أي: مفسداته، وهي: ثمانية: أحدها: الخارج من سبيل، وأشار إليه بقوله: (ينقض) الوضوء (ما خرج من سبيل) أي: مخرج بول أو غائط، ولو نادرًا أو طاهرًا كولد بلا دم، أو مقطرًا في إحليله، أو محتشى وابتل، لا الدائم كالسلس والاستحاضة فلا ينقض؛ للضرورة (^١) (و) الثاني: (الخارج من بقية البدن) سوى السبيل (إن كان
باب نواقض الوضوء
وفيه سبع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: في الأول - من نواقض الوضوء - وهو: الخارج من السبيلين المقدور على منعه: سواء كان عاديًا كالبول، والغائط، والريح، والمني، والوَدي، أو كان نادرًا، كخروج ريح من ذكر رجل، أو قُبُل أنثى، أو الدم، أو الحصى أو الشعر، يخرج من الدبر أو القبل وهو رطب، وسواء كان هذا الخارج نجسًا - كما سبق - أو طاهرًا: كأن تلد المرأة ولدًا دون خروج دم معه، أو يخرج منه دود أو شعر أو حصى ناشف، أو أدخل في إحليله - وهو: مجرى البول من ذكره - دهن ونحوه، ثم أخرجه، أو حشى دُبُره قطنًا وأدخله فيه، ثم أخرجه منه، سواء ابتل أو لا، كل ذلك ينقض الوضوء، أما إن لم يقدر على منع ما يخرج منه كمن به سلس بول، أو خروج ريح مستمر، أو استحاضة: فإن هذا ينقض الوضوء لكن عفي عنه؛ للضرورة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فأوجب الوضوء من خروج الغائط، حيث إن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فلو لم يكن هذا ناقضًا للوضوء: لما أوجب الوضوء منه، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قول صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ: إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن =
[ ١ / ١٧٠ ]
بولًا أو غائطًا قليلًا كان أو كثيرًا (أو) كان (كثيرًا نجسا غيرهما) أي: غير البول
من غائط أو بول أو نوم" فلو لم تكن هذه الأمور ناقضة للوضوء: لما أوجب الوضوء منها؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب - وقد سبق - ثانيها: قوله ﷺ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" فلو لم يكن الريح ينقض الوضوء: لما بطلت الصلاة بسببه، وهو مفهوم غاية، ودل عموم المفهوم هنا على: ما خرج من ذلك معتادًا أو غير معتاد، ثالثها: قوله ﷺ للمستحاضة -: "توضيء لكل صلاة" فلو لم تكن الاستحاضة ناقضة للوضوء لما أوجب الوضوء منه؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وسلس البول والريح المستمران مثل الاستحاضة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ الثالثة: قول الصحابي: حيث قال ابن عباس: "المني يوجب الغسل، والمذي والودي ففيهما إسباغ الوضوء"، الرابعة: القياس؛ بيانه: كما أن سائر الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، فكذلك خروج الشيء من السبيلين وإن كان طاهرًا، أو مبتلًا، أو أدخل شيئًا فيهما وأخرجه منهما، والجامع: أن كلًا منها خارج من طريق يغلب على الظن من وجود نجاسة فيه، الخامسة: المصلحة؛ حيث إن من لا يقدر منع ما خرج منه كسلس بول، أو ريح مستمر أو استحاضة لو كُلِّف بإعادة الوضوء والصلاة كلما خرج منه شيء أثناء الصلاة: للحقه حرج ومشقة وضيق فدفعًا لذلك: عُفي عما خرج منه أثناء صلاته، أو بعد تطهره ضرورة من باب "المشقة تجلب التيسير"، وهذه المصلحة مُخصِّصة لعموم الكتاب والسنة السابق ذكرهما، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من نواقض الوضوء؟ قلتُ: لمنافاة ما خرج من السبيلين للطهارة والنظافة؛ حيث إن هذا الخارج تستقذره النفوس السليمة، وما تستقذر تلك النفوس لا يمكن أن يتعبَّد الله وهي حالَّة فيه.
[ ١ / ١٧١ ]
والغائط كقيء ولو بحاله؛ لما روى الترمذي: "أنه ﷺ قاء فتوضأ"، والكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه، (^٢)، وإذا انسدَّ المخرج وانفتح غيره: لم يثبت له أحكام
(^٢) مسألة: في الثاني - من نواقض الوضوء - وهو: الخارج من بقية البدن - من غير السبيلين، وهذا له حالتان: الحالة الأولى: إن كان هذا الخارج بولًا أو غائطًا: فإنه ينتقض الوضوء سواء كان قليلًا أو كثيرًا، كأن توجد فتحة يخرج منها هذا، الحالة الثانية: إن كان هذا الخارج غير بول وغائط - كالدم، أو القيح، والصديد، أو الدود أو القيء - سواء تغيَّر أو خرج بصفة الطعام الذي أكله -: فإن هذا ينقض الوضوء بشرطين: أولهما: أن يكون كثيرًا - وهو ما فَحُش وعظم في نفس المتوسطين من الناس، دون المتشددين أو المتساهلين -، ثانيهما: أن يكون نجسًا، فلا ينقض البصاق، فإذا اجتمع هذان الشرطان في هذه الحالة: نقض الخارج الوضوء؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم" حيث بيّن هنا أن الغائط والبول ينقضان الوضوء، ويمسح على الخف عند الوضوء، وهذا عام، فيشمل من خرج بوله وغائطه من مخرجه المعتاد أو من غير المعتاد؛ لأن لفظ "بول وغائط ونوم" نكرة وقعت في سياق نفي، وهي من صيغ العموم؛ لأن تقدير الحديث: " … لا ننزع خفافنا من غائط وبول، بل يُمسح عليها عند نقض الوضوء والتطهر، بخلاف الجنابة فيجب أن ننزعها" الثانية: السنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ قاء فتوضأ" فعلَّة وضوئه هو: القيء؛ لذكره الحكم وهو مقرون بالفاء بعد ذكر القيء، وهذا مطلق، فلم يبين أن ما قاءه خرج بحاله، أو كان متغيرًا، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، فكذلك الخارج من بقية البدن ينقضه إذا كان على صفته من النجاسة والاستقذار، كالدم والقيء والصديد ونحوها والجامع: أن كلًا منها نجاسة =
[ ١ / ١٧٢ ]
المعتاد (^٣) (و) الثالث (زوال العقل) أي: تغطيته قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجَّم ولم يخرج منه شيء؛ إلحاقًا بالغالب (إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) غير مُحتبٍ، أو متكيء، أو مُستند، وعُلِم من كلامه: أن الجنون، والإغماء، والسكر ينقض كثيرها
تستقذره النفوس السليمة ولا يُتعبد بشيء هذه صفته، وهذا هو المقصد من هذا هذا الحكم، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الشرط الأول وهو كونه كثيرًا في الحالة الثانية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القليل مما ليس ببول أو غائط معفو عنه، كقليل الدم والصديد؛ لأنه لا يسلم منه أحد، فلو نقض هذا القليل الوضوء: للحق كثيرًا من الناس المشقة، فدفعًا لذلك عُفي عنه؛ لكونه نجاسة غير مغلَّظة، بخلاف البول والغائط فقليله ينقض الوضوء مثل كثيره؛ لأن نجاسته مغلَّظة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الشرط الثاني، وهو كونه نجسًا في الحالة الثانية؟ قلتُ: لأن الخارج من غير السبيلين قد يكون طاهرًا كالبُصاق والنخامة ونحوهما، تنبيه: عرَّف المصنف الكثير بأنه: "ما فحش في نفس كل أحد بحسبه" وهذا فيه نظر؛ لأن الناس يختلفون بالتشدُّد والتساهل، لذا يكون تعريفه الصحيح كما سبق في الحالة الثانية.
