بفتح الجيم: جمع جنازة بالكسر والفتح لغة: اسم للميت، أو للنَّعش عليه ميت، فإن لم يكن عليه ميت: فلا يُقال: "نعش" ولا "جنازة" بل سرير، قاله الجوهري، واشتقاقه من جنز: إذا ستر، وذكره هنا؛ لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة، (^١) ويُسنُّ الإكثار من ذكر الموت، والاستعداد له؛ لقوله ﷺ: "أكثروا من
كتاب الجنائز وأحكام الموتى
وفيه مائتان وخمس وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: الجنائز: جمع جنازة، والمقصود به: الميت: سواء كان على سرير أو نعش أو كان على الأرض - كما في الصحاح (٣/ ٨٩٧) - فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الميت بالجنازة؟ قلتُ: لأن الجنز هو: الستر والإسراع؛ حيث إنه يُشرع الإسراع في تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وهذا كله لأجل الإسراع في ستره؛ لئلا يظهر منه شيء مستقذر، وهذا يلزم منه: إكرامه بذلك، فإن قلتَ: لمَ شرعت أحكام الجنازة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع قد أمر بإكرام المؤمن في حياته وبعد مماته، ووضعت أحكام الجنائز لإكرام المسلم بعد مماته، فما يُفعل بمن حضرته الوفاة من تلقينه للشهادة، ثم تغسيله بعد ذلك، ثم تكفينه، ثم الصلاة عليه والدعاء له، ثم دفنه، ثم الإحسان إليه بتنفيذ وصيته والإحسان إلى أقاربه كله راجع إلى نفعه، ذكره ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ ذكر كتاب الجنائز في العبادات مع أن حق ذكره بعد كتاب "الوصايا" وقبل كتاب "الفرائض"؛ حيث إنه أنسب هناك؟ قلتُ: لأن ذكره هنا أنسب؛ حيث إن كل ما يُفعل بالميت من تلقينه للشهادة، وتغسيل، وتكفين وصلاة عليه، ودفن يُعتبر من العبادات؛ حيث يرجو الفاعل لذلك الثواب من الله تعالى، وهذا هو "التعبُّد لله"، فإن قلتَ: لمَ ذكر كتاب الجنائز بعد كتاب الصلاة؟ قلتُ: لأن أهم ما يُفعل بالميت =
[ ٢ / ٩٧ ]
ذكر هاذم اللَّذات" هو بالذال المعجمة، (^٢) ويُكره الأنين وتمني الموت، (^٣) ويُباح
= هي: الصلاة؛ حيث إنه ينتفع بدعاء المسلمين له في الصلاة، فإن قلتَ: لمَ أفردت مباحث الجنائز بكتاب لوحده، ولم يجعل بابًا من أبواب الصلاة؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: إن الصلاة على الميت لا ركوع فيها ولا سجود، وهذا بخلاف الصلوات المعتادة، ثانيهما: أن أكثر أحكام الجنائز لا تخص الصلاة كأحكام التغسيل، والتكفين، والدفن ونحو ذلك، بخلاف أبواب الصلوات السابقة فإنها خاصة بالصلاة.
(^٢) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُحضر ذكر الموت في ذهنه في جميع أحواله، وأن يستعدّ للرَّحيل عن هذه الدنيا، وأن يعلم تمام العلم أن نهاية كلِّ حي هو هذا القبر، فيترك المعاصي، ويفعل الخيرات؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "أكثروا من ذكر هادم اللذات" وهو: الموت، ثانيها: قوله ﷺ "أكيس الناس: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة" والأكياس: هم العقلاء الذين يزنون الأمور بميزان العدل والحق، لا يُنافقون ولا يُدارون ولا يُمارون أحدًا وهذه صفة المؤمن، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بتذكُّره للموت يتيقَّن أنه لن يُعمَّر، بل سيموت كما مات غيره من جميع المخلوقين: من الأنبياء والعلماء والصالحين وغيرهم، فلذا يتجَّه إلى المسارعة بفعل الخيرات، وترك المنكرات.
