الفرض يُقال لمعان: منها: الحز والقطع، وشرعًا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، والوضوء: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة (^١)، وكان فرضه مع فرض الصلاة - كما رواه ابن ماجه - ذكره في "المبدع" (^٢)
باب فروض الوضوء وصفته وشروطه
وفيه خمسون مسألة:
(^١) مسألة: الفرض لغة هو: الحز والقطع، يُقال: "فرض سواكه" أي: حزَّه وقطعه بأسنانه - كما في "اللسان" (٧/ ٢٠٥) - وهو في الاصطلاح: "ما أُثيب فاعله وعُوقب تاركه" أو تقول: "ما دُمَّ تاركه شرعًا مطلقًا"، وهو بهذا يتفق مع تعريف "الواجب"؛ لكونهما يتفقان في هذا الحد؛ لذلك قال كثير من العلماء: إن "الفرض" و"الواجب" مترادفان: كل واحد بمعنى الآخر، ولكن: إذا نظرنا إلى الدليل المثبت لكل واحد منهما وجدناه يختلف: فالفرض هو: "ما طلب فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي" كالآية والحديث المتواتر الدالَّين على الحكم دلالة قطعية، والإجماع الصريح المنقول إلينا نقلًا متواترًا، هذا هو الفرض، ويُسمى بالركن، لا يسقط بالعمد ولا بالسهو، ولا يُجبر بدم في الحج، ولا بسجود سهو في الصلاة، أما الواجب فهو: "ما طُلب فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني" كغير الأدلة الثلاثة السابقة الذكر، وهذا يسقط بالسهو، ويجبر بالدم وبسجود السهو، وقد فصلت القول في ذلك في كتابي: "المهذب" (١/ ٤٧) و"الإتحاف" (١/ ٣٦٥)، تنبيه: قوله: "والوضوء" إلى قوله: "مخصوصة" قد سبق بيانه في مسألة (٢٨) من باب "السواك وسنن الوضوء وسنن الفطرة".
(^٢) مسألة: فُرض الوضوء ليلة الإسراء مع فرض الصلاة قبل الهجرة بثلاث سنوات؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث إن فاطمة لما أخبرته ﷺ وهو بمكة: أن قومًا من قريش قد عزموا على قتله قال: "إئتوني بوضوء فتوضأ" وهذا يلزم =
[ ١ / ١٢٠ ]
(فروضه: ستة) أحدها: (غَسْل الوجه)، لقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (والفم والأنف منه) أي: من الوجه؛ لدخولهما في حدِّه، فلا تسقط المضمضة، ولا الاستنشاق في وضوء، ولا غُسل، لا عمدًا ولا سهوًا (^٣)
منه: أن الوضوء فُرض في ذلك الوقت، فإن قلتَ: إن الوضوء فُرض في المدينة؛ للتلازم؛ حيث إن آية الوضوء - وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ..﴾ - قد نزلت بالمدينة، وهذا يلزم منه أن الوضوء قد فُرض بالمدينة، قلتُ: إن هذه الآية مُقرِّرة للحكم السابق، وليست مؤسِّسة له؛ لأنها نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع، وكان الوضوء مستعملًا، وزادتهم التَّرخُّص بالتيمم عند فقد الماء، نقله القرطبي في تفسيره (٦/ ٨٠) عن ابن عطية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في آية الوضوء هل هي مقررة لما سبق أو هي مؤسسة؟ " فعندنا: مقررة، وعندهم: مؤسسة، تنبيه: فروض الوضوء ستة لا تسقط عمدًا ولا سهوًا وهي كما يلي:
(^٣) مسألة: في الأول - من فروض الوضوء - وهو: أن يغسل وجهه كله - وهو: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا - ويدخل فيه الفم والأنف دخولًا أوليًا فتكون المضمضة والاستنشاق فرضًا، والغَسْل: إزالة الوسخ عن الوجه والفم والأنف بإجراء وإسالة الماء عليه مع ما فيه من شعر؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وهو أمر مطلق فيقتضي الوجوب، ولا صارف له، وهو عام لغسل الوجه كله - وهو: ما يواجه به الآخرين - فيكون غسل داخل الفم - وهو المضمضة - وغسل داخل الأنف - وهو الاستنشاق - فرضًا؛ لأن لفظ: "وجوهكم" جمع مُنكَّر أضيف إلى معرفة - وهو: الضمير - وهذا من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا غسل وجهه يتمضمض، =
[ ١ / ١٢١ ]
(و) الثاني (غسل اليدين) مع المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٤) (و) الثالث (مسح الرأس) كله (ومنه الأذنان)؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾
ويستنشق - كما رواه كل من نقل وضوءه ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك فرضًا؟ قلتُ لأنه سيواجه به الله تعالى في صلاته، وسيواجه به الملائكة، وإخوانه المسلمين، فلا بد أن يكون مقبولًا ذا هيئة مستحسنة، ولأن الوجه أول ما يُلاقي الغبار والأتربة، ففُرض غسله لإزالة ذلك، لئلا يتسبب تركه في بعض الأمراض؛ لكون الفم والأنف مدخلًا لباطن الجسم، لذلك كانت المضمضة فرضًا في الوضوء والغسل.
(^٤) مسألة: في الثاني - من فروض الوضوء - وهو: أن يغسل يديه مع المرفقين، والمرفق: المفصل الذي بين العضد والذراع، وهو يتكون من طرفي العظمين: طرف العضد، وطرف الذراع، ويشمل الأظفار؛ لقاعدتين: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ والمعطوف - وهما اليدان هنا - يأخذان حكم المعطوف عليه - وهو الوجه - وحرف "إلى" بمعنى "مع" والمراد: "وأيديكم مع المرفقين" وهو عام لكل أجزاء اليد؛ لأن "أيديكم" جمع منكر مضاف إلى الضمير وهو معرفة وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يغسل يده حتى يشرع في العضد، وهو من باب دخول المغيَّا في الغاية، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك فرضًا؟ قلتُ: لأن اليدين هما آلة لمس الأوساخ والأقذار والأعمال، ففُرض غسلهما لإزالة ذلك لتكونا لائقتين بالتكبيرات، والدعاء بهما، ومس المصحف، ومصافحة المؤمنين، ولئلا يتسببان في لصوق تلك الأوساخ للبدن، فإن قلتَ: لِمَ جُعل غسلهما بعد غسل الوجه؟ قلتُ: لأنهما يليان الوجه في مواجهة الآخرين، لكنهما أقل منه في تلك المواجهة.