(^٣) مسألة: إذا انسدَّ المخرج الطبيعي المعتاد للبول والغائط وهما: القُبُل والدُّبر - وانفتح مخرج آخر في موضع من البدن: فلا تثبت لهذا المخرج المنفتح أحكام المخرج الطبيعي، وبناء على هذه القاعدة: فإنه لو خرج شيء نجس قليل - غير بول وغائط - من هذا المخرج المنفتح أو مسّه أحد: فلا ينقض الوضوء، وكذا: لو خرج بول أو غائط منه: فلا بدَّ من غسله، ولا يُجزيء فيه الاستجمار بالأحجار، وكذا: لو أولج فيه ذكر فلا يجب عليه الغسل إلا إذا أنزل؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأحكام الشرعية قد تعلَّقت وثبتت في المخرج المعتاد، وأما غيره: فلم تثبت فيه تلك الأحكام، فيبقى على النفي الأصلي.
[ ١ / ١٧٣ ]
ويسيرها، ذكره في "المبدع" إجماعًا، وينقض أيضًا: النوم من مضطجع وراكع وساجد مطلقًا كمحتبٍ ومُتكيء ومُستند، والكثير من قائم وقاعد؛ لحديث: "العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" رواه أحمد وغيره، و"السَّه" حلقة الدبر (^٤) (و) الرابع
(^٤) مسألة: في الثالث - من نواقض الوضوء - وهو: زوال العقل: بأن لم يُدرك الشخص ما يدور حوله من أحداث: سواء كان هذا بسبب نوم، أو سكر، أو جنون، أو إغماء، وسواء كان هذا النوم وقع في حالة قيام، أو قعود، أو اضطجاع، أو سجود، أو ركوع، أو كان متكئًا، أو مستندًا على شيء، أو محتب - وهو: الجلوس على الإليتين وضم ساقيه وركبتيه إلى صدره -، وسواء كان النوم والإغماء والسكر والجنون أخذ وقتًا طويلًا أو قصيرًا وسواء تلجَّم وسد المخرج أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم"، حيث ذكر هنا أن "النوم" ناقض للوضوء، ويمسح على الخف عند الوضوء، وهذا عام، فيشمل النوم القليل والكثير والنوم الواقع في جميع الحالات؛ لأن لفظ "نوم" نكرة في سياق نفي، وهي من صيغ العموم، لأن تقدير الحديث: "لا ننزع خفافنا من نوم"، ثانيهما: قوله ﷺ: "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" فأوجب الوضوء على كل من نام من غير تفريق بين الحالات التي نام عليها، وبين القليل والكثير منه؛ لأن "من" الشرطية من صيغ الوجوب، ولأن الأمر هنا مطلق، ويقتضي الوجوب، و"السَّه" اسم من أسماء الدُّبُر، فإذا كانت العين مفتوحة؛ لعدم النوم؛ فإنها ستمنع الدبر من أن يخرج منه شيء، وإن كانت قد انغلقت بسبب النوم: فإن الغالب أنه سيخرج من الدبر شيء، الثانية: القياس، بيانه: كما أن النوم مطلقًا ينقض الوضوء فكذلك السكر والإغماء والجنون تنقضه، والجامع: أن كلًا منها يغطي العقل ويُزيله عن إدراك ما يحدث =
[ ١ / ١٧٤ ]
(مسُّ ذكر) آدمي، تعمده أو لا (متَّصل) ولو أشل أو أقلف، أو من ميِّت، (^٥)
حوله، فإن قلتَ: لِمَ كان زوال العقل من نوم وغيره ناقضًا للوضوء؟ قلتُ: لأنه يغلب على الظن استرخاء البدن، وانفراج مخرج الحدث، وهذا يؤدي إلى خروج الحدث، فأقيم الذي زال عقله مقام الخارج منه الحدث فعلًا، وعومل معاملته؛ عملًا بالغالب على الناس، كما أقيم التقاء الختانين مقام المنزل للمني في وجوب الغسل؛ عملًا بالغالب فعومل معاملته في الحكم، فإن قلتَ: إن القائم أو القاعد إذا ناما نومًا قليلًا: فإن وضوءهما لا ينتقض، وهو قول كثير من العلماء وذكره المصنف هنا؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة ينتظرون صلاة العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يخرج عليهم النبي ﷺ فيصلي بهم، ولا يتوضئون، ولم يُنكر النبي ﷺ عليهم ذلك - كما رواه أنس - والنائم وهو قائم مثل النائم وهو قاعد؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، قلتُ: إنه يُحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بذلك، ويُحتمل أنه علم ولكن كانوا يعلمون ما يدور حولهم، فخفقان رؤوسهم لا يدل على نومهم، بل على استرخائهم فقط، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، ثم إن قلَّة النوم ليست دليلًا على عدم خروج شيء: فقد ينام شخص قليلًا ويستغرق فيه أكثر من استغراقه في نوم كثير؛ فإن قلتَ: إن القاعد والقائم يكون مخرج الحدث مجتمعًا عادة فيغلب على الظن عدم خروج شيء، قلتُ: إذا نام الشخص: فإنه يغلب على الظن خروج شيء من مخرج حدثه مطلقًا، دون تفريق؛ إذ النوم يُرخي جميع أعضاء البدن. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل السنة التقريرية تقوى على تخصيص القولية؟ " فعندنا لا تقوى التقريرية على تخصيص القولية لورود الاحتمال، وعندهم تقوى على تخصيصها.
