وهو رخصة (^٢)، وأفضل من
باب مسح الخفين وغيرهما من الحوائل
وفيه أربع وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: المراد بالمسح على الخفين: والحوائل الأخرى: إمرار اليد المبلَّلة بالماء على ظاهر الخفين والحوائل الأخرى كالجوربين ونحوهما بطريقة مخصوصة - وفي زمن مخصوص - يأتي بيان ذلك، فإن قلتَ: لِمَ سمي الساتر للقدم بالخف؟ قلتُ: لأن الإنسان يستطيع المشي به بخفَّة، فإن قلتَ: لِمَ سمي الباب بالمسح على الخفين مع أنه عام لهما، وللجوربين، والجرموقين والعمامة والخمار، والجبيرة؟ قلتُ: للغالب؛ حيث إن الخفين يغلب لُبسهما عند الناس على غيرهما، فإن قلتَ: لِمَ ذكر الفقهاء هذا بعد باب فروض الوضوء؟ قلتُ: للمناسبة بينهما؛ حيث إنه لما بيَّن أن أعضاء الوضوء تُغسل: أراد أن يبين الأحكام فيما إذا لبس شيئًا على بعض أعضاء الوضوء.
(^٢) مسألة: يُباح المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل للرجال والنساء؛ رخصة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح عليهما -كما رواه المغيرة - الثانية: الإجماع؛ حيث إن بعض الصحابة قد مسح، وبعضهم لم يمسح، ولم يُنكر غير الماسح على الماسح، فكان إجماعًا سكوتيًا، قال الحسن البصري: "أدركت سبعين صحابيًا يرون المسح" فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة، ورفع مشقة وحرج على الناس؛ إذ كانوا بحاجة إلى لبس ذلك؛ اتقاء البرد، أو تضرر الرجل من كثرة المشي ونحوه، فإن قلتَ: يُكره المسح؛ لقول الصحابي؛ حيث إنه قد روي كراهة ذلك عن علي، وابن عباس، وعائشة، قلتُ: لم يثبت ذلك عنهم كما في "المجموع" (١/ ٤٨٠)، =
[ ١ / ١٤٣ ]
غَسْل (^٣)، ويرفع الحدث (^٤)، ولا يُسنُّ أن يلبس ليمسح (^٥) (يجوز يومًا وليلة) لمقيم،
وعلى فرض ثبوته: فلا يُعمل به؛ لمعارضته السنة والإجماع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية والإجماع مع قول الصحابي" فعندنا: يقدمان على قول الصحابي، وعندهم: لا، فإن قلتَ: لم كان المسح رخصة؟ قلتُ: لتحقق تعريف الرخصة فيه؛ حيث إن إباحة المسح حكم ثابت على خلاف الدليل القائم - وهو: آية الوضوء الموجبة لغسل أعضاء الوضوء؛ - لعذر - وهو: المشقة غالبًا - وقد فصلت الكلام فيه في كتبي "الرخص الشرعية" و"الإتحاف" و"المهذب".
(^٣) مسألة: المسح على الخفين ونحوهما أفضل من غسل الرجلين، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله يحبُّ أن تؤتى رُخصه كما يحبُّ أن تؤتى عزائمه"، والمسح رخصة فيدخل تحت عموم الحديث؛ لأن "رخصة" منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيلزم أن يكون مفضَّلًا على الغَسْل لمن كان لابسهما فلا يخلع؛ لأجل الغَسْل، فإن قلتَ: لِمَ كان المسح أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلم إذا علم أن المسح أفضل ازداد سرورًا مع كونه لم يشق على نفسه بخلع ما عليه، فهل هناك أيسر من هذا؟!.
(^٤) مسألة: المسح على الخف ونحوه يرفع الحدث عن العضو المستور به - وهذا محدَّد بوقت معين سيأتي بيانه -؛ للقياس، بيانه: كما أن غسل العضو يرفع الحدث عنه، فكذلك مسح ما عليه يرفع الحدث عن العضو، والجامع: أن كلًّا منهما يُسمَّى طهارة بالماء، فإن قلتَ: لِمَ كان يرفع الحدث مع أن التيمم لا يرفعه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل المسلم يُصلي بهذا المسح - بوقت المسح - أي: صلاة، ويمس المصحف، ويطوف بالكعبة، بخلاف التيمم: فإنه محدَّد بوقت معين وسيأتي.
(^٥) مسألة: لا يُستحب أن يلبس الخفين ونحوهما من أجل المسح عليهما، بل يغسل قدميه إذا كانا مكشوفين، ويمسح إذا كانا مستورين بهما - في وقت المسح - أي: =
[ ١ / ١٤٤ ]
ومسافر لا يُباح له القصر (ولمسافر) سفرًا يُبيح القصر (ثلاثة) أيام (بلياليها)؛ لحديث علي يرفعه: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة" رواه مسلم، ويخلع عند انقضاء المدة، وإن خاف أو تضرَّر رفيقه بانتظاره: تيمم، فإن مسح وصلى: أعاد (^٦)،
يفعل ما كانت حالته عليها بدون تكلف؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إبعاد للتكلُّف الذي يُحرج المسلم عادة.
(^٦) مسألة: مُدة مسح المقيم في البلد، أو الذي سافر سفرًا لا تُقصر له الصلاة - وهي: أقل من (٨٢) كم - هي: يوم وليلة - أي: (٢٤) ساعة -، ومدة مسح المسافر سفرًا تقصر له الصلاة - وهي: (٨٢) كم فما فوق - هي: ثلاثة أيام بلياليها - وهي (٨٢) ساعة -، فإذا انتهت هذه المدة - للمقيم أو المسافر - يجب عليه أن يخلع الخفين ونحوهما عند الوضوء؛ ليغسل الرجلين، أو يخلع العمامة، والخمار؛ ليمسح الرأس، فإن لم يخلع شيئًا - بعد انقضاء المدة - بسبب خوف من عدو، أو مرض، أو فوات رفيقه، أو تضرره: فإنه يتوضأ ويتيمم ويُصلي، فإن لم يتيمم في هذه الحالة: وصلى بدون تيمم: فإنه يتيمم ويُعيد الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة" - كما رواه علي - حيث دل مفهوم العدد منه على: أن المقيم لا يجوز له المسح أكثر من يوم وليلة، وأنه يخلع ويغسل الرجلين بعد هذه المدة، وكذلك دلَّ على: عدم جواز المسح للمسافر أكثر من ثلاثة أيام، وأنه يخلع ويغسل الرجلين بعد هذه المدة، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجوز التيمم مع وجود الماء؛ بسبب خوف من مرض أو عدو، فكذلك يجوز التيمم إن خاف من خلع الخفين بعد انقضاء المدة، والجامع: الخوف في كل وإزالة الضرر، وكذا: إن لم يتيمم ولم يتوضأ: بطلت صلاته، وكذلك إن لم يتيمم ولم يغسل رجليه: بطلت صلاته، والجامع: الخلو من أحد الطهارتين، فإن قلتَ: لِمَ =
[ ١ / ١٤٥ ]
وابتداء المدَّة: (من حَدَث بعد لُبس (^٧) على طاهر) العين، فلا يمسح على نجس
اختلفت مدة المسح هنا؟ قلتُ: لأن مشقة خلع الخفين في السفر وغسل الرجلين أكثر من مشقة خلعهما في الحضر والإقامة؛ لقلة المياه، وللخوف غالبًا في السفر، بخلاف الحضر، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد المسح للمقيم والمسافر في هذه المدة؟ قلتُ: لأن أغلب الأسفار لا تزيد عن ثلاثة أيام في العادة، ولأن هذه المدة مناسبة للمسح على الخف في الإقامة والسفر؛ فلو زاد المسح على هذه المدة في الإقامة والسفر: للحق الرِّجل الضرر بسبب عدم غسلها وعدم تعرضها للهواء الطلق، فإن قلتَ: لا يجوز المسح في الحضر؛ للمصلحة؛ حيث لا توجد مشقة فيه، وهذه رواية عن مالك، - كما جاء في "المعونة" (١/ ١٣١)، - قلتُ: هذا اجتهاد بالمصلحة، ولا اجتهاد مع النص - وهو: حديث علي السابق - ثم المقيم يجد مشقة لكنها أخف من مشقة المسافر، فإن قلتَ: إن المسافر يمسح المدة التي يحتاجها دون تحديد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه: فليصلِّ فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة" حيث إن هذا مطلق في مُدة المسح وحُمِل على المسافر؛ للمصلحة؛ حيث إن المقيم لا مشقة عنده كما سبق، وهو لبعض المالكية - كما جاء في "الإشراف" (١/ ١٣٢) - قلتُ: إن حديث علي السابق مُقيد بمدة وهي زيادة وذلك بمنطوقه ومفهومه، وهو يوم وليلة، للمقيم، وثلاثة للمسافر، وحديثكم مطلق، فيُحمل المطلق على المقيد، فنعمل بحديث علي؛ لكونه مقيدًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" فعندنا: يُعمل بحديث علي؛ لكونه أتى بزيادة ثقة، فقيد بها الحديث المطلق، وعندهم: يُعمل بالمطلق، وكذا: "تعارض المصلحة مع السنة" فعندنا: يقدم الحديث دون المصلحة، وعندهم لا.