[ ١ / ١٢٢ ]
وقوله ﷺ: "الأذنان من الرأس" رواه ابن ماجه (^٥) (و) الرابع (غَسْل الرِّجلين) مع الكعبين؛ لقوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٦) (و) الخامس (الترتيب) على ما
(^٥) مسألة: في الثالث - من فروض الوضوء - وهو: أن يمسح رأسه بكفَّيه المبلَّلتين بالماء، ويمسح الأذنين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيُلصق كفيه برأسه، لأن "الباء" للإلصاق، ويمسح جميع الرأس؛ لأن "رؤوسكم" جمع منكر مضاف إلى معرفة وهو الضمير، وهو من صيغ العموم، وتدخل الأذنان في حدِّ الرأس، فيمسحان مثله؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الأذنان من الرأس" وهو صريح في ذلك؛ لأن "من" للتبعيض فيكونان بعضًا منه، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ -كان يمسح الأذنين مع الرأس، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك فرضًا؟ قلتُ: لأن الرأس يواجه كثيرًا من الغبار والأوساخ والأتربة بسبب العمل والتعرُّق، وكذا: الأذنان مثله، ففُرض مسحه؛ لإزالة ذلك لئلا يكون سببًا في توسيخ أعضاء الجسم، وبعض الأمراض، فإن قلتَ: لِمَ جُعل مسح الرأس بعد غسل اليدين؟ قلتُ: لأن فيه نوع مواجهة قريبة من الوجه واليدين، ولئلا يؤثر عدم نظافته على الوجه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع مسحه، دون غسله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأصل غسله كباقي أعضاء الوضوء، ولكن رخَّص الشارع في مسحه فقط؛ رفعًا للأذى في غسله؛ لكونه كثيف الشعر غالبًا، فلو غُسل خمس مرات في اليوم لتضرَّر المسلم؛ لصعوبة تنشيفه، وسرعة تقاطر الماء منه إلى الثياب وسائر البدن.
(^٦) مسألة: في الرابع - من فروض الوضوء - وهو: أن يغسل رجليه مع الكعبين - وهما القدمان - والكعبان: العظمان البارزان اللذان يقعان بأسفل الساق من جانب القدم -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ على نصب "أرجلكم" حيث إن ذلك معطوف على "وجوهكم" فتدخل الرجلان في عموم الأمر المطلق بالغسل الذي هو للوجوب، وحرف =
[ ١ / ١٢٣ ]
ذكر الله تعالى؛ لأن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب، والآية سيقت لبيان الواجب، والنبي ﷺ رتَّب الوضوء وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" فلو بدأ بشيء من الأعضاء قبل غسل الوجه لم يُحسب له (^٧)، وإن توضأ مُنكَّسًا أربع مرات: صح وضوؤه إن قرب
" إلى" بمعنى "مع" فيكون التقدير: "وأرجلكم مع الكعبين" وهو من باب دخول المغيا في الغاية، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ يغسل الكعبين مع الرجلين - كما رواه علي - فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك فرضًا؟ قلتُ: لأن الرجلين هما آلة المشي على الأرض، وهذا يُعرضهما للأتربة، والغبار، والأوساخ، فلا بدَّ أن يتعلَّق فيهما شيء من ذلك وهذا من اللوازم؛ ففُرض غسلهما لإزالة ذلك، وليكون لائقًا بعبادة ربِّه، وبملاقاة المؤمنين، وليسلم - بإذن الله - من الأمراض كما قيل: إن نظافة الرِّجلين تمنع كثيرًا من الأمراض بإذن الله، فإن قلتَ: لِمَ جُعل غسلهما بعد مسح الرأس؟ قلتُ: لأنهما أقل مواجهة من الرأس كما هو معلوم.
(^٧) مسألة: في الخامس - من فروض الوضوء - وهو أن يُرتِّب هذا الوضوء: بأن يبدأ بغسل الوجه، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فلو غسل اليدين قبل الوجه، أو بالرجلين قبل اليدين: فإن وضوءه لا يصح؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ حيث يلزم من وجود ممسوح - وهو الرأس - بين مغسولات - وهي: الوجه واليدين والرجلين -: وجوب الترتيب الذي ورد في الآية؛ إذ لو لم يقصد وجوب الترتيب: لأخَّر الممسوح وذكره بعد المغسولات، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد توضأ بهذا الترتيب طول حياته بعد فرضية الوضوء، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله =
[ ١ / ١٢٤ ]
الزمن (^٨)، ولو غسلها جميعًا دفعة واحدة: لم يُحسب له غير الوجه (^٩)، وإن انغمس ناويًا في ماء، وخرج مُرتبًا: أجزأه، وإلا فلا (^١٠) (و) السادس (الموالاة)؛ لأنه "ﷺ
الصلاة إلا به" فحصر صحة الوضوء شرعًا بهذا الترتيب، فإن قلتَ: لِمَ كان الترتيب فرضًا؟ قلتُ: لأن تلك الأعضاء تختلف في الأهمية من حيث المواجهة: ففي الوجه كمال المواجهة، وفي اليدين كثير من المواجهة، وفي الرأس بعض المواجهة، وفي الرجلين جزء يسير من المواجهة فرُتِّبت تلك الأعضاء على هذا الأساس، فقُدِّم الأهم ثم المهم، فلو لم يكن عنده إلا ماء لا يكفي لكل الأعضاء: فإنه يبدأ بما تكمل به المواجهة، وهو الوجه، فإن بقي شيء: غسل اليدين وهكذا، فإذا فرغ الماء تيمم للباقي، وهذا من آثار فرضية الترتيب.
(^٨) مسألة: إذا نكَّس الوضوء بأن غسل الرجلين، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الوجه وفعل ذلك أربع مرات: صح وضوؤه بشرط: أن يفعل ذلك بزمن متقارب جدًا بحيث لا يفصل بين تلك المرات؛ للتلازم؛ حيث إنه غسل في كل مرة عضوًا، فلزم من هذه الأربع: حصول واحدة على الترتيب مع وضوئه، ويلزم من تفريق الزمن: عدم حصول الموالاة في غسل الأعضاء، وهذا يُبطل الوضوء.
(^٩) مسألة: إذا غسل المتوضيء جميع أعضاء الوضوء دفعة واحدة، أي: غسل كل عضو في زمن غسل العضو الآخر: كان يُوضِئَه أربعة في حال واحدة، أو نكَّس الوضوء بأن غسل الرجلين، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الوجه مرة واحدة: لم يصح في الحالتين إلا غسل الوجه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الترتيب المفروض: عدم صحة الوضوء، وإنما صحَّ غسل الوجه؛ لاعتبار غسله ابتداء؛ حيث لا يحسب ما غسله قبله غسلًا شرعيًا.
