(من أكل أو شرب (^١) أو استعط) بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه أو دماغه (^٢) (أو احتقن (^٣) أو اكتحل بما يصل) أي: يما يعلم وصوله (إلى حلقه)؛ لرطوبته، أو جِدَّته من كحل، أو صبر، أو قطور، أو ذرور، أو إثمد كثير، أو يسير مُطيِّب: فسد
باب ما يُفسد الصوم ويُوجب الكفارة وما يتعلَّق بذلك
وفيه سبع وثلاثون مسالة:
(^١) مسألة: إذا أكل أو شرب الصائم شيئًا عمدًا وهو ذاكر لصومه، فوصل هذا إلى معدته: فإن صومه يفسد: سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وسواء كان مُفيدًا، أو مُضرًا، وسواء كان بعذر كالمرض أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه" حيث دل مفهوم الصفة على أن من أكل أو شرب عامدًا ذاكرًا: فلا يتم صومه؛ لأنه قد فسد، و"فعل الأكل والشرب" مطلق فيشمل المفيد والمضر، والقليل والكثير، وما هو لعذر أو لا، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: لمخالفته للمقصود الشرعي من الصيام.
(^٢) مسألة: إذا جعل الصائم في أنفه سِّعُوطًا وهو عامد ذاكر لصومه، فأحسَّ بقوة ونشاط؛ نظرًا لوصول ذلك إلى حلقه أو دماغه: فإن صومه يفسد؛ للتلازم؛ حيث إن هذا يؤدِّي إلى نشاط وقوة بسبب دخول السعوط لمعدته أو دماغه فيلزم فساد صومه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لما ذكرنا في مسألة (١).
(^٣) مسألة: إذا أدخل الصائم دواءً في دُبُره -وهو المسمى بالحقنةـ وهو ذاكر عامد، ووصل إلى معدته وشعر بالنشاط: فإن صومه يفسد؛ للتلازم، وقد بيَّناه في مسألة (٢) فهو كالسعوط.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
صومه؛ لأن العين منفذ وإن لم يكن معتادًا (^٤) (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أيِّ موضع كان (^٥) غير إحليله) فلو قطَّر فيه، أو غيَّب فيه شيئًا فوصل إلى المثانة: لم
(^٤) مسألة: إذا اكتحل الصائم بشيء وهو ذاكر لصومه ـبأن وضع في عينيه إثمدًا، أو أيَّ شيء يُعالج به عينيه- وأحسَّ بوصوله إلى حلقة برطوبة أو طعم ونشاط: فسد صومه؛ للتلازم؛ وقد بيَّناه في مسألة (٢) فهو كالسعوط، فإن قلتَ: إن الاكتحال لا يُفسد الصوم، وهو قول كثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد اكتحل في رمضان وهو صائم، الثانية: التلازم؛ حيث إن العين ليست منفذًا معتادًا إلى المعدة فيلزم منه عدم إفساد الاكتحال للصوم قلتُ: أما الحديث فلم يصح، وعلى فرض صحته: فيُحمل على الكحل الذي لم يصل طعمه إلى الحلق، أما التلازم فلا يُسلَّم؛ حيث إن الواقع يُكذِّبه؛ لأن بعض الناس يجد طعمه في الحلق، فإن قلتَ: إن الاكتحال والحقن لا يُفسدان الصوم، وهو قول كثير من العلماء، وتبعهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن الذي يُفسد الصوم هو الأكل والشرب والجماع: فيلزم أن الكحل والحقن لا يُفسدانه؛ لأنهما ليسا أكلًا ولا شربًا قلتُ: إن الذي يُفسد الصوم أيُّ شيء وصل إلى الحلق والمعدة يتقوى به الجسم، أو وجد رطوبته داخل جسمه، قال ذلك المحققون من العلماء؛ سدًا للذرائع؛ فهو يمنع بعض الناس من التحايل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف فيما سبق؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المفسد للصوم هل هو كل شيء وصل إلى الحلق والمعدة وأحسَّ الجسم بالنشاط بسببه أو هو مقصور على الأكل والشرب والجماع فقط؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الثاني.
(^٥) مسألة: إذا أدخل الصائم شيئًا في جسمه ونفذ إلى معدته كقطعة حديد، أو حصاة، أو خيط، أو منظار أو نحو ذلك، وهو عامد ذاكر: فإن صومه يفسد: سواء كان ذلك عن طريق دُبَره، أو غير ذلك من نواحي جسده -غير ذكَرِه-؛
[ ٢ / ٣٧٨ ]
يبطل صومه (^٦) (أو استقاء) أي: استدعى القيء فقاء: فسد أيضًا؛ لقوله ﷺ: "من استقاء عمدًا فليقض" حسَّنه الترمذي (^٧) (أو استمنى) فأمني أو أمذى (أو باشر) دون الفرج أو قبَّل، أو لمس (فأمني أو أمذى، أو كرَّر النظر فأنزل) منيًا: فسد صومه (^٨) لا إن
للتلازم؛ حيث إن هذا يُعتبر مما يتقوَّى به الإنسان وهذا منافٍ للمقصد الشرعي من الصَّوم فيلزم: فساد صومه بسببه.
(^٦) مسألة: إذا أدخل الصائم شيئًا في جسمه عن طريق ذكره ـوهو إحليله - بأن أدخل خيطًا أو قطر فيه سائلًا أو نحو ذلك: فلا يفسد صومه: سواء وُجد طعم ذلك أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن ما وصل إلى الذَّكر لا يصل إلى المعدة؛ لأن ما بعد الذكر من جهة الجسم هي: المثانة، والمثانة ينزل إليها الماء والبول عن طريق الرَّشح والرطوبة؛ لأنه ليس لها إلا سقف واحد -كما قال الأطباء- فيلزم من ذلك: عدم فساد الصوم هنا؛ لعدم وجود سببه، [فرع]: إذا أدخلت المرأة شيئًا في قُبُلها فحكمها حكم الرجل.
(^٧) مسالة: إذا استقى الصائم، وأخرج القيء مُتعمِّدًا ذاكرًا لصومه: فإن صومه يفسد سواء كان كثيرًا أو لا، وسواء كان طعامًا أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "من استقاء عمدًا فليقض" فأوجب الشارع قضاء اليوم الذي استقاء فيه؛ لأن الأمر في قوله "فليقض" مُطلق، فيقتضي الوجوب، وهذا يلزم منه فساد صوم ذلك اليوم، ويدلُّ هذا بمفهوم الصفة على أن من استقاء ناسيًا، أو غلبه القيء: فصومه صحيح، وهذا الحكم عام للقيء الكثير والقليل، وللطعام وغيره، لأن اسم الشرط من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكون ذلك يؤدِّي إلى تقويته، وهذا مخالف للمقصد من مشروعية الصيام.
