أي: قضاء الصوم (يُكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه) للخروج من خلاف من قال بفطره (^١) (ويحرم) على الصائم (بلع النخامة) سواء كانت من جوفه، أو صدره، أو دماغه (ويُفطر بها فقط) أي: لا بالريق (إن وصلت إلى فمه)؛ لأنها من غير الفم، وكذلك: إذا تنجس فمه بدم، أو قيء ونحوه فبلعه وإن قلَّ؛ لإمكان
باب ما يُكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء
وفيه سبع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: إذا جمع الصائم ريقه -وهو ماء الفم- فابتلعه: فهذا مكروه، ولا يُفسد صومه، وإن بلعه بدون تجميع فلا كراهة لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الريق المجموع صادرًا من المعدة ورجع إليها: عدم إفساده لصومه ويلزم من فعله هذا عن قصد: كراهيته؛ لإمكان التحرُّز منه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بلع الرِّيق بدون تجميع يصعب على كل أحد التحرُّز منه، فلو فسد صوم كل من بلعه أو كُره له ذلك لتحرَّج الخلق، فدفعًا لذلك: شُرع هذا، فإن قلتَ: يفسد صوم من جمع ريقه وابتلعه وهو قول بعض الحنفية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله ذلك: أنه قصد أن يتقوَّى به، وهذا يُفسد الصوم قلتُ: لا نعلم عن قصده هذا، ثم إن الرِّيق ليس طعامًا ولا شرابًا من خارج، بل هو من المعدة مثل الطعام والشراب الذي فيه إنما خرج منها وعاد إليها، وهذا لا يُفطر، فإن قلتَ: سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين"، تنبيه: قوله: "للخروج من خلاف من قال بفطره" هذه إشارة إلى الاستدلال بمراعاة الخلاف، أو الخروج منه، وهو لا يُعتبر دليلًا عند الحنابلة، وجمهور العلماء، وإنما هو دليل عند المالكية بشروط ذكرتها في كتبي الأصولية.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
التحرز منه، (^٢) وإن أخرج من فمه حصاة، أو درهمًا أو خيطًا، ثم أعاده فإن كثُر ما عليه: أفطر، وإلا: فلا، (^٣) ولو أخرج لسانه، ثم أعاده: لم يفطر بما عليه ولو كثُر؛ لأنه لم ينفصل عن محلِّه، (^٤) ويُفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم
(^٢) مسألة: يحرم على الصائم أن يبلع النخامة -وهي: البلغم اللَّزج الصادر من الدِّماغ أو الجوف أو الصدر- وكذا: بلع الدم، والقيء، وإذا فعل ذلك: قاصدًا عامدًا: فإن صومه يفسد، وعليه القضاء، سواء كثر هذا أو قل؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الأمور تعتبر من خارج الفم والمعدة فيلزم من بلعها ووصولها إلى المعدة: فساد صومه؛ فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لإمكانه التَّحرز منها بدون مشقة، لكنه لم يفعل فأثم، وفسد صومه؛ لأنه قصد هتك حرمة رمضان ببلع شيء ليس من الفم بخلاف الرِّيق: فإنه منه.
(^٣) مسألة: إذا أخرج الصائم من فمه حصاة، أو خيطًا، أو قطعة من فضة أو ذهب أو نحو ذلك، ثم أعاد ذلك إلى فمه مرة أخرى: فإنه يفسد صومه وعليه القضاء إن علق عليها بعض الأتربة ونحوها الكثيرة، أما إن علق عليها شيء قليل: فلا يفسد صومه؛ للتلازم؛ حيث إن كثرة ما عُلق عليه وانفصاله ووصوله من خارج الفم، وعدم مشقة الاحتراز منه: يلزم منه فساد الصوم؛ نظرًا لتأثيره فيه، ويلزم من قلَّة ما علق عليه، وعدم تحقُّق انفصاله: صحَّة صومه؛ لعدم وجود سبب يُفسده.