(^١٠) مسألة: إذا نوى الوضوء فغمس بدنه كله في ماء، ثم خرج منه مُرتبًا: بأن أخرج وجهه، ثم يديه، ثم رأسه، ثم رجليه: فإن هذا يُجزئه، أما إن خرج كله دفعة واحدة: فلا يُجزئه ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خروجه مُرتبًا مع نية =
[ ١ / ١٢٥ ]
رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يُصبها الماء فأمره أن يُعيد الوضوء" رواه أحمد وغيره (وهي) أي: الموالاة (أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) بزمن معتدل، أو قدره من غيره (^١١)، ولا يضرُّه إن جفَّ؛ لانشغاله بسنة كتخليل وإسباغ وإزالة وسوسة، أو وسخ، ويضرُّه الاشتغال بتحصيل ماء، أو إسراف، أو نجاسة، أو وسخ لغير طهارة (^١٢)، وسبب وجوب الوضوء: الحدث،
الوضوء: الإجزاء، ويلزم من عدم الترتيب في خروجه: عدم الإجزاء؛ لانعدام فرض من فروض الوضوء - وهو الترتيب -.
(^١١) مسألة: في السادس والأخير - من فروض الوضوء - وهو: أن يُوالي ويُتابع في غسل أعضاء الوضوء: بأن يغسل اليدين قبل أن يجفَّ الوجه، ويمسح الرأس قبل أن تجفَّ اليدان، وهكذا في زمن معتدل الحرارة والبرودة، فإن لم يكن هذا الزمن: فإنه يُقدِّر له كعادته في الزمن المعتدل؛ حيث إن الجفاف يختلف باختلاف الزمن؛ للسنة القولية؛ حيث إنه "ﷺ رأى في ظهر قدم رجل بقعة لم يُصبها الماء فأمره بأن يعيد الوضوء والصلاة" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا يلزم منه وجوب الموالاة؛ إذ لو لم تجب: لأمره بغسل تلك البقعة فقط، ولكنه أمره بإعادة الوضوء كاملًا؛ لكون الأعضاء السابقة قد نشفت وجفَّت، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك فرضًا؟ قلتُ: لأن الوضوء عبادة واحدة مكوَّنة من أجزاء، فغسل كل عضو قبل جفاف العضو الذي قبله يحقق تلك الوحدة كالصلاة، أما غسل العضو بعد جفاف العضو الذي قبله: فهو تفريق في عبادة واحدة وهذا لم يرد في الشريعة.
(^١٢) مسألة: إذا جفَّ وجهه - مثلًا - بسبب انشغاله بشيء مُتمِّم لطهارة اليدين كأن يخلل بين الأصابع، أو يُسبغ غسلهما، أو يزيل نجاسة لاصقة أو وسخ فيهما، أو يُزيل وسوسة وتردَّد هل غسل اليد مرتين أو ثلاثًا؟ فلا يضرُّه ذلك، =
[ ١ / ١٢٦ ]
ويحلُّ جميع البدن كجنابة (^١٣) (والنية) لغة: القصد (^١٤)، ومحلُّها
فلا يُعدُّ تفريقًا، وإن كان هذا بسبب شيء لا يخصُّ الطهارة: كأن يغسل الوجه ثم يذهب ليُحصِّل الماء لغسل اليدين، أو أسرف في استعماله، أو انشغل بإزالة نجاسة ليست في أعضاء الوضوء، أو وسخ ليس فيها: فإن هذا يضره، ويعتبر ذلك تفريقًا، ويجب عليه أن يُعيد غسل وجهه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو طوَّل في أحد أركان الصلاة أو واجباتها كالقراءة مثلًا في ركن القيام أو الركوع: فإن ذلك لا يُبطلها؛ فكذلك إذا جفَّ الوجه بسبب انشغاله بطهارة مثل ذلك، والجامع: انشغاله بشيء يخص العبادة في كل، وكذا: لو انشغل في صلاته في شيء ليس منها فإنه يبطلها، فكذلك لو انشغل في وضوئه بشيء ليس منه فالوضوء يبطل، والجامع: انشغاله بشيء لا يخص العبادة التي هو فيها، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا بالتفصيل؟ قلتُ: لأن الوضوء عبادة واحدة لا تتجزأ، بدليل أن النية واحدة وطول الفصل يُعتبر من العبث.
(^١٣) مسألة: سبب وجوب الوضوء: الحَدَث كبول أو غائط أو ريح أو نوم، فإذا وقع هذا الحدث الأصغر: فإن جميع البدن يكون نجسًا: فلا يصح مس المصحف بأي جزء من أجزاء بدنه، - ولو غسله لوحده، ولم يتوضأ بغسل الأعضاء الأربعة مع النية -؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا أصابته جنابة فإن جميع بدنه ينجس، فكذلك الحدث الأصغر مثله والجامع: أن كلًا منهما حدث مستكره، لا يليق أن يتعبَّد الله وهو حادث فيه، وهو: المقصد الشرعي منه.
(^١٤) مسألة: النية لغة: القصد، يقال: "نويت الشيء": إذا قصدته، وهي في الاصطلاح: قصد الإنسان بقلبه ما يُريده بفعله - كما في "الذخيرة" (١/ ٢٤٠) - أو تقول: هي: القصد بفعل العبادة التقرُّب إلى الله تعالى بها، فإن قلتَ: ما الفرق بين النية والعزم؟ قلتُ: النية أخص من العزم؛ لأن العزم هو: تصميم =
[ ١ / ١٢٧ ]
القلب (^١٥)؛ فلا يضرُّ سبق لسانه بغير قصد (^١٦)، ويُخلصها الله تعالى (^١٧) (شرط) هو: لغة: العلامة، واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (^١٨)، (لطهارة الأحداث كلها)؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"
على إيقاع الفعل، أما النية فهي: تمييز لهذا العزم وتخصيصه، فالنية تدخل في العزوم والإرادات، لكنها أخص وأدق منها.
(^١٥) مسألة: النية محلُّها: القلب؛ للتلازم؛ حيث إن القلب محل العقل والعلم والميل، والنفور والاعتقاد والإرادة فلزم من ذلك أن يكون محلها القلب، لا الدماغ، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ و﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وغيرها.
