أي: المحرَّمات بسببه (^١) (وهي) أي: محظوراته (تسعة): أحدها: (حلق الشعر) من جميع بدنه بلا عذر، يعني: إزالته بحلق: أو نتف، أو قلع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٢) (و) الثاني (تقليم الأظفار) أو قصَّها
باب محظورات الإحرام
وفيه تسع وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: المقصود بمحظورات الإحرام: الأشياء التي يُمنع المحرم من فعلها أثناء إحرامه، وإذا فعلها لحاجةٍ وهو محرم: فلا إثم عليه، وعليه فدية، وإذا فعلها لغير حاجة: فإنه يأثم، مع وجوب الفدية عليه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص لمن آذاه رأسه أن يحلقه، وعليه فدية ولم يأمره بالاستغفار، وهذا يلزم منه: عدم الإثم على من فعل محظورًا لحاجة، ووجوب الفدية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن كفارة اليمين تجب إذا حنث بدون إثم، فكذلك الفدية واجبة إذا فعل محظورًا بدون إثم، والجامع: الحاجة في كل، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من ارتكابه المحظور المحرم بلا حاجة: أنه يأثم؛ لكونه ارتكب ما يُعاقب على فعله.
(^٢) مسألة: في الأول - من محظورات الإحرام - وهو: حلق الشعر وأخذه، فلا يجوز للمحرم أخذ شيء من شعر رأسه أو بدنه بحلق أو قصٍّ، أو نتف، أو قلع، وإن أخذ منه لغير عذر: فإنه يأثم، وعليه فدية، وإن أخذ منه لعذر: فعليه فدية فقط - وهي: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين ربع صاع من بر، أو أرز، أو نصف صاع من تمر أو شعير، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ =
[ ٢ / ٤٩٦ ]
من يد أو رجل بلا عذر، (^٣) فإن خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره فأزالهما أو زالا
كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فدلَّت الآية بدلالة الاقتضاء على: جواز أخذ المحرم من شعره إذا كان عنده عذر كالمرض ونحوه، لأن التقدير: "فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه فأخذ: ففدية .. " الثانية: السنة القولية؛ حيث إن كعب بن عجرة قال: كان بي أذى في رأسي فحُملتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنتُ أرى الجهد يبلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ " قلتُ: لا، فنزلت الآية السابقة، فقال النبي ﷺ: "هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين: نصف صاع طعامًا لكل مسكين أو ذبح شاة" حيث إن هذا مُبيِّن ومفُصِّل لما أجمل في الآية السابقة؛ حيث أذن له بالحلق، ثم أوجب عليه الفدية بالتخيير بين تلك الأمور الثلاثة: لأن "أو" للتخيير، وغير الحلق من نتف أو قلع كالحلق في هذا؛ لعدم الفارق من "باب مفهوم الموافقة"، الثالثة: القياس، بيانه: كما يحرم حلق رأس المحرم بدون عذر، ويفدى إذا فعله فكذلك شعر سائر بدنه مثله والجامع: أن كلًا منهما حلقه فيه ترفُّه مناف للمقصد من الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان هذا من محظورات الإحرام؟ قلتُ: لأن "المقصود من الإحرام هو: أن يكون المحرم أشعث أغبر، فالأخذ من الشعر مناف" لذلك؛ لكون ذلك فيه تزيِّن وتجمُّل.
(^٣) مسألة: في الثاني - من محظورات الإحرام - وهو: تقليم الأظافر، فلا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئًا من أظفار أصابع يديه أو رجليه بلا عذر، وإن أخذ منها بعذر أو بغيره: فتجب الفدية عليه - كما سبق بيانها في مسألة (٢) -؛ لقاعدتين؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وقضاء التفث هو: حلق الرأس، وتقليم الأظافر ونتف الإبط - كما قال بعض الصحابة والتابعين - وهذا لا يكون إلا بعد النحر، ويدل مفهوم الزمان على: عدم جواز أخذ شيء =
[ ٢ / ٤٩٧ ]
مع غيرهما فلا فدية، (^٤) وإن حصل الأذى بقرح أو قمل ونحوه فأزال شعره لذلك: فدى، (^٥) ومن حُلِق رأسه بإذنه، أو سكت ولم ينهه: فدى، (^٦) ويُباح للمحرم غسل
من ذلك أثناء الإحرام، الثانية: القياس، بيانه: كما لا يجوز الأخذ من الشعر أثناء الإحرام فكذلك لا يجوز أخذ الأظفار، والجامع: أن كلًا منهما يُفضي إلى الترف والتزين المنافيين للمقصد الشرعي من الإحرام كما سبق.
(^٤) مسألة: إذا أذاه شعر أو ظفر، فأزالهما؛ دفعًا لذلك الأذى، أو هما زالا وسقطا بلا تدخل منه كأن ينكسر ظفر، أو قطع جلدًا فيه شعر: فإنه لا فدية عليه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو صال وهجم صيد على المحرم، فقتل المحرمُ ذلك الصائل: فلا شيء عليه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن ذلك فيه إزالة للأذى عنه في كل، الثانية: التلازم، حيث يلزم من سقوط ظفر أو شعر بلا تدخل منه: عدم الفدية عليه؛ لكونه تابعًا لغيره، والتابع لا يُفرد بحكم، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وحرج وتوسعة على المسلمين.
(^٥) مسألة: إذا لحق المحرم ضرر بسبب قروح في جلده، أو قمل، أو شدة صداع أو حر أو نحو ذلك: فيُباح أن يحلق شعره بلا إثم، وتجب عليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر كعب بن عجرة أن يحلق شعره لما رأى تأذيه من كثرة القمل، وأمره بفدية، ولم يأمره بالاستغفار، وهذا يلزم منه: أنه لا يأثم، وتجب الفدية، والأمر بالحلق للإباحة؛ لأنه ورد بعد حظر، وهذا فيه دفع الضَّرر عنه، وهو مقصد شرعي.
(^٦) مسألة: إذا حلق عمرو شعر زيد المحرم، وزيد قد أذن بذلك، أو سكت ولم يُنكر ذلك: فإن زيدًا يأثم، وتجب عليه الفدية: سواء كان عمرو حلالًا أو محرمًا؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا المحرم لو حلق شعره بنفسه: فإنه يأثم، =
[ ٢ / ٤٩٨ ]
شعره بسدر ونحوه (^٧) (فمن حلق) شعرة واحدة أو بعضها: فعليه طعام مسكين، وشعرتين أو بعض شعرتين فطعام مسكينين، وثلاث شعرات: فعليه دم (أو قلَّم) ظفرًا فطعام مسكين، وظفرين فطعام مسكينين و(ثلاثة: فعليه دم) أي: شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، (^٨) وإن خلَّل شعره وشكَّ في سقوط شيء به:
وعليه فدية فكذلك إذا أذن لغيره بحلقه أو سكت - في حين أنه يقدر على الامتناع - مثله، والجامع: أنه في كل منهما راضٍ بذلك الحلق، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد للذرائع والتحايل. [فرع]: إذا حلق المحرم حلالًا - أي: شخص لم يُحرم - أو قلَّم أظفاره: فلا شيء على المحرم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وقوع المحظور - وهو الحلق والتقليم - على المحرم: عدم وجوب شيء عليه؛ لعدم مخالفته للشرع بارتكاب محظور.