(^٧) مسألة: تبدأ مدة المسح من حَدَث بعد لُبْس: فمثلًا: إذا توضأ المقيم لصلاة العصر من يوم السبت ثم لبس الخفين بعد ذلك مباشرة، ثم بقي على طهارته، ثم =
[ ١ / ١٤٦ ]
ولو في ضرورة (^٨)، ويتيمم معها لمستور (^٩) (مباح) فلا يجوز المسح على مغصوب، ولا على حرير لرجل؛ لأن لبسه معصية، فلا تُستباح به الرُّخصة (^١٠) (ساتر
أحدث قبل صلاة المغرب ثم حضرت صلاة المغرب: فإنه يتوضأ ويمسح عليهما، فتبدأ مُدة المسح من قُبيل صلاة المغرب، ويستمر المسح إلى قبيل المغرب من يوم الأحد؛ للتلازم؛ حيث إن الخف قد جُعِل مانعًا من سراية الحَدَث إلى القدم، ومعنى المنع إنما يتحقق عند الحَدَث، فيلزم ذلك اعتبار ابتداء المدة من هذا الوقت؛ لأن هذه المدة ضُربت توسعة وتيسيرًا؛ نظرًا لتعذُّر خلع الخفين في وقت إرادة التطهر فيه، والحاجة إلى التوسعة عند الحدث لأن الحاجة إلى النزع تكون عنده، أي: إن الحدث سبب للوضوء فتُعتبر المدة من وقت السبب، وقد ذكر هذا السرخسي في "المبسوط"، وابن قدامة في "المغني" تنبيه: يُشترط فيما يُمسح عليه شروط أربعة سيأتي بيانها في المسائل الآتية:
(^٨) مسألة: في الأول - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون طاهرًا، فلا يمسح على خف نجس سواء كانت النجاسة نجاسة عينية كخف مصنوع من جلد خنزير، أو كانت نجاسة طارئة كخف عليه بول أو غائط؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة بثوب نجس فكذلك لا يصح المسح والصلاة بخف نجس، والجامع: أن كلًّا منهما ملبوس تُشترط طهارته في الصلاة، لوقوع التَّضاد بين النجاسة والطهارة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط.
(^٩) مسألة: إذا لبس خفًّا نجسًا؛ للضرورة: كأن يخشى على نفسه الهلاك من برد، أو عدو: فإنه يتوضأ، ولا يمسح عليه، ولا يخلعه، وإنما يتيمم عن غسل القدمين، وكذلك يفعل مع أي مستور بشيء نجس، وضعه ضرورة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية من الضرر، وفيه عدم المسح على نجس.
(^١٠) مسألة: في الثاني - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون مُباح اللبس: فلا يُمسح على خف محرم كأن يكون مسروقًا أو مغصوبًا، أو مصنوعًا من =
[ ١ / ١٤٧ ]
للمفروض) ولو بشدِّه، أو شرجه كالزربول الذي له ساق وعُرى يدخل بعضها في بعض، فلا يُمسح ما لا يستر محلَّ الفرض؛ لِقِصَره أو سعته (^١١)، أو صفائه (^١٢)،
حرير أو ذهب أو فضة لرجل؛ للقياس، بيانه: كما أن المسافر سفر معصية لا يُباح له الترخُّص بالإفطار وقصر الصلاة فكذلك لا يُباح له المسح على خف محرم، والجامع: أن الرخصة لا تُستباح بالمعصية في كل، فلو أبيحت الرخصة بها: لكان ذلك إعانة له على تلك المعصية، وإقرارًا له على المنكر، وهذا لا يرد به الشرع، وهذا هو المقصد من هذا الشرط.
(^١١) مسألة: في الثالث - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون ساترًا للمحلِّ المفروض غسله: بأن يكون قد غطى جميع الرِّجل ومعها الكعبان، ولو حصلت تلك التغطية بالشَّدِّ وربط بعض الخف ببعضه الآخر بخيوط - كما هو معروف الآن - فيجوز المسح عليه، لكن لا يجوز المسح على خف لا يستر كل الرِّجل بسبب قِصَره وصِغَره، أو بسبب سعته بحيث تخرج بعض الرِّجل عند المشي على الخف؛ للتلازم؛ حيث إن المقصد من مشروعية المسح هو: دفع مشقة النَّزع، والخف الذي توجد فيه هذه المشقة هو: الساتر لجميع المفروض غسله فيلزم اشتراطه، لكون القصير أو الواسع لا مشقة في نزعه.
(^١٢) مسألة: يُباح المسح على خف أو جورب رقيق شفاف ترى العين الرِّجل من خلاله بشرط: عدم وصول الماء إليها؛ للتلازم؛ حيث إن عدم وصول الماء إلى الرِّجل - وهذا هو المقصد من ستر المفروض غسله -: يلزم منه إباحة المسح على خف شفاف يصف البشرة؛ لحصول ذلك الشرط، وعدم تأذي الرجل بذلك الماء، وهذا المقصد من إباحة ذلك، فإن قلتَ: لا يباح المسح على ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الشرط - وهو: ستر المفروض غسله - عدم إباحة المسح عليه، قلتُ: ليس المقصود بالستر للمفروض هنا هو: =
[ ١ / ١٤٨ ]
أو خرق فيه وإن صَغُر حتى موضع الخرز (^١٣)، فإن انضم، ولم يبد منه
عدم رؤية الرِّجل بالعين، وإنما المقصود به: عدم وصول شيء من الماء الممسوح به إلى الرِّجل - كما سبق - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في تفسير "الستر" ما هو؟ " فعندنا: الساتر: ما يمنع وصول الماء، وعندهم: الساتر ما يمنع وصول الماء، ويمنع رؤية الرِّجل معًا.
