الذمة: لغة: العهد، والضمان، والأمان، ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط: بذل الجزية، والتزام أحكام الملَّة، (^١) والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢) (لا يُعقد) أي: لا يصح عقد
باب عقد الذمة وأحكامها
وفيه أربع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الذمة: لغة هي: العهد، والضمان، والأمان: بأن تُعطي غيرك عهدًا، أو ضمانًا أو أمانًا بأن لا تؤذيه، وأن تحميه من الآخرين ببدل أو بدونه، وعقد الذمة اصطلاحًا: أن يُدعى الكفار إلى الإسلام، فإن أبوه: فإنهم يُبقون في ديار الإسلام على كفرهم بشرط دفع الجزية، والتزام أحكام الشريعة، ويُسمَّى المعقود له: "ذمِّيًا"، فإن قلتَ: ما الفرق بينه وبين المعاهد والمستأمن؟ قلتُ: المستأمن هو: من دخل دار الإسلام بأمان من إمام المسلمين أو نائبه أو أحد المسلمين، والمعاهد هو: من عقد معه عقد مُعاهدة ومُهادنة ولو كان في ديار الكفار - كما سبق -، وهذان لا يدفعان الجزية، أما الذمي: فهو الذي يُقيم في ديار المسلمين مع دفعه للجزية.
(^٢) مسألة: يصح عقد الذمة أهل الكتاب بشرطين: أولهما: أن يُعطوا الجزية التي يقدِّرها الإمام عليهم كل عام على وجه الذّلِّ، ثانيهما: أن يلتزموا الأحكام الإسلامية، فتُقام عليهم أحكام الجنايات، والحدود، والعقوبات، والمعاملات؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فأوجب الشارع قتالهم؛ لأن الأمر مُطلق فيقتضي الوجوب، ودلَّ مفهوم الغاية على =
[ ٢ / ٦٨٦ ]
الذمة (لغير المجوس)؛ لأنَّه يروى أنه كان لهم كتاب فرُفع، فصارت لهم بذلك شبهة، ولأنه ﷺ "أخذ الجزية من مجوس هجر" رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف (وأهل الكتابين): اليهود والنصارى على اختلاف طوائفهم (ومن تبعهم) فتديَّن بأحد الدينين كالسامرة، والفرنج والصابئين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (^٣) (ولا يعقدها) أي: لا يصح عقد الذمة (إلا) من (إمام أو نائبه)؛ لأنَّه
أنهم لا يُقاتلون إذا دفعوا الجزية عن ذل وصغار، الثانية: السنة القولية؛ حيث كان ﷺ يقول لمن يُرسله للغزو: "ادعهم للإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى دفع الجزية، فإن أبوا فقاتلهم"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حماية حقوق المسلمين تقتضي اشتراط الشرط الثاني، فإن قلتَ: لمَ صحَّ عقد الذمة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء الكافر مهلة ليُفكر في الإسلام، وهذه دعوة إليه، وقد ثبت أن أكثر الكفار أسلموا عن اقتناع بسبب هذه المهلة، فإن قلتَ: لمَ وجبت عليهم الجزية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الجزية بدل وعوض عن قتلهم وأسرهم، وأجرة لحمايتهم، وليس هو بدل عن إقرار دينهم.