(^٧) مسألة: يُباح للمحرم أن يغسل رأسه وبدنه بماء وسدر وصابون وتحريكه أثناء غسله، ولا شيء عليه فيما لو سقط شعر بسبب ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه" وهذا يلزم منه: سقوط بعض الشعر عادة، ولو كان فيه شيء لبيَّنه ﷺ ولكنه لم يبينه فيدل على إباحة ذلك؛ لأنه لا يجوز ترك البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُراعاة لأحوال الناس.
(^٨) مسألة: تجب الفدية إذا حلق حلقًا أو قلَّم تقليمًا يُماط به الأذى، ويحصل به التزيُّن والترفُّه، وإزالة الشعث، وهذا لا يُقدَّر بشعرة أو شعرتين أو ثلاث، أو ظفر أو ظفرين أو ثلاثة، بل أكثر من ذلك، وهو مذهب الإمام مالك، ويقرب منه مذهب أبي حنيفة - وهو أنه إذا حلق ربع الرأس، وهو ما صحَّحه ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ فيلزم من =
[ ٢ / ٤٩٩ ]
استُحبَّت (^٩) الثالث: تغطية رأس الذكر إجماعًا، وأشار إليه بقوله (ومن غطَّى رأسه
لفظ: "الأذى" أن تتعلَّق الفدية بحلق ما به أذى، ولا يكون الأذى في أربع أو خمس شعرات إذا أزالهما ذهب الأذى، بل الأذى يأتي من أغلب الرأس، فتكون الفدية واجبة إذا حلق أغلب الرأس، والأظفار مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة القولية؛ وهو حديث كعب بن عجرة - السابق ذكره في مسألة (٢) - حيث أوجب عليه الفدية بسبب حلقه كل شعر رأسه، والأظفار مثله؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا حلق حلقًا أو قلَّم تقليمًا يحصل به التزين يكون بذلك مُخالفًا للمقصد من مشروعية الإحرام، وهو: أن يكون المحرم أشعث أغبر؛ ليكون أقرب إلى استجابة الدعوة، فإن قلتَ: تجب الفدية على المحرم إذا حلق ثلاث شعرات فأكثر، أو قلَّم ثلاثة أظفار، فأكثر، أما إذا حلق شعرة أو قلَّم ظفرًا: فعليه إطعام مسكين واحد، وإذا حلق شعرتين، أو قلَّم ظفرين: فعليه إطعام مسكينين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ حيث إن النهي هنا يتوجه إلى الجمع، وأقل الجمع ثلاث شعرات، فتجب الفدية فيها؛ لأنها أقل ما يُحمل عليه الحكم، أما ما هو أقل من ثلاث شعرات: فلا يُحمل على شيء إلا أنه يُحتاط في إطعام مسكين في كل شعرة ومسكينين في كل شعرتين ويُقال في الظفر مثل ذلك؟ قلتُ: إن الآية لا تدلُّ على ما قلتم بالمنطوق ولا بالمفهوم؛ لأن "رؤوس" جمع رأس، وليس جمع شعرات، تنبيه: قد سبق بيان المراد بالفدية في مسألة (٢).
(^٩) مسألة: إذا خلَّل المحرم شعر رأسه أو لحيته أو بدنه بمشط وشكَّ في سقوط شيء من الشعر: فلا شيء عليه، ولكن يُستحب أن يفدي؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
بملاصق: فدى) سواء كان معتادًا كعمامة، وبرنس، أم لا كقرطاس، وطين، ونَوْرة، وحنَّاء، أو عصبه بسير، أو استظلَّ في محمل راكبًا أو لا، ولو لم يُلاصقه، ويحرم ذلك بلا عذر، لا إن حُمل عليه، أو استظلَّ بخيمة، أو شجرة، أو بيت، (^١٠) الرابع: لبس المخيط، وإليه الإشارة بقوله: (وإن لبس ذكر مخيطًا فدى)، (^١١) ولا يعقد عليه رداء
أكمل لإبراء الدِّين، والشك لا تبنى عليه أحكام. [فرع]: يُباح للمحرم أن يحتجم في رأسه للحاجة، ولو حلق بعض رأسه، ولا شيء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد احتجم وهو محرم"، ولم يُبيَّن من أيِّ مكان قد احتجم، فينصرف إلى أنه قد احتجم في وسط رأسه؛ لأنه هو العادة فتخصِّصة به، ويلزم من الاحتجام حلق بعض شعر رأسه؛ حيث لا يمكن ذلك إلا به، وهذا توسعة على المسلمين، وهذا هو المقصد منه.
(^١٠) مسألة: في الثالث - من محظورات الإحرام - وهو: تغطية الذكر لرأسه، فلا يجوز للمحرم الذكر أن يغطِّي رأسه بشيء ملاصق له كالطاقية، والعمامة، والشماغ، والغترة ونحو ذلك، وإن فعل ذلك: فعليه فدية، بخلاف ما لو استظلَّ بخيمة، أو محمل، أو شجرة، أو بيت، أو كان يحمل متاعه على رأسه، أو كان على رأسه شيء يمسكه من التطاير كالحناء والعسل أو نحو ذلك: فهذا لا شيء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال جابر: "ضربتُ لرسول الله ﷺ قبَّة بنمرة فبقى فيها حتى زالت الشمس في عرفة" وقال ابن عمر ﵃: "رأيت رسول الله يُهلُّ مُلبِّدًا" أي: على رأسه شيء يُلبِّده به، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا؟ قلتُ: لأن تغطية الرأس يُعتبر من التزيِّن والتَّرف المخالف للمقصد من مشروعية الإحرام، تنبيه: قوله: "وطين ونَوْرة .. " قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ما ذكره.
(^١١) مسألة: في الرابع - من محظورات الإحرام - وهو: لبس الذكر المخيط، فلا يجوز للمحرم الذكر أن يلبس مخيطًا، فمن فعل ذلك: فعليه فدية، ويأثم؛ للسنة =
[ ٢ / ٥٠١ ]
ولا غيره إلا إزاره ومنطقة، وهميانًا فيهما نفقته مع حاجة لعقد، (^١٢) وإن لم يجد نعلين: لبس حُفَّين؛ أو لم يجد إزارًا لبس سراويل إلى أن يجد، ولا فدية، (^١٣) الخامس:
القولية؛ حيث إنه ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم قال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف" وهذه كلها مخيطة فيلزم النهي عنها، والنهي مطلق وهو يقتضي التحريم، فيكون المخيط من محظورات الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا؟ قلتُ: لأن لبس المخيط فيه نوع تجمُّل وتزيُّن وترفُّه وهو مخالف للمقصد من مشروعية الإحرام، تنبيه: قد سبق بيان والمراد من المخيط، في مسألة (٩) من باب "الإحرام وكيفيته" والمراد من الفدية في مسألة (٢) من هذا الباب.
(^١٢) مسألة: لا يجوز للمحرم أن يعقد على لباس الإحرام أيَّ شيء بدون حاجة، أما إن احتاج إلى عقد إزاره لسبب خشيته من ظهور عورته، أو لأجل حفظ نفقته بوضع منطقة أو حزام ونحوهما لذلك: فلا بأس؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ قال: "ولا يُعقد عليه شيئًا" الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفع المفسدة يقتضي عقد الإزار، حماية له ولماله، فإن قلتَ: لمَ لا يعقد إزاره عند عدم الحاجة؟ قلتُ: لأن فيه شيئًا من التزيُّن المنافي للمقصد من الإحرام.