(^٣) مسألة: يُكره أن يجزع أو يئنَّ المسلم إذا أصابه مرض، أو أن يتمنى الموت للتخلُّص من هذا المرض، أو تلك المصيبة التي نزلت به، بل عليه أن يصبر، ويتيقَّن بأن "ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه"، ولذلك: يمنع نفسه عن الجزع، ويمنع لسانه عن الشكوى لغير الله، وإن شكر الله على ما أصابه به من مصائب: فهذه مرتبة فوق مرتبة الصبر، وهو من باب إحسان =
[ ٢ / ٩٨ ]
التداوي بمباح وتركه أفضل، ويحرَّم بمحرَّم: مأكول وغيره من صوت ملهاة وغيره، (^٤) ويجوز ببول إبل فقط، قاله في
= الظن بالله تعالى؛ حيث إن هذا مُتيقِّن أن هذا المرض أو تلك المصيبة خير له مما هو أشقُّ منها، فيشكر الله عليها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ عن الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي: إن ظنَّ عبدي بي خيرًا: فله، وإن ظنَّ بي شرًا: فله" ثانيهما: قوله ﷺ: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وهذا يلزم منه: كراهة الأنين، ثالثها: قوله ﷺ: "لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت؛ لضر نزل به، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" والذي صرف النهي - في قوله: "لا يتمنَّينَّ" من التحريم إلى الكراهة قوله: "فإن كان لا بدَّ فاعلًا … " فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إذا أنَّ، أو جزع، أو تمنى الموت: فإن أجره ينقص؛ لعدم صبره على الأذى فكأنه يعترض على قضاء الله وقدره.
(^٤) مسألة: إذا غلب ظن المريض أن هذا الدواء المباح سبب في شفائه: فيجب أن يتداوى به، أما إن كان هذا الدواء غير مُباح - كلحم الخنزير، أو الخمر- أو كان يشكُّ في شفائه بسبب ذلك الدواء: فإنه يحرم التداوي به: للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ولا تداووا بحرام" حيث حرم التداوي بالحرام؛ حيث إن النهي مطلق فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" لأن النفي هنا نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم: والمراد: يحرم التسبُّب في إلحاق الضرر بنفسه، وترك الحرام واجب، فيجب التداوي عما يُلحق الضَّرر بنفسه، فإن قلتَ: إن ترك التداوي أفضل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم منه ترك التوكل على الله أو =
[ ٢ / ٩٩ ]
"المبدع"، (^٥) ويُكره أن يستطبَّ مسلم ذميًّا لغير ضرورة وأن يأخذ منه دواء لم يُبيِّن له مفرداته المباحة (^٦) و(تسنُّ عيادة المريض) والسؤال عن حاله؛ للأخبار، ويُغبَّ بها، وتكون بكرةً وعشيًا، ويأخذ بيده ويقول: "لا بأس طهور إن شاء الله تعالى"؛
= ضعفه قلتُ: هذا غير صحيح؛ للقياس، بيانه: كما أن العطشان أو الجوعان يجب عليه أن يشرب ويأكل ما يمنع عنه الضرر ومع ذلك فهو لا يتنافى مع التوكُّل، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: دفع الضر في كل فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية والقياس" فعندنا: يعمل بهما وعندهم: يُعمل بالتلازم، فإن قلتَ: لمَ وجب التداوي هنا؟ قلتُ: للمصلحة، وهو دفع الضرر عنه، ولذلك أجمع العلماء على قاعدة: "الضرر يزال" وعلى "أن المشقة تجلب التيسير" وعلى "أن الضرورات تبيح المحظورات" وغيرها.
(^٥) مسألة: يُباح التداوي ببول الإبل، دون غيرها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "أمر العرانيين بأن يشربوا من أبوال إبل الصدقة" والذي صرف الأمر هنا من الوجوب إلى الإباحة هو: ورود الأمر بعد الحظر؛ لأن شرب النجاسات حرام في الأصل، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث ثبت عن بعض الأطباء أن شرب بول الإبل فيه شفاء من الاصفرار والانتفاخ.
(^٦) مسألة: يُكره أن يتداوى المسلم عند كافر ولو كان ذمِّيًا من غير ضرورة، أما إن وجدت ضرورة بأن خشي على نفسه الضَّرر، ولا يُحسن العلاج إلا ذلك الكافر: فيُباح التداوي عنده بشرط: أن يعرف هذا المسلم مكوِّنات جنس الدواء الذي أعطاه إياه ذلك الكافر؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضَّرر عن ذلك المسلم، وكره من غير ضرورة؛ لأن الكافر قد يعطيه دواء فيه ضرر عاجل أو آجل عليه، واشتُرط ذلك الشرط للاحتياط؛ لئلا يجعل هذا الكافر بعض المحرمات في تكوين ذلك الدواء كالخمر، أو لحم خنزير ونحو ذلك.