(^١٦) مسألة: إذا نطق بلسانه شيئًا محرمًا في الشرع ولكنه لم يقصده في قلبه ولم ينوه: فلا يضرُّه، فلا يأثم بذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم نيته له وقصده بقلبه: عدم ترتُّب آثار عليه؛ لأن الأمور بمقاصدها.
(^١٧) مسألة: يجب أن يُخلص المسلم النية في جميع العبادات لله تعالى؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فدل هذا على وجوب الإخلاص لله في كل عمل شرعي؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ودل مفهوم الصفة على أن العمل الذي لا يُخلص ولا يُنوى به لله وحده: أنه ليس بعمل، شرعي، الثانية: السنة القولية، حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" حيث حصر الأعمال المقبولة شرعًا بما وُجدت النية فيه لله تعالى، ودل مفهوم الحصر على أن العمل الذي لم يُنو به وجه الله: فإنه لا يُحسب شرعًا.
(^١٨) مسألة: الشَّرْط لغة هو: إلزام شيء والتزامه في بيع ونحوه، والشَّرط: لغة العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: علامات الساعة، =
[ ١ / ١٢٨ ]
فلا يصح وضوء، وغسل، وتيمم ولو مستحبات إلا بها (فينوي رفع الحدث أو) يقصد (الطهارة لما لا يُباح إلا بها) أي: بالطهارة: كالصلاة، والطواف، ومس المصحف؛ لأن ذلك يستلزم رفع الحدث (^١٩)، فإن نوى طهارة، أو وضوءًا، أو أطلق، أو غسل
والمقصود هنا هو: "الشَّرْط" وهو الأول، والشرط في الاصطلاح: "ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته" مثل: "الطهارة" حيث إنها شرط لصحة الصلاة: يلزم من عدم الشرط - وهو الطهارة - عدم الحكم - وهو: صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط - وهو الطهارة - وجود الحكم ولا عدمه: فقد توجد الطهارة وتصح الصلاة؛ لأنه استكمل شروطها وأسبابها الأخرى، وقد توجد الطهارة ولا تصح الصلاة؛ لأنه نقص شرط من شروطها الأخرى، وقد أطلت الكلام عن بيان ذلك في كتابَي: "المهذب" و"الإتحاف".
(^١٩) مسألة: تشترط النية للوضوء السابق، وللطهارات عن الأحداث جميعًا، فلا صحة لوضوء أو غُسل، أو تيمم إلا إذا نوى أنه يفعل ذلك لرفع حدثه الأصغر أو الأكبر؛ لأجل الصلاة بطهارة، أو نوى بذلك الوضوء أو الغسل أو التيمم: استباحة شيء لا يُستباح إلا بالطهارة كالصلاة ومس المصحف، والطواف، سواء كانت فروضًا أو نوافل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" حيث دل على أنه لا عمل شرعي صحيح إلا بنية قصده لله تعالى؛ والطهارة عمل فيشمله عموم لفظ "الأعمال" لأنه جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من نيته رفع الحدث: صحة الوضوء، ويلزم من نيته بالطهارة: استباحة ما لا يُستباح إلا بالطهارة: رفع الحدث؛ ضرورة، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرطت النية في جميع العبادات؟ قلتُ: لتعيين العمل، وتمييز العبادة عن العادة؛ لأجل تمييز ما لله عما ليس له، وتمييز مراتب العبادات في أنفسها؛ لتقدير مدى تعظيم العبد لربه، ولتكون المكافئة على ضوء =
[ ١ / ١٢٩ ]
أعضاءه؛ ليزيل عنها النجاسة، أو ليُعلِّم غيره، أو للتّبَرُّد: لم يُجزئه (^٢٠)، وإن نوى صلاة معينة لا غيرها: ارتفع مطلقًا (^٢١)، وينوي مَنْ حدثه دائم استباحة الصلاة ويرتفع حدثه، ولا يحتاج إلى تعيين النية للفرض، فلو نوى رفع الحدث: لم يرتفع في الأقيس، قاله في "المبدع" (^٢٢)، ويُستحب نطقه بالنية
ذلك - كما في "الذخيرة" (١/ ٢٤٢) -؛ إذ النية: سرُّ العبودية وروحها، ولبُّها - كما في "زاد المعاد" (١/ ١٢٠) -.
(^٢٠) مسألة: إذا غسل الأعضاء، أو غسل بدنه، ولم ينو بذلك شيئًا، أو نوى الطهارة أو الوضوء الذي يُقصد به النظافة، أو نوى طهارة مطلقة دون تعيين، أو فعل ذلك للتبرد، أو ليُعلم غيره طريقة التطهر، أو فعل ذلك ليُزيل عنه نجاسة في بدنه: فإن هذا كله لا يُسمى طهارة شرعية، فلا يُجزئه ذلك، وإن صلى به أو طاف بالكعبة لا يصح ذلك، ويُحرَّم مسُّ المصحف بذلك، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" حيث دل مفهوم الحصر على أن أيَّ عمل - ومنه الطهارة - لم يُعيِّن العامل النية فيه أنه لأجل صحة العبادة لله، ونوعية هذه العبادة فإنه لا يُسمَّى عمل شرعي صحيح.
(^٢١) مسألة: إذا نوى بوضوئه أنه لصلاة الظهر - مثلًا -: فإنه يرتفع حدثه مطلقًا: فيصلي بهذا الوضوء الظهر وغيرها من المفروضات والمسنونات، للقياس؛ بيانه: كما أن صلاة الظهر تصح بهذا الوضوء فكذلك تصح به غيرها من الصلوات والجامع: ارتفاع الحدث في كل لوقوع النية.
(^٢٢) مسألة: مَنْ حدثه مستمر ودائم، كمن به سلس بول، أو قروح سيَّالة، أو خروج ريح، ومستحاضة، لم يقدر على منعه: يجب عليه أن ينوي بذلك التطهر استباحة الصلاة بدون تعيينها للفرض، وبذلك يرتفع حدثه فيصلي بهذه النية ما شاء من الصلوات، ولا ينوي به رفع حدثه: فإن نوى به ذلك: لم يرتفع حدثه؛ =
[ ١ / ١٣٠ ]
سِرًا (^٢٣)، تتمة: ويُشترط لوضوء وغسل - أيضًا -: إسلام، وعقل وتمييز، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، وانقطاع موجب، ولوضوء: فراغ استنجاء أو استجمار، ودخول وقت على من حَدَثه دائم لفرضه (^٢٤)
لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الصحيح - الذي لا يخرج منه حدث دائم - إذا نوى بتطهره استباحة ما لا يصح إلا بالطهارة فإنه يصح ذلك، فكذلك المريض الذي حدثه مستمر ودائم مثله، والجامع: أن كلًا منهما فعل ما يجب فعله، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من استمرار ودوام حدثه أنه لو نوى ارتفاعه: لا يرتفع حقيقة، فلا داعي لأن ينوي شيئًا لا يُمكن حصوله، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ضرورة، والضرورة تقدَّر بقدرها، وفيه تيسير ودفع مشقة وضيق عن مَنْ حَدَثهم مستمر، و"المشقة تجلب التيسير" و"إذا ضاق الأمر اتسع"، وفيه: تمكينهم من فعل الطاعات كغيرهم.