(^١٣) مسألة: يلبس المحرم نعلين، فإن لم يجدهما: فله لبس خُفَّين، ويلبس الإزار، فإن لم يجده: فله لبس السراويل، ولا شيء عليه، إلا إذا لبس ذلك مع وجود النعلين والإزار: فعليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا: فليلبس السراويل" حيث إن مفهوم الشرط يدل على عدم جواز لبس الخُفَّين أو السراويل عند وجود النِّعلين، والإزار، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة مشيه بلا نعلين، وبلا إزار
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الطيب، وقد ذكره بقوله: (وإن طيَّب) محرم (بدنه أو ثوبه) أو شيئًا منهما، أو استعمله في أكل أو شرب (أو إدَّهن) أو اكتحل أو استعط (بمطيَّب أو شمَّ) قصدًا (طيبًا، أو تبخَّر بعود ونحوه) أو شمَّه قصدًا، ولو بخور الكعبة: أثم و(فدى) ومن الطِّيب: مسك، وكافور، وعنبر، وزعفران، وورس، وورد، وبنفسج، والينوفر، وياسمين، وبان، وماء ورد، وإن شمَّها بلا قصد، أو مسَّ مالا يعلق كقطع كافور، أو شمَّ فواكه، أو عودًا، أو شيحًا، أو ريحانًا فارسيًا، أو نمامًا، أو ادَّهن بدهن غير مطيَّب: فلا فدية، (^١٤) السادس: قتل صيد البر واصطياده، وقد أشار إليه بقوله:
(^١٤) مسألة: في الخامس - من محظورات الإحرام - وهو: الطيب، فلا يجوز للمحرم أن يُطيِّب بدنه، أو لباسه أثناء الإحرام بأيِّ نوع من أنواع الطِّيب؛ وإن فعل ذلك بقصد منه: فإنه يأثم، وعليه فدية، أما إن لم يقصد ذلك: فلا إثم ولا فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يلبس من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس" وهذا يدل بمفهوم الموافقة على تحريم التطيُّب للمحرم؛ لكون "الزعفران والورس" من الطِّيب؛ ولأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك من المحظورات؟ قلتُ: لأن التطيب من باب الزينة، والتجمُّل، والترفُّه، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام. [فرع]: يُباح أن يدهن المحرم رأسه وبدنه بأي دهن لا توجد فيه رائحة طيِّبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود زينة فيه، فلم يُخالف المقصد من مشروعية الإحرام. [فرع آخر]: من فعل محظورًا من المحظورات الخمسة السابقة - في مسائل (٢، ٣، ١٠، ١١، ١٤) وهي: حلق الشعر، أو تقليم الأظافر، أو تغطية الذكر لرأسه، أو لبسه للمخيط، أو الطيب -: فإن الفدية واجبة عليه، وهي: صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين ربع صاع من بر أو أرز، أو نصف صاع من غيره، أما =
[ ٢ / ٥٠٣ ]
(وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًا أصلًا) كحمام، وبط ولو استأنس، بخلاف إبل وبقر أهلية ولو توحشَّت (ولو تولَّد منه) أي: من الصيد المذكور (ومن غيره) كالمتولِّد بين المأكول وغيره، أو بين الوحشي وغيره؛ تغليبًا للحظر (^١٥) (أو تلف) الصيد المذكور (في
باقي المحظورات التي ستأتي فلا تجب الفدية تلك على مُخالفيها، وإنما تجب أمورًا أخرى سيأتي تفصيلها، وقد ذكرت هذا الفرع؛ لأني رأيت بعض المفتين في الحج لا يُفرِّقون بينها.
(^١٥) مسألة: في السادس - من محظورات الإحرام - وهو: قتل صيد البر واصطياده، فلا يجوز للمحرم أن يصيد عمدًا صيدًا برِّيًا مأكولًا متوحشًا أصلًا، ولو استأنس كالحمام والبط ونحوهما، وكذا المتولِّد من متوحِّش ومُستأنس، فلو فعل ذلك قصدًا فإنه يأثم، وعليه جزاؤه - كما سيأتي بيانه - بخلاف غير المأكول فيقتل؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فالنهي هنا مطلق فيقتضي تحريم الصيد على المحرم وفساده كالميتة، ثانيهما: قوله تعالى: "أحلَّ لكم صيد البحر" ثم قال: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرُمًا" حيث إنها خصِّصت التحريم بصيد البر المأكول فقط؛ لكونه لازمًا من تحليله لصيد البحر دون صيد البر، الثانية: السنة القولية حيث إن الصَّعب بن جثامة قد صاد حمارًا وحشيًا فأتى به النبي ﷺ فردَّه قائلًا: "إنا لم نردُّه عليك إلا أنا حُرُم" فبيَّن أن سبب عدم أكله هو: كونه مُحرمًا، فلزم تحريم الصيد المأكول المتوحِّش فإن قلتَ: لمَ حُرِّم قتل الحيوان المتوحِّش إذا استأنس؟ قلتُ: تبعًا لأصله، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم قتل الحيوان المتولِّد من المتوحِّش والمستأنس؟ قلتُ: تغليبًا للتحريم، حيث إنه إذا اجتمع في شيء حاظر ومبيح: فإنه يُغلَّب جانب الحظر؛ احتياطًا.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
يده) بمباشرة، (^١٦) أو سبب كإشارة، ودلالة، وإعانة، ولو بمناولة آلة أو بجناية دابة هو مُتصرِّف فيها: (فعليه جزاؤه)، (^١٧) وإن دلَّ ونحوه محرم محرمًا: فالجزاء بينهما (^١٨) ويحرم على المحرم أكله مما صاده، أو كان له أثر في صيده، أو ذبح أو صيد لأجله، وما حرم عليه لنحو دلالة أو صيد له لا يحرم على محرم غيره، (^١٩) ويضمن بيض
(^١٦) مسألة: إذا تلف الصيد في يد المحرم مباشرة وهو يستطيع دفع التلف عنه فلم يفعل: فإنه يأثم، وعليه جزاؤه؛ للقياس، بيانه: كما أن المحرم لو أتلفه بصيد: فإنه يأثم وعليه جزاؤه فكذلك الحال هنا مثل ذلك، والجامع: أن كلًا من الصيدين تلف تحت يد معتدية.
(^١٧) مسألة: إذا تلف الصيد بسبب غير مباشر من المحرم ولكنه مقصود: كأن يدل غيره عليه فيقتله الآخر، أو يُعينه على قتله، أو صيده بمد آلة للصائد أو القاتل له، أو يجعل دابته تقتله برجلها، أو بفمها: فإن ذلك المحرم يأثم، ويجب عليه جزاؤه؛ للقياس، وقد سبق بيانه في المسألة (١٦)، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ لئلا يتحايل بعض المحرمين إلى صيد الطيور وغيرها بتلك الطريقة.
(^١٨) مسألة: إذا دلَّ محرم محرمًا آخر على صيد، أو تعاونا في ذلك: فإن كل واحد منهما يأثم، وعليهما جزاء صيد واحد يُقسَّم بينهما بالمناصفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراكهما في ذلك: أن يكون الجزاء بينهما؛ تحقيقًا للعدالة والإنصاف.
