وفيه فضل عظيم؛ لحديث:" كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فيقول الله تعالى: إلّا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به" وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم (^١) (يُسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل: أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض): لما روى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال له: "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" رواه الترمذي، وحسَّنه، وسُمِّيت بيضًا؛ لبياض لياليها كلها بالقمر (^٢) (و) يُسنُ صوم (الاثنين والخميس)؛
باب صوم التطوع
وفيه سبع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: صوم التطوع فيه فضل عظيم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله تعالى قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" ومعروف أن الكريم المستطيع إذا أخبر بأنه هو الذي سيتولَّى الجزاء بنفسه: فإنه يلزم منه: عِظم ذلك الجزاء وكثرة العطاء لكونه يعرف حقه، ولله المثل الأعلى، وهذا يُعتبر تشريفًا لذلك المجازَى والمعطَى، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ ما نقص من فرض الصوم؛ ليكون العمل كاملًا؛ ليكمل الجزاء، وهذا مقصد كل تطوع من جنس الفرض، فإن قلتَ: لِمَ كانت تلك المنزلة للصائم؟ قلتُ: لأن الصوم سرٌّ بين العبد وربِّه، فلا يقوم به على أتم وجه إلّا من هو في غاية الإخلاص لله تعالى.
(^٢) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل: أن تكون هذه الأيام: أيام الليالي البيض وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس =
[ ٢ / ٤١٥ ]
لقوله ﷺ: "هما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم" رواه أحمد والنسائي (^٣) (و) صوم (ست من شوال)؛ لحديث: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" أخرجه
عشر من كل شهر؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ أبا ذر بأن يصومهن، وأوصى أبا هريرة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة وهي من وجهين: أولهما: أن أجر صيامه في هذه الثلاثة يعدل سنة كاملة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صم من الشهر ثلاثة أيام: فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدَّهر"؛ حيث إنك إذا ضربت ثلاثة في عشرة: كان الناتج ثلاثين، فيكون أجره كأجر من صام شهرًا كاملًا، وهكذا في الشهر الثاني، والثالث وما بعدهما، ثانيهما: أن صيام تلك الأيام الثلاثة يتسبَّب في تنقية المعدة، وتصفية العروق، وتنظيم الدورة الدموية، فإن قلتَ: لِمَ كانت أيام ليالي البيض أفضل من غيرها؟ قلتُ: لأن لياليها تكون بيضاء بسبب نور القمر، وهذا يُسبِّب بقاء الفضلات بالجسم؛ نظرًا لقوة نور القمر، فمن صامها: سلم بإذن الله من شر تلك الفضلات.
(^٣) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصومهما، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأعمال تُعرض على الخالق في هذين اليومين، فإذا عُرض عمل المسلم على الله وهو صائم فإن الأجر والثواب يكون أعظم؛ لكونه في حال تذلُّل ومسكنة فتكون رحمته أقرب قال ﷺ: "إن أعمال الناس تُعرض يوم الاثنين والخميس على رب العالمين، وأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم".
[ ٢ / ٤١٦ ]
مسلم (^٤) ويستحب تتابعها، وكونها عقب العيد؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير (^٥) (و) صوم (شهر المحرَّم)؛ لحديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم" رواه
(^٤) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم ستة أيام من شهر شوال بشرط: أن يكون قد أكمل صيام شهر رمضان، وعليه: فلا يجوز صيام ستٍ من شوال، وعليه بعض أيام من رمضان، وإن صامها قبل قضاء ما عليه من رمضان: فلا يصح صيامه؛
للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدَّهر" حيث بيَّن استحباب صيام هذه الأيام بعد إتمام صيام شهر رمضان؛ لأن لفظ "وأتبعه" يلزم منه ذلك؛ لأن الثاني لا يكون تابعًا للأول إلا إذا تمَّ الأول بكماله، يؤيده أن صيام تلك الأيام نافلة، لا يُعاقب على تركها مطلقًا، وقضاء رمضان واجب، يُعاقب على تركها مطلقًا، فيلزم منه: تقديم ما سيُعاقب عليه بالفعل كما سبق في مسألة (٢٤) من باب "ما يكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء"، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكميل سنة كاملة؛ حيث إن الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن صيام شهر رمضان يكون عن عشرة أشهر، وصيام هذه الستة الأيام يكون عن شهرين فهذه سنة كاملة، أيَّ: لو ضربت عشرة في ثلاثين يومًا: لكان الناتج: ثلاثمائة يوم، ولو ضربت عشرة في ستة أيام: لكان الناتج: ستين يومًا: فيكون المجموع ثلاثمائة وستين يومًا، وهو عدد أيام السنة كاملة.
