محلُّها، (^١٧) وإن أدرك الإمام
(^١٥) مسألة: يُستحب أن يسرد تلك التكبيرات متوالية متصلة، فلا يقول شيئًا بينها، وهو مذهب الجمهور؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يسردها، ولم يُنقل عنه أنه كان يقول بينها شيئًا فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سردها أكثر إقناعًا في أن الله أكبر من كل شيء، فإن قلتَ: لا يسردها؛ بل يُستحب أن يقول بين كل تكبيرتين: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا" ويجوز أن يقول: غير ذلك مما في معناه؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن مسعود ﵁ يقول ذلك -كما رواه عقبة- قلتُ: هذا لا يُحتجُّ به؛ لمعارضته السنة؛ لأن قول أو فعل الصحابي إذا عارض النص من الكتاب أو السنة فليس بحجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة الفعلية، وزيادة ابن سعود لا يُنظر إليها، وعندهم: يقدم فعل الصحابي؛ لوجود زيادة فيه مع العمل بالسنة الفعلية.
(^١٦) مسألة: إذا شكَّ الإمام هل كبَّر أربعًا أو خمسًا؟ فإنه يجعل نفسه مُكبِّرًا أربعًا، ويأتي بخامسة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأربع متيقن منها والشك وقع في الخامسة، فيستصحب المتيقن وهو كونه قد كبَّر أربعًا، ولا يلتفت إلى ما شكَّ فيه، ولا يعتبره من الحساب، ويأتي به، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط في الدِّين، وعدم الالتفات إلى الشكوك.
(^١٧) مسألة: إذا كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام في صلاة العيد، ثم شرع في القراءة كعادته ونسي التكبيرات الست: فإن التكبيرات تسقط، ولا يعود إليها، ويستمر في قراءته للفاتحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو نسي التعوذ أو البسملة ولم يذكرهما إلا بعد شروعه بقراءة الفاتحة: فإنهما يسقطان، فكذلك من نسي =
[ ٢ / ٦٣ ]
راكعًا: أحرم ثم ركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير وإن أدركه قائمًا بعد فراغه من التكبير: لم يقضه، وكذا: إن أدركه في أثنائه: سقط ما فات (^١٨) (ثم يقرأ جهرًا)؛ لقول ابن عمر ﵁: "كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء" رواه الدارقطني (^١٩) (في الأولى بعد الفاتحة بسبح، وبالغاشية في الثانية): لقول سمرة: إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ رواه أحمد (^٢٠) (فإذا سلَّم) من الصلاة (خطب خطبتين كخطبتي الجمعة)
التكبيرات مثله والجامع: أن كلًا منها مستحب قد فات محله، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم جواز قطع ركن بسبب الإتيان بمستحب.
(^١٨) مسألة: إذا دخل المأموم مع الإمام في صلاة العيد وهو قد كبَّر بعض التكبيرات: فإنه يُكبر تكبيرة الإحرام، ثم يُكبِّر مع الإمام ما بقي من التكبيرات، وإن دخل معه وقد فرغ الإمام منها وهو قائم: قام معه ولم يقضها، أو إن دخل معه وهو راكع: ركع معه ولا يقضي تلك التكبيرات؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم لا يقرأ الفاتحة إذا فاتته، بل يتبع المأموم على ما هو عليه فكذلك هنا، والجامع: أن كلًا منها شيء مشروع قد فات محلُّه، فإن قلتَ: لمَ لا يقضي؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن قضاءها فيه مشقَّة.
(^١٩) مسألة: قراءة الفاتحة والسورة التي بعدها في ركعتي صلاة العيد تكون جهرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك -كما روى ذلك ابن عمر ﵁-، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجهر بالقراءة فيه إشراك المأمومين في الاستفادة مما يقرأه الإمام من القرآن، وفيه إظهار للإسلام.