(^٤) مسألة: إذا أخرج الصائم لسانه، ثم أعاده: فلا يفسد صومه: سواء علق عليه شيء أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن إخراج اللَّسان لا يسلم منه أحد، فلو فسد صوم من أخرج لسانه للحق كثيرًا من الناس الحرج والمشقة، فدفعًا لذلك شرع هذا، تنبيه: قوله: "لأنه لم ينفصل عن محلَّه" قلتُ: هذا لا يصلح للتعليل به؛ لكونه لا يؤثِّر.
[ ٢ / ٤٠١ ]
بلعه (^٥) (ويُكره ذوق طعام بلا حاجة) قال المجد: المنصوص عنه أنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، وحكاه هو والبخاري عن ابن عباس (^٦) (و) يكره (مضغ علك قوي) وهو الذي كلما مضغه: صَلُب وقوي؛ لأنه يجلب البلغم، ويجمع الرِّيق، ويُورث العطش (^٧) (وإن وُجد طعمهما) أي: طعم الطعام والعلك (في حلقه:
(^٥) مسألة: إذا أخرج الصائم ريقه إلى أطراف شفتيه أو ما بعدهما، ثم أعاده إلى فمه فَبَلَعَه قاصدًا ذاكرًا لصومه: فإن صومه يفسد، وعليه القضاء؛ للقياس بيانه: كما أنه لو شرب شربة ماء من خارج فمه فإنه يفسد صوم، فكذلك، هذا مثله، والجامع: أن كلًّا منهما يعتبر مُنفصلًا من خارج الفم، يمكن الاحتراز منه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه سدٌّ للذرائع؛ حيث إن هذا قد يتَّخذه بعض الناس وسيلة للتنشيط، فمنع لأجل ذلك.
(^٦) مسألة: يُباح للصائم أن يتذوَّق طعامًا بطرف لسانه لحاجة يخشى أن تفوت كأن يكون هذا الصائم طبَّاخًا لقوم يريدون أن يأكلوا ما طبخه عند الإفطار، أو يتذوق طعامًا لطفل أو نحو ذلك، ويكره ذلك لغير حاجة لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا بأس أن يذوق الطعام والخلَّ والشيء يُريد شراءه" الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن الحسن بن علي "كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم" فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال الناس، ودفع المضار عنهم، فإن لم توجد الحاجة: فإنه يُكره ذلك؛ لاحتمال دخول شيء منه إلى حلقه، فحماية له: كُرِه.
(^٧) مسألة: يُكره للصائم أن يمضغ علكًا قويًا -وهو: الذي يصلب ويتقوَّى عند كثرة مضغه ولا يتفتَّت-؛ للمصلحة؛ حيث إنه يحلب البلغم ويجذبه، ويجمع الرِّيق، ويُورث ويحدث العطش، ويُساء الظن به بسببه، فدفعًا لتلك المفاسد كره له.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
أفطر)؛ لأنه أوصله إلى جوفه (^٨) (ويحرم) مضغ (العلك المتحلِّل) مطلقًا إجماعًا، قاله في "المبدع" (إن بلع ريقه) وإلا: فلا، هذا معنى ما ذكره في "المقنع" و"المغني" و"الشرح"؛ لأن المحرَّم إدخال ذلك إلى جوفه ولم يوجد، وقال في "الإنصاف": "والصحيح من المذهب: أنه يُحرَّم مضغ ذلك، ولو لم يبتلع ريقه، وجزم به الأكثر" ا. هـ، وجزم به في "الإقناع" و"المنتهى"، (^٩) ويكره أن يدع بقايا الطعام بين
(^٨) مسألة إذا وجد الصائم طعم الطعام أو العلك الصلب في حلقه: فإنه يفسد صومه ويجب القضاء؛ للتلازم؛ حيث إن وصول الطعم إلى الحلق يلزم منه تحرك المعدة له، ووصوله إليها، ويلزم من وصوله إلى ذلك: فساد الصوم، ووجوب القضاء؛ لأنه يؤدي إلى النشاط والقوة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع بعض الصائمين أن يتخذوا ذلك طريقًا لتنشيط أجسامهم.