(^١٩) مسألة: يحرم على المحرم أن يأكل من صَيد قد صيد لأجله، أو أعان على صيده أو ذبحه بإشارة، أو دلالة: سواء أخرج جزاءه أو لا، أما المحرم الذي لم يُصد ذلك من أجله أو لم يُعِن على صيده فيجوز أن يأكل منه: سواء كان الصائد مُحرمًا أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا =
[ ٢ / ٥٠٥ ]
صيد، ولبنه إذا حَلَبَه بقيمته، (^٢٠) ولا يملك المحرم ابتداء صيدًا بغير إرث، (^٢١) وإن أحرم وبملكه صيد: لم يُزل، ولا يده الحكمية، بل تزال يده المشاهدة: بإرساله (^٢٢)
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حيث حرم أكل الصيد على المحرم الذي صيد من أجله، أو أعان على صيده، لأن النهي مطلق وهو يقتضي التحريم والفساد كالميتة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم" حيث دلَّ منطوقه على أن لحم الصيد حلال للمحرم بشرط: عدم صيده بنفسه، أو صيد لأجله، ودلَّ مفهوم الشرط على أنه إذا صدتموه، أو صيد لأجلكم: فإنه حرام.
(^٢٠) مسألة: إذا أتلف المحرم بيض صيد، أو لبنه بقصد منه، أو تسبَّب في ذلك: فإنه يضمنهما بقيمتهما: فيسأل أهل المعرفة بذلك عن ثمن بيض أو لبن هذا الصيد فإذا عرفه: يُخرج ذلك الثمن ويتصدَّق به على فقراء مكة - كما سيأتي بيانه -؛ للتلازم، حيث يلزم من عدم وجود ما يُماثل البيض واللَّبن من بهيمة الأنعام: أن يضمنهما بقيمتهما.
(^٢١) مسألة: لا يجوز للمحرم أن يملك ابتداءً صيدًا أثناء إحرامه بشراء، أو هبة، أو نحو ذلك إلا إذا كان المحرم قد ورث الصيد من مورِّثه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه يحرم عليه أن يملك خمرًا بعد تحريمها، فكذلك يحرم على المحرم أن يملك صيدًا والجامع: أن كلًا منهما ليس محلًا للتمليك لتحريم الله له، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المال الموروث يملكه الوارث بدون تصرُّف منه: جواز ملكه له وإن كان محرمًا؛ لأنه ليس من فعله.
(^٢٢) مسألة: إذا أحرم شخص وكان تحت يده صيد: فلا يُزال ملكه عنه، ولكنه لا يتحكَّم فيه، بل يودعه غيره حتى يتحلَّل، بحيث لا يشاهده، فإن شاهده كأن يكون ذلك الصيد في قبضة يده، أو خيمته، أو قفصه، أو رجله، أو مربوطًا بحبل معه: فإنه يُزل ملك يده له: بأن يقوم بإطلاقه وتخليته، وإن لم يُطلقه: فعليه =
[ ٢ / ٥٠٦ ]
(ولا يحرم) بإحرام أو حرم (حيوان إنسي) كالدَّجاج، وبهيمة الأنعام؛ لأنه ليس بصيد، وقد كان النبي ﷺ يذبح البُدْنَ في إحرامه بالحرم (^٢٣) (ولا) يحرم (صيد البحر) إن لم يكن بالحرم: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، (^٢٤) وطير الماء برِّي، (^٢٥) (ولا) يحرم بحرم ولا إحرام (قتل محرَّم الأكل) كالأسد، والنمر، والكلب إلا المتولِّد كما تقدم (^٢٦) (ولا) يحرم قتل الصيد (الصائل)؛ دفعًا عن نفسه،
جزاؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ملكه له قبل الإحرام: استدامة ذلك بعد الإحرام، ويلزم من إمساكه له: الترفُّه بذلك، فيلزم الجزاء عليه.
(^٢٣) مسألة: يُباح للمحرم وغيره أن يصيد، ويذبح، ويقتل كل حيوان إنسي كبهيمة الأنعام والدجاج، ولو توحَّش: سواء كان داخل الحرم أو خارجه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد ذبح البُدْنَ وهو محرم في الحرم" وبقية بهيمة الأنعام والدجاج من الحيوانات الإنسية مثل البُدْنَ؛ لعدم الفارق؛ وهو من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك فيها وإن توحَّشت؟ قلتُ: تبعًا لأصلها وهو الأنس.
(^٢٤) مسألة: يُباح للمحرم وغيره: أن يصيد صيد البحر من سمك وغيره إن لم يكن بالحرم؛ للكتاب، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وهذا عام للمحرم وغيره، وهذا فيه توسعة على الناس، وهو المقصد منه.
(^٢٥) مسألة: طيور المياه البحرية: بَرِّية، يحرم صيدها إن كانت بأرض الحرم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها تبيض وتُفرِّخ في البرِّ: أنها برية، فإن كانت بأرض الحرم فيحرم صيدها، وإن فُعل ذلك فيجب الجزاء؛ قياسًا على صيد البر العادي.
(^٢٦) مسألة: يُباح للمحرم وغيره: أن يصيد ويقتل كل حيوان غير مأكول اللحم في الحرم وغيره كالأسد، والنمر، والكلب، والبعوض والجعلان، والخنافس، =
[ ٢ / ٥٠٧ ]
أو ماله: سواء خشي التلف أو الضَّرر بجرحه أو لا؛ لأنه التحق بالمؤذيات فصار كالكلب العقور، ويُسنُّ مُطلقًا قتل كل مُؤذٍ غير آدمي، (^٢٧) ويحرم بإحرام قتل قمل وضئبانه ولو برميه، ولا جزاء فيه، لا براغيث، وقراد ونحوهما، (^٢٨) ويضمن جراد
والحية، والعقرب، والغراب، والحدأة ونحو ذلك مما يؤذي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والحية، والفأرة، والكلب العقور" وغيرها مما يُشابهها في الإيذاء مثلها؛ لعدم الفارق، وهو من باب "مفهوم الموافقة" أو من باب "القياس على المحصور بعدد" فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الأذى عن المسلمين، تنبيه: قوله: "إلا المتولِّد" قد سبق بيانه في مسألة (١٥).
(^٢٧) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقتل كل مؤذٍ وصائل عليه من الحيوانات والحشرات، والطيور إذا خاف منه الضرر على نفسه أو ماله: سواء كان مأكولًا، أو لا، وسواء كان وحشيًا أو لا، وسواء كان القاتل محرمًا أو لا، وسواء كان بالحرم أو لا، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر عن المسلم، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة تنبيه: قوله: "ولا يحرم قتل الصيد الصائل" يفيد أن ذلك مباح فقط قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل يُستحب؛ دفعًا لأذاه كما قلنا.
(^٢٨) مسألة: يحرم على المحرم قتل القمل الذي على رأسه أو بدنه، أو ضئبانه - وهو بيضه -، ولا يأخذه من بدنه ورأسه ويُلقيه في الأرض، فإن قتله، أو قتل البراغيث والقِراد والبعوض أو رماها: فإنه يأثم، ولا جزاء عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك لا يُسمَّى صيدًا ولا قيمة له، وهي مؤذية بطبعها: أن لا جزاء على قتلها، ويلزم من كون إزالتها فيه نوع ترفُّه وتنعُّم: تحريم قتلها وإلقائها.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
بقيمته، (^٢٩) ولمحرم احتاج لفعل محظور فعلُه ويفدى، وكذا: لو اضطرَّ إلى أكل صيد: فله ذبحه وأكله كمن بالحرم، ولا يُباح إلا لمن له أكل الميتة (^٣٠) السابع: عقد النكاح، وقد ذكره بقوله: (ويحرم عقد نكاح) فلو تزوَّج المحرم، أو زوَّج مُحرمة، أو كان وليًا أو وكيلًا في النكاح: حرم (ولا يصح)؛ لما روى مسلم عن عثمان ﵁ مرفوعًا: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح" (ولا فدية) في عقد النكاح كشراء الصيد، ولا فرق بين الإحرام الصحيح والفاسد، (^٣١) ويُكره للمحرم: أن يخطب امرأة كخطبة عقده، أو
(^٢٩) مسألة: يضمن المحرم الجراد إذا قتله وذلك بدفع قيمته للمساكين، للتلازم؛ حيث إن الجراد برِّي يُشاهد طيرانه: فيلزم جزاؤه على من قتله أو تسبَّب في ذلك، أو يُتصدَّق عن كل جرادة بتمرة.