[ ٢ / ١٠٠ ]
لفعله ﷺ، ويُنفّس له في أجله؛ لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد؛ فإن ذلك لا يرد شيئًا، ويدعو له بما ورد (^٧) (و) يُسنُّ (تذكيره التوبة)؛ لأنها واجبة على كل
(^٧) مسالة: يُستحب أن يعود المسلم أخاه المسلم إذا مُرض غبًّا: فيعوده يومًا، ويتركه آخر، بدون إزعاجه بكثرة كلام، أو جلوس طويل، أو نقل أخبار لا تسرُّ، وأن يمُسك بيده قائلًا: "لا بأس طهور إن شاء الله" ويحاول الزائر أن يُنفَّس عن المريض ويُخفِّف عنه ما هو فيه ويذكر له أن المرض لا يدل على دنو الأجل، وأن الصحة لا تدل على بعد الأجل، فكم من مريض طال عمره، وكم من صحيح معافى مات عاجلًا، وعاد بعض العلماء هارون الرشيد في مرضه الذي مات فيه فقال هذا العالم: "هوِّن عليك فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والمرض لا يمنع من البقاء" فقال هارون الرشيد: "لقد طيبت نفسي وروَّحت قلبي"، ثم يُكثر من الدعاء للمريض إذا زاره، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في أجله"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يعود بعض المرضى من أصحابه، وكان يدنو من المريض ويسأله عن حاله وكان يُمسك بيده، ويدعو له بالشفاء قائلًا: "اللهم اشفه" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن زيارته يومًا وتركه يومًا، وعدم الإكثار من الكلام والجلوس عنده فيه رفع للحرج عنه، وإبعاد الموت فيه تفريح له، وإدخال سرور إليه، وفي الدعاء له بالشفاء: بسط لنفسه. [فرع]: يُستحب للمريض أن يضع يده على الموضع الذي يؤلمه من بدنه ويقول: "بسم الله" ثلاث مرات، ثم يقول: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" سبع مرات، ثم يقرأ على نفسه الفاتحة، والإخلاص، والمعوذتين، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك إذا اشتكى، وقد أرشد ﷺ عثمان بن أبي العاص إلى ذلك فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للأذى.
[ ٢ / ١٠١ ]
حال، وهو أحوج إليها من غيره (والوصية)؛ لقوله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" متفق عليه عن ابن عمر (^٨) (وإذا نزل به) أي: نزل به ملك الموت لقبض روحه (سُنَّ تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه بـ (بلِّ حلقه بماء أو شراب، وندي شفتيه) بقطنة؛ لأن ذلك يُطفئ ما نزل به من الشدَّة، ويُسهل عليه النطق بالشهادة (^٩) (ولقنه لا إله إلا الله) لقوله ﷺ:
(^٨) مسألة: يُستحب للزائر أن يُذكّر المريض بالتوبة النصوح من كل ذنوبه بأن يترك المعاصي، ويندم على ما فعل، ويعزم بأن لا يعود، وأن يُذكِّره بأن يوصي بثلث أو ربع أو خمس ماله ويجعله للأعمال الخيرية، وينص عليها إن شاء؛ حتى ربع يكون ذلك صدقة جارية تنفعه بعد موته، وأن يذكر في وصيته الأموال التي له عند الناس، والأموال التي عليه للناس؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للمريض بعد وفاته؛ حيث إن التوبة من الذنوب واجبة على كل مسلم مطلقًا: سواء كان مريضًا أو لا، والمريض أولى بأن يتوب، ويقبل الله تعالى ذلك؛ لأن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر، والوصية بردِّ الحقوق إلى أهلها واجبة؛ حيث قال ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، والوصية بصدقة جارية تنفعه بعد موته؛ حيث يأتيه أجرها كما قال ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وكل ذلك لأجل نفع المريض في حياته وبعد مماته.
