يقال: "كَسَفَت" بفتح الكاف وضمها، ومثله؛ "خَسَفَت" وهو: ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه، (^١) وفعلها ثابت بالسنة المشهورة، واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (تسنُّ) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل؛ لقول عائشة: "خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبَّر وصفَّ الناس وراءه" متفق عليه (وفرادى) كسائر النوافل (إذا كسف أحد النيرين) الشمسُ والقمر (^٢) ووقتها من ابتدائه إلى
باب صلاة الكسوف
وفيه ثمان عشرة مسألة:
(^١) مسألة: الكسوف والخسوف لفظان مترادفان، والمراد منه: أن يُحجب ضوء الشمس أو القمر أو بعضهما حجبًا مؤقتًا، ويقال: "كَسَفَت الشمس وخَسَفَت" أو "كسف القمر أو خسف"، فإن قلتَ: ما سبب الكسوف الحسي؟ قلتُ: سبب كسوف الشمس هو: وجود القمر بينها وبين الأرض، وسبب كسوف القمر هو: وجود الأرض بينه وبين الشمس، فإن قلتَ: ما سبب الكسوف الشرعي؟ قلتُ: المصلحة: حيث إن الله تعالى يُخوف عباده بأمر غير عادي -كالكسوف-؛ ليتوب الفاسق، ويندم المفرط - كما سيأتي -.
(^٢) مسألة: صلاة الكسوف مُستحبَّة عند وجوده: سواء صلاها المسلم مع جماعة أو منفردًا، في المسجد أو غيره، ولكن صلاتها في الجامع أفضل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للأعرابي: "خمس صلوات فرضهن الله عليك في اليوم والليلة" فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" فنفى وجوب
=
[ ٢ / ٧٤ ]
التجلّي، (^٣) ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد، (^٤) فيصلي (ركعتين) ويُسنُّ الغُسْل
لها (يقرأ في الأولى جهرًا) ولو في كسوف شمس (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير
= غير الصلوات الخمس، وأثبت أن غيرها نوافل، ومنها صلاة الكسوف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وقد سبق تقريره، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى صلاة الكسوف لما كسفت الشمس في مسجده -كما روت عائشة- وهذا يلزم منه أن صلاتها في الجامع أفضل، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الوتر يصلى في جماعة وفرادى فكذلك صلاة الكسوف مثله، والجامع: النفل في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت صلاة الكسوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الصلاة تمنع - بمشيئة الله - وقوع العقاب بسبب تضمُّنها للقراءة والدعاء والذكر، فإن قلتَ: لمَ كانت في الجامع أفضل؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن الجامع يجمع كثيرًا من الناس، والدعاء الجماعة أقرب للاستجابة، تنبيه: قوله: "واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ …﴾ " لعله يشير إلى نقل القرطبي في تفسيره (١٥/ ٣٦٤) عن ابن خويزمنداد من المالكية استدلاله بهذه الآية على ثبوت صلاة الكسوف قلتُ: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن الآية لا تدل بالمنطوق ولا بالمفهوم على هذا فتكون صلاة الكسوف ثابتة بالسنة فقط.
(^٣) مسألة: وقت صلاة الكسوف يبدأ من ابتداء الكسوف، وينتهي بانتهائه، وهو تجلِّي وظهور القمر أو الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فادعوا الله وصلوا حتى يتجلَّى" فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن تلك الصلاة سبب والذكر هو وقوع الكسوف، فيبدأ مع وجود سببه، وينتهي بزوال ذلك.
(^٤) مسألة: إذا لم يعلم المسلم بالكسوف، وفاتت عليه صلاته: فلا تقضى؛ للقياس، بيانه: كما أن صلاة الاستسقاء وتحية المسجد لا يقضيان إذا فات وقتهما فكذلك صلاة الكسوف مثلهما والجامع: أن كلًا منها صلاة ذات سبب، فإذا لم توجد بعد حدوث سببها فقد فات محلُّها.