(^٣٠) مسألة: إذا احتاج المحرم إلى فعل محظور من محظورات الإحرام كأن يحتاج إلى حلق رأسه، أو لبس المخيط، أو تغطية رأسه، فإنه يفعله، ويفدى بذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين - وكذا: لو اضطر إلى أكل صيد: فإنه يصيده، ويأكل منه ما يدفع عنه الضرر وعليه جزاؤه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهو حديث كعب بن عجرة وقد سبق في مسألة (٢)، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة فكذلك يجوز للمحرم أن يأكل من الصيد إذا اضطر إليه، والجامع: دفع الضرر في كل، وقد بينتُ ذلك في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس".
(^٣١) مسألة: في السابع - من محظورات الإحرام - وهو: عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يتزوج مُحرمة أو مُحلَّة، ولا أن يكون وليًا بأن يُزوج مُحرمة على مُحلِّ، ولا أن يُزوج محلَّه على محل، ولا محرمة على محرم، ولا وكيلًا في ذلك: فإن فعل ذلك، فإنه يأثم، ولا يصح ذلك العقد، بل يكون فاسدًا، ولا تجب عليه فدية في ذلك، سواء كان ذلك الإحرام الذي هو فيه صحيحًا، أو كان فاسدًا =
[ ٢ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بجماع قبل التحلُّل الأول؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يَنكَح المحرم ولا يُنكح" حيث حرم الشارع عقد النكاح مُطلقًا على المحرم، وبيَّن فساده لو وقع؛ لأن النهي هنا مُطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، ولم يُبين وجوب فدية عند وقوع ذلك، فدل على أنه لا فدية فيه؛ حيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المحرم إذا اشترى صيدًا: فإنه يفسد عقده لأجل الإحرام ولا فدية فكذلك: إذا عقد النكاح مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد فعل عملًا منهيًا عنه في حالة الإحرام، ثانيهما: كما أنه يجب المضي في الإحرام والحج الفاسد، والعمل بكل ما يجب فيه، فكذلك يحرم عليه كل المحظورات ومنها: عقد النكاح، والجامع: الالتزام بالإحرام في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر وابنه وزيد أن عقد النكاح من محظورات الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا في الإحرام؟ قلتُ: لأن عقد النكاح فيه التفات إلى الدنيا وملذاتها، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام، فإن قلتَ: يجوز عقد المحرم للنكاح، وهو قول كثير من الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تزوَّج ميمونة وهو محرم" كما قال ابن عباس، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمحرم شراء الأمة وهو مُحرم فكذلك يجوز له تزوج الحرة والجامع: أن كلًا منهما فيه عقد يملك به الاستمتاع قلتُ: أما حديث ابن عباس فهو معارض بقول ميمونة نفسها، وهو: "أنه ﷺ قد تزوَّجها وهو حلال" ومعارض بقول أبي رافع وهو: "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنتُ أنا الرسول بينهما" فيُرجَّح قولهما على قول ابن عباس؛ لأن ميمونة أعلم بحالها، وأبا رافع أعلم بالواقعة؛ لكونه هو السفير بينهما، وابن عباس كان صغيرًا فيُحتمل اختلاط الأمور عليه، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع =
[ ٢ / ٥١٠ ]
حضوره أو شهادته فيه (^٣٢) (وتصحُّ الرَّجعة) أي: لو راجع المحرم امرأته: صحَّت بلا كراهة؛ لأنه إمساك، (^٣٣) وكذا: شراء أمة للوطء (^٣٤) الثامن: الوطء، وإليه الإشارة
الفارق؛ حيث إن نكاح الحرة يراد عادة للوطء والولد، أما شراء الأمة فيراد به عادة الخدمة والتجارة، فاختلفا.
(^٣٢) مسألة: يُكره أن يخطب المحرم امرأة لنفسه أو لغيره، أو أن يحضر عقد نكاح بين مُحلّين؛ أو أن يشهد على ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اشتغال عن كمال العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا يُنقص من أجره، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك ولم يحرم؟ قلتُ: لأن الاشتغال بالخطبة أو حضورها، أو الشهادة فيها ليس اشتغالًا بالدنيا خالصًا كالنكاح، فإن قلتَ: لمَ كَرِه حضور عقد نكاح بين مُحلِّين أو الشهادة عليه؟ قلتُ: لأن حضوره عقد نكاح بين محرمين، أو بين مُحرم ومُحل، أو الشهادة على ذلك حرام؛ للتلازم؛ حيث إن عقد نكاح المحرم حرام - كما سبق في مسألة (٣١) - فيلزم أن المشاركة فيه حرام؛ حيث إن الراضي كالفاعل في الإثم.
(^٣٣) مسألة: إذا طلَّق رجل امرأته: فيصح أن يراجعها وهو مُحرم، بلا كراهة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ حيث بيَّن أن الرجعة إمساك للزوجة، وليس ابتداء نكاح جديد، والأمر هنا مُطلق في الأزمان فيشمل الإمساك جميع الأزمان، ومنها زمن الإحرام، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الرَّجعية مباحة قبل الرَّجعة، فاستدام ذلك بالرجعة، بدليل: عدم الحاجة إلى ولي، ولا شهود، ولا إذن، بخلاف المرأة الأجنبية التي يُراد العقد عليها ابتداء.
(^٣٤) مسألة: يجوز أن يشتري المحرم أمة للوطء والخدمة والتجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الأمة تُشترى عادة لمنفعة الوطء وغيره فيلزم جواز شرائها، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
[ ٢ / ٥١١ ]
بقوله (وإن جامع) المحرم: بأن غيَّب الحشفة في قُبُل أو دُبُر من آدمي أو غيره: حرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ قال ابن عباس: هو الجماع، (^٣٥) وإن كان الوطء (قبل التحلُّل الأول: فسد نسكهما) ولو بعد الوقوف بعرفة، ولا فرق بين العامد والساهي؛ لقضاء بعض الصحابة ﵃ بفساد الحج ولم يستفصل (يمضيان فيه) أي: يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد، ولا يخرجان منه بالوطء؛ روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ فحكمه كالإحرام الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (ويقضيانه) وجوبًا (ثاني عام) روي عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، (^٣٦) وغير المكلَّف يقضي
(^٣٥) مسألة: في الثامن - من محظورات الإحرام - وهو: الجماع والوطء، فلا يجوز للمحرم أن يجامع جماعًا صحيحًا وهو: تغييب حشفته الأصلية في قُبُل أو دُبُر أصلي من آدمي أو غيره، ومن فعله: فإنه يأثم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ و"الرفث" هو: الجماع كما قال ابن عباس، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ويُراد بالنفي - في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ - النهي، وهو مُطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك من محظورات الإحرام؟ قلتُ: لأن ذلك فيه اشتغال عن العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا منافٍ للمقصد من مشروعية الإحرام.