(^١٣) مسألة: لا يجوز المسح على خف مخروق ترى الرِّجل من خلال هذا الخرق، سواء كان هذا الخرق كبيرًا، أو صغيرًا وسواء كان هذا الخرق من موضع الخرز والخياطة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن الخف المخروق خرقًا كبيرًا لا يجوز المسح عليه اتفاقًا، فكذلك لا يجوز المسح على الخف المخروق خرقًا صغيرًا والجامع: أن كلًّا منهما لا يمنع الماء الممسوح به من الوصول إلى الرِّجل، واحتمال تضرر الرِّجل بهذا الماء؛ وفساد الخف، وظهور رائحة كريهة - وهذا هو المقصد من عدم الجواز هنا، فإن قلتَ: يُباح المسح على خف مخروق خرقًا صغيرًا وهو قول بعض الشافعية وتبعهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة قد مسحوا على خفافهم، وكان يغلب عليها الخرق؛ نظرًا لفقرهم، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، ولم يبين عدم جوازه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدل ذلك على جوازه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المسح على خف مخروق فيه دفع مشقة وتيسير على الناس فجاز لذلك، قلتُ: أما السنة التقريرية فلا يصح الاستدلال بها هنا؛ لأن الفقر لا يدل على خرق خف الفقير؛ فقد يلبس الفقير أحسن الخفاف، ويلبس الغني ما دون ذلك، ثم لا نسلِّم أنه يغلب على خفافهم الخرق؟ بل العكس هو الصحيح؛ حيث يغلب على الظن سلامتها عند الصحابة؛ قياسًا على سلامة ثيابهم في الصلوات، والحكم للغالب، وعلى فرض أنه يوجد =
[ ١ / ١٤٩ ]
شيء: جاز المسح عليه (^١٤) (يثبت بنفسه) فإن لم يثبت إلا بشدِّه: لم يجز المسح عليه، وإن ثبت بنعلين: مسح إلى خلعهما ما دامت مدته، ولا يجوز المسح على ما يسقط (^١٥) (من خُفّ) بيان لطاهر، أي: يجوز المسح على خف يُمكن متابعة المشي
خرق في خفاف بعض الصحابة: فإنه يُحتمل أنه ﷺ لم يعلم بذلك؛ لأنه لا يُنظر إلى الخفاف التي على الأرجل عادة، ويُحتمل أنه خرق قد انضم بعضه إلى بعض بحيث لا ترى الرِّجل، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما المصلحة: فلا نسلمها؛ لأن أصل المسح ثبت رخصة؛ وفقًا لمشقة النزع، والمسح بدل عن غسل الرِّجل، فلا بدَّ أن يكون البدل يسدُّ مسدَّ المبدل تمامًا، فيلزم على ذلك: أن يستر جميع ما يجب غسله، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة التقريرية" فعندنا: يقدم القياس؛ لعدم تطرق الاحتمال إليه، بخلاف السنة التقريرية حيث تطرق إليها الاحتمال وتطرق الاحتمال يُضعف الدليل، وعندهم: تقدَّم السنة التقريرية؛ لقوتها عندهم.
(^١٤) مسألة: إذا كان الخرق الذي في الخف يسيرًا، وانضم بعضه إلى بعض بحيث غلب على الظن عدم وصول الماء إلى داخل الخف أثناء المسح: فيجوز المسح عليه؛ للتلازم؛ حيث إن ستر المحل المفروض غسله قد وجد - وهو: شرط المسح كما سبق في مسألة (١١) - فيلزم: جواز المسح نظرًا لتوفر شرطه.
(^١٥) مسألة: في الرابع والأخير - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون ثابتًا بنفسه عند متابعة المشي عليه بدون مشقة، سواء كان ثابتًا بشيء كنعل أو لا، فلا يُمسح على خف يسقط عند المشي أو الذي يحتاج إلى شدّ من حين إلى آخر؛ للمصلحة؛ حيث إن الذي لا يثبت بنفسه يشق المشي عليه، ويسهل خلعه وهذا لا تدعو الحاجة إلى لبسه، فلا تتعلق به رخصة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط، تنبيه: الأشياء التي يُمسح عليها: ستة، سيأتي بيانها فيما يلي من المسائل:
[ ١ / ١٥٠ ]
فيه عرفًا، قال الإمام أحمد: "ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ " (^١٦) (وجورب صفيق) وهو: ما يُلبس في الرِّجل على هيئة الخف من غير الجلد؛ لأنه ﷺ "مسح على الجوربين والنعلين" رواه أحمد وغيره، وصححه الترمذي (^١٧) (ونحوهما) أي: نحو الخف والجورب كالجرموق، ويسمى "الموق"،
(^١٦) مسألة: في الأول - مما يُمسح عليه - وهو: الخف، وهو: كل ما يستر الرِّجل إلى ما فوق الكعبين من جلد - وهو الأغلب - أو خشب أو حديد أو زجاج أو نحو ذلك مما توفرت شروط أربعة - كما سبق في مسائل (٨، ١٠، ١١، و١٥) -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على خف مصنوع من جلد، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز المسح على خف من جلد، فكذلك يُمسح على ما يُصنع من غيره، والجامع: مشقة النزع عند كل وضوء في الجميع، فإن قلتَ: لِمَ جاز المسح على ما صُنع من جلد، وما صنع من غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ لأن بعض البلاد قد لا يصلح فيها الخف المصنوع من جلد، وبعض العباد قد لا يستطيع الحصول عليه.
(^١٧) مسألة: في الثاني - مما يُمسح عليه - وهو: الجورب، وهو: كل ما يستر الرِّجل إلى ما فوق الكعبين على صفة الخف من غير جلد كالصوف ونحوه - ويُسمى عندنا بـ "الشراب" - فهذا يُمسح عليه بشرط: كونه صفيقًا لاصقًا ببشرة الرِّجل؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على الجوربين، والنعلين الملبوسين على الجوربين، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يُمسح على الخف، فكذلك يُمسح على الجورب والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد الشرعي، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد مسحوا على الجورب كعلي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط كونه صفيقًا مع أن هذا بمعنى اشتراط "ثبوته بنفسه"؟ السابق ذكره في مسألة (١٥)؟ قلتُ: إنه كرَّر =
[ ١ / ١٥١ ]
وهو: خف قصير، فيصح المسح عليه؛ "لفعله ﷺ" رواه أحمد وغيره (^١٨) (و) يصح المسح أيضًا (على عمامة) مباحة (لرجل) لا لامرأة؛ لأنه ﷺ "مسح على الخفين والعمامة" قال الترمذي: "حسن صحيح" هذا إذا كانت (محنَّكة) وهي: التي يدار منها تحت الحنك كَوْر - بفتح الكاف - فأكثر (أو ذات ذُؤابة) - بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة - وهي: طرف العمامة المرخى، فلا يصح المسح على العمامة الصَّمَّاء، ويُشترط أيضًا: أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فيُعفى عنه؛ لمشقة التحرُّز منه، بخلاف الخف، ويستحب مسحه معها (^١٩)
ذكر ذلك للتأكيد؛ والاهتمام به؛ لأن الغالب في الجورب: الخفة وعدم ثبوته بنفسه وظهور الرِّجل أثناء المشي فيه.
(^١٨) مسألة: في الثالث - مما يُمسح عليه - وهو: الجرموق، أو الموق، وهو: شيء يُشبه الخف ولكنه أوسع منه، يُلبس عادة فوق الخف - كما في "اللسان" (١٠/ ٣٥٠) -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح عليه - كما رواه ابن عمر - الثانية: القياس، بيانه: كما يُمسح على الخف فكذلك يُمسح على الجرموق والجامع: مشقة النزع في كل وهذا هو المقصد منه.