(^٢٣) مسألة: يُستحب النطق بالنية سِرًا: وذلك بأن يتصوَّر في قلبه العبادة التي يريد أن يفعلها كالطهارة والصلاة ونحوهما، ويتصوَّر - أيضًا -: أنه يمتثل أوامر الله، أو ينتهي عما نهى عنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط النية لكل عبادة: أن يتصوَّر تلك العبادة، ويتصوَّر الأمر بها، والثواب، أو العقاب المترتب على ذلك، [فرع]: النطق بالنية جهرًا بدعة كان يقول - جهرًا -: "نويتُ أن أتوضأ لصلاة الظهر" أو نحو ذلك؛ للاستقراء، حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبع لطهارات النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا لا ينطقون بالنية جهرًا، فإحداث ذلك يكون بدعة.
(^٢٤) مسألة: يُشترط لصحة وضوء وغسل تسعة شروط هي كما يلي: أولا: أن ينوي ذلك وقد سبق في مسألة (١٩)، ثانيًا: أن يكون المتطهر مسلمًا، فلا صحة لطهارة الكافر مطلقًا، ثالثًا: أن يكون المتطهر عاقلًا ومميزًا بين الخير والشر، فلا صحة لطهارة صبي غير مميز، أو مجنون، رابعًا: أن يكون الماء الذي يُتطهر به =
[ ١ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهورًا، فلا صحة لطهارة بماء نجس أو طاهر لا يُطهر، خامسًا: أن يُزيل المتطهر بالماء كل شيء لاصق على بدنه يمنع من وصول الماء إلى البشرة كدهن، أو صمغ، أو وسخ أو عجين ونحو ذلك، فإن تتطهر بالماء ولم يصل إلى بقعة في أعضاء الوضوء عند الوضوء - أو في البدن - في الاغتسال -: فإن هذا التطهر لا يصح، سادسًا: أن ينقطع موجب الطهارة تمامًا - وهو الحدث -: فلا يصح تطهره وبوله أو غائطه أو ريحه لم ينقطع، سابعًا: أن يفرغ المتوضيء أو المتيمم من الاستنجاء أو الاستجمار، فلا يصح وضوء أو تيمم شخص لم يفرغ منهما - كما سبق في مسألة (٤٢) من "باب الاستنجاء والاستجمار"، ثامنًا: أن يدخل وقت الصلاة المفروضة للمتوضيء الذي حدثه دائم ومستمر كمن به سلس بول فلا يصح وضوء ولا تيمم هذا قبل دخول وقت المفروضة التي يريد أن يصليها؛ تاسعًا: أن يكون الماء أو التراب المتطهر بهما مباحين إذا كان واجدًا غيرهما، أما إن لم يجد غيرهما فيصح التطهر بهما ولو كانا مغصوبين وغير ذلك، للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط النية للطهارة: أن يكون المتطهر مسلمًا عاقلًا مميزًا؛ إذ لا صحة لنية كافر وصبي غير مميز ومجنون، ويلزم من كون الماء الطهور - وهو المطهر لغيره -: أن يكون هو الذي يرفع الحدث ويُزيل النجس - كما سبق في مسألة (٤) من "مسائل: حقيقة الطهارة والمياه المتطهر بها" -، ويلزم من وجوب غسل الأعضاء - في الوضوء والبدن - في الاغتسال -: أن يصل الماء للبشرة المغسولة، ويلزم من لفظ "التطهر": أن يكون هذا التطهر بعد فراغ انقطاع الحدث تمامًا؛ لئلا يكون قبله، أو موافقًا له في الزمن، ويلزم من كون تطهر مَنْ به حَدَث مستمر يستبيح به الصلاة ولا يرفع حدثه - كما سبق في مسألة (٢٢) - أن يتطهر بعد دخول وقت الصلاة؛ لكونه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها والشرط التاسع ثبت بالقياس على الصلاة في الدار المغصوبة كما سبق في مسألة (١٠) من مسائل "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه"، فإن قلتَ: لِمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لإعلام المسلمين أن التشريع =
[ ١ / ١٣٢ ]
(فإن نوى ما تُسنُّ له الطهارة) كقراءة قرآن، وذكر، وأذان، ونوم، وغَضَب: ارتفع حَدَثُه؛ (أو) نوى (تجديدًا مسنونًا) بأن صلى بالوضوء الذي قبله (ناسيًا حَدَثه: ارتفع) حدثه؛ لأنه نوى طهارة شرعية (وإن نوى) مَنْ عليه جنابة (غُسلًا مسنونًا) كغسل جمعة، قال في "الوجيز": ناسيًا: (أجزأ عن واجب) كما مرَّ فيمن نوى التجديد (وكذا عكسه) أي: إن نوى واجبًا: أجزأ عن المسنون، وإن نواهما: حصلا، والأفضل: أن يغتسل للواجب ثم للمسنون كاملًا (^٢٥) (وإن اجتمعت أحداث) متنوعة ولو متفرقة (توجب وضوءًا أو غُسلًا فنوى بطهارته أحدها) لا على أن لا
الإسلامي ليس عملًا ظاهرًا فقط، بل يُضاف إلى ذلك اعتقادات وإرادات، ومقاصد، وأن لهذا العمل مواصفات وتقييدات.
