وهو: من انقطع خبره: فلم تعلم له حياة ولا موت (من خفي خبره بأسر، أو سفر غالبه السلامة كتجارة) وسياحة: (انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد)؛ لأن الغالب: أنه لا يعيش أكثر من هذا، وإن فقد ابن تسعين: اجتهد الحاكم (وإن كان غالبه الهلاك كمن غرق في مركب، فسلم قوم دون قوم، أو فقد من بين أهله، أو في مفازة مهلكة) كدرب الحجاز (انتظر به تمام أربع سنين منذ تلف) أي: فقد؛ لأنها مدَّة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار فانقطاع خبره عن أهله يغلب على الظن هلاكه؛ إذ لو كان حيًا: لم ينقطع خبره إلى هذه الغاية (^١) (ثم يقسم ماله فيهما) أي: في مسألتي
باب ميراث المفقود
وفيه خمس مسائل:
(^١) مسألة المفقود - وهو: من غاب عن أهله وانقطع خبره، فلا يعلم أهو حي أم ميت؟ - لا يُقسم ماله، ولا تتزوج امرأته إلا بعد أن يعلم موته يقينًا، أو تمضي عليه مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش مثلها، يحكم بذلك القاضي المجتهد العدل: سواء كان يغلب على الظن سلامته وبقاؤه كسفره لتجارة، أو سياحة، أو طلب علم، أو كان يغلب على الظن هلاكه كمن فقد من بين أهله كأن يخرج إلى حاجة فلا يعود، أو فقد في أرض يكثر فيها الهلاك أو فقد ابن التسعين سنة وهذا قول الجمهور - على اختلاف بينهم في التعبير عنه -؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل حياته، وتقدير كون انتظاره، بأربع سنين، أو حتى بلوغه التسعين من ولادته، أو بلوغه السبعين، أو بلوغه مائة وعشرين - كما قال بعض العلماء - لا يصار إليه إلا بتوقيف من الشارع، ولا يوجد توقيف هنا، فنستصحب الأصل، حتى يحكم القاضي بوفاته على حسب دلالات ظهرت له؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اختلاف البلاد واختلاف غلبة الظن واختلاف =
[ ٤ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العصور، واختلاف الأشخاص: أن يجعل تقدير ذلك للقاضي المجتهد العارف لكيفية استعمال الدلالات والأمارات، والعلامات على موت شخص وهلاكه، أو سلامته، وهذا يختلف من شخص لشخص آخر، وعصر لعصر آخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ظروف الناس، وغيابهم، والعلم بذلك وعدمه، وسرعة الاتصالات تختلف باختلاف من زمن إلى زمن آخر فلو قُرِّرت مدَّة معينة في قديم الزمان، وعمم ذلك لحديثه - مع عدم وجود نص في ذلك -: فإن هذا يُعتبر ظلمًا للناس مع اختلافهم، قياسًا على النفقة: فإنها تختلف باختلاف كل عصر، فإن قلتَ: إنه ينتظر إلى تمام تسعين سنة من يوم ولادته إن غلب على الظن سلامته، ويُنتظر أربع سنوات منذ فقد إن غلب على الظن هلاكه، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رواية عن أحمد؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الغالب أن الشخص لا يعيش أكثر من تسعين سنة فيلزم تحديد انتظاره بهذه المدة إن غلب الظن سلامته، ويلزم من تكرار تردد المسافرين للتجارة كل أربع سنوات: أن تجعل هذه المدة نهاية انتظار من يغلب على الظن هلاكه، إذ الحي لا ينقطع خبره في العادة إلى أكثر من ذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل" ووافقه على ذلك عثمان، وابن عباس، وابن عمر، ثم يُقسم ماله بعد ذلك. قلتُ: أما التلازم: فهو بعيد؛ إذ لا يلزم من كون الشخص لا يعيش أكثر من تسعين سنة: تحديد انتظاره بها؛ لكون ذلك يُعتبر ظلمًا لزوجته، وورثته؛ إذ لو فقد شخص عمره ثلاثون: للزم على قولكم أن ينتظر ستين سنة وهذا لا يمكن؛ لأن الغالب أن يموت ورثته وزوجته في هذه المدة، ويفسد ماله، وهذه مفسدة لا يقرها الإسلام، أما قول الصحابي: عمر ومن وافقه: فهو اجتهاد منهم ثبت بعد دلالات وأمارات تصلح لوقتهم، لكنها لا =
[ ٤ / ١٨٩ ]
غلبة السلامة بعد التسعين، وغلبة الهلاك بعد الأربع سنين، فإن رجع بعد قسم ماله: أخذ ما وجد، ورجع على من أتلف شيئًا به (^٢) (فإن مات مُورِّثه في مدة التربُّض) السابقة: (أخذ كل وارث إذًا) أي: حين الموت (اليقين) وهو: ما لا يمكن أن ينقص
تصلح لأي وقت؛ إذ لو كان لازمًا للزم أن الصحابة لو قرروا - باجتهادهم - أن نفقة عائلة مكوّنة من زوجة وثلاثة بنين مائة درهم في الشهر: أن يعمم هذا على جميع العصور، وهذا لم يقله أحد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تغير الأحكام بتغير الأزمان والأحوال".