(^٢٠) مسألة: يُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة العيد -بعد الفاتحة- بسورة "الأعلى"، ويقرأ في الثانية -بعد الفاتحة- بسورة "الغاشية"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بهما في صلاة العيد -كما رواه سمرة بن جندب =
[ ٢ / ٦٤ ]
في أحكامها حتى في الكلام، (^٢١) إلا في التكبير مع الخاطب (^٢٢) (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات) قائمًا نسقًا (والثانية: بسبع) تكبيرات كذلك، لما روى سعيد عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة قال: يُكبِّر الإمام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية: سبع تكبيرات (^٢٣) (ويحثُّهم في) خطبة (الفطر على الصدقة)؛
وابن عباس والنعمان-، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهما قد تضمَّنتا الحثَّ على الصلاة والزكاة، وقدرة الله تعالى، وهدايته وإرشاده لمن شاء من عباده، وتذكير بيوم القيامة، وأن الناس قسمان: قسم في الجنة، وقسم في النار كما روي عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز.
(^٢١) مسألة: إذا سلَّم الإمام من صلاة العيد: يرقى المنبر فيخطب خطبتين يجلس بينهما، وهاتان الخطبتان مثل خطبتي الجمعة فيما يُشترط، ويجب، ويُستحب ويكره، ويُحرم، ويباح وقد سبق بيان ذلك مع قواعدها ومقاصدها في مسائل (٤١ إلى ٧٥) من باب "صلاة الجمعة"، فإن قلتَ: لمَ شرعت الخطبتان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اجتماع الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، وأعمارهم، وطبقاتهم، وزينتهم يناسبه إلقاء خطبة يذكرهم الإمام فيهما بنعم الله تعالى على إكمال شهر رمضان، وعلى وقوفهم بعرفة، ويبين لهم الأحكام المناسبة لهذين اليومين كما سيأتي.
(^٢٢) مسألة: يجوز للمأموم أن يُكبِّر التكبيرات بعد تكبير الخطيب في أثناء خطبته؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لحاضر الخطبة أن يذكر الله أثناء خطبة الخطيب، فكذلك يجوز له أن يُكبِّر، والجامع أن كلًا منهما ذكر لا يمنع من الاستماع، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مشاركة في الخير.
(^٢٣) مسألة: يبدأ خطبة العيد الأولى بتسع تكبيرات نسقًا وهو قائم، أي: تكون متتابعات، متتاليات بدون فصل، ويبدأُ الخطبة الثانية منهما بسبع تكبيرات متتابعات؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ =
[ ٢ / ٦٥ ]
لقوله ﷺ: "اغنوهم بها عن السؤال في هذا اليوم" (ويُبيِّن لهم ما يُخرجون) جنسًا، وقدرًا، والوجوب، والوقت (^٢٤) (ويُرغبهم في) خطبة (الأضحى في الأضحية، ويُبيَّن لهم حكمها؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها من رواية أبي سعيد، والبراء، وجابر وغيرهم (^٢٥) (والتكبيرات الزوائد)
قلتُ: لبيان عظم الله تعالى، وأنه أكبر من أي شيء يكبر في نفوس هؤلاء الحاضرين، وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: لمَ كان هذا العدد من التكبيرات وترًا؟ قلتُ: لأن الله وتر يحب الوتر، ولأن في تكثيرها كمال للإقناع بأن الله أكبر من كل شيء فيجب أن يعظم هو لوحده.
(^٢٤) مسألة: يُستحب للخطيب في خطبتي عيد الفطر: أن يحث الحاضرين على كثرة الصدقات على الفقراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا اليوم يوم زينة فلا يُناسبه السؤال فيتصدَّق عليهم بدون انتظار سؤالهم؛ لإغنائهم فيه، تنبيه: قوله: "ويبين لهم ما يخرجون جنسًا وقدرًا … " يشير به إلى أن الإمام يُبين صدقة الفطر من حيث جنسها، وقدرها، وحكمها، ووقت إخراجها في خطبة يوم عيد الفطر قلتُ: هذا لا يُناسب؛ لأن زكاة الفطر قد أُخرجت قبل الصلاة، والمناسب لبيان أحكام زكاة الفطر هو خطبة آخر جمعة من رمضان؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك.