(^٥) مسألة: في الرابع - من نواقض الوضوء - وهو: مسُّ ذكر آدمي متصل بكفِّه بشرط: أن يكون هذا المس بشهوة، فهذا ينقض الوضوء مطلقًا، أي: سواء =
[ ١ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعمد ذلك، أو كان ناسيًا أو ساهيًا أو غافلًا، وسواء مسَّ ذكره أو ذكر غيره، وسواء كان الممسوس حيًا أو ميتًا، وسواء كان الذكر أشلًا لا نفع فيه، أو فيه نفع، وسواء كان أقلفًا - وهو الذي لم يُختتن - أو لا، وسواء كان الممسوس ذكره صبيًا أو كبيرًا؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من مسَّ ذكره فليتوضأ" - كما روته بُسرة - حيث أوجب الوضوء من مس الذكر، لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام لجميع ما ذكر من الحالات، لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيلزم من وجوب الوضوء من مسَّه: أنه ناقض للوضوء، الثانية: القياس، بيانه: أن مسَّ المرأة ينقض الوضوء بشرط: أن يكون بشهوة، وهذا ما دلت عليه السنة الفعلية، حيث قالت عائشة: "إذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي" فلو كان المس بغير شهوة ناقضًا للوضوء: لبطلت صلاة النبي ﷺ، لبطلان الوضوء بسبب المس، فإذا كان الأمر كذلك في مس المرأة، فكذلك تشترط الشهوة في مس الذكر لأجل أن يكون هذا المس ناقضًا للوضوء، والجامع: إثارة الشهوة التي يغلب على الظن خروج حَدَث بسببها، وهذا هو المقصد من هذا الحكم، فإن قلتَ: إن مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث سأل رجل النبي عن مسَّ الرجل لذكره بعد وضوئه، فقال ﷺ: "وهل هو إلا بضعة منك" - كما رواه قيس بن طلق - وهذا من أقيسة النبي ﷺ: فكما أنك إذا مسست يدك لا ينتقض وضوؤك فكذلك إذا مسست ذكرك، قلتُ: إن حديث قيس هذا ضعيف كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، وعلى فرض صحته: فإنه منسوخ بحديث بسرة؛ لأن راوي حديث بسرة هو أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، وأما حديث قيس فقد رواه أبوه طلق وهو متقدم الإسلام، وهذا من طرق الناسخ والمنسوخ من النصوص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث قيس ضعيف ومنسوخ أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
[ ١ / ١٧٦ ]
لا الأنثيين ولا بائن، أو محله (^٦) (أو) مس (قُبُل) من امرأة - وهو: فرجها الذي بين أسكتيها؛ - لقوله ﷺ: "من مس ذكره: فليتوضأ" رواه مالك والشافعي وغيرهما، وصححه أحمد والترمذي، وفي لفظ "من مسَّ فرجه: فليتوضأ" صححه أحمد، ولا ينقض مسُّ شفريها، وهما حافتا فرجها (^٧) وينقض المس بيد بلا حائل، ولو كانت
(^٦) مسألة: لا ينقض الوضوء مسُّ الخصيتين، ولا مس الذكر البائن - وهو: المقطوع - أو مسُّ محل الذكر المقطوع مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من مسَّ ذكره فليتوضأ" حيث دل مفهوم الشرط على أن من مس غير الذكر: من خصيتين، أو ذكر مقطوع أو محله: فلا ينتقض وضوؤه، وإذا قطع ذكر شخص: فلا يُسمى أنه ذكر له، لكون الذكر هو المتصل بالشخص، فإن قلتَ: لِمَ لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأنه لا يغلب على الظن خروج حَدَث بمس ذلك.
(^٧) مسألة: إذا مسَّ رجل بكفه قُبُل امرأة - وهو محل الجماع - وما حوله من شفريها ونحو ذلك فإنه ينقض الوضوء إذا كان بشهوة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من مسَّ فرجه فليتوضأ" وهذا مطلق، وخصَّصه بالشهوة: القياس الذي ذكرناه في مسألة (٥)، والفرج: عام لكل ما ذكرناه هنا، فإن قلتَ: لِمَ ينقض الوضوء هذا؟ قلتُ: لما ذكرنا في مسألة (٥)، فإن قلتَ: إن مس الشفرين من المرأة لا ينقض الوضوء ولو كان بشهوة، - وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الفرج المذكور في الحديث يشمل الفرج وما حوله، أو خاص فيما ينفرج؟ " فعندنا: يشمله، وعندهم: لا، هو خاص فيما ينفرج فقط.