(^٣) مسألة: عقد الذمة يصح لأربعة أصناف من الكفار: أولهم: اليهود، وهم الذين هادوا عن عبادة العجل ويعملون بالتوراة، ثانيهم: النصارى: نسبة إلى بلدة "ناصرة" بالشام، ويعملون بالإنجيل، ثالثهم: المجوس، وهم الذين اعتنقوا المجوسية من العرب وغيرهم بسبب مجاورتهم للفرس، وهم يعملون بكتاب رُفع عنهم، رابعهم: التابعون لليهود أو النصارى أو المجوس، المتدينون بدينهم العاملون بأحد الكتب الثلاثة مثل: "السامرة" طائفة وهي من اليهود: نُسبوا إلى السامري، و"الفرنج" وهم: الروم، ويُقال لهم بنوا الأصفر، وهذه التسمية نسبة إلى جزيرة "فرنجة"، و"الصابئة" وهم: الذين انتقلوا من اليهودية إلى النصرانية أو بالعكس، ولا فرق بين عربي وأعجمي في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ =
[ ٢ / ٦٨٧ ]
عقد مُؤبَّد، فلا يفتات على الإمام فيه، ويجب إذا اجتمعت شروطه (^٤) (ولا جزية)
حيث قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فأوجب قتال جميع الكفار؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودلَّ مفهوم الغاية على أنهم إذا أعطوا الجزية عن ذل وصغار لا يُقاتلون، وهذا عام لجميع الأصناف الأربعة: فاليهود والنصارى يدخلون في هذا العموم بوضوح، وكذا: المجوس؛ إذ كان لهم كتاب فرُفع، وغيرهم من أتباعهم كذلك؛ لأنهم عملوا بتلك الكتب الثلاثة، حيث إن "الذين" الموصولة، و"واو الجمع" في قوله: "أوتوا" من صيغ العموم المتفق عليها، الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد أخذ الجزية من المجوس وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فإن قلتَ: لمَ صحَّ عقد الذمة مع هذه الأصناف فقط دون غيرهم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هؤلاء يؤمنون بالله، ويعتقدون توحيده، وأنَّه خالق كل شيء، لكنهم لا يؤمنون برسالة محمد ﷺ، وبهذا نأمنهم على أنفسنا، أما غير تلك الأصناف الأربعة: كعبدة الأوثان، والنيران، والشمس، وأهل الإلحاد: فليسوا مثل من سبق في الإيمان بالله، ولذلك لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل؛ حتى نأمن على أنفسنا منهم.
(^٤) مسألة: لا يتولّى عقد الذمة مع الكفار إلا إمام المسلمين أو نائبه، فلا يصح من آحاد المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الذمة مُؤيَّد فيلزم من كونه كذلك: أن لا يفوت الإمام الاطلاع على تفاصيله والنظر فيه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام الأعظم أو نائبه يعرف الكفار بشكل مُفصَّل، ويعرف الصالح من الطالح منهم عن طريق جواسيسه وعيونه، فيكون تولِّيه لعقد الذمة أنفع للإسلام والمسلمين، تنبيه: قوله: "ويجب إذا اجتمعت =
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وهي: مال يُؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا (على صبي ولا امرأة) ومجنون، وزمن وأعمى وشيخ فإن، وخنثى مُشكل (ولا عبد، ولا فقير يعجز عنها)، (^٥) وتجب على عتيق ولو لمسلم (^٦) (ومتى صار أهلًا لها) أي: للجزية: (أخذت منه في آخر الحول) بالحساب (^٧) (ومتى بذلوا الواجب عليهم)
شروطه" يقصد: يجب عقد الذمة بشروط ثلاثة: كونه سيدفع الجزية، وكونه سيلتزم بأحكام الشريعة، وكونه من أهل الكتاب، وقد سبق بيان ذلك في مسألتي (٢ و٣).
(^٥) مسألة: لا تؤخذ الجزية من أي كافر يعجز عنها: كالصبي، والمجنون، والمرأة، والخنثى، والزَّمن - وهو من أقعده المرض -، والأعمى، والشيخ الفان، والضعيف، والعبد الرقيق، والفقير، والراهب، ونحو هؤلاء ممن شابههم ممن لا يُخاف منهم؛ للمصلحة؛ حيث إن أخذ الجزية من هؤلاء يضرُّ بهم إضرارًا ظاهرًا، فدفعًا لذلك: شرع هذا، وهذا فيه تحبيب للإسلام في نفوس الكفار، وهو دعوة إلى الإسلام.
(^٦) مسألة: يجب أخذ الجزية على الرجل العتيق من أهل الكتاب: سواء كان الذي أعتقه مسلمًا أو كافرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه حُرًّا مُكلفًا موسرًا قادرًا على القتال أن لا يُقر على دينه، وفي ديار الإسلام إلا بدفع الجزية.