[ ٢ / ٧٥ ]
تعيين (ثم يركع) ركوعًا (طويلًا) من غير تقدير (ثم يرفع) رأسه (ويُسمِّع) أي: يقول: "سمع الله لمن حمده" في رفعه (ويحمد) أي: يقول: "ربنا ولك الحمد" بعد اعتداله كغيرها (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الأول ثم يرفع) فيُسمِّع ويحمد كما تقدم، (ثم يسجد سجدتين طويلتين) ولا يطيل الجلوس بين السجدتين (ثم يُصلّي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى لكن دونها في كل ما يفعل) فيها (ثم يتشهّد ويُسلّم)؛ لفعله ﷺ كما روي عنه ذلك من طرق بعضها في الصحيحين (^٥) ولا يُشرع لها خطبة؛ لأنه ﷺ أمر بها دون
(^٥) مسألة: صفة صلاة الكسوف: أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يتعوذ، ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة طويلة جهرًا ثم يركع طويلًا، ثم يرفع من ركوعه قائلًا: "سمع الله لمن حمده" ويقول المأموم: "ربنا ولك الحمد" ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة ولكنها دون الأولى - وهذا كله جهرًا - ثم يركع ويطيل الركوع، ثم يرفع منه- كما فعل في السابق - ثم يسجد سجدتين بينهما جلوس - كالصلاة العادية - ويُطيل في السجود، ثم يرفع من السجدة الثانية ويعتدل قائمًا، ويفعل في الركعة الثانية كما فعل في الركعة الأولى تمامًا، ولكنه يفعل ويقرأ أقل من فعله وقراءته في الركعة الأولى: من القراءة والركوع والقيام والسجود، ثم يجلس بعد السجدتين من الركعة الثانية ويتشهد ويُسلّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ قد فعل ذلك في صلاة الكسوف فإن قلتَ: لمَ شرع هذا في صلاة الكسوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير لقراءة القرآن والتسبيح والذكر والدعاء، وقد كانت الثانية أقل من الأولى، لمراعاة المأمومين؛ حيث شقَّ عليهم في الأولى، وقد كانت القراءة جهرًا؛ لأن ذلك فيه مشاركة المأمومين للإمام في سؤال العافية عند الوعيد وسؤال الجنة عند الوعد إذا مرَّ =
[ ٢ / ٧٦ ]
الخطبة، (^٦) ولا تُعاد إن فرغت قبل التجلّي، بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت
= ذلك بالآيات. [فرع]: لا يشرع الاغتسال لصلاة الكسوف؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ خرج إليها يجرُّ رداءه مسرعًا فزعًا" وهذا يلزم منه: عدم مشروعية الاغتسال لها، لأن الاغتسال يلزم منه تأخيرها، وهذا ينافي الإسراع، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع الاغتسال لها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاتها تكون بسبب وقوع الكسوف وهو ينذر بالخوف، وهذا يجعل المسلم يخرج مسرعًا متبدّلًا غير مُلتفت لنفسه أو لغيره، وهذا أدعى لرحمة الله، فإن قلتَ: إنه يستحب الاغتسال لها؛ وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ قياسًا على صلاة الجمعة بجامع: الاجتماع في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الجمعة تسمَّى عيد الأسبوع، والعيد يغتسل له، ولأن الجمعة معروف موعدها، فيغتسل لها مبكرًا، بخلاف صلاة الكسوف، فليست بعيد، ولا يعرف موعدها؛ لأنها تختلف باختلاف حصول الكسوف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة الفعلية": فعندنا: يعمل بالسنة وما يلزم منها، وعندهم: يعمل بالقياس؛ لأن السنة لا تدل على عدم الاغتسال لها عندهم.