[ ١ / ١٧٧ ]
زائدة سواء كان (بظهر كفه أو بطنه) أو حرفه، من رؤوس الأصابع إلى الكوع؛ لعموم حديث: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر: فقد وجب عليه الوضوء" رواه أحمد، لكن لا ينقض مسُّه بالظفر (^٨) (و) ينقض (لمسهما) أي: لمس الذكر
(^٨) مسألة: المسُّ الناقض للوضوء - فيما سبق - هو: لمس ببشرة كفه - من الكوع إلى أطراف الأصابع - بشهوة وهو شامل لظاهر الكف وباطنه، وحرفه، وجوانبه، والأصلي منه والزائد، أما لو مس من وراء حائل، أو مس بذراعه، أو بأظفاره: فلا ينقض الوضوء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء" و"اليد" تطلق على جميع أجزاء الكف إلى أطراف الأصابع، دون الذراع، والأظفار، ودل بمفهوم الشرط على أن مس ذلك بالذراع، أو بالأصابع، أو من وراء حائل كثوب لا ينقض الوضوء، لأن المس بهذه الأمور لا يُسمى مسًَّا حقيقة وشرعًا؛ ولكون الظفر كالمنفصل من البدن، فإن قلتَ: لِمَ كان المس بالكف هو الذي ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأنه يُثير الشهوة غالبًا بهذا المس الذي يكون سببًا لخروج حَدَث في الغالب، من مني وودي، ومذي، فإن قلتَ: إن المس بباطن الكف هو الذي ينقض الوضوء فقط، وهو قول مالك والشافعي والليث؛ للتلازم؛ حيث إن آلة المس واللمس هي: باطن الكف، فيلزم من ذلك أن المس بغير الباطن منه لا ينقض الوضوء، قلتُ: لا فرق بين المس بباطن الكف أو بظاهره أو بشيء منه إذا كان بشهوة؛ لكون ذلك يثير شهوة تتسبَّب في خروج حَدَث من مني أو مذي أو ودي غالبًا، فإن قلتَ: لِمَ كان المس من وراء حائل أو بالذراع، أو بالظفر لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأن المس بهذه الأشياء لا يغلب على الظن خروج حَدَث بسببها، فلم تنقض؛ عملًا بالغالب. [فرع]: إذا مسَّت المرأة قبلها بيدها بشهوة، أو مست قبل امرأة أخرى بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤها؛ للقياس، بيانه: كما أن الرجل إذا مس ذكره، أو ذكر غيره بشهوة ينتقض =
[ ١ / ١٧٨ ]
والقُبُل معًا (من خنثى مشكل) لشهوة أولا؛ إذ أحدهما أصلي قطعًا (^٩) (و) ينقض أيضًا (لمس ذكَرٍ ذَكَره) أي: ذكر الخنثى المشكل؛ لشهوة؛ لأنه إن كان ذكرًا: فقد مسَّ ذكره، وإن كان امرأة: فقد لمسها لشهوة، فإن لم يمسه لشهوة، أو مسَّ قُبُله لم ينتقض (أو أنثى قُبُلَه) أي: وينقض لمس أنثى قُبُل الخنثى المشكل (لشهوة فيهما) أي: في هذه والتي قبلها؛ لأنه إن كان أنثى فقد مسَّت فرجها، وإن كان ذكرًا: فقد لمسته لشهوة، فإن كان المس لغيرها، أو مسَّت ذكره: لم ينتقض وضوؤها (^١٠) (و) الخامس
وضوؤه - كما سبق في مسألة (٥) - فكذلك المرأة مثله، والجامع: خروج حَدَث بسببه غالبًا، من مني أو ودي أو مذي فعومل معاملة الخارج منه الحدث، وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
(^٩) مسألة: الخنثى المشكل - وهو: من له ذكر رجل، وقُبُل امرأة - إذا لمس ذكره وقُبُله معًا بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤه، أما إذا لمس أحدهما فلا ينتقض؛ للتلازم؛ حيث يُقطع بأن أحدهما فرج أصلي، ويلزم من مس الفرج الأصلي: نقض الوضوء إذا كان بشهوة كما قلنا في مسألة (٥ و٨)؛ لأنه يغلب على الظن خروج حدث بسببه، أما إذا لمس الخنثى ذكره فقط، أو فرجه فقط: فلا ينتقض وضوؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الشك في كونه أصليًا أو زائدًا أن يبقى على طهوريته، لأن الشك لا يُعمل به، وهذا هو المقصد من الحكم، فإن قلتَ: إن مس الخنثى للذكر والقُبُل معًا ينقض الوضوء بشهوة أو بغير شهوة، وهو ما ذكره المصنف؛ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^١٠) مسألة: إذا مسَّ رجل ذكرَ الخنثى، أو مسَّ قبله، أو مست امرأة ذكر الخنثى أو مست قُبُلَه فإن وضوء الرجل والمرأة ينتقض بشرط: أن يكون هذا المس منهما بشهوة، أما إن كان بغير شهوة: فلا ينتقض وضوؤهما؛ للقياس، بيانه: كما أن الرجل إذا لمس ذكر رجل آخر أو لمس قُبُل امرأة لشهوة: ينتقض وضوؤه، وكما أن المرأة إذا لمست ذكر رجل، أو لمست قُبُل امرأة أخرى: ينتقض =
[ ١ / ١٧٩ ]
(مسَّه) أي: الذكر (امرأة بشهوة)؛ لأنها التي تدعو إلى الحدث و"الباء" للمصاحبة، والمرأة شاملة للأجنبية، وذات المحرم، والميتة، والكبيرة، والصغيرة المميزة، وسواء كان المس باليد أو غيرها، ولو بزائد لزائد، أو أشل (أو تمسُّه بها) أي: ينقض مسها للرجل بشهوة كعكسه السابق (١١) (و) ينقض (مسُّ حَلَقة دُبُر)؛ لأنه فرج سواء
وضوؤها فكذلك إذا لمس كل من هذا الرجل والمرأة ذكر وقبل الخنثى فإنه ينتقض وضوؤهما، لأن هذا الخنثى إن كان ذكرًا فقد مسَّ الرجل ذكر رجل آخر، وإن كان أنثى فقد لمسها بشهوة، وكذا يُقال في المرأة أي: إن كان الخنثى: أنثى: فقد مست المرأة فرج امرأة أخرى، وإن كان الخنثى رجلًا: فقد مسته لشهوة، والجامع في هذا كله: خروج حدث من مني أو مذي أو ودي في الغالب بسبب هذا المس المصاحب بالشهوة وهذا هو المقصد من هذا الحكم. (١١) مسألة: في الخامس - من نواقض الوضوء - وهو: مسَّ الرجل للمرأة، ومس المرأة للرجل فهذا ناقض الوضوء الماس بشرط: أن يكون ذلك بشهوة، وهذا مطلق في الماس، أي سواء كان الماس كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا ممن يطأ مثله، وسواء كانت الممسوسة كبيرة أو صغيرة، حرة أو أمة، أجنبية أو من محارمه، حية أو ميتة، عاقلة أو مجنونة ممن يوطأ مثلها، وسواء كان المس منهما وقع باليد أو بالرجل، بعضو أصلي، أو زائد أو أشل أو نحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث أوجب الشارع التطهر من ملامسة النساء؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وهو عام لكل لامس أو ملموس بأي آلة؛ لأن هذا يلزم من لفظ "لامستم"، ولأن "النساء" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي" حيث يلزم من لفظ "غمزني" أنه لمسها بيده وهو يصلي؛ لأن آلة الغمز هي "اليد" وهذا يدل =
[ ١ / ١٨٠ ]
كان منه أو من غيره (^١٢) (لا مسَّ شعر وسنَّ وظفر) منه، أو منها، ولا المس
بمفهوم الحال على أن المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان ينقضه: لبطلت صلاته ﷺ، نظرًا لبطلان وضوئه، وهذه السنة قد خصَّصت عموم الآية السابقة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤه، فكذلك المرأة إذا مست الرجل بشهوة ينتقض وضوؤها، والجامع: أن كلًا منهما قد وُجد منه مس مُصاحبًا بشهوة مُسبِّب لخروج حدث في الغالب، فإن قلتَ: لِمَ كان المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النساء المحارم والرجال المحارم يكثرون في المنازل، فلو كان مس أحدهما للآخر ناقضًا للوضوء ولو بغير شهوة: للحق أكثر الخلق حرج ومشقة، فدفعًا لذلك: شرع عدم النقض بمس بغير شهوة.