(^٣٦) مسألة: إذا جامع المحرم عامدًا مُختارًا، ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بتحريم ذلك قبل التحلل الأول - أي: قبل أن يفعل اثنين من ثلاثة وهي: الرمي والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة -: فإنه يأثم، ويترتب عليه أمور أربعة: أولها: فساد حجِّه هذا، ثانيها: المضي فيه حتى يفرغ منه وإن كان فاسدًا، ثالثها: وجوب قضائه في العام القادم مباشرة، رابعها: وجوب الفدية عليه، وهي ذبح بدنة تكون في القضاء توزَّع على فقراء مكة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام: ثلاثة في =
[ ٢ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والأربعة هذه تجب عليه سواء جامع قبل الوقوف بعرفة أو بعدها والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ حيث أوجب الشارع إتمام الحج والعمرة مطلقًا: سواء كانا صحيحين، أو كانا فاسدين بجماع؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب واستواء الحالتين، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن تلك الأمور الأربعة قد ثبتت عن بعض الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وعمر وابنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، فإن قلتَ: لمَ وجبت عليه تلك الأمور؟ قلتُ: تغليظًا عليه؛ لكونه قد انتهك بفعله هذا حرمة المكان، والزمان، والهيئة، كما أوجب على من جامع في نهار رمضان عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين مُتتابعين، وإن لم يجد: فإنه يُطعم ستين مسكينًا، فإن قلتَ: تجب تلك الأمور من جامع وهو ناسي أو ساهي، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمرو وبعض الصحابة قد أوجب عليه تلك الأمور بدون أن يستفصل عن حالته لما جامع هل هو عامد أو ناسي؟ فهذا يدل على عموم الحكم للعامد والناسي وغيرهما؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال قلتُ: لا تجب تلك الأمور الأربعة إلا على من ذكرنا صفاته، أما الناسي، أو المخطئ، أو المكره، أو الجاهل فلا تجب عليهم تلك الأمور لو جامعوا وهم محرمون، والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه وهذا مخصص لعموم الآية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن من جامع في نهار رمضان وهو ناسي، أو مخطئ، أو مكره، أو جاهل لا شيء عليه فكذلك الحال هنا والجامع: وجود العذر في كل، وهذا مخصص لعموم الآية أيضًا، أما عدم استفصال بعض الصحابة: فلا يصلح =
[ ٢ / ٥١٣ ]
بعد تكليفه وحجة الإسلام فورًا من حيث أحرم أولًا إن كان قبل ميقات، وإلا: فمنه، (^٣٧) وسُنَّ تفرقهما في قضاء من موضع وطء إلى أن يحلَّا، (^٣٨) والوطء بعد
للاستدلال به؛ لأنه يُحتمل أن ذلك معروف عند الصحابة أن هؤلاء لا يجب عليهم شيء، فلم يستفصل؛ لعلمه بذلك، أو أنه لم يستفصل اجتهادًا منه، ولا اجتهاد مع النص، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عدم استفصال بعض الصحابة هنا هل يدل على العموم في المقال؛ حيث يعم العامد والناسي أو لا؟ " فعندنا: لا يدل؛ للاحتمال الذي ذكرناه، وعندهم: يدل، وسيأتي زيادة بيان لهذا في باب "الفدية".
(^٣٧) مسألة: إذا أحرم غير المكلَّف بحج، ثم جامع: فإنه يمضي بهذا الحج الذي أفسده بجماعه هذا ثم بعد تكليفه: يحج فريضته وهي حجة الإسلام، ثم بعدها مباشرة يقضي تلك الحجة التي أفسدها: فيُحرم بهذه الحجة من المكان الذي أحرم به عند حجه تلك الحجة الفاسدة تمامًا: فإن كان قد أحرم بها قبل الميقات: أحرم منه، وإن كان قد أحرم من الميقات أو بعده: فيُحرم من الميقات؛ للتلازم؛ حيث إن حج غير المكلف يعتبر نفلًا، والنفل كالفرض في المضي فيه وقضائه إذا فسد، والقضاء يكون بصفة الأداء: فيلزم ما قلناه من الحكم، ويلزم من كون حجة الإسلام آكد من القضاء: أن تُقدَّم على القضاء؛ لأنها ركن من أركان الإسلام.
(^٣٨) مسألة: إذا أراد الزوج وزوجته أن يقضيا تلك الحجة التي أفسداها بالجماع من العام القادم: فيُستحب أن يتفرقا في حجة القضاء تلك: بحيث لا يركبان مركوبًا واحدًا، ولا يجلسان في خيمة واحدة، بل يكون الزوج قريبًا منها يراعي أحوالها إلى أن يحلَّان من إحرامهما؛ للمصلحة؛ حيث إنه ظهر منهما من التسرع =
[ ٢ / ٥١٤ ]
التحلُّل الأول لا يُفسد النُّسك وعليه شاة ولا فدية على مُكرهة، ونفقة حجِّة قضائها عليه؛ لأنه المفسد لنسكها (^٣٩) التاسع: المباشرة دون الفرج، وذكرها بقوله: (وتحرم المباشرة) أي: مباشرة الرجل المرأة (^٤٠) (فإن فعل) أي: باشرها (فأنزل: لم
إلى إفساد العبادة بالوطء بما يخاف عليهما مثله في القضاء، وهذا فيه احتياط للعبادة، كما قاله الباجي في "المنتقى".
(^٣٩) مسألة: إذا جامع المحرم عمدًا، وهو مختار، ذاكر، عالم بعد التحلُّل الأول - أي: بعد أن رمى وقصَّر أو حلق -: فإنه يأثم؛ ويجب عليه: أن يخرج إلى أقرب الحل - وهو: التنعيم - ويُحرم من هناك ثم يطوف طواف الإفاضة والسعي، وعليه شاة يذبحها ويُقسِّمها على فقراء مكة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قضى بذلك على من جامع بعد التحلل الأول. [فرع]: إذا أحرم بالعمرة، ثم جامع قبل الفراغ من السعي: فإنها تفسد، ويجب عليه أن يمضي في فسادها، ويُكملها، ثم يقضيها مرة أخرى مباشرة؛ ويجب عليه ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام؛ للقياس على الحج تمامًا، [فرع آخر]: إن جامع بعد السعي فلا شيء عليه وإن لم يحلق أو يُقصِّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إتمامها صحيحة: عدم وجوب شيء عليه، تنبيه: قوله: "ولا فدية على مكرهة ونفقة حجة قضائها عليه: لأنه المفسد لنسكها" قلتُ: قد سبق بيان أن الجماع الواقع عن خطأ، أو إكراه، أو نسيان، أو جهل: لا يُفسد الحج، ولا يوجب شيئًا في مسألة (٣٦).
(^٤٠) مسألة: في التاسع - من محظورات الإحرام - وهو: مباشرة النساء بشهوة دون الفرج، فلا يجوز للمحرم أن يُلامس، أو يُباشر المرأة دون الفرج كتقبيل أو لمس =
[ ٢ / ٥١٥ ]
يفسد حجُّه) كما لو لم ينزل، ولا يصح قياسها على الوطء؛ لأنه يجب به الحدُّ دونها (^٤١) (وعليه بدنه) إن أنزل بمباشرة، أو قُبْلة، أو تكرار نظر، أو لمس بشهوة أو أمنى باستمناء؛ قياسًا على بدنة الوطء، (^٤٢) وإن لم يُنزل: فشاة كفدية
بدن بشهوة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل قد يؤدِّي إلى الجماع والوطء المحرم، فحرم؛ حماية للمحرم من أن يُفسد حجه.