(^٨) مسألة: إذا أنزل الصائم منيًا عامدًا ذاكرًا لصومه بسبب استمناء بيده أو بيد زوجته أو بسبب مباشرة ما دون الفرج، أو بسبب تقبيل زوجته، أو لمسها، أو
[ ٢ / ٣٧٩ ]
أمذى (^٩) (أو حجم أو احتجم، وظهر دم عامدًا ذاكرًا) في الكل (الصومه: فسد)
بسبب تكرار النظر إليها أو إلى غيرها فإن صومه يفسد للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" فالصائم هو: الذي يدع الأكل والشرب، وإخراج المني بشهوة عمدًا، ودلَّ مفهوم الصفة من ذلك على أن تلك الأمور الثلاثة مفسدات للصوم ومنها إنزال المني، وهذا المفهوم عام، فيكون شاملًا لكل ما ذكرنا، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لحصول التلذُّذ والتَّمتُّع، وهو مخالف للمقصد من مشروعية الصوم، فإن قلتَ: لمَ كان تكرار النظر مُفسدًا للصوم مع أن النظرة الأولى، والتفكير غير مفسد له وإن خرج المني بسببهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النظرة الأولى والتفكير مما تعمُّ به البلوى فيشقُّ على أيِّ أحد أن يحترز منهما، فدفعًا لذلك: لم يكونا مُفسدين للصوم، بخلاف من كرَّر النظر فيفسد صومه؛ لأنه من فعله.
(^٩) مسألة: إذا أنزل الصائم مذيًا عمدًا -وهو ذاكر لصومه ـ: فإنه لا يفسد صومه مُطلقًا، وهو مذهب كثير من العلماء؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم فساد الصوم بأيِّ شيء إلّا إذا دلَّ دليل قوي على ذلك ولم يرد شيء يدل على فساده بخروج المذي مُطلقًا فنعمل بالأصل، وهو: عدم فساد صومه بذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروج المذي لا يسلم منه أحد فلو فسد صوم كل أحد خرج منه مذي: للحق الناس مشقَّة، فدفعًا لذلك: شُرع ذلك، فإن قلتَ: إن خروج المذي بسبب استمناء، أو مباشرة ما دون الفرج أو تقبيل زوجته أو لمسها: يفسد الصوم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن خروج المني بأحد تلك الأسباب يُفسد الصوم فكذلك المذي مثله والجامع الإنزال بشهوة في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإنسان يشعر بلذة شديدة واستمتاع عند خروج المني، وهذا مخالف للمقصد من مشروعية الصيام -كما سبق- بخلاف خروج المذي فلا يشعر =
[ ٢ / ٣٨٠ ]
صومه؛ لقوله ﷺ: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه أحمد والترمذي، قال ابن خزيمة: "ثبتت الأخبار عن رسول الله له بذلك"، (^١٠) ولا يفطر بفصد، ولا شرط ولا
بذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس والاستصحاب" فعندنا يُعمل بالاستصحاب؛ لأن القياس لا يقوى على تغيير الأصل، وعندهم: يُعمل بالقياس؛ لقوته على تغيير الأصل.
(^١٠) مسألة: إذا طلب الصائم من يحجمه لحاجة فقام آخر صائم فحجمه وأخرج منه الدم، وهما عامدان ذاكران لصومهما: فإنه يفسد صومهما سواء كان الدم الخارج قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت الحجامة في الرأس أو غيره من أجزاء البدن، للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "أفطر الحاجم والمحجوم" حيث بين الشارع هنا أن الحاجم والمحجوم يُفطران بسبب الحجامة، وهذا يلزم منه: فساد صومهما، وهذا عام فيشمل كل ما ذكرناه؛ لأنه مفرد معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ويلزم من الحجامة إخراج الدم، ومصُّه فإن قلتَ: لِمَ يفسد صوم المحجوم؟ قلتُ: لإحساسه بالقوة والنشاط بعد خروج الدم غالبًا وهذا مناف للمقصد من مشروعية الصوم، فإن قلتَ: لِمَ يفسد صوم الحاجم؟ قلتُ: لتطاير بعض الدم إلى حلقه بسبب امتصاصه له بقوة غالبًا، وما وصل إلى الحلق فيغلب على الظن وصوله إلى المعدة، وما وصل إلى المعدة فهو مظنة الإفطار كما أن النوم مظنة خروج الحدث، فلما وجب الوضوء على النائم وجب إعادة صوم الحاجم، فإن قلتَ: لا تفسد الحجامة صوم الحاجم ولا المحجوم، وهو قول الجمهور؛ للسنة الفعلية، حيث "إنه ﷺ احتجم وهو صائم مُحرم" فلو كان يُفسده لما فعله ﷺ قلتُ: لم ترد في الرواية الصحيحة لفظة "صائم" كما رواها، مسلم وأحمد، وعلى فرض ورودها: فإن هذا يُحمل على السنة القولية التي ذكرناها وهو: أنه ﷺ احتجم فأفطر، أو يُحكم على السنة الفعلية بأنها منسوخة بالسنة القولية كما قال بعض العلماء، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل
[ ٢ / ٣٨١ ]
رعاف (^١١) (لا) إن كان (ناسيًا أو مكرهًا) ولو يوَجُور مغمى عليه؛ معالجة، فلا
بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فعندنا تقدم القولية، وعندهم: تقدم الفعلية. [فرع]: إذا سُحب الدم صائم بآلات منفصلة عن الفم: فلا يفسد صوم الحاجم الساحب للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مصِّ الدم مباشرة منه بقوة: عدم فساد الصوم؛ لأنه يغلب على الظن عدم وصول شيء إلى الحلق.