(^٥) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم الستة الأيام من شوال بعد يوم عيد الفطر مباشرة، وأن تكون متتابعة؛ للمصلحة؛ حيث إن فعلها كذلك أحزم، وخير الأعمال أحزمها وأسرعها إلى الخير، ولأن ذلك أيسر في الصوم؛ لكونها تأتي بعد يوم العيد مباشرة؛ حيث إن النفس قد تعلَّمت على الصوم فلا يثقل على المسلم.
[ ٢ / ٤١٧ ]
مسلم (^٦) (وآكده العاشر، ثم التاسع)؛ لقوله ﷺ: "لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" احتَّج به أحمد، (^٧) وقال:"إن اشتبه عليه أول الشهر: صام ثلاثة
(^٦) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم شهر المحرَّم، وهو الشهر الأول من شهور السنة الهجرية؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم" فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إضافته إلى الله قد زاده تشريفًا وتعظيمًا؛ حيث إنه "شهر الله المحرم" وهو مثل قولهم: "بيت الله"؛ وهو أفضل الأشهر بعد رمضان، فيليه في الرتبة من حيث الفضل، فإن قلتَ: لا يُستحب صيامه؛ للسنة الفعلية؛ حيث لَم يرد عنه ﷺ أنه صامه، أو أكثر الصيام فيه، وهذا يلزم منه عدم استحباب صيامه؟ قلتُ: قد بيَّن ﷺ فضل صيامه بالقول ودلالته أقوى من دلالة الترك؛ لأن تركه ﷺ صيامه قد يكون لانشغاله بشيء أهم، وقد يكون لم يعلم فضله إلا في آخر عمره لما ضعُف، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فعندنا يُعمل بالقولية؛ لضعف الفعلية؛ نظرًا لاحتمالها، وعندهم يُعمل بالفعلية.
(^٧) مسألة: يُستحب صوم يوم عاشوراء -وهو اليوم العاشر من المحرَّم- استحبابًا مؤكدًا، ويُستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عباس ﵁: "أمر النبي ﷺ بصوم يوم عاشوراء: العاشر من المحرم" وقال ﷺ: "لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" وقال: "صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده" والذي صرف الأمر من الوجوب إلى الندب هو: أنه لم يرد إلا وجوب صوم رمضان، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُكفِّر ذنوب السنة الماضية كما ورد، حيث إن هذا الصيام جاء شكرًا لله تعالى على أنه أنقذ موسى ﵇ وقومه، وأهلك فرعون وقومه - وبالشكر
[ ٢ / ٤١٨ ]
أيام؛ ليتيقن صومهما، وصوم عاشوراء كفَّارة سنة، (^٨) ويُسنُّ فيه التُّوسعة على العيال (^٩) (و) صوم (تسع ذي الحجة)؛ لقوله ﷺ: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:" ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك
تدوم النعم -وكان اليهود يصومونه، فلما رآهم ﷺ قال: "أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه"، واستُحب صيام يوم قبله، أو يوم بعده: لمخالفة اليهود فيما يفعلون كما ورد عنه ﷺ.
(^٨) مسألة: إذا اختلط على المسلم حساب شهر المحرم، فلا يعلم بالتَّحديد متى دخل؟: فإنه يُستحب أن يصوم التاسع والعاشر، والحادي عشر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك: تيقنه صوم اليوم العاشر، وصوم يوم قبله أو بعده، وهذا للاحتياط، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: وصوم عاشوراء كفارة سنة" قد سبق بيانه في مسألة (٧).