(^٢) مسألة: إذا حكم القاضي المجتهد العدل بموت ذلك المفقود بناء على أمارات، وعلامات، ودلائل تثبت ذلك: فإنه يُعتبر ميتًا من تاريخ حكم القاضي بذلك، فيرثه ورثته من حين الحكم عليه بالموت، دون من مات من الورثة قبل الحكم عليه بذلك، فإن ظهر المفقود، ورجع بعد ما قسم ماله وتركته بين ورثته: فإنه يأخذ ما بقي في أيديهم من ماله بعينه، وأما أتلف: فإنه يأخذ مثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل: فيأخذ قيمته منهم؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من حكم القاضي المجتهد العدل بموت ذلك المفقود: أن يرثه ورثته؛ لكون التركة من حقهم بعد موته، ويلزم من عدم ثبوت موته وخطأ القاضي في حكمه بسبب رجوعه: إرجاع ما أخذه ورثته إليه؛ لكونه ماله ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال غيره إلا بطيب نفس منه.
تنبيه: قوله: "في مسألتي غلبة السلامة بعد التسعين، وغلبة الهلاك بعد الأربع سنين … " هذا مبني على مذهب بعض الحنابلة والمصنف منهم، وقد بيّنا ضعفه، فإن قلتَ: إن المفقود إذا رجع يأخذ ما بأيدي الورثة فقط، أما ما تصرَّفوا فيه: فلا يأخذ بدله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهم أخذوه بحكم القاضي: أنه ملكهم قلتُ: إنه بان خطأ القاضي في حكمه، وهذا لا يُحلُّ لهم ما أخذه مع وجود مالكه الحقيقي.
[ ٤ / ١٩٠ ]
عنه مع حياة المفقود أو موته (ووقف ما بقي) حتى يتبيَّن أمر المفقود، فأعمل مسألة حياته، ومسألة موته، وحصَّل أقل عدد ينقسم على كل منهما، فيأخذ وارث منهما - لا ساقط في إحداهما - اليقين (فإن قدم) المفقود: (أخذ نصيبه) الذي وقف له (^٣) (وإن
(^٣) مسألة: إذا مات شخص يرثه ذلك المفقود: فلذلك حالات: الحالة الأولى: إن كان ذلك المفقود هو الوارث الوحيد لذلك الشخص الميت، أو أنه يحجب من معه من الورثة حجب حرمان: فلا تقسم التركة، بل توقف كلها حتى يتبين أمر ذلك المفقود، للتلازم؛ حيث يلزم من كونه الوارث الوحيد: وقف التركة كلها، دون أن يُلحق بأحد ضرر، الحالة الثانية: إن كان ذلك المفقود معه ورثة لذلك الشخص الميت، وأنصباء هؤلاء الورثة لا تختلف باختلاف حياته أو موته: فإنه يُعطى كل وارث نصيبه، ويُحجز للمفقود نصيبه، فإن ظهر حيًا أخذه كاملًا، وإن ثبت موته، أو حكم به: فإن المحجوز يرد على بقية الورثة بنسب إرثهم منه؛ مثاله: مات ميت عن: "ابن، وبنت، وابن آخر مفقود" فيقسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقسم على خمسة: ويأخذ الابن الموجود خُمُسَين، وتأخذ البنت خمسًا، ويوقف الباقي - وهو خمسان - للابن المفقود، فإن جاء أخذه، وإلا قسم على أخيه وأخته للذكر مثل حظ الأنثيين؛ للمصلحة: حيث إن نصيب المفقود واضح، ولا يختلف إرث الموجودين بحياته أو موته فمن المناسب: إعطاء كل ذي حق حقه لينتفع به. الحالة الثالثة: إن كان ذلك المفقود ورثة لذلك الشخص الميت، وأنصباء هؤلاء الورثة تختلف باختلاف حياته أو موته: فإنه يُعطى كل واحد من هؤلاء الورثة أقلّ النصيبين - وهو: ما تيقّن أنه سيأخذه سواء كان المفقود حيًا، أو ميتًا -، ويوقف الباقي حتى يتبيَّن أمر ذلك المفقود أهو حي أو ميت؟ أو يحكم القاضي المجتهد العدل بموته، وبناء على ذلك: فإنك تقسم التركة تقسيمين في مسألتين: المسألة الأولى: تقسمها بناء على أن المفقود حي، والمسألة الثانية تقسمها على أنه ميت، ثم توازن بين أنصباء الورثة الذين يرثون معه =