(^١٢) مسألة: إذا مس الشخص حلقة دُبُره وما حولها من الصفحتين أو الفخذين، أو مس حلقة دبر غيره وما حولها من ذكر أو أنثى: فإن وضوءه ينتقض بشرط: أن يكون هذا المس بشهوة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من مسَّ فرجه فليتوضأ" و"الفرج" يطلق على القُبُل والدُّبُر؛ نظرًا لانفراجهما، فأوجب الوضوء من مسِّه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فلو لم يكن مس الفرج ناقضًا للوضوء: لما أوجب الوضوء منه، وهذا من اللوازم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة - كما سبق في مسألة (٥) - فكذلك مسُّ الدُّبر وما حوله ينقض الوضوء إذا كان بشهوة، والجامع: وجود الشهوة التي تتسبب في خروج حدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وهذا القياس قد خصَّص السنة القولية السابقة، فإن قلتَ: إنَّ مس حلقة الدبر ينقض الوضوء ولو لم يكن هناك شهوة وهذا ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
[ ١ / ١٨١ ]
بها (^١٣) (و) لا مسُّ رجل لـ (أمرد) ولو بشهوة (^١٤) (ولا) المسُّ (مع حائل)؛ لأنه
(^١٣) مسألة: إذا مس رجل ببشرته شعر امرأة أو سِنَّها أو ظفرها، أو مسَّ بشعره، أو سنِّه، أو ظفره بشرة امرأة، أو مست امرأة ببشرتها شعر رجل، أو سِنِّه أو ظفره، أو مست امرأة بشعرها وسنها أو ظفرها بشرة رجل: فإنه لا ينتقض وضوء كل من الرجل والمرأة مطلقًا، أي: سواء كان بشهوة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس المنفصل من البدن لا ينقض الوضوء فكذلك مسُّ هذه الأشياء مثله، والجامع: عدم خروج حدث بسبب هذا المس في الغالب، وهذا هو المقصد منه.
(^١٤) مسألة: إذا مس رجل أمردًا - وهو: الشاب الذي اخضَّر شاربه ولم تنبت لحيته كما في "المصباح" (٢/ ٥٦٨) -: فإنه ينتقض وضوء ذلك الرجل إذا كان المس بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّه للأمرد مثلها والجامع: أن كلًا منهما مسٌّ صاحبته شهوة تسبَّب في خروج الحدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للأمرد لا ينقض الوضوء ولو كان بشهوة وهو الذي ذكره المصنف هنا للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة من ذلك على أن غير المرأة لا ينقض الوضوء: سواء كان شابًا أمردًا أو لا، وسواء كان هذا المس بشهوة أو لا، وهذا مستفاد من عموم هذا المفهوم، قلتُ: إن القياس الذي ذكرناه أقوى من هذا المفهوم؛ لأن القياس قطعي؛ لعدم الفارق بين الأمرد والمرأة في إثارة الشهوة، ويسميه بعضهم مفهوم موافقة مساوي، وهو مقدَّم على مفهوم المخالفة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم.
[ ١ / ١٨٢ ]
لم يمس البشرة (^١٥) (ولا) ينتقض وضوء (ملموس بدنه ولو وُجِد منه شهوة) ذكرًا كان أو أنثى، وكذا: لا ينتقض وضوء ملموس فرجه (^١٦) (وينقض غسل الميت)
(^١٥) مسألة: إذا مس رجل امرأة من وراء حائل كثوب ونحوه: فإن وضوء الرجل ينتقض إذا كان المسُّ بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بدون حائل بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّ الرجل للمرأة بشهوة من وراء حائل ينقضه والجامع: وجود الشهوة المسبِّبة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للمرأة من وراء حائل لا ينقض الوضوء: سواء كان بشهوة أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس ثياب المرأة وهي منفصلة عنها لا ينقض الوضوء، فكذلك مسها وهي لابسة لها مثل ذلك، والجامع: عدم مس بشرة المرأة الذي هو محل الشهوة عادة، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إن مس ثياب المرأة وهي موجودة داخلها يختلف عن مسها وهي ليست موجودة داخلها اختلافًا واضحًا؛ حيث إن مسها وهي لابسة لها يُحرك الشهوة غالبًا، أما مسها وهي منفصلة ولم تكن المرأة داخلها فلا يحرك الشهوة غالبًا، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بمس المرأة مباشرة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وألحقوه بالثياب المنفصلة، لأنه أكثر شبهًا بها عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس الشبه.
(^١٦) مسألة: إذا لمس رجل امرأة، أو لمست امرأة رجلًا: فإن الملموس بدنه أو فرجه ينتقض وضوؤه إذا أحسَّ بالشهوة؛ أما إذا لم يحس بها: فلا ينتقض؛ للقياس، بيانه: كما أن اللامس بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك الملموس مثله، والجامع: وجود الشهوة المسببة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه؛ سواء أحسَّ بالشهوة أو لا وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ =
[ ١ / ١٨٣ ]
مسلمًا كان أو كافرًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس: "أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء"، و"الغاسل" هو: من يُقلِّبه ويُباشره، ولو مرَّة، لا من يصب عليه الماء، ولا من يُؤمِّمه، وهذا هو السادس (^١٧)
لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة على أن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه مطلقًا؛ لعدم وصفه بأنه "لامس"، قلت: لا فرق بين اللامس والملموس إذا وُجدت الشهوة منهما؛ حيث إن خروج الحدث هي السبب فيه، سواء كان لامسًا، أو ملموسًا، وهذا يعرفه كل عاقل متدبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم.
(^١٧) مسألة: في السادس - من نواقض الوضوء - وهو: غسل الميت، فإذا غسله متطهر: فإنه ينتقض وضوؤه إذا مس بشرته، وصاحب ذلك شهوة؛ للقياس، بيانه كما أن من مسَّ حيًا بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك من مس ميتًا بشهوة مثله، والجامع: خروج حدث في الغالب في كل، بخلاف عدم المس كأن يصب الماء، أو يؤممه، أو كان المس بدون شهوة، فلا يلزم منه خروج شيء في الغالب فيبقى على الأصل، وهو متيقن طهوريته، فيُعمل على ذلك، وهذا ثابت من الاستصحاب، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك، فإن قلتَ: غسل الميت ينقض الوضوء: سواء شعر بشهوة أو لا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس "كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء" ولم يرد تقييده بشهوة أو بغير شهوة، قلتُ: يُحتمل أن يكون هذا الأمر منهما أمر إيجاب، ويُحتمل أن يكون أمر استحباب، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع قول الصحابي" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم قول الصحابي.