(^٧) مسألة: تُؤخذ الجزية ممن صار أهلًا لها في آخر العام عن عام كامل كالأجرة، ومن صار أهلًا لها في منتصف العام مثلًا كأن يبلغ الصبي، أو يعقل المجنون ونحو ذلك: فإن الجزية تؤخذ منه عن المدة التي عقل، أو بلغ فيها: فمثلًا لو كانت الجزية تؤخذ عن كل شخص (١٢٠٠) درهمًا في العام كله، وبلغ هذا الصبي من الكفار في منتصف العام: فإنه يؤخذ منه (٦٠٠) درهمًا وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه صار أهلًا لدفع الجزية في هذا الوقت أن تلزمه =
[ ٢ / ٦٨٩ ]
من الجزية: (وجب قبوله) منهم (وحرم قتالهم) وأخذ مالهم، ووجب دفع من قصدهم بأذى ما لم يكونوا بدار حرب، (^٨) ومن أسلم بعد الحول: سقطت عنه (^٩) (ويمتهنون عند أخذها) أي: أخذ الجزية (ويُطال وقوفهم، وتُجرُّ أيديهم) وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ولا يُقبل إرسالها (^١٠) فصل: في أحكام أهل الذمة
الجزية عن تلك المدَّة بحسابها؛ نظرًا لكون هذا هو الواجب، وهو الذي يُحقق العدالة والإنصاف الذي جاء به الإسلام، وهو المقصد منه.
(^٨) مسألة إذا دفع أهل الذمة الجزية بأوصافها وشروطها، ووقتها: فيجب على الإمام أو نائبه قبولها، ولا يجوز ردُّها، ولا يجوز مسُّهم بأي أذى: كقتلهم أو أخذ مالهم أو استرقاقهم، أو الاعتداء على أعراضهم أو نحو ذلك، ويجب أيضًا أن يحميهم من أي أذى، إذا كانوا بدار الإسلام، أما إن كانوا بدار الحرب: فلا يجب ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث كان ﷺ يقول: "ادعهم إلى دفع الجزية، فإن هم أجابوك لذلك فاقبل منهم وكفَّ عنهم" فأوجب الشارع كفَّ عنهم كل ما يُؤذيهم؛ لأن الأمر مُطلق فيقتضي الوجوب، والكف مطلق، فيشمل كل ما ذكرناه، وهذا من حقهم علينا.
(^٩) مسألة: إذا وجبت الجزية على فرد منهم، وحان، دفعها، ولكنه أسلم: فإن تلك الجزية تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أسلم على شيء فهو له" فمنطوقه قد دلَّ على أن الكافر إذا أسلم وعنده شيء من حقوق الله تعالى لم يدفعه: فإنه يسقط عنه ومفهوم الشرط قد دل على استمراره على دفع الجزية إذا لم يسلم فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحبيب للإسلام، والدعوة إليه.
(^١٠) مسألة: لا تؤخذ الجزية من ذمي إلا وهو قائم والمسلم الآخذ يكون جالسًا، وأن يُوقف الكافر عند دفعها، وأن تُجرُّ يده، وهذا ينبغي أن يحصل بدون إيقاع =
[ ٢ / ٦٩٠ ]
(ويلزم الإمام أخذهم) أي أخذ أهل الذمة (بحكم الإسلام في) ضمان (النفس، والمال، والعرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه) كالزنا (دون ما يعتقدون حلَّه) كالخمر؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام - كما تقدم - وروى ابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ أُتيَ بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما: فرجمهما (^١١) (ويلزمهم التميُّز عن المسلمين) بالقبور: بأن لا يُدفنوا في مقابرنا،
تعذيب لهم، أو يُشق عليهم بطريقة يكرهون الإسلام بسببها، ولا تُقبل منهم بواسطة، بل لا بدَّ أن يدفع كل واحد الجزية بنفسه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وهذه الأفعال التي عليها الكافر عند دفع الجزية يُحقق الصغار والذل له، ويُحقق عزَّة الإسلام، لكن بدون تعذيب لهم؛ لئلا يكرهون الإسلام.