(^١١) مسألة: إذا تعمَّد الصائم إخراج الدم منه بفصد، أو شرط ـوهما: شق العرق، أو تجميع الجلد حتى يخرج منه دم- أو برعاف ـوهو إخراج الدم من الأنف- وهو ذاكر لصومه: فإن صومه يفسد، أما إن كان غير مُتعمِّد، أو متعمدًا ولكنه قد نسي أنه صائم: فلا يفسد صومه؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما كما أن الحجامة المتعمدة تفسد الصوم، فكذلك إخراج الدم المتعمد يفسده، والجامع: الشعور بالنشاط والقوة في كل، ثانيهما: كما أن الأكل والشارب نسيانًا لا يفسد صومه فكذلك إخراج الدم بأي طريقة غير متعمَّدة، والجامع: أنه في كل منهما ليس من فعله، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن القصد والنية والإرادة لها أثرها في الأحكام، فإن قلتَ: إن إخراج الدم بتلك الأمور لا يُفسد الصوم سواء كانت بقصد أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بحجامة: عدم فساد الصوم به لأن النص ورد بالحجامة فقط قلتُ: إن إخراج الدم بأي صفة يبعث النشاط في الجسم، وهذا متناف مع المقصد من مشروعية الصوم فلذلك قلنا بأنه يُفسد الصوم إذا قُصد، بخلاف ما لم يُقصد؛ لأن الأمور بمقاصدها، ولا يختصُّ الأمر بالحجامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل إخراج الدم المفطِّر خاص في الحجامة الواردة في النص أو أن المقصود: أن كل إخراج للدم
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يفسد صومه فأجزأه، لقوله ﷺ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليُتمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" متفق" عليه (^١٢) (أو طار إلى حلقه دُباب أو غبار) من طريق، أو دقيق، أو دُخان لم يُفطر؛ لعدم إمكان التحرُّز من ذلك أشبه النائم (^١٣)
يُفطر؟ " فعندنا: يُعمل بالمقصد، وهو: أن كل ما يُخرجه يُفطر، وعندهم: هو خاص بإخراجه عن طريق الحجامة.
(^١٢) مسألة: إذا أوصل الصائم إلى معدته شيئًا من المأكولات أو المشروبات، أو غير ذلك وهو ناس لصومه، أو مُكَره على ذلك، ولم يقصده كمعالجة المغمى عليه بأكل أو شرب أو وجور أو نحو ذلك: فإن صومه لا يفسد؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمَّ صومه" فيلزم من الأمر بمواصلة الصوم: أن صومه صحيح، وهو عام لكل ما ذكرنا من المأكولات والمشروبات وغيرها مما وصل إلى معدته؛ لأن من الشرطية من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام للصيام وغيره من الأحكام: حيث إن غير المقصود لا يؤثر في الأحكام سلبًا وإن خالف المقصد من مشروعيتها، وقلنا بأنه عام؛ لأن "الخطأ، والنسيان" اسم جنس معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، و"ما" في قوله و"ما استكرهوا" اسم موصول وهو من صيغ العموم أيضًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن ذلك قد وقع من غير قصدٍ منه فهو معذور بذلك؛ لكونه من غير فعله، فائدة: "الوَجُور" سائل مكوَّن من ماء ودقيق وبعض الحشائش يوضع في فم المريض.
(^١٣) مسألة: إذا دخل في فم الصائم دُخان، أو غبار، أو ذباب، أو بعوض، أو أيُّ شيء، أو شمَّ بعض الروائح الطَّيبة من غير قصد منه: فلا يفسد صومه: سواء =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(أو فكَّر فأنزل): لم يُفطر؛ لقوله ﷺ: "عفي لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلَّم به" وقياسه على تكرار النظر غير مسلَّم؛ لأنه دونه (^١٤) (أو احتلم): لم
حصل له بعض النشاط أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن النائم وهو صائم إذا دخل في فمه شيء من ذلك: لا يفسد صومه فكذلك الصائم غير النائم مثله، والجامع: صعوبة التحرز من ذلك في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن ذلك مما تعمُّ به البلوى؛ إذ لو فسد صوم الصائم بذلك: للحق كثيرًا من الناس مشقة، فدفعًا لذلك شُرع.
(^١٤) مسألة: إذا فكَّر الصائم بزوجته أو بغيرها فأنزل منيًا: فلا يفسد صومه؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "عُفي لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلَّم به " وهذا عام فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ما" في قوله: "ما حدَّثت" اسم موصول وهو من صيغ العموم، فيكون المنزل منيًا بسبب التفكير لا يفسد صومه؛ لكونه معفوًا عنه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التفكير يغلب على الإنسان عادة، وقد يشق دفعه على كثير من الناس، فلذلك عُفي عنه فلا يؤثر على الأحكام سلبًا، وهذا في الصوم وغيره، فإن قلتَ: إنه يُفسد الصوم إذا صاحبه إنزال وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما من كرر النظر لزوجته أو لغيرها فأنزل منيًا يفسد صومه ـكما سبق في مسألة (٨) -، فكذلك من فكَّر فأنزل مثله والجامع: أن كلًّا منهما لم يُباشر وأنزل بقصد قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن التفكير يغلب على الإنسان غالبًا؛ بخلاف تكرار النظر فإن الناظر يقوى غالبًا على صرف نفسه عن المنظور، وأيضًا: التفكير أضعف في استدعاء الشهوة وإفضائه إلى الإنزال من تكرار النظر، لعدم وجود شيء أمام المفكِّر، بخلاف المكرر للنظر فيُوجد أمامه شيء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياس مع عموم السنة" فعملنا بعموم السنة لضعف القياس؛ وهم عملوا بالقياس لقوته عندهم.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يفسد صومه؛ لأن ذلك ليس بسبب من جهته، (^١٥) وكذا: لو دَرَعَه القيء، أي: غَلَبَه (^١٦) (أو أصبح في فيه طعام فَلَفَظه) أي: طرحه: لم يفسد صومه، وكذا: لو شقَّ عليه أن يلفظه فبلعه مع ريقه من غير قصد: لم يفسد؛ لما تقدَّم، وإن تميز عن ريقه وبَلَعَه باختياره: أفطر، (^١٧) ولا يُفطر إن لطخ باطن قدميه بشيء فوجد طعمه في
(^١٥) مسألة: إذا نام الصائم فاحتلم فأنزل في أثناء نومه: فلا يفسد صومه؛ للقياس، بيانه: كما أن من أكل أو شرب ناسيًا لا يفسد صومه، فكذلك النائم المحتلم المنزل مثله، والجامع: أن كلًّا منهما لم يقصد ما حصل له ولم يكن بسببه هو، فهو معذور بذلك، وهذا من تيسير الإسلام، وهذا هو المقصد منه.
(^١٦) مسألة: إذا خرج القيء من الصائم من غير قصد منه: بأن غلب عليه، أو أخرج القيء عمدًا وهو ناسي لصومه: فلا يفسد صومه؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "من ذرعه القيء: فلا قضاء عليه" حيث يلزم من عدم القضاء: صحة صوم من غَلَبَه القيء، ثانيهما: قوله ﷺ: "من استقاء عمدًا فليقض" حيث دل مفهوم الشرط على أن من قاء من غير عمد: فلا قضاء عليه؛ لكون صومه صحيحًا، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونه معذورًا؛ لأن ذلك ليس بسبب منه.