(^٢٥) مسألة: يُستحب أن يُبيِّن الخطيب في خطبتي عيد الأضحى أحكام الأضحية، والمجزئ منها، وغير المجزئ، ووقت الذبح الأفضل ونحو ذلك، وكيفية الذبح، وما يُقال عنده، وكيفية تفريق لحمها؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من الوقوع في المخالفات الشرعية، وذكر ذلك في خطبة عيد الأضحى مناسب؛ لكون الناس لم يقوموا بذبح أضحياتهم.
[ ٢ / ٦٦ ]
سنة (والذكر بينها) أي: بين التكبيرات سنة، ولا يُسنُّ بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين، (^٢٦) (والخطبتان سنة)؛ لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: شهدتُ مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب، فمن أحبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبَّ أن يذهب فليذهب" رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات، ولو وجبت: لوجب حضورها واستماعها (^٢٧) والسنة لمن حضر العيد من النساء: حضور الخطبة، وأن يُفرَدْن بموعظة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، (^٢٨) (ويُكره التنفُّل)
(^٢٦) مسألة: التكبيرات الزوائد -وهي: ست في الركعة الأولى، وخمس في الثانية- مستحبَّة، فلو لم يكبر تلك التكبيرات: لصحَّت صلاته: سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لمَ كانت مستحبَّة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين تنبيه: قوله: "والذكر بينها .. " يُشير به إلى استحباب إيجاد ذكر بين تلك التكبيرات، وأن ذلك مستحب قلتُ: قد بينتُ أنه لا يقول شيئًا بينها، بل تسرد في مسألة (١٥).
(^٢٧) مسألة: يُستحب للمأموم أن يحضر خطبتي العيد، فلو تركهما فلا بأس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" وهذا يفيد الإباحة لبيان تساوي الطرفين، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن حضورهما فيه فائدة معرفة الأحكام التي يذكرها الخطيب، وهذا يُعتبر من طلب العلم، وطلب العلم سنة، فإن قلتَ: لمَ أذن بترك الخطبتين لمن أراد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين في قضاء حاجتهم خاصة في عيد الأضحى؛ حيث يحتاج أكثرهم إلى الخروج مبكرًا للذبح، وقضاء ما بقي من نسكه إن كان حاجًا.
(^٢٨) مسألة: إذا حضرت النساء صلاة العيد: فإنه يُستحب حضورهن للخطبة، وإذا علم الخطيب أن صوته لم يسمعنه: فإنه يُستحب أن يأتيهن، ويعظهن وهن =
[ ٢ / ٦٧ ]
وقضاء فائتة (قبل الصلاة) أي: صلاة العيد (وبعدها في موضعها) قبل مفارقته؛ لقول ابن عباس ﵃: "خرج النبي ﷺ يوم عيد، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما" متفق عليه (^٢٩) (ويُسنُّ لمن فاتته) صلاة العيد (أو) فاته (بعضها: قضاؤها) في يومها قبل الزوال، أو بعده (على صفتها)، لفعل أنس ﵁، وكسائر الصلوات (^٣٠)
منفردات لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خصَّص النساء بموعظة بعد خطبته للرجال الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضورهن للخطبة يتسبَّب في معرفتهن ما لهن وما عليهن من الأحكام.