(^١١) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يُعامل الذمي معاملة المسلم في ضمان النفس، والمال، والعرض، وجميع المعاملات، والحدود، والجنايات فيما يعتقدون تحريمه في دينهم، فإذا قتل أو سرق، أو زنا، أو قذف: أقيمت عليهم الحدود، وإذا أتلف شيئًا: وجب ضمان ما أتلفه، وإن فعل معصية لا حد فيها كالغيبة والنميمة ونحوهما: عُزِّر كالمسلم تمامًا، أما إذا فعلوا شيئًا لا يعتقدون تحريمه كشرب الخمر: فلا يُقام عليهم حدُّه، لكن يُمنعون من إظهاره، أما العبادات: كالصلاة والزكاة، والصوم، والحج: فلا يُطالبون بها؛ لقواعد؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ رجم يهوديين قد زنيا وهما محصنان، ورضَّ رأس يهودي كان قد رضَّ رأس جارية بين حجرين حتى ماتت؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن إقامة تلك الحدود والعقوبات عليهم فيه محافظة على حقوق المسلمين، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الذمة: أن يُقروا على كفرهم فيما يعتقدون حله.
[ ٢ / ٦٩١ ]
والحلي بحذف مقدَّم رؤوسهم، لا كعادة الأشراف، ونحو شد زنَّار، ولدخول حمامنا جُلْجُل، أو نحو خاتم رصاص برقابهم، (ولهم ركوب غير خيل) كالحمير (بغير سرج) فيركبون (بإكاف) وهو: البرذعة؛ لما روى الخلال: "أن عمر ﵁ أمر بجزِّ نواصي أهل الذمة، وأن يشدُّوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض" (ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم، ولا بداءتهم بالسلام) أو بـ "كيف أصبحت أو أمسيت أو حالك؟ "، ولا تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم، وشهادة أعيادهم؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها" قال الترمذي حديث حسن صحيح (^١٢)
(^١٢) مسألة: يجب أن يتميز الذمي عن المسلم بما يلي: أولًا: أنه لا يُدفن في مقابر المسلمين، ثانيًا: أن يحلق مُقدِّمة رأسه: بأن يزيلوا النواصي، ثالثًا: أن يشدَّ ويربط وسطه بزنار وهو: الحبل الذي يُرخى شيئًا منه، رابعًا: أن يجعل شيئًا له صوت في عنقه كجرس صغير عند دخول حمام المسلمين - وهو "الجلجل" -، أو يضع في عنقه حبلًا يجعل في وسطه خاتمًا من حديد أو رصاص، خامسًا: أن يركب غير الخيل من حمار أو بغل، وأن يركب عليها بالعرض: بأن تكون رجلاه إلى جانب وظهره من الجانب الآخر، سادسًا: أن يكون ركوبه على ظهر الدابة بدون شيء بينهما، أو بالبردعة - وهو كساء لا قيمة له يُلقى على ظهر الدابة - سابعًا: أن لا يُجعل في صدر المجلس، ولا يقام له إذا أقبل، ولا يُبدأ بالسلام، ولا يُسأل عن حاله في الصباح والمساء، ولا يُهنأ في أفراح، ولا يُعزَّى في مصائب إلا عند الضرورة، ولا يُعاد إذا مرض، ولا يُشهد عيد من أعياده، ويُضيَّق عليه إذا مشى قليلًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها" وما ذكر من فعل أشياء لاحتقارهم، وإعزاز الإسلام =
[ ٢ / ٦٩٢ ]
(ويُمنعون من إحداث كنائس وبيع) ومجتمع لصلاة في دارنا (و) من (بناء ما انهدم منها ولو ظلمًا)؛ لما روى كثير بن مُرَّة قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا تُبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها" (^١٣) (و) يُمنعون أيضًا (من تعلية بنيان على مسلم) ولو رضي؛ لقوله ﷺ: "الإسلام يعلوا ولا يُعلى عليه" وسواء لاصقه أو لا، إذا كان يُعدُّ جارًا له، فإن علا: وجب
مثل مضايقتهم في الطريق؛ لعدم الفارق حيث إن هذا من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ "قد أمر بجزِّ نواصي أهل الذمة وأن يشدُّوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن إعزاز المسلمين، والحذر من الذميين وأخذ الحيطة منهم يستلزم تلك الميزات التي ينبغي أن يفعلها الذمي، فإن قلتَ: لمَ يُهنأ الذمي أو يُعزَّى عند الضرورة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب دفع الأذى عن المسلمين.