(^٩) مسألة: يحرم على الصائم مضغ وعلك العلك المتحلِّل اللِّين إذا بلع ريقه ويفسد صومه، أما إذا لم يبلع ريقه: فلا يُحرَّم، ولا يفسد صومه؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا تعمَّد أكل هذا العلك: فإنه يُحرَّم ويفسد صومه أما إذا لم يتعمد: فلا يفسد ولا يحرم فكذلك إذا مضغه وبلع ريقه أو لم يمضغه مثله والجامع: أنه في كل منهما فيه إدخال مأكول من خارج إلى داخل معدته، أو لم يوجد هذا الإدخال: فلا يفسد صومه ولا يُحرَّم، فإن قلتَ: إن هذا مُحرَّم مطلقًا، أي: سواء بلع ريقه أو لا، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للعرف والعادة؛ حيث إنه قد جرت العادة أن مثل هذا العلك المتفتِّت يذهب بعضه إلى المعدة، وإن لم يبلع ريقه قلتُ: لا يُسلَّم هذا؛ حيث إن من العادة والعرف أن الرِّيق هو الذي يتسبِّب في إدخال أيِّ شيء إلى المعدة، فيكون بلعه هو المحرم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض القياس والعادة والعرف".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أسنانه، (^١٠) وشمُّ ما لا يُؤمن أن يجذبه نَفَسُه كسحيق مسك (^١١) (وتكره القبلة) ودواعي الوطء (لمن تحرك شهوته)؛ لأنه ﷺ: "نهى عنها شابًا ورخَّص لشيخ" رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكذا: عن ابن عباس بإسناد صحيح، "وكان ﷺ يُقبل وهو صائم" لما كان مالكًا لإربه، وغير ذي الشهوة في معناه، وتحرم إن ظنَّ إنزالًا، (^١٢) (ويجب) مُطلقًا
(^١٠) مسألة: يُكره أن يترك الشخص بقايا طعام لاصقة بين أسنانه، بل ينبغي له إزالتها قبل بداية الصوم؛ للمصلحة؛ حيث إن ترك ذلك يُحتمل أن يذهب إلى المعدة أثناء الصوم، فينقص أجره.
(^١١) مسالة: يُكره أن يشمَّ الصائم أيَّ رائحة طيَّبة كالعطور، والبخور، والمسك ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك قد يُؤدَّي إلى معدته بسبب جذب النفس له، وهذا يؤدي إلى تنشيطه فيلزم تنقيص أجره؛ لأن هذا ينافي المقصد من مشروعية الصوم، وهذا الاحتمال بعيد لذا: كُره، ولم يُحرَّم.
(^١٢) مسألة: يُحرَّم على الصائم أن يُقبل زوجته إذا غلب على ظنه أنه سُنزل بسبب ذلك منيًا، ويفسد صومه إن حصل ذلك، أما إن لم يغلب على ظنه ذلك، ولكن شهوته تتحرَّك لذلك: فالقبلة مكروهة، أما إن لم تتحرَّك شهوته: فيُباح بدون كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ نهى شابًا عن القبلة في حال الصوم، ورخَّص للشيخ فيها، حيث إنها تحرَّك شهوة الشاب دون الشيخ غالبًا، فنهى الشاب عنها، ورخَّص للشيخ فيها لأجل ذلك، والنهي هنا مُطلق، فيقتضي التحريم إن غلب على ظنه نزول مني؛ لأنه سيتسبَّب في إفساد صومه، ويحمل على الكراهة لمن هي تحرك شهوته بدون إنزال، لاحتمال نزوله، وأباحها للشيخ؛ لكونه يبعد أن تُحرِّك شهوته، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُقبِّل وهو صائم، قال الراوي: "وهو أمكنكم لإربه" حيث دلَّ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
(اجتناب كذب وغيبة) وتَميمة (وشتم) ونحوه؛ لقوله ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم قال أحمد: "ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يُماري، ويصون صومه، وكانوا إذا صاموا: قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحدًا، ولا يعمل عملًا يجرح به صومه" (^١٣) (وسُنَّ) كثرة قراءة، وذكر
على أن المالك لإربه، والذي لا تحرِّكه الشهوة يُباح له أن يُقبِّل، ويلزم منه أن من تحرك القبلة شهوته بدون إنزال؛ فيُكره له ذلك، قلتُ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُنافي المقصد من مشروعية الصيام وفيه هتك لحرمة رمضان إن أنزل بسببها، أو تحركت شهوته، وأبيح ذلك في غير هاتين الحالتين؛ لكونه لمس بغير شهوة أشبه لمس اليد الحاجة.