(^٢٩) مسألة: يُستحب التنفُّل بصلاة قبل صلاة العيد وبعدها في موضع صلاتها وقضاء فوائت: سواء في الصحراء أو في الجامع؛ للاستصحاب، وهو استصحاب الأمر المطلق بالتنفل، والأمر بتحية المسجد وقضاء الفوائت، وموضع صلاة العيد يُعتبر مسجدًا، فيُعمل بذلك دون تفريق بين مصلي صلاة العيد ولا غيره، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إشغال للنفس بالطاعة، فإن قلتَ: إن ذلك يُكره، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى ركعتي العيد، ولم يصل قبلهما ولا بعدهما -كما رواه ابن عباس ﵃- قلتُ: هذا لا يدل على الكراهة، بل تركَّ للنافلة، والترك ليس بنهي، ويُحتمل أنه ترك النافلة لشغل أشغله عنها، وهذا كله لا يقوى على إزالة الأصل، وهو: الأمر بالتنفل المطلِّق فيبقى، فنعمل به فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع الاستصحاب" فعندنا: يبقى الأصل وهو: استحباب التنفل ولا تقوى السنة على تغيير ذلك هنا كما بينا، وعندهم: تقوى السنة على تغيير الأصل.
(^٣٠) مسألة: يستحب قضاء صلاة العيد لمن فاتته على صفتها، وكذلك يقضي بعضها إن فاته على صفتها، وهذا القضاء يكون في يومها: سواء قبل الزوال أو =
[ ٢ / ٦٨ ]
(ويسن التكبير المطلق) أي: الذي لم يُقيَّد بإدبار الصلوات، وإظهاره، وجهر غير أنثى به (في ليلتي العيدين) في البيوت والسواق، والمساجد، وغيرها، ويجهر به في الخروج إلى المصلى إلى فراغ الإمام من خطبته (و) التكبير (في) عيد (فطر آكد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ (و) يسنُّ التكبير المطلق أيضًا (في كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام (^٣١) (و) يُسنُّ التكبير (المقيَّد عقب كل
بعده لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن السنن الرواتب تقضى إذا فاتت فكذلك صلاة العيد مثلها والجامع: أن كلًا منها سنن في فعلها أداء أو قضاء أجر وثواب، وهذا هو المقصد، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن أنسًا كان يقضي صلاة العيد إذا فاتته مع إمام البصرة فيجتمع مع أهله ومواليه فيأمر عبد الله بن أبي عتبة فَيُصِلي بهم ركعتين.
(^٣١) مسألة: يُستحب التكبير المطلق -كما ستأتي صفته في مسألة (٣٧) - في كل وقت، يجهر بها -غير النساء- وهو: يبدأ من غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وينتهي بعد فراغ الخطيب من خطبته في يوم عيد الفطر، والتكبير هنا مؤكد، ويبدأ التكبير في عيد الأضحى من أول يوم من شهر ذي الحجة، وينتهي بعد فراغ الخطيب من خطبته في عيد الأضحى وهو اليوم العاشر، وهو عام لجميع الرجال والنساء والمقيمين والمسافرين، وفي جميع الأماكن، وفي جميع الحالات: سواء رأى بهيمة الأنعام التي ستذبح في الأضحى أو لم يرها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ والمراد: لتكملوا عدة شهر رمضان، وتكبروا ذلك عند كماله على ما هداكم، ونزول هذه الآية في ذلك يُفيد تأكُّد التكبير المطلق في عيد الفطر، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت أن ابن عمر ﵃ كان يُكبِّر في قبَّته في منى -وهو حاج- وكان يجهر بالتكبير، وثبت ذلك أيضًا عن أبي هريرة، فإن =
[ ٢ / ٦٩ ]
فريضة في جماعة) في الأضحى؛ لأن ابن عمر ﵁ كان لا يُكبِّر إذا صلى وحده، وقال ابن مسعود ﵁: "إنما التكبير على من صلى في جماعة" رواه ابن المنذر، فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يُكبِّر؛ لفعله ﷺ (من صلاة الفجر يوم عرفة) روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ (وللمحرم: من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق)؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، والجهر به مسنون، إلا للمرأة، وتأتي به كالذكر عقب الصلاة، قدَّمه في "المبدع"، (^٣٢) وإذا فاتته
قلتَ: لمَ استحب هذا التكبير المطلق في العيدين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلمين قد تخلَّصوا من ذنوبهم بسبب صيامهم وقيامهم ودعائهم في رمضان، وبسبب قيامهم بالأعمال الصالحة التي فعلوها في عشر ذي الحجة وبسبب انقضاء حج الحجاج، فُشرع التكبير لشكر الله تعالى على ذلك، وإظهارًا للفرح والسرور، وشرع الجهر به لإظهار الإسلام.