[ ١ / ١٨٤ ]
(و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي: الإبل، فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد، وشرب لبنها، ومرق لحمها، سواء كان نيئًا، أو مطبوخًا، قال أحمد: "فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة" (^١٨) (و) الثامن المشار
(^١٨) مسألة: أكل اللحم لا ينقض الوضوء، سواء كان لحم إبل، أو لا، وسواء كان مطبوخًا أو نيئًا، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال جابر بن عبد الله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" وفي رواية: "مما غيّرت النار" وهذا عام فيشمل جميع اللحوم - ومنها لحم الإبل -؛ لكونه مما يُطبخ؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن أكل لحم الخنزير لا ينقض الوضوء وهو حرام أكله، فإن أكل لحم غيره - ومنها الإبل - لا ينقض الوضوء من باب أولى، فيكون قياسًا أولى، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن الخلفاء الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وابن مسعود وأبي بن كعب، وابن عباس وكثيرين من الصحابة: أنه لا ينقض الوضوء شيء من اللحم، فإن قلتَ: لِمَ لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مأكول أكثر المسلمين من اللحم وخاصة لحم الإبل، لذلك سُميت "لحم الجزور" لكثرة ما يجزر فلو كان أكله ينقض الوضوء: للحق كثيرًا منهم الحرج والمشقة خاصة قلة المياه، ثم إن أكل لحم الإبل ليس فيه استقذار - كما سبق في نواقض الوضوء - فهو لا ينافي الطهارة والنزاهة، فإن قلتَ: إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "توضأوا من لحوم الإبل"؟ - كما رواه جابر بن سمرة وروى نحوه البراء، قلتُ: هذا الحديث منسوخ بحديث جابر بن عبد الله السابق؛ حيث صرح بلفظ النسخ الصريح وهو قوله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" ولا يمكن أن يصرح الصحابي العدل العارف بدلالات الألفاظ بذلك إلا إذا كان متيقنًا =
[ ١ / ١٨٥ ]
إليه بقوله: (كل ما أوجب غُسلًا) كإسلام، وانتقال مني ونحوهما: (أوجب وضوءًا إلا الموت) فيوجب الغسل دون الوضوء (^١٩) ولا نقض بغير ما مرَّ كالقذف،
من أن آخر ما سمعه من النبي ﷺ: ترك الوضوء من أكل جميع اللحوم، وهذا وإن كان عامًا إلا أنه بسبب تصريحه بطريق من طرق النسخ صار ناسخًا للخاص، وهو قريب من معرفة تاريخ ورود النصين، لكونه أشار إلى الأمر الأول، وعلى فرض عدم نسخه: فإن المقصود بالوضوء المأمور به في حديث جابر بن سمرة هو: غسل اليد والمضمضة؛ لأن لحم الإبل فيه دسامة زائدة تلصق باليد والفم غالبًا، فلحماية المسلم من أن يبيت وفي يده أو فمه دسامة أمر بذلك لئلا تأتي بعض الحشرات كالعقارب بسبب هذا الدسم فتلدغه، هذا ما قاله جمهور العلماء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض حديث جابر بن عبد الله مع حديث جابر بن سمرة والبراء" فعندنا: يقدم حديث جابر بن عبد الله لأنه ناسخ للآخر، وعندهم: يقدم حديث جابر بن سمرة والبراء؛ لأنه خاص والآخر عام، والخاص مقدم، تنبيه: جعل أكثر الحنابلة أكل لحم الإبل هو الناقض السابع للوضوء ولكن الراجح خلاف ذلك.
(^١٩) مسألة: في السابع - من نواقض الوضوء - وهو: كل شيء أوجب غسلًا: بأن جامع امرأته، أو التقى الختانان، أو حاضت أو نفست المرأة: فإن الوضوء ينتقض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب الغسل عليه - نظرًا لوجود الحدث الأكبر -: انتقاض وضوؤه؛ لكون الحدث الأكبر: حدث أصغر وزيادة، وهذا هو المقصد الشرعي منه، تنبيه: "إسلام الكافر" الذي ذكره لا يصلح مثالًا لذلك لأن الكافر لا طهارة له أصلًا، فكيف ينتقض وضوؤه؟! تنبيه آخر: "انتقال المني دون خروجه" الذي ذكره المصنف لا يصلح مثالًا لذلك؛ لأن انتقال المني لا يوجب غسلًا - كما سيأتي تقريره في باب الغسل - تنبيه ثالث: إذا أوجب الشارع الغسل من شيء كجنابة ونحوها: فإنه لم يوجب الوضوء =
[ ١ / ١٨٦ ]
والكذب والغيبة ونحوها، والقهقهة ولو في الصلاة، وأكل كل ما مست النار - غير لحم الإبل -، ولا يُسن الوضوء منهما (^٢٠) (ومن تيقن الطهارة وشك) أي: تردَّد (في
معه؛ لأن نية رفع الحدث الأكبر تكفي عن نية رفع الحدث الأصغر إذا أحضرهما في قلبه، فتكون عبارة المصنف فيها نظر، والعبارة الأصح أن يقال: "ما أوجب غسلًا: نقض الوضوء"، تنبيه رابع: "الموت" يوجب على الحي غسله، ولا ينقض وضوء الميت؛ لتلازم الحال.