(^١٩) مسألة: في الرابع - مما يُمسح عليه - وهو: العمامة التي على رأس الرجل، فهذه يُمسح عليها بشرطين: أولهما: أن تكون محنَّكة - وهي التي يُدار منها شيء تحت الحنك والذقن - أو أن تكون ذات ذؤابة - وهي وجود طرف مُرْخَى منها في الخلف - فلا يصح - على هذا - المسح على عمامة خلت من أحد هذين وهي العمامة الصماء، ثانيهما: أن تكون هذه العمامة ساترة لجميع الرأس الذي جرت العادة بمسحه، أما ما جرت العادة بكشفه عند العرب كالأذنين، وجوانب الرأس، أو مقدمه: فلا يُشترط ستره بالعمامة، لكن، =
[ ١ / ١٥٢ ]
(و) على (خُمُر نساء مُدارة تحت حلوقهن)؛ لمشقة نزعها كالعمامة (^٢٠)، بخلاف
يستحب أن يمسح هذا المكشوف مع مسحه للعمامة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على عمامته وناصيته، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر وأنس قد مسحوا على العمامة، الثالثة: القياس، بيانه: كما يجوز المسح على الخف فكذلك يجوز المسح على العمامة بالشرطين السابقين، والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد من ذلك، فإن قلتَ: لِمَ خصص المسح على العمامة للرجل فقط؟ قلتُ: لتحريم لبس العمامة على المرأة؛ لأن في ذلك تشبُّه بالرجال فيدخل في عموم قوله ﷺ: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" واللعن: عقاب، والعقاب لا يكون إلا على فعل محرم، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط في المسح عليها هذا الشرطان؟ قلتُ: لأنهما إذا توفرا فيها: أشبهت الخف في مشقة النزع، فتعلقت بها رخصة المسح، فإن قلتَ: لِمَ عُفي عن كشف الأذنين ومقدم الرأس وجوانبه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تغطية ذلك يشق ويصعب التحرر منه، نظرًا لكثرة العمل وتعرض ذلك للهواء، فدفعًا لذلك عُفي عن كشفه؛ بخلاف الخف فلا يعفى عن كشف شيء من الرِّجل؛ لعدم صعوبة ستره، فإن قلتَ: لِمَ استُحب مسح ما ظهر مع العمامة؟ قلتُ: للاحتياط للدِّين، ولإزالة ما علق عليه من غبار.
(^٢٠) مسألة: في الخامس - مما يُمسح عليه - وهو: خمار المرأة، وهو: ما تغطي به المرأة رأسها وتستره به - كما في "المصباح" (١٨١) - فهذا يمسح عليه بشرط: أن يكون قد أُدير على حلقها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما جاز المسح على الخف والعمامة المحنكة، فكذلك يجوز المسح على الخمار المدارة على حلق المرأة، والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد من مشروعية ذلك، =
[ ١ / ١٥٣ ]
وقاية الرأس (^٢١)، وإنما يمسح جميع ما تقدم (في حدث أصغر) لا في حدث أكبر، بل يُغسل ما تحتها (^٢٢) (و) يمسح على (جبيرة) مشدودة على كسر أو جرح
الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أمَّ سلمة قد مسحت على خمارها، تنبيه: كثير من العلماء قد خالف في المسح على العمامة والخمار، وسبب الخلاف هنا: "الاختلاف في صحة الأحاديث المثبتة للمسح على العمامة والخمار" فعندنا: صحيحة، وعندهم: لم تصح، وكذا: "وجود مشقة النزع كما وُجدت في الخف" فعندنا: موجودة، وعندهم: لا.
(^٢١) مسألة: لا يُمسح على كل شيء جُعل وقاية للرأس من حر أو برد كالطاقية، أو الغترة أو الشماغ أو نحو ذلك - مما لم نذكره فيما سبق -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مشقة النزع لهذه الأشياء - كالطاقية وغيرها -: عدم جواز المسح عليها. [فرع]: يُشترط للمسح على الجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار التوقيت بمدة، وهو: يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ للقياس، بيانه: كما أن هذا التوقيت يُشترط للمسح على الخف - كما سبق في مسألة (٦) - فكذلك يُشترط هذا في المسح على الجورب، والجرموق، والعمامة والخمار، والجامع: دفع الضرر عن الماسح؛ حيث إن عدم المسح قد يضر بكثير من الناس لمشقة النزع، والمسح بدون توقيت قد يضر بالمفروض غسله - وهو ما تحت الملبوس - لكن اختلفت مدة المسافر عن مدة المقيم؛ نظرًا لاختلاف المشقة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط، وقد سبق ذلك في مسألة (٦).
(^٢٢) مسألة: المسح على خف وجورب وجرموق، وعمامة، وخمارٍ يجوز في الوضوء عن حَدَث أصغر كبول وغائط وريح، ولا يجوز المسح عليها في الاغتسال عن حَدَث أكبر: كجنابة وحيض ونفاس؛ للسنة القولية؛ حيث قال صفوان: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة =
[ ١ / ١٥٤ ]
ونحوهما (لم تتجاوز قدر الحاجة) وهو: موضع الجرح والكسر وما قرب منه، بحيث يحتاج إليه في شدِّها، فإن تعدَّى شدُّها محل الحاجة: نزعها، فإن خشي تلفًا أو ضررًا: تيمم لزائد (^٢٣) ودواء على البدن تضرر بقلعه كجبيرة في المسح
أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" حيث دل هذا على نفي النزع للخف إذا أراد الشخص أن يتوضأ من حَدَث أصغر، بل يمسح عليه - إذا كان في المدة -، ودل على إثبات النزع ووجوبه إذا أراد الشخص أن يغتسل من حَدَث أكبر كجنابة فيغسل ما تحتها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، والاغتسال من الحيض والنفاس مثل الجنابة؛ لعدم الفارق، ونزع الجورب والجرموق والعمامة والخمار كنزع الخف عند الاغتسال؛ لعدم الفارق والإقامة كالسفر في النزع وعدمه لحدث أكبر أو أصغر، لعدم الفارق، فيكون ما سبق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ لا يُنزع في الحدث الأصغر، بخلاف الحدث الأكبر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحدث الأصغر يتكرر كثيرًا في اليوم والليلة، فلو خلع لكل وضوء: للحق الناس ضيق ومشقة فدفعًا لذلك: شرع عدم النزع، بخلاف الحدث الأكبر فإنه قليل الوقوع خاصة في الأسفار فلا يشق النزع.
(^٢٣) مسألة: في السادس والأخير - مما يُمسح عليه - وهو: الجبيرة - وهي: العيدان أو الخرق أو القطن التي توضع على الكسر أو الجرح؛ ليلتئم، - فهذه يُمسح عليها بشرط: أن يكون الجبر على محل الجرح أو الكسر، بحيث لا يتجاوزه ولا يتعدَّاه، فإن احتاج إلى تجاوزه فإنه يفعل ذلك بقدر الحاجة ويمسح على الجميع، فإن زاد على ذلك وعلم هذا بعد أن فرغ من الجبر: فإنه يجب عليه نزع الزائد إن لم يخف ضررًا، فإن خافه فإنه يتركه ويتيمَّم له؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ - في صاحب الشجُّة -: "إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جُرحه خِرقة ثم يمسح عليها" وهذا في الحدث الأكبر والأصغر مثله، الثانية: المصلحة؛ حيث إن نزع العيدان التي على الكسر أو الجرح عند كل =
[ ١ / ١٥٥ ]
عليه (^٢٤) (ولو في) حدثٍ (أكبر)؛ لحديث صاحب الشُّجة: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضُد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود (^٢٥) والمسح عليها عزيمة (^٢٦) (إلى حلِّها) أي: يمسح على الجبيرة إلى حلِّها، أو
وضوء وغسل ما تحتها فيه مشقة عظيمة، بل قد يؤدي إلى الهلاك، وهو أشق بكثير من نزع الخف ونحوه، فدفعًا لذلك جاز المسح عليها، فإن قلتَ: لِمَ يتيمم؟ قلتُ: احتياطًا للبقعة التي لم تغسل.
(^٢٤) مسألة: إذا كان في بدن الشخص شيء كدُمَّل، أو شقٍّ أو نحوه وخشي إن مسَّه الماء يتضرر بتأخر الشفاء أو بألم أو نحو ذلك: فإنه لا يغسله بالماء، بل يمسح عليه، ويغسل باقي البدن، ويتيمم؛ للقياس، بيانه: كما أنه يمسح على الجبيرة فكذلك هنا، والجامع: دفع الضرر من الغسل في كل، وهو المقصد من هذا الحكم.