(^٢٥) مسألة: الأفضل: أن يجعل للواجب من الوضوء والغسل: وضوءًا، وغسلًا واجبًا، وينوي ذلك، وأن يجعل للمستحب منهما: وضوءًا وغسلًا مُستحبًا وينوي ذلك، ولكن: إن توضأ للمفروضة أو اغتسل للواجب لغسل الجنابة ونوى به أيضًا المستحب كالذكر، وغسل الجمعة: فإن ثوابهما يحصلان، وإن توضأ لمستحب كقراءة القرآن ونواه: فإن حَدَثه يرتفع، ويفعل بذلك جميع ما تشترط له الطهارة كصلوات، وطواف وغيرها: فروض ونوافل، وإذا تطهر، ثم أحدث، ثم تطهر ونوى به فعل مستحب كصلاة نافلة ونسي حَدَثه: فإن حَدَثه يرتفع أيضًا، وكذا إن جامع امرأته، ثم اغتسل ونوى بهذا الاغتسال المستحب كغسل الجمعة، ونسي جنابته: فإن حدثه يرتفع أيضًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه نوى طهارة شرعية: حصول ارتفاع الحدث، ومن ارتفع حدثه: صحت كل عبادة تشترط لها الطهارة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس ولاتحاد المقصد.
[ ١ / ١٣٣ ]
يرتفع غيره: (ارتفع سائرها) أي: باقيها؛ لأن الأحداث تتداخل: فإذا ارتفع البعض: ارتفع الكل (^٢٦) (ويجب الإتيان بها) أي بالنية (عند أول واجبات الطهارة، وهو: التسمية) فلو فعل شيئًا من الواجبات قبل النية: لم يُعتدَّ به، ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة، ولا يُبطلها عمل يسير (^٢٧) (وتسنُّ) النية (عند أول مسنوناتها) أي:
(^٢٦) مسألة: إذا اجتمعت أحداث صغرى: كبول وغائط وريح فتوضأ ونوى بهذا الوضوء رفع حدث الريح مثلًا: فإن حدثه يرتفع، ويكون متطهرًا، سواء خطر بباله كونه قد بال أو تغوط أو لا، وسواء كانت حصلت في أزمنة مختلفة أو في زمن واحد، وكذا: إن اجتمعت أحداث كبرى: كجنابة وحيض بالنسبة للمرأة: فاغتسلت ونوت بهذا الغسل: رفع حدث الحيض مثلًا: فإن حدثها يرتفع، وتكون طاهرة، سواء تذكرت أنها على جنابة أو لا، وسواء كانت متفقة أو متفرقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ارتفاع بعض الأحداث المجتمعة المتساوية: ارتفاع جميعها؛ لكون الأحداث تتداخل فالحدث: وصف واحد وإن تعدَّدت أسبابه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس، ومنع من ضياع المياه، ولأن المقصد واحد.
(^٢٧) مسألة: موضع الإتيان بالنية للطهارة وجوبًا عند أول فروضها وهو: غسل الوجه للمتوضيء، أو عندما يُريد أن يغتسل، أو عندما يريد أن يضرب بيديه التراب للتيمم، وإن أتى بها قبل ذلك بزمن يسير فلا بأس، وعلى هذا: لو فعل أي شيء قبل النية: فإنه غير معتبر، وإن نوى، ثم عمل شيئًا يسيرًا: فلا يبطلها، وإن أتى بها قبل تطهره بزمن طويل: فلا تُعتبر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط النية للطهارة: أن تكون مقارنة لأول عمل من أعمالها، والفصل اليسير لا يؤثر، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا هو موضعها؟ قلتُ: لئلا يُقدِّمها: فينساها، ولا يؤخرها: فيكون بعض العمل لم ينو شرعًا، تنبيه: قوله: "وهو: التسمية" هذا =
[ ١ / ١٣٤ ]
مسنونات الطهارة كغسل اليدين في أول الوضوء (إن وجد قبل واجب) أي: قبل التسمية (و) يُسنُّ (استصحاب ذكرها) أي: تذكُّر النية (في جميعها) أي: جميع الطهارة؛ لتكون أفعاله مقرونة بالنية (^٢٨) (ويجب استصحاب حكمها) أي: حكم النية بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، فإن عَزَبَت عن خاطره: لم يؤثر، وإن شك في النية في أثناء طهارته: استأنفها إلا أن يكون وهمًا كالوسواس فلا يلتفت إليه (^٢٩) ولا يضرُّ
بناء على أن التسمية واجبة، وهو مذهب المصنف، وقد بينا أنها مستحبة في مسألة (١٦) من باب "السواك وسنن الوضوء" وكذا يُقال في قوله: "إن وجد قبل واجب، أي قبل التسمية".
(^٢٨) مسألة: موضع الإتيان بالنية للطهارة استحبابًا: عند أول مستحباتها وهو: التسمية عندنا وعند كل غسل عضو، أي: يستحضرها ويستصحبها عند غسل أي عضو بقلبه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المرء لدينه، من أن يذهل عنها، ويشتغل بغيرها فلا يكمل عمله.
(^٢٩) مسألة: يجب استصحاب وملازمة النية إلى أن يفرغ من الطهارة، فلا يجوز أن ينوي قطعها إلى أن تتم الطهارة، فإن تغيبت عن ذهنه فترة يسيرة ولكنه لم ينو قطعها، أو توهم أنه قطعها كتوهمات الموسوسين: فهذا لا يؤثر فيها، ويستمر في طهارته، أما إن نوى قطعها أثناء الطهارة، أو شك - غير موسوس - هل نوى أم لم ينو؟: فإن ما مضى من الطهارة يبطل، ويجب أن يستأنفها من جديد؛ للتلازم؛ حيث من اشتراط النية للطهارة وجوب شمول النية لجميع الطهارة، ويلزم من قطعها أو الشك فيها - لغير الموسوسين -: عدم صحة النية، ويلزم من عدم صحتها: عدم صحة الطهارة، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على تعلق المسلم بالطهارة، وعدم التفكير في غيرها من أمور الدنيا.
[ ١ / ١٣٥ ]
إبطالها بعد فراغه، ولا شكِّه بعده (^٣٠) (وصفة الوضوء) الكامل، أي: كيفيته: (أن ينوي (^٣١)، ثم يسمي) وتَقَدَّما (^٣٢)، (ويغسل كفيه ثلاثًا)؛ تنظيفًا لهما، فيُكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله (^٣٣) (ثم يتمضمض ويستنشق) ثلاثًا ثلاثًا بيمينه ومن غرفة أفضل، ويستنثر بيساره (^٣٤) (ويغسل وجهه) ثلاثًا، وحدُّه: (من منابت
(^٣٠) مسألة: إذا فرغ من طهارته، ثم أبطل نيتها، أو شك قائلًا: "لا أدري هل نويتها أو لا؟ " فإن طهارته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كمال الطهارة والفراغ منها وتمامها بفروضها وشروطها: صحتها؛ حيث لا يؤثر عليها ما حدث بعدها، فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو بطلت الأعمال بإبطال الناس لها أو شكهم في نيتها بعد الفراغ منها: للحق كثيرًا منهم الحرج والضيق والمشقة؛ لكثرة ما يقع بينهم من الشكوك.