(^٩) مسألة: لا يُشرع فعل أيِّ شيء في يوم عاشوراء غير الصوم فقط، وبناء عليه: فلا يُشرع التوسعة على العيال بالنفقة، أو الاكتحال، أو الاغتسال، أو إظهار السرور، أو اتخاذ أطعمة غير معتادة كطبخ الحبوب كما يفعله بعض الناس في يوم عاشوراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا عام لما نحن فيه؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم؛ حيث لم يرد عنه ﷺ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا شيئًا في يوم عاشوراء غير الصوم، فتكون هذه الأعمال مردودة؛ لكونها بدع لا أصل لها، فإن قلتَ: يُستحب التوسعة على العيال وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل الدليل على خلافه.
[ ٢ / ٤١٩ ]
بشيء" رواه البخاري (^١٠) (و) آكده (يوم عرفة لغير حاج بها) وهو كفارة سنتين؛ لحديث: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده وقال ـفي صيام يوم عاشوراء-: "إني أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله " رواه مسلم (^١١) ويلي يوم عرفة في الآكدية: يوم التروية -وهو: اليوم
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم تسع ذي الحجة ـمن أوله إلى آخر اليوم التاسع-؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر" يقصد عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" حيث يلزم من مقارنته العمل في تلك الأيام بالجهاد في سبيل الله: عِظم الأجر بالعمل بها، والصوم من العمل، فيكون الصيام فاضلًا فيها، بل أفضل الأعمال، وإطلاق العشر على الأيام التسعة مجازًا من باب إطلاق الكل على الأكثر وهذا يدل على وقوع المجاز في السنة، فإن قلتَ: لَم كانت هذه المنزلة لتلك الأيام؟ قلتُ: لكونها واقعة في أيام الحج، فيُشارك غير الحاج من حجَّ بالأجر، لذا: وُجد شبه بين ذلك والجهاد؛ إذ الحج جهاد لا قتال فيه، والمراد بالتشبيه هنا بيان عظم أجر من عمل بتلك الأيام من صيام وغيره.
(^١١) مسألة: يُستحب لغير الحاج أن يصوم يوم عرفة استحبابًا مؤكدًا، وصيامه أفضل من صيام يوم عاشوراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لما سئل عن صوم يوم عرفة-: إن أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده" في حين أنه قال في صوم يوم عاشوراء: "إني أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله" ولا شك أن ما يُكفِّر ذنوب سنتين أفضل من الذي يُكفِّر ذنوب سنة، وهذا هو المقصد من هذا الحكم، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب صيام يوم عرفة للحاج؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صيامه وهو حاج سيُضعف من قوته مما يتسبَّب في إلحاق المشقة عليه في حجه، فلذا: لا يُشرع صومه فيه.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
الثامن - (^١٢) (وأفضله) أيَّ: أفضل صوم التطوع (صوم يوم وفطر يوم)؛ لأمره ﷺ عبد الله بن عمرو، وقال: "هو أفضل الصيام" متفق عليه (^١٣) وشرطه: أن لا يُضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده الَّلازمة، وإلا: فتركه أفضل (^١٤) (ويُكره إفراد رجب) بالصوم؛ لأن فيه إحياء
(^١٢) مسألة: يُستحب صوم يوم التروية -وهو: اليوم الثامن من ذي الحجة - وهو داخل ضمن الأيام التسعة من ذي الحجة- كما سبق في مسألة (١٠) ـفإن قلتَ: إنه يُستحب صومه استحبابًا مؤكدًا يلي في الآكدية صوم يوم عرفةـ وهو قول المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على استحبابه مؤكدًا.
(^١٣) مسألة: أفضل صيام التطوع: صوم يوم، وفطر يوم؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام" فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أرفق بالمسلم، وأدوم له على الإكثار منه، وشيء قليل يُداوم عليه خير من كثير ينقطع؛ لأن أفضل العمل عند الله أدومه وإن قلّ" كما ورد.