(^٢٥) مسألة: يُمسح على الجبيرة عند كل وضوء وكل غُسل؛ للسنة القولية؛ حيث إن صاحب الشجة الذي أصابته جنابة في سفر، سأل أصحابه، فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم مع وجود الماء فاغتسل، فمات، فلما علم النبي ﷺ بذلك، قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده" حيث دل منطوقه على جواز المسح على الجبيرة في الحدث الأكبر، ودل مفهوم الموافقة الأولى على جواز المسح على الجبيرة في الحدث الأصغر، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مفسدة وصول الماء إلى الجرح فيهلك كما هلك صاحب الشجة.
(^٢٦) مسألة: المسح على الجبيرة رخصة واجبة لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن أكل الميتة للمضطر رخصة واجبة؛ فكذلك المسح على الجبيرة مثله، والجامع: دفع الضرر الغالب على الظن في كل، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من =
[ ١ / ١٥٦ ]
برء ما تحتها وليس مؤقتًا كالمسح على الخفين ونحوهما؛ لأن مسحها للضرورة فيتقدَّر بقدرها (^٢٧) (إذا لبس ذلك) أي: ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة، والخمار، والجبيرة (بعد كمال الطهارة) بالماء ولو مسح فيها على حائل، أو تيمم لجرح، فلو غسل رِجْلًا ثم أدخلها الخف: خلع ثم لبس بعد غسل الأخرى، ولو نوي جُنب رفع حدثه، وغسل رجليه، وأدخلهما الخف، ثم تمم طهارته، أو مسح
كون المسح على الجبيرة حكم ثابت على خلاف الدليل؛ لعذر: أن يكون رخصة؛ لأن هذا هو حدُّ الرخصة، فإن قلتَ: كيف يكون رخصة مع أنه واجب؟ قلتُ: لأن حقيقة الرخصة قد وجدت في المسح على الجبيرة، والوجوب قدر زائد على الإباحة، ولا يدخل في مسمَّى الرخصة، ولكنه شيء يجوز أن يجامع الحل - كما قال ذلك ابن السبكي في "الأشباه والنظائر" (٦٥٠) - وقد بينته في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس" فإن قلتَ: إن المسح على الجبيرة عزيمة وهو قول المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الوجوب يجتمع مع الرخصة أو لا؟ " فعندنا: يجتمع، وعندهم: لا.
(^٢٧) مسألة: لا وقت محدد للمسح على الجبيرة، بل يمسح عليها من وقت وضعها إلى أن يبرأ الكسر أو الجرح وإزالة تلك العيدان سواء طال الوقت، أو قصر؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمضطر الأكل من الميتة ويستمر في ذلك حتى يجد الأكل المعتاد بدون تحديد مدة فكذلك الماسح على الجبيرة يمسح حتى يبرأ جرحه، والجامع: أن كلًا منهما رخصة واجبة ثبتت ضرورة، والضرورة تقدَّر بقدرها سواء طال الزمن أو قصر، وهذا هو المقصود من عدم تحديد وقت للمسح عليها، بخلاف المسح على غيرها من خف وغيره حيث شرع لدفع مشقة النزع فقط.
[ ١ / ١٥٧ ]
رأسه ثم لبس العمامة ثم غسل رجليه، أو تيمم ولبس الخف أو غيره: لم يمسح (^٢٨)
(^٢٨) مسألة: يُشترط في المسح على الأشياء الخمسة - وهي: الخف، والجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار -: أن تكون ملبوسة على طهارة كاملة: بأن يتوضأ أو يغتسل بالماء وضوءًا أو غسلًا كاملًا، فإذا فرغ: يلبس هذه الأشياء، فإذا أحدث بعد ذلك وأراد الوضوء يمسح، وبناء على ذلك: لو غسل رجلًا ثم أدخلها الخف، ثم غسل الرِّجل الأخرى فأدخلها الخف الآخر، أو أنه على جنابة، وأراد بالغُسل رفع الحدث الأكبر والأصغر، فبدأ برجليه فغسلهما وأدخلهما الخفين، ثم تمم طهارته بغسل سائر جسده، أو أنه لما غسل وجهه ويديه ومسح رأسه لبس العمامة، أو لبست المرأة الخمار، ثم غسلا رجليهما، أو أنه تيمم؛ لعدم وجود الماء، ثم لبس خفيه، ثم صلى، ثم وجد الماء: فإنه في هذه الحالات وغيرها مما شابهها لا يجوز له المسح إذا أحدث وتوضأ، بل لابد من خلع ما لبسه وغسل ما تحته؛ حيث إنه لبس الخف أو غيره في هذه الحالات قبل كمال الطهارة، أو لبس في حال عدم القدرة على الماء - في التيمم - فقدر بعد ذلك عليه؛ فيلزم عدم صحة المسح؛ لتخلُّف شرط المسح؛ للسنة القولية؛ حيث قال المغيرة: كنت مع النبي ﷺ، فلما فرغ من مسح رأسه أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فيلزم من هذا اللفظ: أنه أدخلهما في حال كون الرِّجلين طاهرتين معًا بالماء، وإدخال الخف في الرِّجل الأولى بعد غسلها وقبل غسل الأخرى، أو لبس العمامة قبل الرِّجلين: لا يُطلق عليه أنه لبس بعد كمال الطهارة، وغير الخف من الممسوحات كالخف في ذلك؛ لعدم الفارق، ومن تيمم ثم لبس، ثم وجد الماء بطل لبسه؛ لبطلان تيممه فلا يطلق عليه أنه لبس على طهارة، وهذا كله من باب "مفهوم الموافقة".
[ ١ / ١٥٨ ]
ولو جبيرة، فإن خاف نزعها تيمَّم (^٢٩)، ويمسح مَنْ به سلسُ بول أو نحوه إذا لبس بعد الطهارة؛ لأنها كاملة في حقِّه، فإن زال عذره: لزمه الخلع واستئناف الطهارة كالمتيمم يجد الماء (^٣٠) (وإن مسح في سفر ثم أقام): أتمَّ مسحُ مقيم إن بقي منه شيء،
(^٢٩) مسألة: يجوز المسح على الجبيرة ولو لُبست بدون طهارة وبدون تيمم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في حديث صاحب الشجة -: "ويمسح عليها" وهذا مطلق؛ حيث لم يُبين أنه على طهارة أو لا، ولم يوجد مقيِّدٌ له، فيعمل به على إطلاقه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الجبر إلى أن يتطهر صاحب الكسر أو الجرح يؤدي إلى الإضرار به، فدفعًا لذلك: شرع عدم اشتراط الطهارة هنا، فإن قلتَ: تُشترط الطهارة في المسح على الجبيرة؛ فإن خاف نزعها: تيمم عنها - كما ذكر المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما تُشترط الطهارة في المسح على الخف وغيره من الممسوحات فكذلك تشترط في الجبيرة والجامع: أن كلًا منها حائل دون غسل البشرة، قلتُ: نعم إن الأصل أن هذا يُشترط في الكل، ولكن الجبيرة خُصِّصت بمخصِّصين هما: السنة القولية، والمصلحة كما سبق ذكرهما، ثم إن قياسكم فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الكسر أو الجرح يأتي فجأة، وإذا أصابه الماء يتضرر هذا الكسر أو الجرح - كما يقوله الأطباء - بخلاف الخف وغيره من الممسوحات فلا يكون فيه ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض مطلق السنة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالمطلق ولا يقوى القياس على تقييده، وعندهم: القياس قد قيد مطلق السنة.