(^١٣) مسألة: يجب منع أهل الذمة من إحداث وبناء كنائس لهم، ومجمعات صلاة لهم جديدة، وإذا انهدمت كنيسة: فلا يُسمح لهم بأن يُعيدوها؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "لا تُبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها" فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إذلال لهم، ولا يُؤذن بذلك ولو أذن الكفار ببناء المساجد للمسلمين عندهم؛ لأن ديننا قد نسخ دينهم، فيكون بناء المساجد قائمًا على حق، وبناء الكنائس باطل، ولا يُقرون على الباطل. [فرع]: إذا اعتدى بعض المسلمين على كنيسة لأهل الذمة فهدمها فيجب على الإمام أو نائبه أن يعيدها لهم، أو يأذن لهم في إعادتها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الظلم عنهم - وهو من مقتضيات عقد الذمة -، وفيه تحسين صورة الإسلام عند الكفار، وفيه دعوة إليه، وهذه المصلحة قد خصَّصت عموم قوله ﷺ: "ولا يجدَّد ما خرب منها".
[ ٢ / ٦٩٣ ]
نقضه (^١٤) و(لا) يمنعون من (مساواته) أي: البنيان (له) أي: لبناء المسلم؛ لأن ذلك لا يقتضي العلو، (^١٥) وما ملكوه عاليًا من مسلم لا يُنقض، ولا يعاد عاليًا لو انهدم (^١٦) (و) يُمنعون أيضًا (من إظهار خمر وخنزير) فإن فعلوا: أتلفناهما (و) من إظهار (ناقوس، وجهر بكتابهم) ورفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن، ومن إظهار أكل وشرب في نهار رمضان، (^١٧) وإن صولحوا في بلادهم على جزية أو
(^١٤) مسألة: يجب منع الذمِّي من أن يبني بناء يكون سقفه أعلى من بناء جيرانه من المسلمين سواء كانت لاصقة لبناء المسلم أو لا، فإن فعل ذلك: يجب أن ينقض حتى يساوي بناء المسلم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه" وهذا عام للأمور المعنوية كالأخلاق ونحوها والأمور الحسية كالبنايات، ونحوها وهذا فيه إعزاز المسلمين.
(^١٥) مسألة: لا يُمنع الذمي من بناء دار يساوي ارتفاعها بناء المسلم، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه" حيث إن مفهوم الصفة قد دلَّ على أن الذمي لا يمنع من مساواة المسلم في البناء.
(^١٦) مسألة: إذا اشترى ذمِّي دارًا من مسلم وكان بناؤها أعلى من بناء بعض المسلمين فلا يُنقض، بل يسكنها على ما هي عليه، فإن انهدم لا يُعاد عاليًا؛ للمصلحة؛ حيث إن نقضها إفساد للبناء الذي بناه المسلم، وضياع للمال الذي دفعه الذمي وهذا إضرار به لا يُقرِّه الإسلام؛ لأنَّه: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(^١٧) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يمنع الذمي من إظهاره شرب الخمر، وأكله لحم الخنزير، وإن فعل ذلك وجب إتلافهما، وكذلك يمنعه من إظهار قراءة كتبه، ونواقيسه، ويُمنع من رفعه لصوته، ويُمنع من شراء مصحف، وقراءته فيه، ويُمنع من إظهار أكل أو شرب في نهار رمضان؛ للمصلحة؛ حيث =
[ ٢ / ٦٩٤ ]
خراج: لم يُمنعوا شيئًا من ذلك، (^١٨) وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذن له مسلم، (^١٩) وإن تحاكموا إلينا: فلنا الحكم والترك؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، (^٢٠) وإن اتَّجر إلينا حربي: أخذ منه العشر وذمي
إن إظهار ذلك فيه إفساد للمسلمين، وتشويش على عباداتهم، وجرح لشعور المسلمين قد يؤثر على بعض ضعاف المسلمين.