(^١٤) مسألة: يُشترط في صوم التطوع: أن لا يُؤثَّر على بدن أو نفس ذلك الصائم فيتسبَّب في ضعفه عن أداء الواجبات من حقوق الله أو حقوق الآدميين، فإن كان الصوم يؤثَّر عليه أو على أيَّ شيء مما هو أفضل منه عنده: فالأفضل ترك الصيام؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجوب الشيء على المسلم: أن يُقدِّم فعله على أي مستحب؛ لأن الواجب لا يسقط إلا بفعله، وسيُعاقب على تركه بخلاف المستحب مهما كان فاضلًا ومؤكدًا فلن يُعاقب على تركه، ولن يُذم وهو المقصد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قيل لابن مسعود: إنا نراك تقلُّ من الصوم؟ فقال: "إن أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة، والقرآن أحبُّ إلي من الصيام" فإذا كان يترك صوم التطوع لخوفه من أن يضعف عن=
[ ٢ / ٤٢١ ]
لشعار الجاهلية، فإن أفطر منه، أو صام معه غيره: زالت الكراهة (^١٥) (و) كُره إفراد يوم (الجمعة)؛ لقوله ﷺ: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" متفق عليه (و) كُره إفراد يوم (السبت)؛ لحديث: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" رواه أحمد، (^١٦) وكُرِه صوم يوم النَّيروز، والمهرجان، وكل عيد
قراءة القرآن وهي مُستحبة، فمن باب أولى أن يترك صوم التطوع من أجل أن لا يضعف بدنه عن القيام بالواجبات، وهذا من باب مفهوم الموافقة الأولى.
(^١٥) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم شهر رجب بالصوم بكامله، لكن إن صام بعضه فقط، أو صامه كاملًا مع صيام أيام من شهر جمادى الثانية، أو أيام من شهر شعبان: فلا يُكره؛ لقول الصحابي؛ حيث "إن أبا بكر وعمر وابنه وابن عباس ﵁ كانوا ينهون عن إفراده بالصوم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هي: المصلحة؛ حيث إن المقصود من ذلك مخالفة أهل الجاهلية؛ حيث إنهم كانوا يُعظمَّون هذا الشهر، لذا لا يحلُّون فيه القتال، حتى أن قبيلة "مُضر" إذا قُتل منهم أحد فيه لا يُطالبون بدمه إلا بعد خروج هذا الشهر لذا سُمِّي بـ"رجب مُضر" ومعروف أن مخالفة الكفار مقصد شرعي، يؤجر عليه المسلم، وفيه سدُّ ذريعة اتخاذ شهر من شهور السنة وإفراده بعبادة لم يأذن الله به أما إذا لم يصمه كله أو صام معه غيره فلا إفراد في ذلك فلم يُكره.
(^١٦) مسألة: يُكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، وإفراد يوم السبت بالصوم، وإفراد يوم الأحد بذلك، أما إن صام مع الجمعة يومًا قبله أو بعده، أو صام السبت ويومًا قبله أو بعده، أو صام الأحد ويومًا قبله أو بعد: فلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "انهى ﷺ عن إفراد يوم الجمعة والسبت بالصوم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هو: جواز صيام الجمعة والسبت إذا صام يومًا قبل ذلك أو يومًا بعده، الثانية: القياس، بيانه: كما =
[ ٢ / ٤٢٢ ]
للكفار، أو يوم يُفردونه بالتعظيم (^١٧) (و) يوم (الشك) وهو: يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه؛ لقول عمار: من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ" رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، والبخاري تعليقًا، (^١٨)
يكره إفراد السبت بالصوم فكذلك يُكره إفراد الأحد بالصوم، والجامع: أن كلًّا منهما مُعظَّم عند الكفار؛ حيث إن يوم السبت معظَّم عند اليهود؛ لأنهم يعتقدون أن تمام الخلق وقع فيه، ويوم الأحد معظَّم عند النصارى؛ لأنهم يعتقدون أن بدء الخلق وقع فيه، فإن قلتَ: لِمَ كُره أفراد الجمعة، والسبت والأحد، بالصوم؟ قلتُ: لأن يوم الجمعة يوم عيد الأسبوع، ويوم العيد يُفطر فيه ـكما قال النووي-، وكذا هو يوم ذكر ودعاء وعبادة وذهاب إلى صلاة الجمعة وذلك يشق مع الصوم، فدفعًا لذلك: كُرِه صيامه، أما السبت والأحد فكره إفرادهما بالصوم؛ لئلا يقع في ذلك التعظيم الذي يعتقده الكفار لهما، فيكون في ذلك تشبه بهم.