[ ٤ / ١٩١ ]
لم يأت) أي: ولم تعلم حياته حين موت مورِّثه: (فحكمه) أي: حكم ما وقف له (حكم ماله) الذي لم يخلفه مورِّثه: فيقضى منه دينه، ويُنفق على زوجته منه مدَّة تربصه؛ لأنه لا يحكم بموته إلّا عند انقضاء زمن انتظاره (^٤) (ولباقي الورثة أن
ويُعطون أقل النصيبين - كما قلنا -، فإن ظهر المفقود حيًا أخذ نصيبه الموقوف له، وأكمل للباقين أنصباءهم مثاله: مات ميت عن: "زوجة، وأم، وعم لأب، وأخ شقيق مفقود" فعلى فرض أن الأخ حي، تكون المسألة من اثني عشر للزوجة الربع - ثلاثة - وللأم الثلث - أربعة - وللأخ المفقود: الباقي - خمسة يأخذه إن ظهر حيًا ويسقط العم بالأخ المفقود، وعلى فرض أن الأخ ميت: فإن المسألة تكون من اثني عشر - وتقسم كالسابق إلا أن العم هنا يأخذ الباقي - وهو خمسة إذا ظهر أن الأخ ميت - مثال آخر: مات ميت عن "زوجة، وأم، وأخ، وابن مفقود" فعلى فرض أن المفقود حي تكون المسألة من أربعة وعشرين: للزوجة الثمن - ثلاثة - وللأم السدس - أربعة - والباقي للابن المفقود وهو سبعة عشر يأخذه إن ظهر حيًا، والأخ يسقط بالابن المفقود؛ وعلى فرض موت المفقود: تكون المسألة من اثني عشر: للزوجة الربع - ثلاثة - وللأم الثلث - أربعة -، وللأخ الباقي - خمسة، للقياس؛ بيانه: كما يعمل ذلك بالمحمول به فكذلك يعمل في المفقود، والجامع: أن كلًّا منهما مال لا يعلم الآن مستحقه.
الحالة الرابعة: إذا حكم القاضي - بدلالات وعلامات - بأن ذلك المفقود قد مات بعد موت مورِّثه: فإنه يكون مستحقًا لذلك النصيب الموقوف له، فيضم إلى سائر أمواله الأخرى، لتكون لورثته الموجودين وقت الحكم بوفاته، دون من مات قبل الحكم، وإن حكم بموت المفقود قبل موت مُورِّثه: فإن ذلك النصيب الموقوف له يُردُّ على ورثته الآخرين، ولا يستحق ورثة المفقود غير أمواله الأخرى، وهذا ثابت بالتلازم وهو واضح.
(^٤) مسألة: إذا وقف وحجز نصيب المفقود من التركة ولم يعلم عنه موت ولا حياة: =
[ ٤ / ١٩٢ ]
يصطلحوا على ما زاد عن حق المفقود، فيقتسمونه) على حسب ما يتفقون عليه؛ لأنه لا يخرج عنهم (^٥).
فإن هذا النصيب يكون ملكًا له، كماله الذي لم يرثه: وعلى هذا يُقضى منه دينه، ويُنفق منه على زوجته وأولاده طوال مدة انتظاره؛ للتلازم؛ حيث إن الحكم بموته يكون بعد انقضاء مدة انتظاره، فيلزم أن يكون المال أثناء تلك المدة ملكًا له، يُتصرَّف فيه كما شاء.
(^٥) مسألة: إذا أخذ بقية الورثة الموجودين الأقل من نصيبهم، ووقفوا الباقي للمفقود: فيحق لهم أن يصطلحوا على ما زاد من حق المفقود، فيقتسمونه فيما بينهم على حسب ما اتفقوا عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا الزائد لن يخرج عنهم إذا عاد المفقود: جواز الصلح عليه، وإباحة الصلح عليه لا تمنع وجوب وقفه، ووجوب وقفه لا يمنع الصلح عليه؛ لانفصال الطرفين.
هذه آخر مسائل باب: "ميراث المفقود" ويليه باب "ميراث الغرقى ومن خفي موتهم".
[ ٤ / ١٩٣ ]