(^٦) مسألة: لا يُشرع لصلاة الكسوف خطبة قبلها ولا بعدها: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" فلم يأمر بخطبة لها مطلقًا، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع لها خطبة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة أدعى إلى إزالة الكسوف بسبب تضمُّنها للقراءة والدعاء والذكر، فإن قلتَ: إنه يُشرع لها خطبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خطب الناس بعد صلاة الكسوف قلتُ: إنه ﷺ لما سلَّم منها، قد علَّم الناس أحكامها؛ نظرًا لغرابتها، وبيَّن لهم أسباب الكسوف الشرعية وهذا لا يُسمَّى خطبة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: =
[ ٢ / ٧٧ ]
نهي (^٧) (فإن تجلَّى الكسوف فيها) أي: الصلاة: (أتمها خفيفة): لقوله ﷺ: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ (^٨) (وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت) الشمس، أو طلع الفجر (والقمر خاسف): لم يصل؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما، (^٩) ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه (^١٠) (أو
= سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة القولية؛ لأنه لا يُفهم مما عمله النبي بعدها أنه خطبة، وعندهم: يُعمل بالفعلية؛ لحمل كلامه بعدها على أنه خطبة.
(^٧) مسألة: إذا فرغ المسلم من صلاة الكسوف، والكسوف لم يذهب: فلا يُعيد الصلاة مرة ثانية، بل يُكثر من الدعاء والذكر كما يفعل حين يدخل المسجد في وقت نهي عن صلاة تطوع؛ للسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ لم يزد عن ركعتين، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الكسوف سبب واحد تُشرع له صلاة واحدة، فلا تتعَّدد الصلاة - مع وحدة السبب.
(^٨) مسألة: إذا زال الكسوف قبل الركوع الأول أو في أثناء الصلاة: فإنه يُتمُّها خفيفة كنافلة مطلقة وينوي ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" حيث دل مفهوم الغاية على عدم مشروعية الصلاة؛ إذا زال الكسوف، ويلزم من هذا: أنه يتمها خفيفة فيما لو زال أثناء الصلاة؛ لحصول المقصود من الصلاة.
(^٩) مسألة: إذا غابت الشمس وهي كاسفة، أو طلع الفجر والقمر كاسف أو خاسف: فلا تصلى صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث إنه لا صلاة للكسوف إلا برؤيته، ولا يُرى بالليل كسوف الشمس، ولا يُرى بالنهار كسوف القمر، فيلزم عدم الصلاة لهما.
(^١٠) مسألة: إذا شك في وجود كسوف بسبب غيم: فلا يُصلي لذلك، وإذا تيقَّن الكسوف، ثم حصل غيم، لشكِّه في التجلِّي، أو ذهب بعض الكسوف وشكَّ =
[ ٢ / ٧٨ ]
كانت آية غير الزلزلة: لم يُصل)؛ لعدم نقله عنه، وعن أصحابه ﷺ مع أنه وجد في زمانهم: انشقاق القمر، وهبوب الرياح، والصواعق، وأما الزلزلة - وهي: رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها - فيُصلَّى لها إن دامت؛ "لفعل ابن عباس ﵁" رواه سعيد والبيهقي، وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: "لو ثبت هذا الحديث: لقلنا به" (^١١) (وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة، بثلاث ركوعات أو أربع أو
= في ذهابه عن باقيه: فإنه يُصلِّي؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الحالة الأولى عدم الكسوف، لشكه في وجوده: فلا يُصلَّى؛ عملًا بالأصل المتيقن، والأصل في الحالة الثانية والثالثة: وجود الكسوف، وشك في ذهابه كله أو ذهابه عن البعض الباقي؛ فيُصلي؛ عملًا بالأصل وهو: المتيقن، ولا يُعمل بالمشكوك فيه في كل؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