(^٣١) مسألة: في الأول - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن ينوي بهذا الوضوء رفع الحدث، أو استباحة شيء لا يُستباح إلا بالطهارة - وقد سبق بيانه في مسألة (١٩) -.
(^٣٢) مسألة: في الثاني - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يُسمِّي قائلًا "بسم الله" وقد سبق بيانه في مسألة (١٦) من باب "السواك وسنن الوضوء".
(^٣٣) مسألة: في الثالث - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء وقد سبق بيانه في مسألة (٣١) من "باب السواك وسُنن الوضوء" تنبيه: قوله: "فيُكرر غسلهما … " قلتُ: هذا على مذهبه: أن غسلهما بعد الاستيقاظ من النوم واجب، وهذا مرجوح - كما بينت ذلك في مسألة (٣٤) من "مسائل حقيقة الكتاب والطهارة والمياه".
(^٣٤) مسألة: في الرابع - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، وقد سبق بيانه في مسألة (٣٢ و٣٣) من باب "السواك وسنن الوضوء" ومسألة (٣) من هذا الباب، [فرع]: إذا غرف بكفه للمضمضة =
[ ١ / ١٣٦ ]
شعر الرأس) المعتاد غالبًا (إلى ما انحدر من اللِّحيين والذقن طولًا) مع ما استرسل من اللحية (ومن الأذن إلى الأذن عرضًا)؛ لأن ذلك تحصل به المواجهة، والأذنان ليسا من الوجه، بل البياض الذي بين العذار والأذن منه (و) يغسل (ما فيه) أي: في الوجه (من شعر خفيف) يصف البشرة: كعذار، وعارض، وأهداب عين، وشارب وعنفقة؛ لأنها من الوجه (^٣٥)، لا صدغ وتحذيف، وهو: الشعر بعد انتهاء العذار والنزعة، ولا النزعتان وهما: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدًا من جانبيه فهما من الرأس (^٣٦)، ولا يغسل داخل عينيه، ولو من نجاسة، ولو أمن الضرر (^٣٧)، (و) يغسل الشعر (الظاهر) من (الكثيف مع ما استرسل منه) ويخلِّل
والاستنثار ثلاث غرفات فهو أفضل، وإن جمع الثلاث بغرفة واحدة ولا يفصل بينها فهو فاضل؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في التنظيف.
(^٣٥) مسألة: في الخامس - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يغسل وجهه ثلاثًا، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة (٣٥) و(٤٠) من باب "السواك وسنن الوضوء"، وفي مسألة (٣) من هذا الباب.
(^٣٦) مسألة: لا يغسل مع الوجه الصُّدغ - وهو الذي يحاذي رأس الأذن، وهو: شعر ينبت عند انتهاء العذار، ولا يغسل - أيضًا مع الوجه - التحذيف وهو: شعر نابت في جانبي الوجه في طرفي الجبين لاصق بالرأس، وهو شعر يحلقه بعض الناس فيحذفه؛ ليتسع الوجه فسمي لذلك، ولا يغسل - أيضًا مع الوجه - النزعتين، وهما: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدًا إلى فوق، ويكثر في جانبي أول الرأس، ويسمى بالصُّلعة للتلازم؛ حيث إن هذه الأشياء تابعة للرأس، فيلزم أن لا يغسلها مع الوجه.
(^٣٧) مسألة: لا يشرع غسل داخل العينين - في الوضوء - مطلقًا، أي: سواء كان في داخلهما نجاسة أو لا، وسواء أمن الضرر أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن غسل ذلك قد يلحق الضرر بهما، فدفعًا لهذا الضرر المحتمل: لم يشرع غسله.
[ ١ / ١٣٧ ]
باطنه وتقدم (^٣٨)، (ثم) يغسل (يديه مع المرفقين) وأظفاره ثلاثًا (^٣٩)، ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه (^٤٠)، ويغسل ما نبت بمحل الفرض: من إصبع أو يد زائدة (^٤١) (ثم يمسح كل رأسه) بالماء (مع الأذنين مرة واحدة) فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل
(^٣٨) مسألة: يغسل ظاهر شعر وجهه الكثيف، ويغسل ما استرسل منه ونزل، ويخلِّل باطن هذا الشعر، وقد سبق بيانه في مسألة (٣٥) من باب: "السواك وسنن الوضوء".
(^٣٩) مسألة: في السادس - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يغسل يديه مع المرفقين ثلاثًا، هذا شامل لكل يد إلى المرفق، وتدخل الأظفار في ذلك، وقد سبق بيانه في مسألة (٤) من هذا الباب وفي مسألة (٤٠) من باب: "السواك وسنن الوضوء".
(^٤٠) مسألة: إذا لصق وسخ يسير تحت ظفر، أو في شق من شقوق الرجل أو اليد: فإنه يُعفى عنه، فلا يضر كمال الطهارة؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشق تنظيفه، كما أنه يعفى عن أثر النجاسة بعد الاستجمار؛ لمشقة إزالتها كاملة.
(^٤١) مسألة: إذا وجد شيء زائد قد نبت بمحل الفرض الذي يجب غسله كإصبع زائد أو يد زائدة، أو رجل زائدة، أو نحو ذلك في الوجه والرأس: فإنه يجب تعميمه بالغسل، أو مسحه إذا كان في الرأس، وهو تابع لما نبت فيه؛ للتلازم؛ حيث إن الأمر بغسل أعضاء الوضوء الوارد في الآية يلزم منه وجوب غسل كل ما تعلق بها مما لا ينفصل عنها حيث يدخل في مسماها.
[ ١ / ١٣٨ ]
سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ويجزيء كيف مسح (^٤٢) (ثم يغسل رجليه) ثلاثًا (مع الكعبين) أي: العظمين الناتئين في أسفل الساق من جانبي القدم (^٤٣) (ويغسل الأقطع بقية المفروض)؛ لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه (^٤٤) (فإن قطع من المفصل) أي: مفصل المرفق: (غسل رأس
(^٤٢) مسألة: في السابع - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يمسح جميع رأسه مع أذنيه وقد سبق بيانه في مسألة (٥)، وصفة مسحه: أن يبلِّل كفيه بالماء، ثم يلصقهما في مقدم رأسه ويسير بهما إلى آخر رأسه من القفا، ثم يرجع بكفيه من القفا إلى أن يصل إلى المحل الذي بدأ منه، وهو مقدم رأسه، يفعل ذلك مرة واحدة، وصفة المسح على الأذنين: أن يدخل إصبعه السبابة قليلًا في صماخ كل أذن، ويجعل إبهامه على ظاهر الأذن، ثم يديرهما ماسحًا ظاهرهما، ويجزئه أيُّ طريقة مسح بها الرأس والأذنين؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما رواه من وصف وضوءه كعبد الله بن زيد وابن عباس -.