(^١٧) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم أيَّ يوم يُعظَّمه الكفار بالصوم كيوم النيروز، ويوم المهرجان، ويوم الفصح، ويوم النور، ويوم العيد الكبير، ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن صيامها فيه نوع تعظيم لها، فتحصل موافقته للكفار في تعظيمها، وقد يتأثَّر المسلم بذلك، فدفعًا لذلك كُرِه، فائدة: المراد بيوم النيروز هو: أول يوم تنتهي فيه الشمس إلى أول بُرج الحمل عندهم، وهو عيد لهم، وهو وقت اعتدال ربيعي، والمراد بيوم المهرجان: أول يوم من السنة القبطية، وهو وقت الاعتدال الخريفي.
(^١٨) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم يوم الشك بالصوم تطوعًا ـوهو: اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان وبعض يتحدَّث برؤيته ولكنه لم يثبت-، أما إن وافق هذا اليوم: يوم خميس أو اثنين وكان من عادته صومهما، أو كان يصوم واجبًا واجبًا من قضاء، أو نذر أو كفارة: فلا يُكره صومه؛ للسنة القولية؛
[ ٢ / ٤٢٣ ]
ويُكره الوصال، وهو أن لا يُفطر بين اليومين، أو الأيام، (^١٩) ولا يُكره إلى السَّحر، وتركه أولى (^٢٠) (ويحرم صوم) يومي (العيدين) إجماعًا؛ للنهي المتفق عليه (ولو في
وهي من وجهين: أولهما: قول عمار: "من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " والمقصود أن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يُستحب، بل تركه أولى؛ احتياطًا، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هو: أن ذلك قُصد منه الاحتياط؛ لئلا يُخذ ذريعة إلى أن يُلحق بالفرض ما ليس منه، وهذا الحديث دال على إثبات جواز هذا اليوم لرجل قد اعتاد صوم الاثنين أو الخميس ووافق هذا اليوم أحدهما، أو كان يصوم صوم واجب؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فائدة: لا يجوز لأحد أن يتكنَّى بأبي القاسم في حياة النبي ﷺ؛ لئلا يختلط بكنيته ﷺ، أما بعد وفاته فيجوز؛ لعدم المانع، فائدة أخرى: الحديث المعلَّق: ما حُذف من مبدأ إسناده را وفأكثر على التوالي.
(^١٩) مسألة يُحرَّم الوصال وهو: أن يصوم اليومين أو الثلاثة بدون إفطار بالليل؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الوصال" فقالوا: إنك تواصل، قال: "إني لستُ مثلكم إني أُطعم وأُسقى " والنهي هنا مُطلق، فيقتضي التحريم، ولا صارف له، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مضرَّ بالمسلم ضررًا بليغًا، فدفعًا لذلك حرم، أصله قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، فإن: قلتَ: إن الوصال مكروه -وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لا دليل على ذلك، ولم أجد صارفًا قد قوي على صرف النهي هنا إلى الكراهة.