(^١٣) مسألة: يجب على المسلم ترك الكذب والغيبة والنميمة، والشتم والسبِّ، وأي شيء يُقلِّل من قيمة الآخرين والنيل من كرامتهم، والاستهزاء بهم باللَّمز، والهمز، والإشارة والكتابة، ونشر أخبارهم، وأسرارهم، وكشفها، وجرح شعورهم وأحاسيسهم في غير رمضان، وتركها في رمضان أكد في الوجوب، وإذا فعلها فلا يفسد صومه؛ للسنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "من لم يدع قول الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "حيث حذَّر من الكذب وما تفرَّع عنه من أنواع العصيان، ولا يُحذَّر من فعله إلّا الحرام الذي يجب تركه، ثانيها قوله ﷺ: "الصيام جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب" حيث حرم الشارع الرفث، والفسق والصَّخب والجدال ونحو ذلك في حال الصوم، والنهي هنا مطلق وهو يقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، ثالثها: قوله ﷺ: " يدع طعامه: وشرابه وشهوته من أجلي" حيث إن من ترك هذه الأمور الثلاثة: فإنه يُسمَّى
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وصدقة وكف لسانه عما يكره (^١٤) وسُنَّ (لمن شُتِم: قوله) جهرًا: (إني صائم)؛ لقوله ﷺ: "فإن شاتمه أحد أو قاتله: فليقل: إني امرؤ صائم" (^١٥) (و) سُنَّ (تأخير سحور) إن لم يخش طلوع فجر ثان؛ لقول زيد بن ثابت: "تسحَّرنا مع النبي ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة" قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: "قدر خمسين آية" متفق عليه، (^١٦)
صائمًا حقيقة، ويدل بمفهوم العدد على أن الصائم إذا كذب، أو اغتاب، أو نمَّ، أو سبَّ، أو شتم، أو قتل: فإن صومه صحيح ولكنه يأثم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تهذيب الأخلاق، وإكرام المسلمين، وإظهار الترابط بينهم، وهي لا تشعر بالنشاط، أو القوة ولذا لا تفسد الصوم.
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يُكثر الصائم من فعل الطاعات كقراءة القرآن، والأذكار: كالتكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، والصدقات، وأن يترك جميع المكروهات؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مضاعفة الأجر: لأن رمضان تُضاعف فيه الحسنات، فيجتمع في ذلك صلاح، بدنه، وكلامه، وسلوكه.
(^١٥) مسألة: إذا شتم أحد صائمًا، أو سبَّه، أو نازعه ودفعه: فيُستحب أن يقول الصائم: "إني صائم" بصوت جهوري سواء كان الصوم فرضًا أو نفلًا؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ بقول ذلك، والمصلحة التي ترجع إلى الصائم هي التي صرفت هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث إن الصائم يُخبر الشاتم: بأن الذي منعه من الرَّدِّ هو الصوم؛ حيث لا يريد أن يُقلِّل من أجره بذلك، لا لعجزه، ويُذكّر بذلك الشاتم بأن لا يُقلّل من أجره أيضًا.
(^١٦) مسألة: يُستحب أن يؤخَّر السَّحور -وهو ما يؤكل قبيل الفجر إذا لم يخف من طلوع الفجر الثاني- وهو الصادق - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ إن بلالًا يُؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم" وهذا يلزم منه: استحباب الأكل والشرب إلى غاية أذان الفجر، لأنه لا صيام
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وكُره جماعٌ مع شكٍّ في طلوع فجر، لا سحور (^١٧) (و) يُسنُّ (تعجيل فطر)؛ لقوله ﷺ "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" متفق عليه والمراد: إذا تحقَّق غروب الشمس، وله الفطر بغلبة الظن، (^١٨) وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأكل، ويكون
في الليل، وهذا هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن زيد بن ثابت قدر ما بين سحور النبي ﷺ وإقامة صلاة الفجر بقدر قراءة خمسين آية بقراءة المتوسط من القراء، وهذا هو القدر الذي بين الأذان والإقامة، فيلزم من ذلك استحباب الأكل والشرب إلى غاية أذان الفجر فإن قلتَ: لِمَ سُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى تقليل مُدَّة الصوم فلا يشقُّ على الصائمين، وهذا يُمكنهم من أداء واجباتهم في النهار على أتم وجه، ويُحبِّبهم في عبادة الصوم.