(^١٨) مسألة: إذا وقع بين الكفار والمسلمين صلح وعقدوا هدنة اتفق فيها الفريقان على السلم، وأن يدفع الكفار الجزية للمسلمين أو خراجًا وهم باقون في بلادهم دون أن يدخلوا بلاد المسلمين: فلا يمنعهم إمام المسلمين أو نائبه من فعل أي شيء أرادوه - كما سبق في مسألة (١٧) - ولا يأمرهم بأن يتميزون عن المسلم بشيء من المميزات السبع - كما سبق في مسألة (١٢) -؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للذمي أن يفعل أي شيء داخل منزله دون تدخُّل إمام المسلمين أو نائبه، فكذلك يجوز له أن يفعل أيَّ شيء داخل بلاده، والجامع: عد تضرُّر المسلمين في كل، وهو المقصد منه.
(^١٩) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يمنع أيَّ كافر - ذمي وغيره - من دخول أيِّ مسجد: سواء كان قد أذن له واحد من المسلمين أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس: الأولى؛ بيانه: كما أن الحائض والنفساء والجنب يُمنعون من دخول المساجد وهم مسلمون، فمن باب أولى أن يُمنع الكافر من دخولها، والجامع: النجاسة في كل، بل نجاسة الكافر أغلظ، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر، وعلي، وأبا موسى الأشعري ﵃ قد منعوا كفارًا من دخول المساجد، وأخرجوا من دخل منهم.
(^٢٠) مسألة: إذا وقع تنازع بين طائفتين من أهل الذمة، أو فردين منهم، وطلبوا أن يحكم بينهم إمام المسلمين أو نائبه: فله الخيار: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء =
[ ٢ / ٦٩٥ ]
نصف العشر؛ لفعل عمر ﵁، مرَّة في السنة فقط (^٢١). ولا تُعشَّر أموال المسلمين (^٢٢)
تركهم، فإن حكم بينهم: فإنه يحكم بحكم الإسلام وإن لم يطلبوا من إمام المسلمين الحكم بينهم فليس له الحق بأن يُرغمهم على الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه إلا إذا خشي على المسلمين من هذا التنازع فيتدخل هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وحرف "أو" للتخيير، الثانية: التلازم؛ حيث إن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع السابقة فيلزم: أن لا يصح حكم إلا بها على المسلمين وعلى غيرهم، ويلزم من عقد الذمة: تركهم يحلُّوا مشاكلهم على حسب دينهم إذا لم يطلبوا من إمامنا الحكم بينهم، فإن قلتَ: لمَ شُرع تدخُّل إمام المسلمين إذا خشي على المسلمين من تنازع الكفار فيما بينهم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من أنواع الدفاع عن المسلمين.
(^٢١) مسألة: إذا اشتغل كافر حربي بالتجارة في بلاد المسلمين: فإن إمام المسلمين أو نائبه يأخذ عشر مكسبه مرَّة في كل عام دفعة واحدة، وإذا اشتغل كافر ذمي بالتجارة في بلاد المسلمين: فإن الإمام أو نائبه يأخذ نصف عشر مكسبه: فمثلًا لو كسب الحربي مائة درهم: فإنه يؤخذ عشرة دراهم، ولو كسب الذمي مائة: فيؤخذ خمسة دراهم وهكذا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد استعمل الأراضي الإسلامية في تجارته، وفُرِّق بينهما في الأخذ: لأن الحربي لا تُؤخذ منه جزية، والذمِّي تُؤخذ منه، فروعي ذلك.
(^٢٢) مسألة: لا يجوز للإمام أو نائبه أن يأخذ من أموال المسلمين إلا الزكاة إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول، وبناء عليه: فإنه يحرم عليه أن يأخذ عشر أموال المسلمين أو الضرائب، أو الكُلَف ولا غير ذلك؛ للاستقراء؛ حيث إنه =
[ ٢ / ٦٩٦ ]
(وإن تهوَّد نصراني أو عكسه): بأن تنصَّر يهودي: (لم يُقر)؛ لأنَّه انتقل إلى دين باطل، قد أقرَّ ببطلانه، أشبه المرتد (ولم يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه) الأول، فإن أباهما، هُدِّد، وحُبس، وضرُب، قيل للإمام: أنقتله؟ قال: لا (^٢٣) فصل: فيما ينقض
قد ثبت بعد استقراء وتتبع النصوص الشرعية، وأقوال وأفعال الصحابة: أنه لا تؤخذ من أموال المسلمين إلا زكاتها فقط.