(^٣٢) مسألة: يستحب التكبير المقيَّد في عيد الأضحى، وهو يبدأ -لغير الحاج-: من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، ويبدأ للمحرم بالحج من صلاة الظهر من يوم النحر -وهو يوم العيد- إلى العصر من آخر أيام التشريق، وهو مقيَّد بعد كل صلاة مع الجماعة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ وإذا صلى الصبح في يوم عرفة بدأ بالتكبير، فيُكبِّر معه أصحابه، الثانية: فعل وقول الصحابي؛ حيث كان بعض الصحابة - كعمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ يكبرون من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وكان ابن عمر ﵃ لا يُكبر إذا صلى وحده، وقال ابن مسعود ﵁: "التكبير على من صلى مع جماعة"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تعظيم الله تعالى وقد سبق، فإن قلتَ: لمَ يتأخر الحاج في بداية التكبير؟ قلتُ: لكونه مشغولًا بالتلبية، فإن قلت: لم استحب أن يجهر =
[ ٢ / ٧٠ ]
صلاة من عامه فقضاها فيها جماعة: كبَّر؛ لبقاء وقت التكبير (^٣٣) (وإن نسيه) أي: التكبير: (قضاه) مكانه، فإن قام، أو ذهب: عاد فجلس (ما لم يُحدثَ أو يخرج من المسجد) أو يطل الفصل؛ لأنه سنة فات محلُّها (^٣٤) ويُكبِّر المأموم إذا نسيه الإمام،
= بالتكبير: قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار الإسلام، وصوت المرأة عورة فلذلك لا تجهر بالتكبير، فإن قلتَ: لمَ يُشرع التكبير بعد الصلاة مع الجماعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التكبير مع الجماعة أوقع في النفوس وأكثر عظمة الله تعالى.
(^٣٣) مسألة: إذا نسي مسلم صلاة، فلم يتذكرها إلا في أيام التكبير المقيَّد، وقضاها فيها مع جماعة: فإنه يكبِّر بعدها، وإن لم تكن صلاة من صلوات أيام التكبير؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع قضائها في وقت التكبير: استحباب التكبير بعدها؛ تحصيلًا لأجر التكبير، وهذا هو المقصد منها.
(^٣٤) مسألة: إذا نسي المسلم التكبير المقيَّد: فيُستحب أن يقضيه مطلقًا: سواء كان قد أحدث، أو لا، خرج من المسجد أو لا، طال الفصل أو لا، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أن الذكر الذي بعد الصلاة يقضى إذا نسي على أية حالة فكذلك التكبير يُقضى مطلقًا والجامع: أن كلًا منهما ذكر شرع بعد الصلاة لا تشترط فيه الطهارة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: يُستحب أن يُقضى بشروط: أولها: أن يكون على طهارة، ثانيها: أن لا يخرج من المسجد، ثالثها: أن لا يطول الفصل عرفًا بين الصلاة وبين تذكره إياه، وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه ذكر مستحب في وقت معيَّن فيلزم من فوات وقته: عدم قضائه قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن التكبير في الأصل مستحب، والأفضل فيه أن يكون عقب صلاة، وإذا فات وقته فيُستحب أن يُقضى كغيره من المستحبات؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس، وعندهم: يُعمل بالتلازم.