(^١٧) مسألة: يُكره لمن نوى الصوم في الليل: أن يُجامع وهو شاكٌّ في طلوع الفجر الثاني، أما السحور فيتناوله مع شكِّه في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل هنا بقاء الليل، فله أن يجامع ويأكل ويشرب؛ لأن هذا من حقه، والشك لا يُلتفت إليه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الجماع يتسبَّب في إضعاف بدنه، فتزداد مشقة الصوم عليه، ولأنه قد يطلع الفجر الثاني من حيث لا يدري؛ لاشتغاله بالجماع، فدفعًا لهذين الأمرين كُرِه، بخلاف السحور فيتناوله مع شكِّه في طلوع الفجر الثاني؛ لكونه يُقوِّيه على صوم كل النهار، ولأنه إذا علم بطلوع الفجر يقف عن تناوله.
(^١٨) مسألة: يُستحب للصائم أن يتعجَّل في الفطر إذا تأكَّد أو غلب على ظنه غروب الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" حيث دلَّ على أن من تعجَّل في فطره فهو خير وأفضل له، ودلَّ بمفهوم الصفة على أن من أخرَّ الفطر بقصد: فإنه يُحرم من ذلك الخير
[ ٢ / ٤٠٧ ]
(على رُطَب)؛ لحديث أنس: "كان رسول الله ﷺ يُفطر على رُطَبَات قبل أن يُصلي، فإن لم تكن: فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات: حسا حسوات من ماء" رواه أبو داود والترمذي وقال "حسن غريب" (فإن عُدِم) الرطب (فتمر، فإن عدم فـ) على (ماء)؛ لما تقدَّم (^١٩) (وقول ما ورد) عند فطره، ومنه: "اللهم لك صمتُ وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبَّل مني إنك أنت السميع العليم" (^٢٠)
والفضل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُؤدِّي إلى تقليل مُدَّة الصوم، فلا يشق على الصائمين، وتحبيبه إلى نفوس الناس، ولكون ذلك فيه مخالفة لفئة من الكفار يؤخرون الفطر.
(^١٩) مسألة: يتحصَّل الصائم على أجر فضيلة تعجيل الإفطار بشرب جرعة ماء، ويتحصَّل على كمال أجر فضيلة تعجيل الإفطار بأي مأكول، ويُستحب أن يكون فطره على رُطّب، فإن لم يجده، فيُفطر على تمر، فإن لم يجده فماء؛ للسنة القولية؛ حيث "كان ﷺ يُفطر على رُطَب فإن لم يجد: فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء"، فهذا الترتيب يدل على أن الأكمل في الإفطار هو الرطب، ثم يليه: التمر، ثم يليه الماء، ولكن هذا لا يمنع من حصوله على أجر فضيلة التعجيل بالماء، لجلبه للنشاط إلى البدن، ولكن الأكمل في ذلك هو: الأكل على الترتيب السابق، فإن قلتَ: لِمَ ستحب ذلك الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الرُّطب -وهو: التمر الَّليِّن- أكثر نفعًا للجسم بعد هذا الصوم؛ حيث إن العروق تمتصُّ نَفْعَه بسرعة، فيُعيد النشاط للجسم والتمر -وهو التمر اليابس- قريب من الرَّطب في ذلك؛ إذ يشتركان في الحلاوة التي تُعطي الجسم طاقته التي فقدها أثناء الصوم، إلّا أنه يحتاج إلى مضغ بخلاف الرُّطب فلا يحتاج إلى ذلك.