(^٢٣) مسألة: إذا انتقل نصراني، أو يهودي، أو مجوسي إلى غير دينه - ولم يسلم - وهو من أهل الذمة: فلا يُقبل منه ذلك، فيقال له: إما أن ترجع إلى دينك، وإما أن تُسلم، فإن لم يفعل أحدهما: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يرجع إلى دينه ولم يُسلم بعدها: فإنه يُقتل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من بدَّل دينه فاقتلوه" حيث: أوجب الشارع قتل من بدَّل دينه؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا الحكم عام فيشمل من ترك الإسلام إلى غيره، ومن ترك اليهودية إلى النصرانية أو بالعكس؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام يُستتاب ثلاثة أيام فإن رجع إلى الإسلام ترك، وإن لم يرجع: قتل، فكذلك المرتد عن دينه من أهل الذمة إلى دين آخر من أهل الذمة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما قد انتقل إلى دين قد أقر سابقًا بأنه باطل، الثالثة: الاستصحاب؛ حيث إنا قد أقررناه على دينه بشرط دفع الجزية، فإذا تركه، ثم عاد إليه فإنه يُقرُّ على ذلك؛ استصحابًا لما أقررناه عليه أولًا؛ لعدم وجود ما يُغيِّر الحالة، فإن قلتَ: إن هذا يُعزَّر بالضَّرب، والسجن، ولكن لا يُقتل، فإن أصرّ، فإنا نقره على ما انتقل إليه، وهو ما أشار إليه المصنف هنا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستمر على دينه من أهل الذمة لا يُقتل فكذلك من انتقل إلى دين غيره من أهل الكتاب مثله والجامع: أن كلًّا =
[ ٢ / ٦٩٧ ]
العهد (فإن أبى الذمي بذل الجزية) أو الصغار (أو التزام حكم الإسلام) أو قاتلنا (أو تعدَّى على مسلم بقتل أو زنا) بمسلمة، وقياسه اللواط (أو) تعدَّى بـ (قطع طريق، أو تجسيس، أو إيواء جاسوس، أو ذكر الله أو رسوله، أو كتابه) أو دينه (بسوء: انتقض عهده)؛ لأن هذا ضرر يعم المسلمين، وكذا: لو لحق بدار حرب، لا إن أظهر منكرًا، أو قذف مسلمًا، وينتقض بما تقدم عهده (دون) عهد (نسائه، وأولاده) فلا ينتقض عهدهم تبعًا له؛ لأن النقض وُجد منه فاختصَّ به (وحلَّ دمه) ولو قال: "تبتُ" فيُخير فيه الإمام - كأسير حربي - بين قتل ورق ومَنٍّ، وفداء بمال، أو أسير مسلم (و) حل (ماله)؛ لأنَّه لا حرمة له في نفسه، بل هو تابع لمالكه، فيكون فيئًا، وإن أسلم: حُرِّم قتله. (^٢٤)
منهما لم يخرج عن دين أهل الكتاب قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن المستمر على دينه لم يعتقد بطلان دينه فلم ينتقل، أما من انتقل منه إلى دين آخر فإنه لم يفعل ذلك إلا لأنَّه قد أقرَّ ببطلان دينه الذي عقدنا الذمة معه وهو مُتلبِّس فيه وهو كان مُقرُّ ببطلان الدِّين الذي انتقل إليه، فلم يبقَ إلا أن يعود إلى ما عقدنا الذمة وهو مُتديِّن فيه، وإما أن يُقتل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فعملنا بعموم السنة، وهم خصصوا ذلك العموم بالقياس الذي ذكروه، وكذلك "تعارض القياسين" فنحن قسناه على من ارتدَّ عن دين الإسلام؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على المستمر على دينه؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهذا هو قياس "غلبة الأشباه".