(^٢٠) مسألة: لا ينقض الوضوء إلا تلك النواقض السبعة - كما سبق في مسائل (١ و٢ و٤ و٥ و١١ و١٧ و١٩) وهذا مطلق، أي سواء فعل معاصي لسانية كالقذف، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسبُ والشتم ونحوها، أو فعل قهقهة - وهو: الضحك الذي يتكرر بصوت مرتفع - داخل الصلاة أو خارجها، أو أكل ما يُطبخ على النار، كل هذا لا ينقض الوضوء: فلا يجب الوضوء منها، لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن لا ينقض الوضوء شيء، لكن وردت أدلة تثبت أن تلك السبعة تنقض الوضوء فقط، وغيرها لم يثبت أنها تنقض الوضوء فتبقى على النفي الأصلي، فنستصحب هذا النفي ونعمل به فلا نتوضأ منها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" وهو عام، وناسخ لما سبقه، وقد سبق بيانه في مسألة (١٨)، فإن قلتَ: إن القهقهة داخل الصلاة تنقض الوضوء، وهو قول كثير من الحنفية؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ أمر من قهقه داخل الصلاة بإعادة الوضوء والصلاة" والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فلو لم تكن القهقهة ناقضة للوضوء: لما أوجب الوضوء منها، قلتُ: إن هذا الحديث ضعيف، كما قال أئمة الحديث، ثم القهقهة لا تُبطل الوضوء خارج الصلاة، فلا يكون مبطلًا لها داخلها؛ قياسًا على ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع حديث =
[ ١ / ١٨٧ ]
الحَدَث أو بالعكس): بأن تيقَّن الحدث، وشك في الطهارة: (بني على اليقين) سواء كان في الصلاة أو خارجها، تساوى عنده الأمران، أو غلب على ظنه أحدهما؛ لقوله ﷺ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" متفق عليه (^٢١) (فإن
القهقهة"، فعندنا: يُعمل بالاستصحاب؛ لضعف حديث القهقهة، وعندهم يعمل بحديث القهقهة؛ لقوته عندهم، تنبيه: قوله: "غير لحم الإبل" ذكره؛ لأن أكل هذا اللحم عنده من نواقض الوضوء، وهذا مرجوح؛ كما بينت ذلك في مسألة (١٨). [فرع]: لا يُستحب الوضوء من القهقهة، ولا من أكل ما مسَّت النار، ولكن يُستحب الوضوء من المعاصي اللسانية كالقذف والكذب ونحوها؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إنه لم يرد دليل يثبت استحباب الوضوء من القهقهة، أو من أكل ما مسَّت النار، وعدم الدليل دليل على عدم الحكم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن ابن مسعود وعائشة "أنهما كانا يأمران بالوضوء من الكلام المحرم" وهذا الأمر للاستحباب؛ إذ لا ينقض ذلك الطهارة الحسية، وإنما يُحمل على الطهارة المعنوية، وهي: الطهارة من الذنوب، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^٢١) مسألة: إذا كان متيقنًا من طهارته ولكنه شك هل أحدث بعد ذلك أو لا؟ وتردَّد في ذلك: فإنه يبني على ما تيقن منه، وهو الطهارة، ولا يلتفت إلى شكه ويصلي بناء على ذلك، وكذا: لو كان مستيقنًا من حَدَثه، ولكنه شك: هل تطهر بعد ذلك أو لا؟ وتردَّد في ذلك فإنه يبني على ما تيقن منه، وهو: الحدث، ولا يلتفت إلى شكه، وبناء على ذلك: يتطهر ثم يصلي، وهذا مطلق، أي: سواء كان ذلك داخل الصلاة أو خارجها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" - قاله لمن يُخيل إليه أنه يجد شيئًا يخرج منه - حيث دل بمنطوقه ومفهوم الغاية منه على أنه لا يترك صلاته إلا إذا كان متيقنًا من خروج ريح منه إما بسماع =
[ ١ / ١٨٨ ]
تيقنهما) أي: تيقن الطهارة والحدث (وجهل السابق) منهما (فهو بضد حاله قبلهما) إن علمها: فإن كان قبلهما متطهر: فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا: فهو الآن متطهر؛ لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها، وشك في بقاء ضدها، وهو الأصل، وإن لم يعلم حاله قبلهما: تطهر (٢٢)، وإذا سمع اثنان
صوته عند الخروج، أو بشم ريحه، فهنا يحكم بنقض طهارته، أما إذا شك فلم يسمع ولم يشم شيئًا ولكنه متردِّدًا: فلا ينتقض وضوؤه، ولا يبطل ما تيقن منه من الطهارة بهذا الشك، فإن قلتَ: لِمَ لا يُلتفت إلى الشك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إنه لو التفت كل شخص إلى ما يشك فيه وعمل به: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة؛ لكثرة ما يقع منهم من الشك في حياتهم. (٢٢) مسألة: إذا أراد شخص أن يصلي الظهر - مثلًا - وهو متيقن أنه متطهر، ومتيقن أنه محدث - أيضًا -، ولكنه لا يعلم أيُّهما الأول؟، فإنا نسأله عن حاله قبل دخول وقت الظهر، وله ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إن قال: إني كنت - قبل دخول وقت الظهر - محدثًا: فإنا نقول له: أنت الآن متطهر فلك أن تصلي الظهر على تلك الطهارة؛ للاستصحاب؛ حيث إنه قد تيقن من انتقاله من الحدث إلى الطهارة، ولكنه شك في زوال تلك الطهارة؛ لكون الحدث المتيقن بعد دخول الوقت يحتمل أنه كان قبل الطهارة، ويُحتمل أنه كان بعدها، إذن: يكون وجوده بعدها مشكوكًا فيه، فيُستصحب المتيقن منه - وهي: الطهارة - ويُعمل، ولا يُلتفت إلى المشكوك فيه، الحالة الثانية: إن قال: "إني كنتُ قبل دخول وقت الظهر متطهرًا" فإنا نقول له: أنت الآن محدث، فيجب عليك أن تتطهر لصلاة الظهر؛ للاستصحاب؛ حيث إنه متيقن من انتقاله من الطهارة إلى الحدث، ولكنه شك في زوال الحدث؛ لأن الطهارة المتيقنة بعد دخول الوقت يُحتمل أنها كانت قبل الحدث، ويُحتمل أنها كانت بعده؛ إذن: يكون وجودها بعده مشكوكًا فيه، فيستصحب المتيقن منه - وهو: الحدث - ويعمل به، ولا =
[ ١ / ١٨٩ ]
صوتًا، أو شما ريحًا من أحدهما لا بعينه: فلا وضوء عليهما، ولا يأثم أحدهما بصاحبه، ولا يُصاففه في الصلاة وحده، وإن كان أحدهما إمامًا: أعادا صلاتهما (٢٣) (ويحرم على المحدث مسُّ المصحف) وبعضه، حتى جلده، وحواشيه بيد أو غيرها بلا حائل، لا حمله بعلاقة، أو في كيس، أو كُمِّ من غير مس، ولا تصفحه بكُمِّه، أو عود ولا صغير لوحًا فيه قرآن من الخالي من الكتابة، ولا مس تفسير ونحوه، ويحرم أيضًا مسُّ مصحف بعضو متنجس (^٢٤)، وسفر به لدار حرب، وتوسُّده، وتوسد كتب
يُلتفت إلى المشكوك فيه، الحالة الثالثة: إن قال: "لا أدري عن حالي قبل دخول وقت الظهر: فلا أدري هل أنا متطهر أو محدث؟ " فإنا نقول له: يجب عليك التطهر ثم تصلي الظهر؛ للاستصحاب؛ حيث إن الحدث متيقن في إحدى الحالتين، فيستصحب ذلك ويعمل به؛ للاحتياط للدِّين، وهذا هو المقصد منه. (٢٣) مسألة: إذا جلس اثنان وهما على طهارة ولا ثالث لهما فسمعا صوتًا، أو شمَّا ريحًا خرج من دُبُرهما، وكل واحد منهما يظن أن ذلك من صاحبه: فإن طهارتهما لا تنتقض بذلك، فإذا حضرت الصلاة: فإنهما يصليان على طهارتهما الأولى، ولكن لا يكون أحدهما إمامًا للآخر، ولا يصف أحدهما بجانب الآخر وحدهما خلف الصف؛ للتلازم؛ حيث إن كلًا منهما قد تيقن من طهارته وظن أن الحدث من صاحبه فيلزم: أن كلًا منهما يصلي على طهارته التي تيقنها، وأن لا يكون أحدهما إمامًا للآخر؛ لأنه يلزم من ظن أحدهما بأن الآخر هو المحدث: عدم صلاحية أحدهما للإمامة بالآخر وعدم صلاحية المصاففة به؛ لأن المحدث لا يكون إمامًا للمتطهر، ولا يصلح للمصاففة معه؛ لكونه يكون بذلك مفردًا خلف الصف؛ لأن وجود المحدث وعدمه واحد ويلزم من ذلك إعادة صلاتهما إن فعلا ذلك.