(^٣٠) مسألة: إذا أصيب الإنسان بنجاسة مستمر خروجها كمن به سلس بول، أو قروح سيَّالة، أو دوام ريح، أو امرأة تُستحاض: فإنه إذا تطهر طهارة كاملة، ولبس خفًا أو غيره من الممسوحات: يمسح عليها عند الوضوء، أما إذا زال عذره وشُفي: فلا يمسح ولو كان في مدة المسح، للقياس، بيانه: كما أن =
[ ١ / ١٥٩ ]
وإلا خلع (أو عكس) أي: مسح مقيمًا ثم سافر: لم يزد على مسح مقيم؛ تغليبًا لجانب الحضر (أو شكَّ في ابتدائه) أي: ابتداء المسح هل كان حضرًا أو سفرًا؟ (فمسح مقيم) أي: فيمسح تتمة يوم وليلة فقط؛ لأنه المتيقن (^٣١) (وإن أحدث) في
المتيمم، لفقد الماء يلبس الخف ويمسح عليه مدة المسح - السابقة الذكر - فإذا وجد الماء: بطل التيمم، ولا يمسح بعد ذلك ولو كان في مدة المسح فكذلك صاحب هذا العذر - وهو من به سلس بول مثلًا - يمسح المدة المحددة، فإذا زال عذره وشُفي: لا يمسح ولو كان في مدة المسح، والجامع: أن كلًا منهما لبس هذه الأشياء على طهارة كاملة في حقه، فصح المسح، فلما زال عذر كل واحد منهما: بطلت طهارتهما، فلا يمسح، وعليه نزع ما لبسه وغسل ما تحته.
(^٣١) مسألة: يمسح الشخص مسح مقيم - وهو يوم وليلة فقط في أربع حالات هي: الحالة الأولى: إذا كان موصوفًا بالإقامة بالحضر وهذا واضح، الحالة الثانية: إذا لبس مسافر خفه على طهارة، ثم أحدث، وقبل وصوله إلى بلده توضأ ومسح عليه، ثم وصل إليه: فإنه يُتم مسح مقيم - إن بقي من المدة وهي "يوم وليلة" - شيء، وإن لم يبق: خلع وغسل رجليه، الحالة الثالثة: إذا لبس مقيم خفه، ثم أحدث وتوضأ ثم مسح عليه، وصلى، ثم سافر: فإنه يتم مسح مقيم، الحالة الرابعة: إذا شك في ابتداء المسح: فلا يدري هل ابتدأ بالمسح على الخفين في حالة إقامته، أو في حال سفره؟: فإنه يتم مسح مقيم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل غسل القدمين، فإذا اشترك زمنان: زمن إقامة وزمن سفر في مسح: فإنا نقدم أقل المدة التي تُسرعُ بالعمل بالأصل - وهو: غسل القدمين -؛ تغليبًا لجانب الحظر على جانب الإباحة، فإن قلتَ: لِمَ يمسح مسح مقيم؟ قلتُ: للاحتياط في الدِّين، والأخذ باليقين، والابتعاد عما فيه شك واحتمال، فإن قلتَ: إنه في الحالة الثالثة يمسح مسح مسافر، وهو قول أكثر =
[ ١ / ١٦٠ ]
الحضر (ثم سافر قبل مسحه: فمسح مسافر)؛ لأنه ابتدأ المسح مسافرًا (^٣٢) (ولا يمسح قلانس): جمع قلنسوة، وهي المبطَّنات كدنيَّات القضاة، والنَّوميِّات، قال في "مجمع البحرين": "على هيئة ما تتخذه الصوفية الآن" (و) لا يمسح (لفافة) وهي: الخرقة تشدُّ على الرِّجل تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة؛ لعدم ثبوتها بنفسها (ولا) يمسح (ما يسقط من القدم أو) خفًا (يُرى منه بعضه) أي: بعض القدم، أو شيء من
الحنفية ورواية عن أحمد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن" فإذا مسح ثم سافر: فإنه يصدق عليه وصف السفر، فتكون عليه أحكام المسافر، قلتُ: إن هذا يحتمل أن المراد بالنص: المسافر الذي يسافر قبل مسحه الخف، ويحتمل غير ذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، والاستصحاب المذكور أحوط للدِّين فيُعمل به فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد بالمسافر الوارد في نص الحديث".
(^٣٢) مسألة: يمسح الشخص مسح مسافر - ثلاثة أيام بلياليها - في حالتين: الحالة الأولى: إذا لبس خفه وهو مسافر وانتهت مدته وهو موصوف بالسفر وهذا واضح، الحالة الثانية: إذا لبس خفه وهو مُقيم، ثم أحدث، ثم سافر قبل أن يتوضأ وقبل المسح: فإنه يتم مسح مسافر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن"، وهذا ابتدأ المسح الفعلي في حال السفر، فيكون موصوفًا بالسفر، فيلزم أن يكون له ما للمسافر من الرخص، ومنها المسح، فإن قلتَ: لم يمسح مسح مسافر أنه لبس وهو مقيم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة؛ حيث عومل معاملة من لبس في حال السفر، تنبيه: كل ما قيل في الخف فيما سبق من المسائل يقال في الجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار، ولا فرق.
[ ١ / ١٦١ ]
محل الفرض؛ لأن ما ظهر: فرضه الغَسْل، ولا يُجامع المسح (^٣٣) (فإن لبس خفًا على خف قبل الحَدَث) ولو مع خرق أحد الخفين: فالحكم للـ) خف الـ (فوقاني)؛
(^٣٣) مسألة: الأشياء التي لا يجوز المسح عليها هي: أولًا: القلنسوة، وهي التي تسمى بالعمامة الصماء، وهي قريبة من "الطاقية" عندنا، وهي التي توضع على الرأس، يلبسها من يتولى القضاء، وهي حمراء اللون كثيرًا، وبعضهم يلبسها عند النوم لذلك تسمى بالنوميات، ثانيًا: اللُّفافة، وهي: أن يلف الإنسان على رجله خرقة ويشدُّها عليها: سواء كان تحت هذه اللفافة نعل أو لا، ثالثًا: الخف الذي يسقط من القدم عند المشي عليه، رابعًا: الخف الذي يُرى منه بعض القدم، وهو: الخف المخروق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط التحنيك للعمامة، أو كونها ذات ذؤابة - كما سبق في مسألة (١٩) -: عدم جواز المسح على القلنسوة، ويلزم من اشتراط كون الخف يثبت بنفسه - كما سبق في مسألة (١٥): عدم جواز المسح على اللفافة، وعلى الخف غير الثابت، ويلزم من اشتراط كون الخف ساترًا للمحل المفروض غسله - كما سبق في مسألة (١١) -: عدم جواز المسح على خف يُرى منه بعض القدم، أو مخروق، وقد سبق بيانه في مسألة (١٣) - أيضًا -، فإن قلتَ: اللفافة يجوز المسح عليها، وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين، للقياس، بيانه: كما يجوز المسح على الخف فكذلك يجوز المسح على اللفافة، والجامع: مشقة النزع في كل، بل إن نزع اللفافة أشق من نزع الخف، فيكون قياسًا أولى، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن اللفافة لا ضابط لها: فقد يتساهل بعضهم فيها ويضع خرقة بالية على القدم، وقد يتشدد فيها بعض الناس، بخلاف الخف: فإن له ضابط معروف بأوصاف معتادة عند كل الناس، ومع هذا الفارق: فلا قياس. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في اللفافة هل تشبه الخف في الثبوت؟ " فعندنا: لا تشبهها، وعندهم: نعم.