(^١٧) مسألة: إذا وجد صائم بقايا طعام في فمه لما أصبح فَلَفَظَه وأخرجه، أو لم يُخرجه فَبَلَعَه مع ريقه من غير قصد منه؛ نظرًا لمشقَّة إخراجه: فلا يفسد أما إن بلعه مع استطاعته إخراجه: فإن صومه يفسد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو بلع طعامًا من خارج ابتداء: فإنه يفسد صومه فكذلك إذا وجد في فمه طعامًا فبلعه قاصدًا: فإنه يفسد صومه مثله، والجامع أن كلًّا منهما =
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حلقه (^١٨) (أو اغتسل، أو تمضمض أو استنثر) يعني: استنشق (أو زاد على الثلاث) في المضمضة أو الاستنشاق (^١٩) (أو بالغ) فيهما (فدخل الماء حلقه: لم يفسد) صومه؛ لعدم القصد، وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم، وتقدَّم، (^٢٠) وكُرها
قد بلع طعامًا عن قصد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن لفظه وإخراجه من الفم، أو بلعه من غير قصد لا يسلم منه أحد، فلو فسد صوم كل من فعل ذلك من غير قصد: لما سلم لأحد صومه إلّا ما ندر، فدفعًا لذلك: صح صوم هذين.
(^١٨) مسألة: إذا وضع صائم على قدميه حِنَّاء، أو دهن أو نحو ذلك، ووجد طعم ذلك في حلقه: فصومه صحيح؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو دهن رأسه فوجد طعمه في حلقه لا يفسد صومه فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: أن كلًّا من القدمين والرأس ليسا منفذين إلى حلقه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم وجود مظنَّة الإفطار؛ لعدم محاولته الاقتراب من المنافذ التي توصل الطعام إلى معدته.
(^١٩) مسألة: إذا اغتسل الصائم، أو تمضمض، أو استنشق فصار شيء من الماء في معدته من غير قصد: فصيامه صحيح: سواء زاد على الثلاث أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم قصده إدخال الماء إلى معدته: عدم فساد صومه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو فسد صوم كل أحد بلع ماء أثناء المضمضة أو الاستنشاق، أو الاغتسال: للزم فساد صوم أكثر الخلق؛ لعموم البلوى فيه، فدفعًا لذلك: شرع عدم فساده.
(^٢٠) مسألة: يكره أن يُبالغ الصائم في المضمضة والاستنشاق ولو فعل ذلك: فلا يفسد صومه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من أن يفسد صومه من حيث لا يدري، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٣٣) من باب "السواك وسنن الوضوء" من كتاب "الطهارة".
[ ٢ / ٣٨٦ ]
له؛ عبثًا، أو إسرافًا، أو لحر، أو عطش كغوصه في ماء لغير غُسْل مشروع، أو تبرد، ولا يفسد صومه بما دخل حلقه من غير قصد (^٢١) (ومن أكل) أو شرب أو جامع (شاكًا في طلوع الفجر) ولم يتبيَّن له طلوعه: (صحَّ صومه) ولا قضاء عليه، ولو تردَّد؛ لأن الأصل: بقاء الليل (لا إن أكل) ونحوه (شاكًا في غروب الشمس) من ذلك اليوم الذي هو صائم فيه، ولم يتبيَّن بعد ذلك أنها غربت فعليه قضاء الصوم الواجب؛ لأن الأصل: بقاء النهار (^٢٢) (أو) أكل ونحوه (مُعتقدًا أنه ليل فبان نهارًا)
(^٢١) مسألة يكره أن يتمضمض الصائم أو يستنشق، أو يغتسل لغير عبادة كأن يفعل ذلك للعبث، أو اللهو، أو الإسراف في ذلك، ولو فعل ذلك فدخل شيء من الماء من غير قصد: لم يفسد صومه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتمال دخول شيء من الماء إلى معدته، فيؤدِّي إلى تقليل الأجر، فكُره؛ لأجل حمايته من هذا الاحتمال، ولم يفسد صومه؛ لكون دخول الماء إلى معدته إن وقع: لم يُقصد. [فرع]: لا يُكره أن يتمضمض الصائم، أو يستنشق، أو يغتسل لشيء مشروع كان يشعر بالحر فيصبُّ الماء على بدنه أو نحو ذلك ولا يفسد صومه إذا دخل شيء من الماء إلى معدته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ "حيث كان ﷺ يُصبح جُنبًا فيغتسل وهو صائم" ولا يؤمن دخول الماء أثناء الاغتسال، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للصائم أن يجلس في الظل للتبرُّد فكذلك يجوز أن يصبَّ عليه الماء للتبرُّد أو يغوص فيه والجامع: أنه في كل منهما يغلب على ظنه عدم وصول الماء إلى معدته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة الضَّجر.
(^٢٢) مسألة: إذا أكل أو شرب أو جامع وهو شاكٌّ في طلوع الفجر، أي: تردَّد هل طلع الفجر أو لا؟ ولم يترجَّح أحدهما: فإن صومه صحيح، أما إن فعل ذلك وهو شاك في غروب الشمس من اليوم الذي هو صائم فيه: فإن صومه يفسد؛ =
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أي: فبان طلوع الفجر، أو عدم غروب الشمس: قضى؛ لأنه لم يتُمَّ صومه، (^٢٣)
للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الأول: بقاء الليل، وإذا بقي الليل فالإفطار جائز، وطلوع الفجر مشكوك فيه، ولا يزول اليقين وهو الأصل وهو بقاء الليل هذا بشيء مشكوك فيه، فنستصحب ذلك الأصل ونعمل به، ولا نلتفت إلى الشك؛ لكونه غير معمول به في الأحكام، أما الثاني -وهو من أفطر وهو شاك بغروب الشمس- فالأصل فيه: بقاء النهار، وإذا بقي النهار فالصوم واجب، وغروب الشمس مشكوك فيه، ولا يزول اليقين وهذا الأصل، وهو بقاء النهار هنا بشيء مشكوك فيه، فنستصحب ذلك الأصل، ونعمل به، فيكون إفطاره باطلًا، وعليه قضاؤه، وهذا واضح المقصد.