(^٤١) مسألة: إذا باشر محرم امرأته بشهوة دون الفرج فأنزل: فحجُّه صحيح: سواء كان قبل التحلل الأول أو بعده؛ للقياس، بيانه، كما أنه إذا لم يُنزل لا يفسد حجه فكذلك إذا أنزل هنا لا يفسد حجه، والجامع: أن كلًا منهما فيه استمتاع لا يجب بنوعه الحدُّ، فلم يُفسد الحج، فإن قلتَ: بل يفسد حجه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو وطأ زوجته وهو محرم يفسد حجه فكذلك إذا باشر مثله والجامع: أن كلًا منهما قد فعل ما يوجب الغسل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الوطء بالزنا يوجب الحد، أما المباشرة: فهي توجب التعزير فقط، وكذلك يختلفان في الاستمتاع وكثير من الأحكام، ومع الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا المباشر المنزل على من لم يُنزل؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الواطئ؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا ما يُسمَّى بـ"قياس الشبه" أو"غلبة الأشباه".
(^٤٢) مسألة: إذا باشر محرم امرأته بلمس، أو قُبْلة، أو تكرار نظر، أو استمنى بيده فأنزل المني قبل التحلُّل الأول: فحجه صحيح كما سبق وعليه شاة كما قال الشافعي وأبو حنيفة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن من باشر ولم يُنزل فحجه صحيح وعليه شاة، فكذلك من باشر وأنزل مثله، والجامع: أن كلًا منهما وقع دون الفرج، =
[ ٢ / ٥١٦ ]
أذى (^٤٣) وخطأ في ذلك كعمد، وامرأة مع شهوة كرجل في ذلك (^٤٤) (لكن يحرم) بعد أن يخرج (من الحلِّ)؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم (لطواف الفرض)
وأن فيه استمتاع لا يوجب الحد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد قضى بالصيام لمن لم يجد الشاة فإن قلتَ: إنه إذا باشر فأنزل فعليه بدنة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو وطأ في الفرج قبل التحلل الأول لوجبت عليه بدنة، فكذلك إذا باشر دون الفرج فأنزل مثله والجامع: أن كلًا منهما قد فعل ما يوجب الغسل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وقد بيَّناه في مسألة (٤١)، وبينا أيضًا فيها سبب الخلاف، وأنه بسبب: "تعارض القياسين".
(^٤٣) مسألة: إذا باشر محرم امرأته ولم يُنزل منيًا: فحجُّه صحيح، وعليه فدية أذى - وهو: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كل مسكين ربع صاع من بر أو أرز أو نصف صاع من غيره -؛ للقياس، بيانه: كما أن من حلق رأسه، أو قلَّم أظفاره، أو تطيب، أو لبس المخيط أو غطى رأسه تجب عليه فدية الأذى فكذلك تجب هنا، والجامع: أن كلًا منها فيه اشتغال عن العبادة بتمتع وملذات منافية للمقصد من مشروعية الإحرام.
(^٤٤) مسألة: إذا باشر رجل امرأته أو باشرت امرأة زوجها وهما محرمان بشهوة، وهما عامدان، ذاكران، عالمان، مختاران: فإن حجَّهما صحيح، وعلى كل واحد منهما شاة إذا أنزلا منيًا، أما إذا لم يُنزلا: فعليهما فدية أذى - كما سبق في مسائل (٤٠ إلى ٤٣) أما إن كانا مخطئين، أو ناسيين، أو جاهلين، أو مكرهين، وفعلا ذلك، أو فعل أحدهما وهما محرمان: فلا شيء عليهما كما سبق في مسألة (٣٦) - حيث سبقت قواعد ذلك، تنبيه: قوله: "وخطأ في ذلك كعمد" قلتُ: قد سبق الجواب عن ذلك في مسألة (٣٦).
[ ٢ / ٥١٧ ]
أي: ليطوف طواف الزيارة مُحرمًا، وظاهر كلامه: أن هذا في المباشرة دون الفرج إذا أنزل، وهو غير مُتَّجه، لأنه لم يفسد إحرامه حتى يحتاج لتجديده، فالمباشرة كسائر المحرَّمات غير الوطء، هذا مقتضى كلامه في "الإقناع" كالمنتهى، و"المقنع"، و"التنقيح"، و"الإنصاف"، و"المبدع"، وغيرها، وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن وطئ بعد التحلُّل الأول إلا أن يكون على وجه الاحتياط؛ مراعاة للقول بالإفساد (^٤٥) (وإحرام المرأة) فيما تقدَّم (كالرَّجل (^٤٦) إلا في اللباس) أي: لباس المخيط، فلا يحرم
(^٤٥) مسألة: إذا باشر محرم امرأته دون الفرج فأنزل قبل التحلل الأول: فحجُّه صحيح، وعليه شاة - كما سبق بيانه في مسألة (٤٢) - ولا يجب عليه أن يخرج إلى أقرب الحل ليحرم من هناك؛ لكونه لم يفسد إحرامه أصلًا وإنما ذلك واجب على من وطئ امرأته وهو محرم بعد التحلل الأول، مع وجوب شاة، والإثم كما سبق في مسألة (٣٩)، تنبيه: الظاهر أن صاحب المتن قال تلك العبارة سهوًا، أو أن بعض النُّسَّاخ قد زادها، أو أنه قد أخَّر موضعها، تنبيه آخر: قوله: "إلا أن يكون على وجه الاحتياط؛ مُراعاة للقول بالإفساد" قلتُ: هذا لا يصح؛ لأن الاحتياط ومراعاة الخلاف ليسا بدليلين مُعتبرين عند الجمهور.
(^٤٦) مسألة: إحرام المرأة مثل إحرام الرَّجل تمامًا في المحظورات: فيحرم عليها حلق الشعر - كما في مسألة (٢) - وتقليم الأظافر - كما في مسألة (٣) - والطِّيب - كما في مسألة (١٤) - وقتل الصيد - كما في مسألة (١٥) - وعقد النكاح - كما في مسألة (٣١) - والجماع والوطء - كما في مسألة (٣٥) - والمباشرة - كما في مسألة (٤٠) -؛ للقياس على الرَّجل في ذلك كله، أو عموم النصوص الواردة في الرجال فتشمل النساء.
[ ٢ / ٥١٨ ]
عليها، ولا تغطية الرأس (^٤٧) (وتجتنب البرقع والقفَّازين)؛ لقوله ﷺ: "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفَّازين" رواه البخاري وغيره، و"القُفَّازان" شيء يُعمل لليدين يُدخلان فيه يسترهما من الحر كما يعمل للبزاة، (^٤٨) ويفدي الرجل والمرأة
(^٤٧) مسألة: يجب على المرأة أن تلبس المخيط من الثياب، وأن تُغطِّي رأسها أثناء إحرامها؛ للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة فلباسها للمخيط وتغطية رأسها أستر لها، وأحفظ لها من أن تنكشف عورتها بخلاف الرَّجل: فإن عورته من السرة إلى الركبة ولباس الإحرام يكفي لذلك، فحرم أن يُغطي رأسه - كما سبق في مسألة (١٠) - وحرم عليه أن يلبس المخيط - كما في مسألة (١١) - وقد بينا المقصد من ذلك.