[ ١ / ١٦٢ ]
لأنه ساتر، فأشبه المنفرد، وكذا: لو لبسه على لفافة، (^٣٤) وإن كانا مخرَّقين: لم يجز المسح ولو سترا، (^٣٥) وإن أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته: جاز، (^٣٦) وإن أحدث، ثم لبس الفوقاني قبل مسح التحتاني أو بعده: لم يمسح الفوقاني، بل
(^٣٤) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا، ثم لبس عليه خفًا آخر، أو تطهر ثم لبس لفافة، ثم لبس عليها خفًا وهذا قبل الحدث، ثم أحدث وأراد الوضوء: فإنه يمسح على الخف الفوقاني في الصورتين؛ للقياس، بيانه: كما جاز المسح على الخف المنفرد، فكذلك يجوز المسح على الخف الملبوس على خف آخر، أو على لفافة، والجامع: ثبوته بنفسه، وستر المحل، مشقة النزع، وهذا هو المقصد منه.
(^٣٥) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا مخروقًا، ثم لبس عليه خفًا آخر مخروقًا أيضًا قبل أن يُحدث، ثم أحدث وأراد الوضوء: فلا يجوز المسح على الفوقاني ولا التحتاني: سواء سترا المحل المفروض غسله أو لا؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز المسح على الخف المخروق المنفرد - كما سبق في مسألة (١٣) - فكذلك لا يجوز المسح على خف مخروق ملبوس على خف مخروق آخر، والجامع: عدم صلاحية الخف للمسح عليه في كل؛ نظرًا لخرقه، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز المسح هنا؟ قلتُ: لاحتمال وصول بعض الماء إلى القدم؛ نظرًا لاحتمال تطابق الخرقين فيكون - بذلك - جامعًا بين المسح والغسل، وهذا لا يجوز، وقد يؤدي إلى الإضرار بالقدم والخف.
(^٣٦) مسألة: إذا لبس خفًا على خف بعد كمال الطهارة، فلما أحدث وأراد الوضوء: لم يمسح على الفوقاني، بل أدخل يده فمسح على التحتاني: فإن هذا يجوز؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحد منهما يصح المسح عليه فيلزم منه: صحة المسح على التحتاني فقط.
[ ١ / ١٦٣ ]
ما تحته (^٣٧) ولو نزع الفوقاني بعد مسحه: لزم نزع ما تحته (^٣٨) (ويمسح) وجوبًا (أكثر العمامة) ويختصُّ ذلك بدوائرها (و) يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) والجرموق، والجورب، (^٣٩) وسُنَّ أن يمسح بأصابع يده (من أصابعه) أي: أصابع
(^٣٧) مسألة: إذا تطهر ثم لبس خفًا، ثم أحدث، ثم لبس خفًا آخر فوق الأول قبل أن يمسح على التحتاني في تطهر، أو أنه تطهر ثم لبس خفًا، ثم أحدث، ثم أراد الوضوء فمسح عليه، ثم صلى، ثم لبس خفًا آخر فوقه، ثم أحدث وأراد الوضوء: فإنه لا يجوز المسح على الفوقاني في الحالتين بل يخلعه ويمسح على التحتاني؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لبسه للفوقاني على غير طهارة: عدم صحة المسح عليه؛ لفقدانه شرط المسح وهو أن يلبس على طهارة كما سبق في مسألة (٢٨).
(^٣٨) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا، ثم لبس خفًا آخر فوقه، ثم أحدث، وأراد الوضوء فمسح على الفوقاني، ثم صلى، ثم بعد ذلك نزع الفوقاني: فلا يجوز المسح على التحتاني إذا أراد الوضوء، بل ينزعه، ويغسل القدم؛ للتلازم؛ حيث إنه قد ابتدأ بمسح الفوقاني، ثم أزاله بنزعه فيلزم منه: عدم جواز المسح على التحتاني؛ لكون محل المسح الأول قد زال، فلا يُكمَّل بالثاني؛ لئلا يقع تلفيق: يمسح على هذا مرة ويمسح على هذا مرة، وهذا هو المقصد منه.
(^٣٩) مسألة: يجب أن يمسح الرَّجل أكثر العمامة خاصة دوائرها وأكوارها، وتمسح المرأة أكثر خمارها، ويجب عليهما: أن يمسحان أكثر ظاهر الخف والجورب والجرموق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال المغيرة: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر خفيه" فيلزم من ذلك: أنه مسح أكثر ما ظهر من الخف، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجب مسح أكثر ما ظهر من الخف فكذلك يُمسح أكثر العمامة والخمار والجورب والجرموق، والجامع: أن كلًا منها ممسوح قد غطى به شيئًا مغسولًا فأجزأ مسح أكثر ظاهره؛ تيسيرًا وتسهيلًا على الناس، وهذا هو المقصد منه.
[ ١ / ١٦٤ ]
رجليه (إلى ساقه): يمسح رجله اليُمنى بيده اليُمنى، ورجله اليُسرى بيده اليُسرى، ويُفرِّج أصابعه إذا مسح، وكيف مسح: أجزأ، (^٤٠) ويكره غسله، وتكرار مسحه (^٤١) (دون أسفله) أي: أسفل الخف (وعَقِبهِ) فلا يُسنُّ مسحهما، ولا يجزيء لو اقتصر عليه (^٤٢) (و) يمسح وجوبًا (على جميع الجبيرة)؛ لما تقدم من حديث
(^٤٠) مسألة: طريقة المسح على الخف ونحوه المستحب: أن يُبلل ثلاثة من أصابع يده اليُمنى ويُلصقها بظاهر الخف الذي على الرِّجل اليمنى بادئًا مما يُحاذي أصابع هذه الرِّجل ومنتهيًا بأول ساقها، مُفرِّقًا تلك الأصابع، ويفعل بيده اليُسرى ويمسح بها الخف الذي على الرِّجل اليُسرى مثل ما سبق، وأي شيء يُسمَّى مسحًا: يجزيء - ولو لم يفعل ما سبق -؛ للسنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: "أنه ﷺ قد مسح ظاهر خفيه بيده" - كما قال المغيرة - ويلزم من لفظ "يده": أنه مسح بأصابعه؛ لأنها هي آلة المسح، ويلزم من كون أقل الجمع ثلاثة - كما قلتُ في كتابي: أقل الجمع عند الأصوليين -: أنه يكفي المسح بثلاثة أصابع، وهذا مطلق؛ حيث لم تتبيَّن الطريقة التي مسح بها ﷺ فيلزم من ذلك: إجزاء كل طريقة في المسح، ثانيهما: "أنه ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله" - كما قالت عائشة -، وهذا يشمل ما نحن فيه، فيُستحب التيامن هنا.
(^٤١) مسألة: يُكره أن يغسل ما عليه من خف ونحوه، ويُكره أن يُكرِّر مسحه عدة مرات، للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى وصول الماء إلى الرِّجل أو الرأس، وإلى تضرُّر الخف ونحوه من الممسوحات من كثرة الماء، فدفعًا لذلك: حكم بالكراهية هنا، وهو يُعتبر من إضاعة المال المنهي عنه.
(^٤٢) مسألة: إذا مسح على أسفل الخف ونحوه - وهو ما يطأ به الأرض - أو مسح على عقبه - وهو: مؤخر العرقوب مع ظاهر الخف: فلا بأس بذلك، لكن المستحب الاقتصار على ظاهر الخف، ولو اقتصر على مسح أسفل الخف =
[ ١ / ١٦٥ ]
صاحب الشجة (^٤٣) (ومتى ظهر بعض محل الفرض) ممن مسح (بعد الحدث) بخرق
أو عقبه دون ظاهره: فلا يُجزيء هذا المسح ولا يصح؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال المغيرة: "رأيتُ النبي ﷺ يمسح ظاهر الخفين" حيث دل مفهوم الصفة على عدم جواز المسح على أسفلهما وعقبهما فقط، لكن إن مسحهما مع ظاهر الخف: أجزأ ولكنه خلاف السنة، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب مسح أسفل الخف مع ظاهره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحتمل أن يكون في أسفله بعض النجاسات؛ فإذا مسحه: تنجست يده، فدفعًا لذلك شرع عدم الاستحباب، فإن قلتَ: يُستحب مسح أسفل الخف مع ظاهره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال المغيرة "فمسح رسول الله ﷺ على أعلى الخف وأسفله"، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر "قد مسح على أسفل الخف وأعلاه" قلتُ: أما خبر المغيرة: فهو ضعيف، ضعفه أبو زرعة وأحمد، وأما فعل الصحابي: ابن عمر: فهو اجتهاد منه، ولا يحتج به؛ لأنه معارض للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على ظاهر الخف فقط، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنتين الفعليتين" فعندنا: تقدم الأولى لقوتها، وضعف الأخرى، وعندهم: يُعمل بهما معًا؛ لأن الثانية أتت بزيادة من ثقة فتقبل، وكذا: "تعارض السنة الفعلية فعل الصحابي" فعندنا: يُعمل بالسنة، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لإتيانه بزيادة.