(^٢٣) مسألة: إذا غلب على ظن الصائم أنه بليل فأكل أو شرب أو جامع، فبان بعد ذلك أنه فعل ذلك في النهار: فإن صومه صحيح، وهو قول كثير من العلماء، وتبعهم ابن تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن من نسي فأكل أو شرب في النهار: لا يفسد صومه فكذلك من أفطر ظانًا أنه بليل فبان أنه في النهار مثله والجامع: عدم القصد منهما، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد أكل فبان أنه كان في نهار فقال: "لا نقضي؛ فإنا لم نتجانف لإثم"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقع كثيرًا؛ فدفعًا لمشقة القضاء: جُعل صومه صحيحًا، فإن قلتَ: إن صوم هذا فاسد، ويجب عليه القضاء -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فأوجب الشارع صوم يوم كامل: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ودل مفهوم الزمان على أن من لم يصم يومًا كاملًا: فصومه فاسد، وهذا -الذي أفطر في النهار ظانًا أنه ليل، فبان أنه نهار- لم يصم يومًا كاملًا، فيلزم فساد صومه، ووجوب قضائه قلتُ: الآية دالَّة على =
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وكذلك يقضي إن أكل ونحوه يعتقده نهارًا فبان ليلًا، ولم يُجدِّد نية لواجب، (^٢٤) لا من أكل ظانًا غروب الشمس ولم يتبيَّن له الخطا (^٢٥) فصل: (ومن جامع في نهار رمضان) ولو في يوم لزمه إمساكه، أو رأى الهلال ليلته ورُدَّت شهادته فغيَّب حشفة ذكره الأصلي (في قُبُل) أصلي (أو دُبُر) ولو ناسيًا، أو مكرهًا، أو جاهلًا: (فعليه
ما قلتم إذا فعل ذلك قاصدًا وعالمًا بأنه نهار، وهذا يختلف عما نحن فيه، حيث لم يقصد هنا ولم يعلم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع عموم مفهوم الآية" فعندنا: يُعمل بالقياس؛ حيث إنه خصَّص عموم مفهوم الآية في المتعمد فقط، وعندهم: لا يقوى القياس على تخصيص عموم مفهوم الآية، فيكون عامًا في المتعمد وغيره.
(^٢٤) مسألة إذا أفطر -بأكل أو شرب أو جامع- في وقت غلب على ظنه أنه نهار وقصد ذلك، فبان أن هذا الوقت الذي أفطر فيه ليل: فصومه ذلك اليوم فاسد، ويجب قضاؤه وإن لم يُجدِّد النية فطلع الفجر من اليوم الثاني: فصومه في اليوم الثاني لا يصح ويجب قضاؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطعه لنية الصوم في اليوم: فساد صومه، ويلزم من عدم تبييت نية الصوم لليوم الثاني: فساد صومه أيضًا، ويلزم من فساد صوم أي يوم قضاؤه؛ لأن الأمور بمقاصدها ونياتها.
(^٢٥) مسألة: إذا غلب على ظن الصائم أن الشمس قد غربت فأفطر، ولم يتبيَّن له خطأ ظنه هذا: فإن صومه صحيح؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا غلب على ظنه أن هذه جهة القبلة فصلى إليها ولم يتبيَّن بعدها أنه أخطأ في ذلك: فصلاته صحيحة، فكذلك الصائم في هذه الحالة مثله والجامع: أن كلًّا منهما قد غلب على الظن في حين عدم وجود ما يُعارضه.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
القضاء والكفارة) أنزل أو لا (^٢٦) ولو أولج خُنثى مشكل ذكره في قُبُل خُنثى
(^٢٦) مسألة: إذا جامع الصائم وهو مكلَّف مُقيم عالم بتحريم ذلك، ذاكر الصومه، مختار، مُتعمِّد له فإن صومه يفسد، وعليه القضاء والكفارة -وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، وسيأتي بيانه- وهذا مطلق، أي: سواء جامع زوجته أو غيرها، وسواء أنزل أو لم يُنزل، وسواء أدخل ذكره الأصلي في قُبُل أصلي أو دُبُر، وسواء ثبت رمضان لديه وحده أو لا، وسواء أمسك آخر النهار أو أوله؛ للسنة القولية؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر الرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان بالكفارة، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، والدُّبُر في الوطء كالقبل، ووطء الأجنبية كوطء الزوجة؛ لعدم الفارق في كل من باب "مفهوم الموافقة"، وهذا عام شامل لمن أنزل أو لا؛ لكونه ﷺ لم يستفصل؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال يُنزَّل منزلة العموم في المقال، واشتُرط في ذلك كون المجامع مكلَّفًا مختارًا عالمًا بالتحريم؛ لأن هذا الرجل قد أتى إلى النبي ﷺ بنفسه، ويلزم من إتيانه إليه ﷺ: أن هذا الرجل كان مُقيمًا عالمًا بتحريم ذلك ذاكرًا لصومه مختارًا متعمدًا لما وقع منه الجماع، ثانيهما: قوله ﷺ: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" حيث دلَّ مفهوم الصفة منه على أن الذي لا يترك شهوته لا يُسمى صائمًا، فيجب عليه القضاء، فإن قلتَ: لِمَ وجبت الكفارة هنا؟ قلتُ: لأن المقصود بالصيام هو سد باب التمتُّع وسرور النفس؛ ابتلاء وامتحانًا، وإنما حُرم الصائم من الأكل والشرب لأجل ذلك فمنعه من الجماع من باب أولى، لكونه أبلغ في السرور وبسط النفس، وهتك حرمة نهار رمضان، فنظرًا لذلك أوجب الشارع على من فعل ذلك كفارة مثل كفارة الظهار؛ نظرًا لعظم وخطورة الفعل، فإن قلتَ: لِمَ وجب القضاء هنا؟ قلتُ: لكونه جامع عمليًا في نهار =
[ ٢ / ٣٩٠ ]
مُشكل، أو قُبُل امرأة، أو أولج رجلٌ ذكره في قُبُل خنثى مُشكل: لم يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل كالغسل، وكذا: إذا أنزل محبوب، أو امرأتان بمُساحقة (وإن
رمضان فلم يتُم صيامه واليوم الذي لا يُتمَّ صيامه يكون فاسدًا، واليوم الفاسد يُقضى. [فرع]: إذا جامع في نهار رمضان ناسيًا صومه، أو جاهلًا بحكمه، أو مُكرهًا: فلا يفسد صومه، ولا قضاء عليه ولا كفَّارة، وهو قول الجمهور للقياس، بيانه: كما أن من أكل أو شرب ناسيًا أو جاهلًا، أو مكرهًا وهو صائم: لا يفسد صومه ولا كفارة عليه ولا قضاء فكذلك من جامع مثله والجامع: أن كلًّا منهم لم يقصد، فيكون معذورًا، فإن قلتَ: إن هذا المجامع يفسد صومه، وعليه الكفارة والقضاء، وهو قول المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال للرجل الذي سأله عن الجماع في نهار: رمضان "اعتق رقبة " ولم يستفصل عن حاله هل وقع هذا منه نسيانًا أو جهلًا أو إكراهًا؛ وهذا يلزم منه أن الحكم عام لمن تعمَّد ولغيره فيجب عليه؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال: القضاء والكفارة مطلقًا؛ قلتُ: إن الرجل لما جاء إلى النبي ﷺ قال: "هلكتُ يا رسول الله" فقال ﷺ: "ماذا صنعت؟ " قال الرجل: "وقعتُ على أهلي في نهار رمضان" قال له النبي ﷺ: "اعتق رقبة .. " فلفظ "هلكتُ يا رسول الله" يلزم منه: أنه قد تعمَّد ذلك الوقاع، ومعروف أن المتعمَّد خلاف الناسي، والمكره، والجاهل لذا: أوجب النبي ﷺ وعلى ذلك الرجل الكفارة، والقضاء دون استفصال؛ لكونه علم ذلك من لسانه ولسان حاله، ولذا اشترطنا تلك الشروط فيمن وجب عليه ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في لفظ "هلكتُ" هل يلزم منه أن السائل كان متعمدًا، غير ناسٍ ولا جاهل ولا مكره أو لا يلزم منه شيء؟ فعندنا: يلزم منه ذلك وتُفهم تلك الشروط من ذلك، وعندهم: لا يلزم منه شيء.