(^٢٠) مسألة: يُستحب للصائم أن يذكر الله ويدعو عند إفطاره بقوله: "اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ سبحانك وبحمدك، اللهم تقبَّل مني إنك أنت
[ ٢ / ٤٠٨ ]
(ويُستحب القضاء) أي: قضاء رمضان فورًا (مُتتابعًا)؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وسواء أفطر بسبب مُحرَّم أو لا، (^٢١) وإن لم يقض على الفور: وجب العزم
السميع العليم" ويقول: "ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله" لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ " الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يذكر الله عند فطره، ويدعو بما ذُكر، وغيره فإن قلتَ: لِمَ استُحب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مُتضمِّن لشكر الله على أن أعانه على صيام هذا اليوم -، وبالشكر تزيد النعم-، والدعاء عند الإفطار أقرب إلى الاستجابة من غيره؛ لكون العبد في حالة من التعب والإرهاق والتذلل والخضوع.
(^٢١) مسألة: يُستحب قضاء رمضان -لمن أفطر فيه بعذر أو غيره- مُتتابعًا، وبعد رمضان فورًا، ولا يجب ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأوجب الشارع هنا القضاء، وأطلق في زمنه، فلم يُقيِّد ذلك بكونه بعد رمضان مباشرة، أو أن يكون هذا القضاء مُتتابعًا فدل على عدم وجوبهما - أعني الفور، والتتابع-، الثانية: المصلحة؛ حيث إن قضاء رمضان فورًا ومُتتابعًا فيه احتياط المسلم لنفسه؛ حيث يُسرع بإبراء ذمَّته، والإسراع في ذلك مُستحب، فإن قلتَ: إنه يجب أن يكون قضاء رمضان مُتتابعًا، وهو قول بعض العلماء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ كانت تقول ذلك حتى أنها قرأت الآية السابقة: ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فهذا يدل على وجوبه قلتُ: يُحتمل أن يكون ذلك تفسيرًا منها للآية، ويُحتمل أنها قراءة لم تثبت صحتها، ويُحتمل أنه قول لها، وإذا تطرَّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض قول الصحابي مع مطلق الآية" فعندنا:
[ ٢ / ٤٠٩ ]
عليه (^٢٢) (ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر من غير عذر)؛ لقول عائشة ﵂: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله ﷺ متفق عليه، (^٢٣) فلا يجوز التَّطوُّع قبله ولا
يُعمل بالآية على إطلاقها، ولا يقوى قول الصحابي على تقييدها وعندهم: يُعمل بقول الصحابي، وهو مقيد لمطلق الآية.
(^٢٢) مسألة: يُشترط فيمن لم يقضِ رمضان على الفور: أن يعزم وينوي أنه سيقضيه فيما بعد، وعلى ذلك: فلا يجوز تأخيره بدون عزم وقصد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قضاء رمضان واجب موسَّع، وشرط الواجب الموسَّع: عدم جواز تأخيره عن أول وقته إلى وسط أو آخر وقته إلّا إذا عزم أنه سيفعله في وسط أو آخر وقته فيلزم هذا الشرط هنا؛ حيث إن تأخيره بدون عزم على فعله فيما بعد يُعتبر تركًا له مطلقًا، والواجب لا يجوز تركه مطلقًا، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك بشرط: العزم على فعله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المسلم لدينه، إذ لو مات المسلم وهو لم يفعل الواجب، ولم يعزم على فعله: لكان عاصيًا؛ لكونه لم يخطر بباله أنه سيفعله، بخلاف ما لو عزم على فعله فيما بعد ثم مات فجأة: فإنه يموتُ مطيعًا؛ لكونه قد فعل ماله فعله من العزم على فعله مؤخرًا، وقد فصلتُ ذلك في كتابي: "الواجب الموسَّع عند الأصوليين".