(^٢٠) مسألة: يُباح أن يواصل صومه من فجر يوم السبت إلى قبيل الفجر من يوم الأحد -وهو: السحر- مثلًا، ولكن الأفضل ترك ذلك، وأن يُعجِّل الفطر؛=
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فرض و) يحرم (صيام أيام التشريق)؛ لقوله ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" رواه مسلم (^٢١) (إلا عن دم متعة وقِران) فيصح صوم أيام التشريق لمن
للسنة القولية، وهي من وجهين أولهما قوله ﷺ: "فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل إلى السحر" وهذا الأمر للإباحة؛ لأنه ورد بعد النهي عن الوصال، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" حيث دلَّ بمفهوم الصفة على أن المؤخر للفطر -وهو المواصل إلى السحر- يُحرم من تلك الخيرية، فإن قلتَ: لو لم يكن في الوصال إلى سحر خير وفضل لما أباحه ﷺ في الحديث الأول قلتُ: لا شك أن في وصال الصوم إلى سحر الله تعالى أجر عظيم؛ للمشقة التي يعانيها في ذلك، لكن هذا الأجر لا يُساوي أجر تعجيل الفطر وعدم الوصال؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
(^٢١) مسألة: يحرم صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن صوم يومي العيدين، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لأن صيام يوم عيد الفطر فيه ذريعة إلى الزيادة على صوم الواجب -وهو رمضان- وهو منهي عنه، ولأن يوم عيد الأضحى، يوم ضيافة الله لعباده، وفي صومهما إعراض عن تلك الضيافة، وهذا لا يجوز، ولأن إباحة الذبح في يوم الأضحى لا يجتمع مع الصوم؛ فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بأيام التشريق؟ قلتُ: لأن الناس كانوا يضعون لحوم الأضاحي في الشمس حتى تُشرق عليها بعد ما يضعون فيه الملح، فييبس تحت ضوء الشمس، ثم يجمعونه بعد ذلك في أكياس، فيأكلون منه شهورًا، لذلك نهى ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل فقراء أحاطوا بالمدينة في عام من الأعوام وذلك ليتصدقوا باللحم عليهم فلا يدَّخروه. تنبيه: قد سبق بيان حكم صوم أيام التشريق، وأنه مختلف فيه في الفرع التابع لمسألة (٢٢) من "حقيقة الصيام وحكمه وأحكام نيته .. "
[ ٢ / ٤٢٥ ]
عدم الهدي؛ لقول ابن عمر وعائشة: "لم يُرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري (^٢٢) (ومن دخل في فرض موسَّع) من صوم أو غيره: (حُرِّم قطعه) كالمضيَّق، فيحرم خروجه من الفرض بلا عذر، لأن الخروج من عهدة الواجب مُتعيِّن، ودخلت التوسعة في وقته؛ رفقًا ومظنة للحاجة، فإذا شرع: تعيَّنت المصلحة في إتمامه، (^٢٣) (ولا يلزم) الإتمام (في النفل) من صوم وصلاة، ووضوء
(^٢٢) مسألة: يجوز للمتمتع والقارن في الحج أن يصوم أيام التشريق إذا لم يجد الهدي، للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص في ذلك ـكما قال ابن عمر وعائشة ﵂-؛ فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن غير القادر على الهدي قد لا يجد إلا تلك الأيام الثلاثة ليصومها في الحج حيث إن الواجب عليه صيام عشرة أيام عن الهدي: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فأباح له صيامها؛ توسعة منه سبحانه.