(^٢٤) مسألة: يحرم على المحدث: أن يمس المصحف - وهو: الأوراق التي كتب عليها الآيات القرآنية التي بين الجلدتين - وكذا: يحرم مسُّه بعضو متنجس وإن =
[ ١ / ١٩٠ ]
فيها قرآن ما لم يخف سرقة، ويحرم - أيضًا - كتب القرآن بحيث يُهان، وكُره مدّ رجل إليه، واستدباره، وتخطيه، وتحليته بذهب أو فضة، وتحرم تحلية كتب علم (^٢٥)
كان هو على طهارة: سواء كان هذا المس بيده، أو بأي عضو من بشرته، وسواء مسه كله أو مس بعضه، أو نواحيه أو حواشيه، بشرط: أن يكون هذا المس بلا حائل، أما إن مسه بحائل: كان يقلِّب صفحاته بعود، أو من وراء ثوبه، أو حمله بعلاقة، أو كيس، أو مس صبي لوحًا فيه قرآن من الجانب الخالي من الكتابة، أو مس حواشيه المفسرة له، أو كتب فقه أو تفسير فيها الآيات، أو مس ثوبًا مطرزًا بآيات، أو جدران، أو نقود فيها بعض الآيات: فهذا مباح بدون طهارة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يمس القرآن إلا طاهر" حيث دل مفهوم الصفة من هذين النصين على أن غير الطاهر - وهو: المحدث - لا يمس القرآن وأنه يمس الأوراق والأشياء المكتوب عليها قرآن من فقه وتفسير وحائط ونحوها؛ لكونها لا تسمى قرآنًا، فإن قلتَ: لم حُرم ذلك؟ قلتُ: لصيانة وحماية كلام الله وإكرامه من الإهانة ونحو ذلك، وهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
(^٢٥) مسألة: يحرم فعل أي شيء فيه إهانة للمصحف: كأن يسافر به إلى دار حرب، أو أن يضعه في أي مكان فيه إهانة له كالنوم، والجلوس، والاتكاء عليه، واستدباره، ومد رجله إليه، وكذا: يحرم أن يُحلَّى بذهب أو فضة، وكذا كتب العلم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إكرام القرآن والعمل بما فيه: أن تحرم إهانته، أو وضع شيء فيه يُنافي العبادة كتحليه بذهب أو فضة، ومثله كتب العلم لكون ذلك إسرافًا، لأن ترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في مسألة (٢٤)، تنبيه: قوله: "وكره محمد رجل إليه … " قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية، والراجح: أنه يحرم مثل ذلك.
[ ١ / ١٩١ ]
(و) يحرم على المحدث أيضًا (الصلاة) ولو نفلًا، حتى صلاة جنازة وسجود تلاوة، وشكر، ولا يكفر من صلى محدثًا (^٢٦) (و) يحرم على المحدث - أيضًا - (الطواف)؛ لقوله ﷺ "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" رواه الشافعي في "مسنده". (^٢٧).
(^٢٦) مسألة: تحرم على المحدث الصلاة أي: إن صلى المحدث تهاونًا: فإنه يأثم بذلك ولا يكفر، وصلاته باطلة: سواء كانت صلاته فرضًا أو نفلًا وسواء كانت صلاة جنازة، أو سجود تلاوة، أو سجود شكر، أما إن صلى المحدث استهزاء: فإنه يكفر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ …﴾ حيث أوجب الشارع التطهر لمن أراد الصلاة، لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" حيث اشترط الوضوء للصلاة المقبولة، فدل مفهوم الغاية على أن الصلاة بلا وضوء غير مقبولة، الثالثة: التلازم وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من استهزائه بأحكام الدين: كفره بها كما ورد في القرآن الكريم، ثانيهما: أن سجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة يُسمى صلاة؛ لوجود التكبير والتسليم، ونية العبادة والدعاء الله فيلزم من ذلك: أنه يُحرم فعله على المحدث، كالصلاة ذات الركوع والسجود، وكسجود السهو، تنبيه: المقصد الشرعي من الطهارة للصلاة قد سبق بيانه، تنبيه آخر: بعض الحنابلة كابن تيمية وابن عثيمين خالفوا في هذا قائلين: يجوز سجود التلاوة والشكر بدون طهارة؛ بناء على أن ذلك السجود ليس بصلاة وهو مرجوح كما سيأتي بيانه في باب "صلاة التطوع".
(^٢٧) مسألة: يحرم على المحدث الطواف بالكعبة تهاونًا، سواء كان هذا الطواف واجبًا أو نفلًا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن حاضت في الحج: "افعلي ما =
[ ١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تتطهري" والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والتقدير: يحرم عليك الطواف بالبيت وأنت محدثة بالحيض، فإذا تطهرت: فطوفي، وغير الحيض من الأحداث مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلت: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لأن الطائف بالبيت يُناجي ربه بجميع أنواع الذكر والدعاء، فيُناسبه أن يكون متطهرًا ليتقبَّل الله تلك المناجاة، تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف عن الشافعي ضعيف كما قال أكثر أئمة الحديث.
هذه آخر مسائل باب "نواقض الوضوء" ويليه باب "الغسل"
[ ١ / ١٩٣ ]