(^٢٣) مسألة: يجوز تأخير قضاء رمضان إلى قرب رمضان العام القادم إذا وُجد عذرًا كسفر، أو مرض، أو وجود زوج تُريد زوجته أن ترضيه إذا طلبها ونحو ذلك، فإن لم يُوجد عذر: فلا يجوز تأخيره؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله مني" ولم يُنكر عليها ﷺ ذلك، ولا يجوز =
[ ٢ / ٤١٠ ]
يصح (^٢٤) (فإن فعل) أيَّ أَخَّره بلا عذر: حُرِّم عليه، وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) ما يُجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس، والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة، وإن كان لعذر: فلا شيء عليه (وإن مات) بعد أن أخَّره لعذر: فلا شيء عليه، ولغير عذر: أُطعم عنه لكل يوم مسكين كما تقدَّم (ولو بعد رمضان آخر)؛ لأنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه والإطعام من رأس ماله: أوصى به أو لا، وإن مات وعليه صوم كفارة: أُطعم عنه كصوم متعة، (^٢٥) ولا يُقضى عنه ما وجب بأصل الشرع: من صلاة وصوم (وإن
تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين، ومراعاة أحوال الناس.
(^٢٤) مسألة: لا يجوز أن يصوم المسلم نفلًا وهو لم يقض ما عليه من الصيام الواجب: سواء كان ما عليه أيام من رمضان، أو نذر، أو كفارة، أو فدية، وإن صام نفلًا قبل الواجب: فلا يصح منه ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن صوم الواجب مُتعلّق بذمَّته، ولو مات قبل فعله تساهله فيه: فإنه سيُعاقب على ذلك، بخلاف النفل فلن يُعاقب على تركه مطلقًا فيلزم من ذلك: وجوب فعل ما سيُعاقب عليه -: وهو الواجب- قبل فعله للندب لإبراء ذمَّته وحصوله على أجره؛ لأن أجر الواجب أعظم بكثير من أجر النفل، وقد فصَّلتُ هذا في كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه المقارن".
(^٢٥) مسألة إذا وُجد عذر -كسفر أو مرض أو مراعاة زوج ونحوهاـ فأخَّر قضاء رمضان لهذا العام إلى ما بعد رمضان العام القادم: فإنه يقضي ولا إطعام عليه، وإن مات قبل القضاء: فلا يُقضى عنه، ولا يُطعم، أما إن لم يوجد عذر: فإنه يقضي وعليه إطعام مسكين عن كل يوم قضاه، يُعطيه عن كل مُدًّا من البر، أو الأرز، أو نصف صاع من غيره، أما إن مات: فلا قضاء ولكن يجب أن
[ ٢ / ٤١١ ]
مات وعليه صوم) نذر (أو حج) نذر (أو اعتكاف) نذر (أو صلاة نذر استُحب لوليه قضاؤه)؛ لما في الصحيحين: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن إمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "نعم"، ولأن النيابة تدخل في العيادات بحسب خفَّتها، وهو أخفُّ حكمًا من الواجب بأصل الشرع، والولي هو: الوارث، فإن صام غيره: جاز مطلقًا؛ لأنه تبرُّع، (^٢٦) وإن خلَّف تركة: وجب الفعل،
يُطعم عن كل يوم مسكينًا ـكما سبق- يُؤخذ من تركته، وكذا: لو مات وعليه أيَّ نوع من أنواع الكفارات توجب صومًا: فإن الصوم يسقط، ويجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكنًا، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأوجب الشارع على المفطر لعذر: أن يقضي فقط، وهذا مُطلق في الزمان، فلم يُقيَّد بكون القضاء بعد رمضان أو قبله، والميت ليس مخاطبًا فيسقط القضاء عنه، الثانية: القياس بيانه: كما أن المتمتع بالحج إذا لم يقدر على الهدي: فإنه يجب عليه صيام عشرة أيام -ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع- فإن مات قبل ذلك -وهو متساهل في الصوم-: فإنه يُطعم عن كل يوم مسكينًا ـكما سبق-، فكذلك من مات وعليه قضاء رمضان يجب أن يُطعم عنه من ماله إذا أخَّره؛ تساهلًا وبدون عذر والجامع: التفريط في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يُلزمون من لم يقض الأيام التي أفطرها من رمضان إلّا بعد الرمضان الثاني بغير عذر: بالقضاء والإطعام، فإن قلتَ: لِمَ يؤخذ الإطعام من مال الميت وإن لم يوص به؟ قلتُ: لكونه كالدين يخرج سواء أوصى أو لا، وسواء رضي الورثة أو لا.