(^٢٣) مسألة: يجب على المسلم إذا دخل في واجب موسَّع: أن يُتمُّه، ولا يجوز قطعه بلا عذر فلو دخل في قضاء رمضان، أو صوم نذر أو نحو ذلك: فلا يجوز قطعه إلا بعذر؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز قطع صيام الواجب المضيِّق وهو رمضان إذا دخل فيه إلا بعذر -من سفر ومرض ونحوهما- فكذلك الواجب الموسَّع إذا دخل فيه والجامع: أن كلًّا منهما قد تعيَّن صومه، فالواجب المضيق قد عيَّنه الله تعالى، والواجب الموسَّع قد عيَّنه المكلَّف نفسه بالدخول فيه؛ لما في التعيين من المصلحة التي ترجَّحت على مصلحة التوسعة التي شرعها الشارع رحمة بالعبد، وقد فصَّلتُ الكلام عن هذا في كتابي: "الواجب الموسَّع عند الأصوليين"، وقلتُ فيه: إن هذا من الأقسام التي ينقلب فيها الموسَّع إلى مضيق.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وغيرها؛ لقول عائشة ﵂: يا رسول الله: لقد أهدي لنا حيس، فقال: "أرنيه فلقد أصبحتُ صائمًا فأكل"، رواه مسلم وغيره، وزاد النسائي بسند جيد: "إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها" وكُره خروجه منه بلا عذر (ولا قضاء فاسده) أيَّ: لا يلزم قضاء ما فسد من النفل (^٢٤) (إلا الحج) والعمرة فيجب إتمامهما؛ لانعقاد الإحرام لازمًا، فإن
(^٢٤) مسألة: لا يجب إتمام النفل من صوم وصلاة بمجرَّد الشروع والدخول فيه، وبناء على ذلك: يُباح الخروج من النفل متى شاء، بلا عذر، ولا إثم، ولا يقضي ما فسد منه؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صام تطوعًا، فأكل في النهار وهذا مطلق؛ حيث لم يرد أنه بعذر أو لا، ولم يرد أنه قضاه ولا بيَّن وجوب قضائه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود ﵃ أنهم كانوا يُصبحون صائمين تطوعًا، ثم يُفطرون بالنهار، وهذا مطلق، فلم يرد أن ذلك كان بعذر أو لا، ولم يرد عنهم أنهم قضوا ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير المندوبات، وإعانة على تكثيرها؛ إذ التوسعة في الشيء يُسهِّل أمر إيقاعه؛ إذ لو وجب النفل بالشروع فيه لشق ذلك على الناس، فإن قلتَ: إن النفل يلزم بالشروع فيه، وإذا أفسده بلا عذر فيجب قضاؤه وهو قول أبي حنيفة وكثير من العلماء، وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعائشة ﵂: "اقضيا يومًا مكانه" لما قالتا له إنا أصبحنا، صائمتين فلما أهدي إلينا حيس أفطرنا عليه في النهار، والأمر هنا للوجوب؛ لأنه مطلق، ولا يمكن ذلك إلا إذا كان النفل يلزم بالشروع فيه قلتُ: هذا الحديث ضعيف بناء على قول كثير من أئمة الحديث، وعلى فرض قوته: فيُحمل الأمر هنا على أمر الاستحباب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فنعمل بالسنة =
[ ٢ / ٤٢٧ ]
أفسدهما، أو فسدا لزمه القضاء (^٢٥) (وتُرجى ليلة القدر في العشر الأخير) من رمضان؛ لقوله ﷺ: "تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه وفي الصحيحين: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا: غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" زاد أحمد "وما تأخرَّ" وسُمِّيت بذلك؛ لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، أو لعظم قدرها عند الله، أو لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وهي أفضل الليالي، وهي باقية لم تُرفع؛ للأخبار (وأوتاره أكد)؛ لقوله ﷺ: "اطلبوها في العشر الأواخر: في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع بقين" (وليلة سبع وعشرين أبلغ) أي: أرجاها؛ لقول
الفعلية؛ لضعف القولية، وهم عملوا بالقولية؛ لقوتها عندهم، فإن قلتَ: يُكره خروجه من النفل بلا عذر وهو ما ذكره المصنف، قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية؛ إلا مراعاة الخلاف وليس بدليل مُعتبر.