[ ٢ / ٧١ ]
والمسبوق إذا قضى كالذكر والدعاء (^٣٥) (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد)؛ لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات، ولا عقب نافلة، ولا فريضة صلاها منفردًا؛ لما تقدم (^٣٦) (وصفته) أي: التكبير (شفعًا: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر والله الحمد)؛ لأنه ﷺ كان يقول كذلك، رواه الدارقطني، وقاله علي ﵁، وحكاه ابن المنذر عن عمر ﵁، (^٣٧) ولا بأس بقوله لغيره: "تقبَّل الله منَّا ومنك"
(^٣٥) مسألة: يُكبِّر المأموم التكبير المقيَّد وإن لم يُكبِّر الإمام، وكذلك يُكبِّر المسبوق إذا فرغ من قضائه لما فاته، للقياس؛ بيانه: كما أن المأموم - مسبوقًا أو غير مسبوق - يُستحب أن يأتي بالذكر والدعاء عقب كل صلاة سواء ذكره الإمام أو لا، فكذلك المأموم يُكبِّر هنا والجامع: أن كلًا منهما ذكر استحب بعد الصلاة غير مرتبط بالإمام؛ وهو لتحصيل الأجر وهو المقصد منه.
(^٣٦) مسألة: لا يُشرع التكبير المقيَّد في ثلاثة مواضع: أولها: بعد صلاة العيدين، ثانيها: بعد صلاة نافلة، ثالثها: بعد صلاة فريضة صلاها منفردًا؛ لفعل الصحابي؛ حيث "كان عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ يكبِّرون بعد كل صلاة فرض"، فيلزم من ذلك: عدم مشروعية التكبير بعد صلاة العيد؛ وبعد النوافل؛ لأنها ليست فرضًا، "وكان ابن عمر لا يكبر إذا صلى وحده" فيلزم منه: أنه لا يُكبَّر إلا مع الجماعة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن التكبير هذا عبادة مؤقتة بوقت وحالة فلا تكون في غيرها.
(^٣٧) مسألة: صفة التكبير المطلق والمقيد في عيد فطر وأضحى هي: أن يقول: "الله الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا أكمل التكبير وأشمله وأعمه؛ حيث تضمَّن تعظيم الله وشكره وتوحيده.
[ ٢ / ٧٢ ]
كالجواب، (^٣٨) ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار؛ لأنه دعاء وذكر، وأول من فعله ابن عباس وعمر ﵃، وابن حريث. (^٣٩)
(^٣٨) مسألة: يستحب أن يهنئ بعض المسلمين بعضًا إذا رأى بعضهم بعضًا بالعيد قائلًا الواحد منهم: "تقبل الله منا ومنك" أو يقول: "أعاده علينا وعليكم باليمن والبركات" ونحو ذلك، ويقول الآخر مجيبًا: مثل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسرار الآخرين وإزالة الشحناء عنهم؛ خلافًا للمصنف من أن ذلك مباح.
(^٣٩) مسألة: لا يُشرع التعريف - وهو: اجتماع غير الحجاج من بعد العصر: إلى غروب الشمس من يوم عرفة للدعاء والذكر-؛ للتلازم؛ حيث إن الوقوف والدعاء والذكر عبادة خاصة بعرفة لمن حج فيلزم عدم مشروعيته في غيره، فإن قلتَ: لا بأس به- وهو ما ذكره المصنف -؛ لفعل الصحابي، حيث إن ابن عباس فعله قلتُ: إن صحَّ أن ابن عباس قد فعله، فهو اجتهاد منه ولا يلزمنا؛ لمخالفته للقواعد الشرعية؛ حيث إنه يؤدي إلى اختلاط العبادات وأماكنها، قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع فعل الصحابي" فالتلازم عندنا أقوى؛ لموافقته للقواعد الشرعية، وعندهم: فعل الصحابي أقوى؛ للزيادة فيه.
هذه آخر مسائل باب "صلاة العيدين" ويليه باب "صلاة الكسوف"
[ ٢ / ٧٣ ]