(^٢٤) مسألة: ينتقض عهد وعقد الذمة مع كافر ذمي إذا امتنع عن دفع الجزية، أو امتنع عن إظهار الصغار والذل، أو امتنع عن الالتزام بأحكام الشريعة، أو أن يُقاتلنا بمفرده، أو مع جماعة، أو يلحق بدار الحرب، أو أن يقتل مسلمًا عمدًا، =
[ ٢ / ٦٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو أن يزن بمسلمة وإن كانت راضية، أو يفعل فاحشة اللواط بمسلم وإن كان راضٍ، أو أن يقطع الطريق، أو يتجسَّس على المسلمين لحساب الكفار، أو يحمي عنده جاسوسًا للكفار، أو يذكر الله أو رسوله، أو الدين الإسلامي، أو القرآن أو السنة بسوء، ولو قال "تبتُ": فلا يُقبل منه: فهذا يحلُّ ماله، فيُؤخذ ويُجعل في بيت مال المسلمين وهو "فيء" يُصرف في مصالح المسلمين العامة هذا إن فعل بكل الأفعال المضرَّة بعامة المسلمين ما إن أظهر منكرًا، أو قذف مسلمًا بزنا أو لواط، أو ركب خيلًا، أو رفع صوته بكتابه أو نحو ذلك: فلا ينتقض عهده، للتلازم؛ حيث إن عقد الذمة مع أي كافر يقتضي أن لا يفعل أي شيء مما سبق، فيلزم من فعل واحد منها: نقض العهد؛ لكونه لم يلتزم بالعقد كالمسلم إذا لم يلتزم بعقد من العقود، ويلزم من عدم الإضرار بعامة المسلمين: عدم نقض العهد بنحو إظهار مُنكر ونحو ذلك، فإن قلتَ: لمَ حلَّ ماله؟ قلتُ: لأن المالك إذا حل دمه: فإنه يحل ماله تبعًا. [فرع]: إذا نقض فرد من الذميين عهده بأحد الأمور المذكورة في مسألة (٢٤): فإنه يُعاقب وحده، دون أولاده وزوجاته، وأتباعه إذا لم يصدر منهم شيء من الأمور السابقة الذكر - في مسألة (٢٤) -، وهذا مطلق، أي: سواء أنكروا عليه ما فعله أو لا، وسواء لحقوا به في دار الحرب أو لا، ولذلك لا يجوز أن يُؤذي أيَّ واحد من أقرباء من نقض عهده؛ للتلازم؛ حيث إن النقض قد وُجد من شخص بعينه فيلزم أن يتحمَّل عواقبه بنفسه؛ نظرًا لاختصاص ذلك به، وهذا من عدالة الشريعة الإسلامية؛ حيث عمَّت بعدالتها الكفار. [فرع آخر]: إذا نقض الذمي عهده بأحد الأمور السابقة في مسألة (٢٤): فإن الإمام أو نائبه يُخير بين أن يجعله أسير حرب، أو =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أسير سلم، فإن جعله أسير حرب: فإنه يُخيَّر بين أن يقتله، أو يسترقه، أو يمنُّ عليه بإطلاقه، أو يأخذ مالًا فداءً له، وإن كان أسير سلم: فإن للمسلم أن يجعله عبدًا له؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل بيهود بني قريظة ذلك لما نقضوا العهد، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الغالب فيمن يخون مرة: أنه يخون مرَّات، فلا يؤمن جانبه. [فرع ثالث]: إذا نقض الذمي عهده بأحد الأمور السابقة الذكر في مسألة (٢٤) - ثم بعد ذلك أسلم فلا يجوز أن يُفعل فيه أيُّ شيء من قتل أو رق، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه فعل المطلوب منه أولًا، وهو الإسلام، فيلزم تركه بدون أذى؛ قياسًا على المسلمين.
هذه آخر مسائل باب "عقد الذمة وأحكامها" وهو آخر أبواب كتاب "الجهاد" وهو آخر المجلد الثاني من كتاب "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها، وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها" لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثالث وأوله:
"كتاب البيع"
[ ٢ / ٧٠٠ ]