[ ٢ / ٣٩١ ]
جامع دون الفرج ولو عمدًا (فأنزل) منيًا أو مذيًا (^٢٧) (أو كانت المرأة) المجامعة (معذورة) بجهل أو نسيان أو إكراهٍ: فالقضاء، ولا كفارة، وإن طاوعت عامدة عالمة: فالكفارة أيضًا (^٢٨) (أو جامع من نوى الصوم في سفره) المباح فيه القصر، أو
(^٢٧) مسألة: إذا أدخل خنثى ذكره في قُبُل خنثى آخر، أو أدخله في قُبُل امرأة، أو أدخل رجل ذكره في قُبُل خنثى، وكذلك المجبوب ـوهو من قُطع ذكره أو خُصيتاه- إذا ألصق جسمه إلى آخر، أو المرأة إذا الصقت جسمها إلى امرأة أخرى -وهي: المساحقة-، أو جامع رجل دون الفرج: فأنزل كل واحد مما في هذه الصور الست منيًا وهو صائم متعمِّد: فإن الصوم يفسد، ويجب قضاؤه، ولا كفارة، وإن لم يُنزل منيًا: فالصوم صحيح، ولا قضاء، ولا كفارة، للقياس؛ بيانه: كما أن الواحد مما سبق ذكرهم إذا أنزل بسبب الإدخال أو عدمه يجب عليه الغسل، وإذا لم ينزل فلا يجب عليه الغسل، فكذلك في تلك الصُّور الست يجب القضاء؛ لفساد الصوم إذا حصل إنزال، ولا يفسد الصوم ولا قضاء إذا لم يحصل إنزال والجامع: حصول التلذذ الكامل بالإنزال فأفسد الصوم؛ لمنافاة ذلك للمقصد من مشروعية الصوم، وعدم حصول التلذذ بعدم الإنزال، فلا يفسد الصوم في كل، وهذا هو المقصد الشرعي، فإن قلتَ: لِمَ لا تجب الكفارة هنا؟ قلتُ: لأن الكفارة قد وجبت، نظرًا لوصول المجامع إلى غاية السرور وبسط النفس وهذا يحصل إذا أدخل حشفة ذكره الأصلي في فرج أصلي، ولم يحصل ذلك في تلك الصور الست، فلم تجب الكفارة، تنبيه: قوله: "أو مذيًا" يُشير به إلى أن خروج المذي يفسد الصوم ويوجب الكفارة، وهذا مرجوح كما سبق بيانه في مسألة (٩).
(^٢٨) مسألة: إذا كانت المرأة الصائمة المجامَعَة مُكلَّفة مقيمة، عامدة، عالمة بتحريم ذلك، ذاكرة لصومها مختارة، مُطيعة: فإن صومها يفسد، وعليها القضاء =
[ ٢ / ٣٩٢ ]
في مرض يُبيح الفطر: (أفطر، ولا كفَّارة)؛ لأنه صوم لا يلزم المضي فيه أشبه التطوع، ولأنه يُفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده (^٢٩) (وإن جامع في يومين) مُتفرِّقين
والكفارة، أما إن كانت تلك المرأة معذورة: بأن كانت غير مكلَّفة، أو مسافرة، أو نائمة، أو جاهلة بتحريم ذلك، أو ناسية لصومها، أو مكرهة: فإن صومها لا يفسد، ولا قضاء عليها ولا كفارة؛ للقياس؛ على الرَّجل، وقد سبق تفصيل الكلام فيه في مسألة (٢٦) والفرع التابع لها، فإن قلتَ: إن المرأة إن كانت معذورة فإن صومها يفسد، وعليها القضاء، ولا كفارة عليها، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: قد بينت أن الراجح: أن صومها صحيح مثل الرجل كما فَّصلت ذلك في مسألة (٢٦) والفرع التابع لها وذكرت هناك سبب الخلاف في ذلك والمقصد الشرعي في ذلك. [فرع]: إذا وطأ الصائم بهيمة في فرجها: فإن صومه يفسد، فيجب عليه القضاء، ولا كفارة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إفساد الصوم بالوطء: قضاؤه، ويلزم من عدم الإدخال في فرج أصلي: عدم الكفارة؛ لعدم وصوله إلى السرور وبسط النفس في هذا الوطء، ومعروف وطء البهيمة يُخالف وطء الآدمية في إيجاب الحد وفي كثير من الأحكام كما صرَّح بذلك أكثر المحققين كأبي الخطاب وغيره.