(^٤٣) مسألة: في الثامن - من أعمال الوضوء الكامل - وهو: أن يغسل رجليه ثلاثًا مع الكعبين، وقد سبق بينه في مسألة (٤٠) من باب: "السواك وسنن الوضوء" ومسألة (٦) من هذا الباب.
(^٤٤) مسألة: إذا قطع بعض اليد دون المرفق، أو قطع بعض الرجل دون الكعب: فيجب غسل ما بقي من محل الفرض: فيغسل ما بقي من اليد والرجل؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم"، والمقطوع سقط الفرض عنه للعجز عنه، فيجب غسل المستطاع غسله وهو ما بقي؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الواجب يسقط بالعجز عنه؛ تيسيرًا على الناس.
[ ١ / ١٣٩ ]
العضد منه)، وكذا: الأقطع من مفصل كعب يغسل طرف ساق (^٤٥) (ثم يرفع نظره إلى السماء) بعد فراغه (ويقول: ما ورد) ومنه: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (^٤٦) (وتباح معونته) أي: معونة المتوضيء (^٤٧)، وسُنَّ كونه عن يساره كإناء ضيق الرأس، وإلا: فعن
(^٤٥) مسألة: إذا قطعت اليد من مفصل المرفق، أو قطعت الرجل من مفصل الكعب: فيجب غسل العظم الذي هو رأس وطرف العضد في اليد، وغسل طرف الساق؛ للتلازم؛ حيث إن وجوب غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد - في اليد - نظرا لدخولهما في الواجب غسله؛ لأن "إلى" في قوله: "إلى المرافق" بمعنى "مع" يلزم منه أنه إذا زال أحد العظمين وجب غسل الآخر، ويلزم من وجوب غسل طرف الساق؛ عملًا بقوله: "إلى الكعبين"؛ - لكون "إلى" بمعنى "مع" -: أن يغسل طرف الساق إذا قطعت الرجل؛ فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وتأكد من فعل المأمور به. [فرع]: إذا قطعت اليد من فوق مفصل المرفق، وقطعت الرجل من فوق مفصل الكعب: فإنه يسقط غسل اليد والرجل مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود محل الفرض المأمور بغسله: سقوط هذا الغسل.
(^٤٦) مسألة: بعد فراغه من التطهر يستحب أن يرفع بصره إلى السماء ويقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله"؛ للسنة القولية؛ حيث ورد عنه ﵇ أنه قال: "من فعل ذلك تفتح له أبواب الجنة"، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بذلك تجتمع له الطهارتان: الطهارة الظاهرة - وهو ما فعله في الوضوء والغسل والتيمم - والطهارة الباطنة: وهو التوحيد وتجديده.
(^٤٧) مسألة: تُباح إعانة المتطهر مطلقًا، وذلك بتقريب الماء وحمله وصبِّه ولو لغير حاجة؛ للسنة التقريرية؛ حيث أقر ﵇: لمغيرة، وصفوان لما أعاناه =
[ ١ / ١٤٠ ]
يمينه (^٤٨) (و) يباح له (تنشيف أعضائه) من ماء الوضوء، ومن وضأه غيره ونواه هو: صحَّ إن لم يكن الموضيء مكرهًا بغير حق، وكذا الغسل والتيمم (^٤٩).
بصب الماء، ولم يتبين من ذلك الحاجة، ولم ينكره، فلو لم يبح لبين عدم شرعيته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: لا تُشرع الإعانة في ذلك إلا إذا احتاج المتطهر؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر لم يُحب ذلك؟ قلتُ: لا يعمل بقول الصحابي هذا؛ لأنه عارض السنة التقريرية. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة التقريرية مع قول الصحابي" فعندنا: يعمل بعموم السنة التقريرية، وعندهم إن قول الصحابي يُخصص السنة بالحاجة.
(^٤٨) مسألة: يُستحب أن يجعل المتوضيء الماء الذي في إناء صغير ضيق الرأس عن يساره حتى يستطيع قبضه بيده اليسرى ويصب على اليمنى، أما إن كان الإناء كبيرًا أو واسع الرأس: فإنه يجعله عن يمينه؛ ليغرف منه بيده اليمنى؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه يسر وحسن تدبير.
(^٤٩) مسألة: يُباح للمتطهر أن يُنشف أعضاءه بعد فراغه من الطهارة بأي شيء؛ للقياس، بيانه: كما يجوز نفض اليدين بعد الوضوء - كما فعله النبي ﷺ في حديث ميمونة - فكذلك يجوز تنشيف الأعضاء، والجامع: إزالة الماء في كل، فإن قلتَ: لِمَ أبيح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة الماء؛ لئلا يؤذي غيره، أو يؤذي نفسه بسبب تقاطر الماء، فإن قلتَ: يُكره التنشيف هنا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن جابرًا قد نهى عنه، قلتُ: إن إباحة التنشيف ثبت بالقياس والمصلحة، وهما هنا أقوى من قول الصحابي؛ لعدم وضوح سبب قوله هنا. =
[ ١ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . (^٥٠).
فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع قول الصحابي" فعندنا: القياس هنا أقوى، وعندهم: قول الصحابي أقوى.
(^٥٠) مسألة: إذا استعان شخص بغيره في تطهره: فإن النية تكون للمتوضيء، دون الموضيء ويستعين في هذا بأي شخص: سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان مختارًا أو مكرهًا بحق كأن يكون عبده أو ولده أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن الإناء لا نية له، فكذلك الموضيء، الجامع: أن كلًا منهما آلة للوضوء، تنبيه: قوله: "وكذا الغسل والتيمم" قصده: أن المغتسل والمتيمم كالمتوضيء في إباحة الإعانة، والتنشيف، وقد بينته في مسألة (٤٧) و(٤٩).
هذه آخر مسائل باب "فروض الوضوء"، ويليه باب "مسح الخفين"
[ ١ / ١٤٢ ]