(^١١) مسألة: تصلَّى صلاة الكسوف إذا وقع زلزال -وهو: اهتزاز الأرض وتحركها مما يُسبِّب تشقُّقًا فيها- بشرط: دوام هذا واستمراره، فيصلَّى حتى يزول؛ ولا تصلى تلك الصلاة لغير ذلك من عواصف شديدة وحصول ظلمة، وصواعق مخوفة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه قد حصل في زمنه ﷺ الرياح والعواصف، وانشقاق القمر ولم يصل ﷺ صلاة الكسوف، الثانية: الإجماع السكوتي؛ حيث إنه قد حصلت صواعق وظلمة، ورياح ونحوها في زمن الصحابة ولم يصل واحد منهم صلاة الكسوف، ولم يُنكر ذلك؛ فكان إجماعًا سكوتيًا، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إنه ثبت أن ابن عباس وعليًا ﵃ قد صلَّيا صلاة الكسوف عند حدوث الزلزال، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه يحصل خوف عند وقوع الزلزال كما يحصل الخوف عند وقوع الكسوف، بل أشدَّ منه فلذلك أُلحق به؛ لإزالة ذلك، بخلاف العواصف والرياح والظلمة فلا يحصل للناس من الخوف مثل ما يحصل عند حصول الزلزال أو الكسوف، فإن =
[ ٢ / ٧٩ ]
خمس: جاز) رواه مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ "صلى ست ركعات في أربع سجدات"، ومن حديث ابن عباس ﵃: "صلى النبي ﷺ ثمان ركعات في أربع سجدات"، وروى أبو داود عن أُبي بن كعب: "أنه ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين" واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء؛ قال النووي: "وبكل نوع قال بعض الصحابة"، (^١٢) وما بعد الأول سنة لا
= قلتَ: إن صلاة الكسوف تُصلَّى لأي شيء يتسبَّب في حصول الخوف: سواء كان كسوفًا أو زلزالًا؛ أو رياحًا أو عواصف، أو ظلمة أو نحو ذلك؛ وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو اختيار ابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنهما آيتان من آيات الله يُخوف بهما الله عباده" وهذا عام، فيشمل كل شيء يُخوف الناس ومنها: الرياح ونحوها قلتُ: إن صلاة الكسوف خاصة به، وأُلحق به الزلزال؛ لأنه أشدَّ منه في تخويف الناس من باب "مفهوم الموافقة الأولى" لذلك صلاها ابن عباس، بخلاف غيرهما: فلا يبلغ مبلغهما في التخويف وهذا يعرفه كل أحد فإن قلتَ، ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عموم السنة القولية مع السنة الفعلية والإجماع، وفعل الصحابي"، فعندنا يُعمل بالسنة الفعلية، والإجماع وفعل الصحابي، وتُّخصِّص تلك الأدلة السنة القولية بالكسوف والزلزال، وعندهم: إن السنة القولية تبقى على عمومها فتشمل كل مخوف.
(^١٢) مسألة: صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجدتان -كما سبق في مسألة (٥)؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّاها كذلك مرة واحدة يوم موت ابنه إبراهيم، ولم يرو عنه أنه صلاها مرة أخرى، وهو مذهب الجمهور، فإن قلتَ: تجوز الزيادات في الركعة الواحدة على ركوعين، فيُصلِّي ثلاث أو أربع أو خمس ركوعات، أو أكثر وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ =
[ ٢ / ٨٠ ]
تُدرك به الركعة ويصح فعلها كنافلة (^١٣) وتقدَّم جنازة على كسوف (^١٤) وعلى
= حيث إنه ﷺ صلي ست ركوعات، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إنه روي عن عليه ﵁ أنه صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات قلتُ: أما ما روي عنه ﷺ: أنه صلَّى خمسًا أو ستًا أو ثمان ركعات: فهذا ضعيف كما نقله الألباني في "الإرواء" (٣/ ١٢٧) عن كثير من أئمة الحديث، أما ما روي عن علي، أو بعض الصحابة كما نقله النووي: فهو اجتهاد منهم، ولا يلزمنا؛ لأنه اجتهاد مع النَّص فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية السنة الفعلية" فعندنا: أن السنة الفعلية الأولى يعمل بها؛ لكونه لم يصلها إلا مرة واحدة عندنا، وعندهم: يُعمل بالسنة الفعلية الثانية؛ لكونه قد ثبت أنه ﵇ قد صلاها عدة مرات.