(^٢٩) مسألة: إذا نوى شخص الصوم في سفر يُباح قصر الصلاة فيه ـوهو (٨٢ كم) كما سبق-، أو نوى الصوم في مرض يُبيح الفطر، ثم جامع أثناء صومه في سفره أو مرضه: فإنه يفسد صومه، فيجب عليه قضاؤه، ولا تجب الكفارة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو صام تطوعًا: فإنه يجوز له الجماع أثناء صومه ولا كفارة فكذلك إذا صام في حال يجوز فيه الإفطار ـكالسفر والمرض- يجوز له الجماع ولا كفارة، والجامع: أن كلًّا منهما لا يلزم المضي فيه، الثانية: التلازم؛ حيث إن هذا السفر أو المرض يُبيح له الفطر، وبناء على ذلك ينوي الإفطار بالجماع ولا كفارة عليه في ذلك؛ لكونه فعل ماله فعله.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أو متواليين (أو كرَّره) أي كرَّر الوطء (في يوم ولم يُكفِّر) للوطء الأول (فكفَّارة واحدة في الثانية) وهي: ما إذا كرَّر الوطء في يوم قبل أن يكفر، قال في "المغني" و"الشرح": بغير خلاف (وفي الأولى) وهي: ما إذا جامع في يومين (اثنتان)؛ لأن كل يوم عبادة مفردة (وإن جامع ثم كفرَّ، ثم جامع في يومه: فكفارة ثانية)؛ لأنه وطء محرَّم، وقد تكرَّر فتتكرر هي كالحج، (^٣٠) (وكذلك من لزمه الإمساك) كمن لم
(^٣٠) مسألة: إذا جامع الصائم في يوم واحد مرتين، ولم يُكفِّر عن جِماعه الأول: فتجب عليه كفَّارة واحدة تكون بعد الثانية تُجزئه عنهما؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو شرب الخمر مرتين في يوم واحد ولم يُحدَّ عن المرة الأولى: فإن الواجب عليه حدٍّ واحد فقط يكون بعد الثانية، فكذلك من جامع مرَّتين مثله، والجامع: أن ذلك يُعتبر في كل منهما زجرًا له من أن يعود، وهو المقصد في ذلك. [فرع]: إذا جامع الصائم في يوم ثم كفَّر عن ذلك، ثم جامع مرة ثانية في نفس اليوم: فلا كفَّارة عليه، وهو قول الجمهور للتلازم؛ حيث إن اليوم الواحد عبادة واحدة فيلزم أن توجب كفَّارة واحدة فقط وتجزئ عنه في الجماعين، فإن قلتَ: إنه تجب عليه كفَّارة ثانية في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو كرَّر المحظور في الحج: كان يقتل صيدًا أول يوم عرفة، ثم يُكفِّر، ثم يقتل آخر في آخر ذلك اليوم فيجب عليه أن يُكفِّر أيضًا مرة ثانية فكذلك من جامع مرتين في يوم واحد مثله والجامع: أنه في كل منهما تكرَّر ما يوجب الكفارة فتتكرر هي قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن فعل المحظور إذا تكرَّر في يوم: فالكفارة واجبة على كل محظور -وإن كثرت وإن كفَّر عن المرة الأولى فلا فرق في ذلك في الحج لأن كل فعلٍ مُنفصل عن الآخر، بخلاف الصوم؛ حيث إن اليوم الواحد عبادة منفردة إذا جامع فيه عددًا من المرات فعليه كفَّارة واحدة، فلا تتعدَّد الكفارة مع وحدة العبادة فإن قلت: ما
[ ٢ / ٣٩٤ ]
يعلم برؤية الهلال إلّا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامدًا (إذا جامع): فعليه الكفارة؛ لهتكه حرمة الزمن (^٣١) (ومن جامع وهو مُعافى، ثم مُرِض، أو جُنَّ،
سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا: يُعمل بالتلازم؛ لقوته، وعندهم: يُعمل بالقياس. [فرع آخر]: إذا جامع الصائم في يوم السبت مثلًا، ثم جامع في يوم الأحد: فتجب عليه كفَّارة عن كل يوم، فتجب عليه هنا كفَّارتان: سواء كان قد كفَّر عن جماعة في يوم السبت، أو لم يُكفِّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل يوم عبادة منفردة: وجوب كفارة له إذا جامع فيه؛ لأن فساد يوم لا دخل له بفساد اليوم الآخر، لانفصال كل يوم عن الآخر كالرمضانين المنفصلين.
(^٣١) مسألة: إذا وجب على مكلف الإمساك، وإن لم يُحسب له اليوم -كمن نسي النية للصيام من الليل فطلع الفجر، أو لم يعلم برؤية الهلال إلّا بعد طلوع الشمس، أو أكل عامدًا بلا عذر، أو قدم من السفر، أو شُفي من المرض، أو طهرت حائض أو نفساء أثناء النهار-، ثم جامع وهو مُتعمِّد، ذاكر لصومه، عالم بحكم ذلك، مختار بعد إمساكه: فإنه تجب عليه الكفارة مع قضاء ذلك اليوم للتلازم؛ حيث إن سبب وجوب الكفارة: هتك حرمة زمن رمضان بفعل أعلى درجات الشهوة، فيلزم من وجود هذا الهتك بهذا الفعل في ذلك الزمن المحترم: وجوب الكفارة، فإن قلتَ: لا تجب الكفارة هنا وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز إفطاره في أول اليوم: جواز إفطاره في آخره قلتُ: إن الأصل: هو الصوم، وقد خُولف هذا الأصل وأُذن بالفطر هنا للعذر -وهو النسيان أو الجهل، أو السفر، أو المرض أو الحيض أو النفاس- فلما زال ذلك العذر في بقية اليوم: عاد إليهم الأصل وهو الحكم بوجوب الإمساك وما يتعلَّق به من أحكام، ومن ذلك: حرمة زمن رمضان =
[ ٢ / ٣٩٥ ]
أو سافر لم تسقط) الكفارة عنه؛ لاستقرارها كما لو لم يطرأ العذر (^٣٢) (ولا تجب الكفارة بغير جماع في صيام رمضان)؛ لأنه لم يرد به نص، وغيره لا يُساويه، (^٣٣)
كأكل الميتة حيث يُحرَّم على غير المضطر أكل بعض من الميتة مع أنه قبل ساعة يجوز له ذلك وما نحن فيه مثل ذلك، وهذا يدخل تحت قاعدة: "الضرورة تقدَّر بقدرها"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في علة وجوب الكفارة" فعندنا: العلة هي: هتك حرمة زمن رمضان، وعندهم: هتك حرمة الصوم في رمضان.
(^٣٢) مسألة: إذا جامع الصائم المكلَّف الصحيح المقيم المختار العالم بتحريم ذلك، الذاكر لصومه المتعمِّد، ثم بعد ذلك حصل له عذر يُبيح الفطر كسفر، أو جنون، أو مرض، أو حيض، أو نفاس: فتجب عليه الكفارة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو جامع ولم يحصل له عذر تجب عليه الكفارة فكذلك من جامع وحصل له بعد ذلك عذر تجب عليه الكفارة والجامع: أن الكفارة قد استقرَّت في ذمَّته بمجرَّد جماعه في كل.