(^٤٣) مسألة: يجب أن يُمسح على جميع الجبيرة - ظاهرها وأسفلها وجوانبها - بشرط: عدم التضرُّر بذلك، فإن غلب على ظنه الضرر بذلك: فإنه يمسح ما يستطيعه منها، ويتيمم للباقي؛ للسنة القولية، حيثُ قال ﷺ في صاحب الشجة -: "ثم يمسح عليها" حيث يلزم من هذا اللفظ: أن يُعمِّم المسح على جميع أجزاء الجبيرة؛ لأن الضمير في قوله: "عليها" راجع إلى الجبيرة والتقدير: "ثم يمسح على الجبيرة -" و"الجبيرة" مفرد محلى بأل وهذا من صيغ العموم، =
[ ١ / ١٦٦ ]
الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو ظهر بعض الرأس وفحش، أو زالت جبيرة: استأنف الطهارة، فإن تطهر ولبس الخف ولم يُحدث: لم تبطل طهارته بخلعه، ولو كان توضأ تجديدًا ومسح (أو تمت مدته) أي: مدة المسح: (استأنف الطهارة) ولو في صلاة؛ لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا زال، أو انقضت مدته: بطلت الطهارة في الممسوح فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعَّض (^٤٤).
فيشمل جميع أجزائها، فإن قلتَ: لِمَ يُمسح عليها جميعًا، بخلاف الخف فيمسح على ظاهره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا ضرر في المسح عليها جميعًا؛ لعدم دخول الماء تحتها وعدم نجاستها، وعدم المشقة، أما الخف فتوجد مشقة في مسحه كله ويوجد احتمال نجاسة في أسفله، فاختلفا، ونظرًا لذلك اختلف الحكم، فإن قلتَ: لِمَ سقط تعميم مسح الجبيرة عند وجود الضرر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(^٤٤) مسألة: يُبطل المسح على ما سبق ويُبطل الطهارة أمران: أولهما: تمام مدة المسح، أي: إذا تطهر ثم لبس الخف، ثم تمت مدة المسح للمقيم أو المسافر أو خلع بعد الحدث وقبل انتهاء المدة، فإن الطهارة تبطل وإن كان قد توضأ ومسح، وعليه أن يقطع صلاته - إن كان في صلاة - ويُعيد الطهارة مع غسل القدمين بالماء، ثانيهما: ظهور بعض المحل المفروض غسله بعد الحدث، أي: إذا تطهر ثم لبس الخف، ثم أحدث، ثم توضأ ومسح، ثم ظهر من الرِّجل بعض أصابعه: فإن طهارته تبطل، ويجب عليه أن يخلع، ويتوضأ ويغسل رجليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﷺ: "ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر وللمقيم يوم وليلة" حيث إن مفهوم العدد يدل على بطلان المسح حين انتهاء هذه المدَّة، وهذا يلزم منه بطلان الطهارة في الممسوح، فيرجع الأمر إلى الغسل؛ =
[ ١ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذ لو لم تبطل الطهارة بانتهاء هذه المدة: لما كانت هناك فائدة في هذا التحديد بهذه المدة؛ ولا تبطل الطهارة في الرِّجلين فقط؛ لكون الطهارة لا تتبعَّض الثانية: القياس: بيانه: كما أنه لو أدخل قدمه في الخف فأحدث قبل استقرار هذه الخف: فإنه لا يجوز المسح عليه، فكذلك إذا ظهر بعض المحل المفروض غسله بعد الحدث لا يجوز المسح على الخف فيه، والجامع: عدم الاستقرار في كل، ومعروف: أن استقرار وثبوت الممسوح عليه شرط للمسح، فإن قلتَ: لِمَ بطلت الطهارة في الأمر الأول؟ قلتُ: نظرًا لسراية الحدث السابق إلى الرِّجلين فلما بطلت الطهارة في عضو: بطلت في سائر الأعضاء؛ لأن الطهارة لا تتبعض، ولاشتراط الموالاة في الوضوء؛ لكون الوضوء عبادة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ بطلت الطهارة في الأمر الثاني؟ قلتُ: لأن حكم ما ظهر من الرِّجل: الغسْل، وحكم ما استتر بالخف: المسح، فإذا اجتمع ظهور بعض البشرة، وخفاء بعضها الآخر: غُلِّب حكم الغسل؛ لأنه هو الأصل، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل، ولحصول مفسدة دخول بعض الماء إلى داخل الخف، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد الأمر الثاني بالمسح بعد الحدث؟ قلتُ: لأنه إذا تطهر، ثم لبس الخف، ثم خلع ذلك قبل الحدث، أو أنه لم يُحدث ولكنه توضأ مسنونًا - كتجديد الوضوء -: فلا تبطل طهارته؛ للاستصحاب، حيث إن الطهارة السابقة باقية على ما هي عليه؛ إذ لم يوجد حَدَث بعدها، فنستصحبها ونعمل بها، فإن قلتَ: إن هذين الأمرين لا يُبطلان الطهارة، وإنما يُبطلان المسح، فيُصلي بذلك حتى يُحدث، =
[ ١ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قول الحسن البصري وسليمان بن حرب، وابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن المسلم قد تطهر ومسح قبل الخلع أو انقضاء المدة، أو ظهور بعض محل الفرض، والطهارة لا تبطل إلا بالحَدَث، وهذه الأمور - وهي: تمام مدة المسح، والخلع بعد الحدث وقبل تمام المدة، وظهور بعض المحل المفروض غسله - ليست بأحداث ولا من نواقض الطهارة، فتبقى الطهارة على ما هي عليه، فيُصلي بها حتى يُحدث، قلتُ: إن الاستصحاب غير صحيح؛ لوجود شيء يُغيِّر الحالة؛ حيث إن الحدث السابق على آخر مسح هو: المبطل للطهارة حقيقة: حيث إنه أحدث ثم مسح - لأجل التطهر - وعفى الشارع عن هذا؛ رخصة، نظرًا لمشقة النزع عند كل وضوء في خلال تلك المدة، لكن لما وقع النزع، أو ظهر بعض محل الفرض، أو انتهت المدة: فإن تلك الرخصة لا يُعمل بها؛ نظرًا لزوال العذر الذي وُجدت تلك الرخصة من أجله، فيجب حينئذٍ أن يغسل الرِّجل؛ نظرًا لعودة الحَدَث السابق إليه - كما سبق بيانه -، وهذا مبطل للطهارة في هذا الممسوح، وإذا بطلت الطهارة في عضو واحد: بطلت الطهارة في سائر الأعضاء - كما سبق بيانه - تنبيه: ما قيل في الخف هنا يُقال في غيره من الممسوحات، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل بطلان الطهارة في عضو واحد يُبطل الطهارة في جميع الأعضاء أم لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا و"هل ورد ما يُغيِّر المستصحب أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
هذه آخر مسائل باب "المسح على الخفين" ويليه باب: "نواقض الوضوء"
[ ١ / ١٦٩ ]