(^٢٦) مسألة: لا يجوز أن يُقضى عن شخص الصوم أو الصلاة الَّلذان وجبا بأصل الشرع، أما إن أوجب الشخص على نفسه شيئًا كان يقول: "نذرت أن أصوم،=
[ ٢ / ٤١٢ ]
فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه، ويدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين، وهذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذره فلم يصمه، فلو أمكنه بعضه قضى ذلك البعض فقط والعمرة في ذلك كالحج (^٢٧).
أو أصلي أو أعتكف أو أحج أو اعتمر وتساهل بالوفاء بذلك، ومات: فإنه يستحب لأحد الورثة أن يفعل ذلك عنه إن لم يُخلف مالًا وإن تبرَّع غير الوارث بفعل ذلك: جاز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أمر امرأة أن تصوم عن أمِّها صوم نذر، وهذا الأمر للاستحباب، لكونه أوجبه على نفسه، وهو الصارف له، ونذر الحج والعمرة، والصلاة مثل الصوم؛ وغير الوارث كالوارث في قضاء المنذور؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ حيث إن كل واحد منهما متبرع، الثانية: التلازم؛ حيث إن الصوم والصلاة الواجبتين بأصل الشرع عبادتان بدنيتان لا تدخلهما النيابة، ولا يخلفهما مال، ولا يجب شيء منه لإفسادهما فيلزم من ذلك عدم جواز قضاء أحد عن أحد فيهما، فإن قلتَ: لِمَ استُحب قضاء ما نُذر من العبادات عن الميت، مع عدم جواز قضاء الصلاة والصوم المفروضتين من الشارع عنه؟ قلتُ: لأن النذر أوجبه على نفسه فيكون أخف في الوجوب مما أوجبه الله تعالى من الصلوات والصيام فتدخله النيابة -أقصد: المنذور- بخلاف ما أوجبه الله فنظرًا لثقله لا تدخله النيابة إلّا ما خصَّصه الشارع كالحج؛ نظرًا لاشتراك المال والبدن فيه، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز قضاء ما وجب بأصل الشرع كالصلاة والصوم؟ قلتُ: لأن المقصود من هذه العبادات طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خُلق لها وأُمر بها، وهذا لا يؤدِّيه إليها غيره كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀.
(^٢٧) مسالة: إذا نذر شخص الصوم، وتساهل بفعل ذلك، ومات، وخلَّف مالًا فيجب على وارثه أن يصوم عنه، أو يدفع مالًا ويستأجر من يصوم عنه، =
[ ٢ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُطعم عن كل يوم مسكينًا ربع صاع من البر أو الأرز، أو نصف صاع من غيرهما، ويقض ذلك الوارث ما تركه الناذر بدون عذر، ثم مات، أما ما لم يتمكن الناذر من فعله في حياته لعذر كاستمرار مرض ثم مات: فلا يقضيه الناذر؛ نظرًا لسقوطه عنه بالعذر، فمثلًا: لو نذر شخص أن يصوم عشرين يومًا فصام خمسة منها فقط، ثم مُرض بعدها فإنه لا يقضى عنه الباقي، أما إن نذرها ثم تركها بدون عذر: فإن الوارث يقضيها عنه، للتلازم؛ حيث إن الأيام المتروكة بدون عذر قد تُركت مع إمكان فعلها فيلزم فعلها منه، أو من وارثه، بخلاف الأيام المتروكة بعذر فقد تُركت مع عدم إمكان فعلها فيلزم عدم فعلها؛ لأن ذمته برأت بمجرَّد عدم قدرته على فعلها؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، تنبيه: قوله: "والعمرة في ذلك كالحج" يقصد في النذر والنيابة وقد سبق في مسألة (٢٦).
هذه آخر مسائل باب "ما يُكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء" ويليه باب "صوم التطوع"
[ ٢ / ٤١٤ ]