(^٣٣) مسألة: الكفارة تجب على من جامع في نهار شهر رمضان فقط، وبناء على ذلك: لا تجب الكفارة فيما لو جامع في صيام واجب ـغير رمضان- كأن يُجامع في قضاء، رمضان، أو صيام نذر، أو صيام كفَّارة يمين، أو قتل خطأ، أو ظهار، أو صيام فدية الأذى في الحج، أو صيام التمتع لمن لم يجد الهدي في الحج، أو صيام نفل؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال - للرجل الذي سأله عن حكم من جامع أهله في نهار رمضان-: "اعتق رقبة"، والسؤال مُعاد في الجواب فكأن التقدير: من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة" ودلَّ مفهوم الزمان على أن من جامع في نهار غير شهر رمضان: فلا كفارة عليه، وهذا المفهوم عام لجميع ما ذكرنا من أنواع الصوم، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن نهار =
[ ٢ / ٣٩٦ ]
والنَّزع: جماع، والإنزال بالمساحقة كالجماع على ما في" المنتهى" (^٣٤) (وهي) أي:
رمضان قد تعيَّن لهذه العبادة، وهو محترم لذلك ولا يجوز انتهاك حرمته، وغيره لا يُساويه في ذلك، فلا يُقاس غيره عليه، فلزم اقتصار وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان.
(^٣٤) مسألة: إذا طلع الفجر من يوم صوم رمضان وذكَرُه داخل في فرج امرأته: فإنه ينزع ذكره ويُخرجه ولا يفسد صومه، ولا قضاء ولا كفَّارة عليه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وثبت عنه ﷺ: أن الله تعالى قال: "قد فعلتُ" ومن طلع الفجر وذكره داخل في فرج امرأته لم يقصد الجماع في نهار رمضان: فلا يُؤاخذ ولا يترتَّب عليه شيء، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ:"عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" ويُقال فيه كما قلنا في الآية، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه لم يقصد الجماع في نهار رمضان والذي لم يقصد في فعله لا يؤاخذ عليه ولا يترتب عليه شيء فيما بينه وبين الله، وقد سبق بيانه في الفرع التابع لمسألة (٢٦) فإن قلتَ: إن هذا يفسد صومه، وعليه القضاء والكفارة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو جامع بعد طلوع الفجر: يفسد صومه وعليه القضاء والكفارة فكذلك من لم ينزع إلّا بعد طلوع الفجر مثله، والجامع: وقوع جماع في جزء من نهار رمضان في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في هذه المسألة قد أدخل ذكره قبل طلوع الفجر وهو يظن أنه بعيد عن زمن طلوع الفجر، ثم أخرجه بعد علمه بطلوع الفجر، أما المقاس عليه: فإنه أدخل ذكره وأخرجه بعد طلوع الفجر، ومع هذا الفرق لا قياس فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الكتاب والسنة" فنعمل بعموم الكتاب والسنة، دون القياس؛ لضعفه وهم عملوا بالقياس، وخصَّصوا العموم به. تنبيه: قوله: "والإنزال بالمساحقة كالجماع" يُشير به إلى أنه إذا =
[ ٢ / ٣٩٧ ]
كفارة الوطء في نهار رمضان (عتق رقبة) مؤمنة سليمة من العيوب الضَّارَّة بالعمل (فإن لم يجد) رقبة (فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينًا) لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير، أو أقط (^٣٥)
تساحقت امرأتان فأنزلتا المني أو إحداهما: فإنه يفسد صومهما، وعليهما القضاء والكفارة، قلتُ: قد سبق بيان أن هذا يُفسد الصوم، ويجب القضاء ولا كفارة وذلك في مسألة (٢٧).
(^٣٥) مسألة: كفارة الجماع في نهار رمضان هي: أن يُعتق رقبة -أي: يُحرِّر عبدًا أو أمة- مؤمنة سالمة من العيوب التي تُعيقها عن العمل، فإن لم يجد: فإنه يصوم شهرين مُتتابعين، فإن لم يستطع: فإنه يُطعم ستين مسكينًا، يُعطي كل مسكين ربع صاع من بُرٍّ أو أرز -وهو المدُّ- وهو: ما يُعادل ثلاثة أرباع كيلو جرام - وهي على الترتيب كما ذكر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال -للرجل الذي واقع أهله في نهار رمضان-: "اعتق رقبة" فقال: لا أجد، قال له: "صم شهرين مُتتابعين" فقال: لا أستطيع، قال له: "أطعم ستين مسكينًا" حيث أوجب عليه أن يفعل ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من لفظ الحديث: أنها واجبة على الترتيب، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه يُشترط في الرقبة المعتقة الإيمان والسلامة في كفارة الظهار، فكذلك يُشترط ذلك هنا والجامع: حصول المقصود من إعتاق الرقبة وهو: الانتفاع في كل ثانيهما: كما أن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير والزبيب والأقط يُعطى للمسكين الواحد فكذلك الحال هنا والجامع: الإغناء في كل الثالثة: فعل اصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ﵃ كانوا يجعلون المدَّ من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لمنع التلاعب والتساهل بحدود الله تعالى، وانتهاك حرمة رمضان.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
(فإن لم يجد) شيئًا يُطعمه للمساكين: (سقطت) الكفارة؛ لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر ليطعمه للمساكين فأخبره بحاجته قال: "أطعمه أهلك" ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمَّته، بخلاف كفَّارة حج وظهار ويمين ونحوها (^٣٦) ويسقط الجميع بتكفير غيره عنه بإذنه. (^٣٧)
(^٣٦) مسألة: إذا عجز المجامع في نهار رمضان عن العنق، والصوم، والإطعام: فإنها تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أذن للرجل أن يُطعم ما أخذه من الصدقة لأهله، ولم يُبيِّن ﵇ أنها تبقى في ذمَّته، أو يُكفِّر بأخرى، فهذا يلزم منه: أنها تسقط؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فإن قلتَ: لِمَ تسقط هنا، ولا تسقط الكفارة إذا عجز عنها في كفَّارة الظهار واليمين، وفدية الحج؟ قلتُ: لأن الأصل: عدم سقوط الكفارات؛ حيث تبقى في الذمة؛ لكونها عقوبات وواجبات، والواجب لا يسقط إلا بالفعل، أو الإبراء، وإنما سقطت هنا؛ لورود النص فيه؛ رخصة وتوسعة، فخولف الأصل بهذا.
(^٣٧) مسألة: إذا وجبت كفَّارة على شخص فقام شخص آخر بالتكفير عنه: فإنها تسقط عن الأول إذا أذن في ذلك إن كان حيًا؛ للتلازم؛ حيث إن الكفارة واجبة في ذمة الأول وهي مالية، فتبَّرع بإخراجها عنه الشخص الآخر، فيلزم من ذلك: سقوطها عن الأول كدين الآدميين إذا سدَّد عنه آخر.
هذه آخر مسائل باب "ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة" ويليه باب "ما يكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء"
[ ٢ / ٣٩٩ ]