(^٢٥) مسألة: الحج والعمرة يلزمان بالشروع فيهما، ويقضيان إذا فسدا: سواء كانا واجبين أو مستحبين، فلو حج مسلم نفلًا، ثم أفسد ذلك بالجماع قبل التحلل الأول: فإنه يلزمه إتمامه، وعليه قضاؤه من العام المقبل، وعليه كفارة وهي: ذبح بدنة، وإن دخل في عمرة نفلًا ثم أفسدها: فعليه أن يتمها، ثم يُعيدها كاملة، وعليه ذبح شاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وهذا عام في الواجب والنفل والأمر في الإتمام مطلق، فيقتضي وجوب الإتمام، الثانية: القياس، بيانه: كما أن العلماء أجمعوا على أن الكفارة واجبة في إفساد الحج والعمرة بالجماع قبل التحلُّل الأول، ولا يُفرقون بين النفل والواجب في ذلك، فكذلك قضاؤهما يجب، ولا يُفرق بين نفله وواجبه، والجامع: أن كلًّا منهما قد انعقد الإحرام فيه لازمًا، ولا يمكن الخروج منهما بالمحظورات، وهذا هو المقصد وسيأتي بيانه في الحج إن شاء الله.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
ابن عباس وأبي بن كعب، وغيرهما وحكمة إخفائها: ليجتهدوا في طلبها (^٢٦)
(^٢٦) مسألة: يُرجى أن تكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ويُتأكد طلبها في الوتر من ليالي العشر، أيَّ: في ليلة الواحد والعشرين، وفي ليلة الثالث والعشرين، وفي ليلة الخامس والعشرين، وفي ليلة السابع والعشرين، وفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان، وكونها ليلة السابع والعشرين أكد تلك الليالي، وهي باقية في الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، لم ترفع، وهي من خصائص هذه الأمة، وهي أفضل ليالي السنة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ حيث إن هذا عام في الأزمان، فلم يُخصَّص زمن بها دون زمن فيلزم من ذلك: عدم رفعها، وهو يدل على أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر -وهو ما يُعادل ثلاثًا وثمانين عامًا تقريبًا-، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولهما: قوله ﷺ: "التمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها" حيث بيَّن أنها تتأكد في ليالي الوتر منها، وهذا عام لجميع المسلمين إلى قيام الساعة؛ لأن "الواو" من صيغ العموم، ثانيها: قوله ﷺ: "اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين، أو سبع أو تسع بقين"، ثالثها: قوله ﷺ: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدم من ذنبه" حيث دل هذا على أنها أفضل الليالي والأيام أيضًا، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وأُبي بن كعب أنهما قالا: "إنها سبع وعشرين من رمضان" فإن قلتَ: لِمَ أُخفيت ليلة القدر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إخفائها يجعل المسلم يجتهد في العبادة في تلك العشر الأواخر لعلَّه يُصيبها، كما أُخفيت ساعة الإجابة في يوم الجمعة، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأنه يُقدَّر فيها تقديرًا خاصًا الأرزاق، والأعمار، والآجال ما سيكون في تلك السنة إلى مثلها من السنة المقبلة، وهو قول أكثر
[ ٢ / ٤٢٩ ]
(ويدعو فيها)؛ لأن الدعاء مُستجاب فيها (بما ورد) عن عائشة قالت: يا رسول الله: إن وافقتها فِيمَ أدعو؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" رواه أحمد وابن ماجه، وللترمذي: معناه وصحَّحه، ومعنى: العفو: الترك، وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة، فما أُوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة" فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمُّنها دوام العافية. (^٢٧)
العلماء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ فإن قلتَ: لِمَ تتأكد في الوتر من الليالي؟ قلتُ: لأن الله وتر يحب الوتر. [فائدة]: علامة ليلة القدر: طلوع الشمس في صبيحتها صافية ليس لها شُعاع، مخالفة بذلك عادتها، ومن صادفها فإنه يشعر بانبساط في نفسه؛ وانشراح في صدره، وطمأنينة في قلبه؛ وراحة في بدنه أكثر مما يجده في الليالي العادية، ويكثر رزقه، وتقلُّ مصائبه بمشيئة الله تعالى.
(^٢٧) مسألة: يُستحب أن يكثر المسلم الدعاء في ليلة القدر، وأفضل الأدعية ما ورد وهو: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" و"اللهم إن أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة" ويدعو بما شاء مما يحتاجه في الدنيا والآخرة؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد عائشة لهذا، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت: وقت إجابة، وهذا الدعاء مُتضمِّن لزوال الشرور الماضية، والحاضرة، والمستقبلة، مما يُؤدِّي إلى الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
هذه آخر مسائل باب "صوم التطوع" ويليه باب "الاعتكاف"
[ ٢ / ٤٣٠ ]