(^٤٨) مسألة: يحرم على المرأة المحرمة وغيرها: أن تلبس البرقع بدون حاجة - وهو: أن تغطي وجهها كله إلا فتحة بقدر العينين، فإن كان في ذلك زينة وتجمُّل: فهو "البرقع" وإن لم يُوجد ذلك، ولكن أوجدت ذلك تنظر فيهما طريقها: فهو "النِّقاب" وكذلك يحرم على المحرمة أن تلبس القفَّازين بدون حاجة، وهما تلبسهما المرأة في يدها لتغطي فيهما جميع الكف وبعض المرفق؛ لحمايته من الحر أو البرد كما يلبسه من يحمل الصقور؛ لئلا يؤذيه عند إطلاقه -؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القُفَّازين" فحرمهما الشارع؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، وإذا حُرم النِّقاب وهو ليس بزينة، فمن باب أولى أن يحرم البرقع الذي هو زينة من باب مفهوم الموافقة الأولى، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمرأة من أن يطمع فيها أصحاب القلوب المريضة، أو هي تنظر إليهم بقلب مريض فتطمع فيهم، والبرقع والقفازان فيهما نوع ترفُّه وتزين يُنافي المقصد من مشروعية الإحرام.
[ ٢ / ٥١٩ ]
بلبسهما (^٤٩) (و) تجتنب (تغطية وجهها) أيضًا؛ لقوله ﷺ: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" فتضع الثوب فوق رأسها، وتسدله على وجهها؛ لمرور الرجال قريبًا منها (^٥٠) (ويُباح لها التحلِّي) بالخلخال، والسوار، والدملج
(^٤٩) مسألة: إذا لبس الرجل والمرأة القُفَّازين، أو لبست المرأة النقاب أو البرقع بدون حاجة: فتجب عليهم فدية الأذى - وهي: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين: ربع صاع لكل مسكين من بر أو أرز، ونصف صاع من غيره -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن فدية الأذى تجب على من حلق رأسه، أو قلَّم أظافره، فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: أن كلًا منهما قد زاول التنعُّم والتزين، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام.
(^٥٠) مسألة: يجب على المرأة المحرمة أن تغطِّي وجهها إن غلب على ظنها وجود رجال بقربها، أما إن لم يغلب على الظن ذلك: فيُستحب لها كشف وجهها؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كان الركبان يمرُّون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ، فإذا حاذوا بنا: سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا: كشفناه" ولا شك أنه لا يخفى شيء من ذلك على النبي ﷺ، فإذا لم يُنكره فهو مُقرٌّ به؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا يلزم منه: أنه غلب على ظن عائشة ﵂ ومن معها من النسوة: أن الرجال إذا جاوزوهن لا ينظرون إليهن، فيكون كشفهن حينئذٍ مستحب؛ نظرًا لفعلهن الذي لم يُنكره النبي ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة، وفيه تيسير على النساء بترك تغطية الوجه عند عدم وجود رجال، تنبيه: ما روي عنه ﷺ أنه قال: "إحرام الرجل في رأسه .. " لا أصل له فيبطل الاحتجاج به كما قال ابن تيمية وابن القيم.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
ونحوها (^٥١)، ويُسنُّ لها خضاب عند إحرام (^٥٢)، وكُرِه بعده (^٥٣)، وكُرِه لهما اكتحال بإثمد؛ لزينة (^٥٤)، ولها لبس معصفر وكُحلي، وقطع رائحة كريهة بغير طيب (^٥٥)
(^٥١) مسألة: يُباح للمرأة المحرمة أن تتحلَّى بالذهب والفضة، وأن تلبس الخلخال، والأسورة، والدملج - وهو شيء يُلبس على العضد -، لتقرير الصحابي، حيث إن نساء ابن عمر كن يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات، ولم يُنكر عليهن ابن عمر ذلك أنه لا يخفى عليه مثل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين وتوسعة على نسائهم.
(^٥٢) مسألة: يُستحب للمرأة أن تخضب رأسها ويديها ورجليها بالحناء عند إحرامها؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب أن يتطيب المسلم عند إحرامه فكذلك الخضاب مثل ذلك، والجامع: أن كلًا منهما فيه إزالة للرائحة الكريهة.
(^٥٣) مسألة: يُكره للمرأة المحرمة أن تخضب رأسها ويديها ورجليها بالحناء بعد إحرامهما؛ للمصلحة؛ حيث إن فعلها ذلك يؤدِّي إلى التقليل من أجر عبادتها؛ لما فيه من التزيُّن والتجمُّل المخالف للمقصد من مشروعية الإحرام.
(^٥٤) مسألة: يُكره للرجل والمرأة المحرمين أن يكتحلا؛ لقصد التزيُّن، أما إذا اكتحلا ليُزيلا وجعًا في عيونهما: فلا يُكره؛ للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٥٣).
(^٥٥) مسألة: يُباح للرجل والمرأة المحرمين أن يفعلا أيَّ شيء يتسبَّب في قطع أيِّ رائحة كريهة من اغتسال ونحوه - غير الطيب -، ويُباح للمرأة أن تلبس أي لباس ساتر - غير مصبوغ بورس وزعفران كما سبق في مسألة (١٤) -؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل أن يُزيل أيَّ رائحة كريهة، وأن تلبس المرأة أيَّ ثوب ساتر إلا ما ورد الشرع بتحريم التطيب به، أو لبسه، أما ما بقي فيُستصحب ويُعمل به؛ تيسيرًا على المسلمين وتوسعة عليهم.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وأتِّجار، وعمل صنعة ما لم يُشغلا عن واجب أو مُستحب (^٥٦)، وله لبس خاتم (^٥٧)، ويجتنبان الرَّفث، والفسوق، والجدال (^٥٨)، ويُسنُّ قلَّة الكلام إلا فيما ينفع (^٥٩).
(^٥٦) مسألة: يُباح للمحرم أن يُتاجر في الحج ويعمل أيَّ شيء يستطيع صنعه إذا لم يُشغله عن ركن أو واجب في الحج، أو مستحب من مستحباته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والفضل هو: التجارة بالمال، والصناعة وإن كان محرمًا؛ إذ لا مانع من ذلك؛ حيث إن سبب نزولها يدل على ذلك كما قال ابن عباس، و"نفي الجناح" من صيغ الإباحة فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٥٧) مسألة: يُباح للرجل المحرم اتخاذ الخاتم من الفضة؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس ﵃: "لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم"، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٥٨) مسألة: يجب على المحرم أن يترك الرفث، - وهو الجماع، ومقدماته -، وأن يترك الفسوق - وهو كل شيء فيه معصية: قولية كانت أو فعلية، صغيرة أو كبيرة - وأن يترك الجدال - وهو كل مماراة ومجادلة ومنازعة تؤدي إلى سب أو شتم ومقاطعة -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والنفي هنا: نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه انشغال عن العبادة.
(^٥٩) مسألة: يُستحب للمحرم وغيره أن يُقلَّل الكلام فيما لا ينفع في الآخرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ترك الكلام فيما لا يعنيه يحفظ له دينه، وعلمه، وصحته، ووقته، فيجتمع له خيرا الدنيا والآخرة، وهذه هي سيرة السلف الصالح.
هذه آخر مسائل باب "محظورات الإحرام" ويليه باب "الفدية"
[ ٢ / ٥٢٢ ]