(^١٣) مسألة: ما بعد الركوع الأول من الركوعات نافلة، لا تُدرك به الركعة، وذلك في كل ركعة: فمثلًا: لو دخل مأموم بعد رفع الإمام رأسه من الركوع الأول من الركعة الأولى: فإنه لا يدرك تلك الركعة، فإن شاء دخل معه استحبابًا، ويقضيها إذا سلّم الإمام، وإن شاء لم يدخل معه؛ للتلازم؛ حيث إن الركوع الأول ركن فيلزم من فواته عليه: عدم صحة الركعة كلها عن الواجب، تنبيه: قوله: "ويصح فعلها كنافلة" من النوافل المطلقة قلتُ: قد سبق بيان ذلك في مسألة (٨).
(^١٤) مسألة: إذا اجتمعت صلاة جنازة وصلاة كسوف: فتُقدَّم صلاة الجنازة، فيُصلَّى عليها، ثم تُصلَّى صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب صلاة الجنازة: أن تقدم على صلاة الكسوف؛ لكون الأخيرة نافلة والواجب يُقدَّم على النفل، ولأنه يُخشى من الجنازة من انفجارها وتأذي الناس برائحتها.
[ ٢ / ٨١ ]
جمعة (^١٥) وعيد أمن فوتهما، (^١٦) وتقدَّم تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما، (^١٧) ويُتصوَّر كسوف الشمس والقمر في كل وقت والله على كل شيء قدير: فإن وقع بعرفة: صلَّى ثم دفع. (^١٨)
(^١٥) مسألة: إذا اجتمعت صلاة جمعة وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة الجمعة إذا خيف فواتها ثم تصلى صلاة الكسوف، أما إذا أمن فوتها: فتقدم صلاة الكسوف؛ للتلازم، وقد بيناه في مسألة (١٤).
(^١٦) مسألة: إذا اجتمعت صلاة عيد وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة العيد إذا خيف فواتها، ثم تصلى صلاة الكسوف، أما إذا أمن فوتها: فتقدم صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحديد وقت صلاة العيد: تقديمها؛ لئلا يفوت وقتها، بخلاف صلاة الكسوف فليس لها وقت معين سابقًا، ووقت صلاة العيد يكون عادة قصيرًا جدًا.
(^١٧) مسألة: إذا اجتمعت صلاة تراويح وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة الكسوف؛ للمصلحة؛ حيث إن الكسوف فيه ضرر وهو التخويف فيُقدم ما يتسبَّب في إزالته، فإن قلتَ: تقدَّم صلاة التراويح إن تعذَّر فعلهما في وقت التراويح؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ صلاة التراويح مقيدة بوقت معين يخش فواته وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: إن صلاة الكسوف فيها دفع مفسدة، وصلاة التراويح فيها جلب مصلحة، وما فيه دفع المفسدة مقدَّم على ما فيه جلب مصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(^١٨) مسألة: يُتصوَّر كسوف الشمس أو القمر في كل وقت، فقد يكون يوم عيد وجمعة وعرفة، فإذا وقع في يوم عرفة: فإن الناس يصلون الكسوف، ثم يدفعون إلى مزدلفة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم منه: عدم خلو أيِّ يوم من حدوث هذا الكسوف. [فرع]: لا يُشرع لصلاة =
[ ٢ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الكسوف أذان ولا إقامة، وإنما يُنادى لها بقول المنادي: "الصلاة جامعة"؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث إنه ﷺ بادر لصلاة الكسوف دون أذان ولا إقامة، وأمر مناديه أن يُنادي ويقول: "الصلاة جامعة".
هذه أخر مسائل باب "صلاة الكسوف" ويليه باب "صلاة الاستسقاء"
[ ٢ / ٨٣ ]