(^٩) مسألة: إذا ظهرت علامات نزول الموت على شخص: فيُستحب للأرفق والأتقى من أهله: أن يبلَّ حلقه ببعض الماء، ويُندِّي شفتيه بأي مُرطّب بدون إكثار، وذلك بقطنة أو خرقة نظيفة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع شفتيه من التشقُّق، ويُسهِّل خروج الروح، والنطق بالشهادتين، والأرفق والأتقى هو من =
[ ٢ / ١٠٢ ]
"لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله" رواه مسلم عن أبي سعيد (مرة، ولم يزد على ثلاث)؛ لئلا يُضجره (إلا أن يتكلم بعده فيُعيد تلقينه)؛ ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، ويكون (برفق) أي: بلطف ومداراة؛ لأنه مطلوب في كل موضع فهنا أولى (^١٠)
= سيداريه ويتلطف به؛ لأن للموت سكرات وحركات غربية، فالأتقى الرفيق هو الذي يصبر على هذا المحتضر.
(^١٠) مسألة: يُستحب للأرفق والأتقى من أهل مَنْ حضرته الوفاة: أن يُلقّنه الشهادة - وهي كلمة: "لا إله إلا الله" - مرة، أو مرتين أو ثلاثًا، ولا يزيد عن ذلك؛ إلا إذا تكلَّم المحتضر بعد ذلك فيُستحب أن يعيد تلقينه بالشهادة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله" والمراد: لقنوا من حضرته الوفاة الشهادة؛ حيث بينت ذلك السنة القولية وهي: قوله ﷺ: "من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من كان آخر كلامه الشهادة دخل الجنة - كما ورد في النص - ولكن هذا بشرط: أن يكون قد قام بما تضمنته هذه الكلمة من امتثال لجميع الأوامر، وترك الجميع النواهي، فإن قلتَ: لمَ لا يُزاد عن ثلاث مرات في تلقينه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المحتضر فيه من الشدِّة ما يُخشى منه أن يتضجِّر إذا زيد على ذلك، وهذا يُغضبه: فقد يأبى ولا يقولها، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط أن يكون الملقّن رفيقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأذاه إذا قيلت له بعنف، ولأن اللطف مطلوب في كل وقت، والمحتضر يحتاج إلى اللطف أكثر من غيره بسبب ما يُلاقيه من شدَّة خروج الروح، فإن قلتَ: لمَ لا يُلقَّن بكلمة: "محمد رسول الله"؟ قلتُ: لكونه لم يرد عنه ﷺ، ولأن كلمة "لا إله إلا الله" متضمنة الاعتراف بأن محمدًا رسول الله، فإن قلتَ: لمَ قال ﷺ: "لقنوا موتاكم" مع أن الميت لا يُمكن أن يُلقَّن؟ قلتُ: هذا مجاز؛ حيث سماه ميتًا =
[ ٢ / ١٠٣ ]
(ويقرأ عنده) سورة (يس)؛ لقوله ﷺ: "اقرأوا على موتاكم سورة يس" رواه أبو داود، ولأنه يُسهِّل خروج الروح، ويقرأ عنده أيضًا الفاتحة (^١١) (ويُوجِّهه إلى القبلة)؛ لقوله ﷺ -عن البيت الحرام-: "قبلتكم أحياء وأمواتًا" رواه أبو داود، وعلى جنبه الأيمن أفضل إن كان المكان واسعًا وإلا: فعلى ظهره مُستلقيًا ورجلاه إلى القبلة،
= باعتبار ما سيكون كما قال: "من قُتل له قتيل" [فرع]: يُستحب أن لا يحضر من يكرهه المحتضر لأي سبب، ولا الأجنبي عنه، ولا يُلقّنه هذا المكروه أو الأجنبي عنه الشهادة إلا إذا لم يوجد غيره؛ للمصلحة؛ لأن المحتضر فيه من الشِّدَّة مالا يتحمَّل غيرها، فلا يُضيَّق عليه بذلك.
(^١١) مسألة: يُستحب أن تقرأ عند المحتضر سورة "يس" و"الفاتحة" و"الملك" جهرًا بطريقة فيها لطف ورحمة ولين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اقرأوا على موتاكم يس" والمراد: أقرأوا على من حضرته الوفاة، لا أن تقرأ عليه بعد وفاته، وهو تعبير مجازي باعتبار ما سيكون حتمًا كما قلنا في حديث: "لقنوا موتاكم … " في مسألة (١٠) و"الفاتحة" و"الملك" مثل "يس"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير خروج الروح، وتطييب خاطره، فيتذكر أنه ليس الوحيد الذي سيموت، بل كل من حوله من أهله وغيرهم سيلحقون به؛ وذلك لتضمُّن هذه السور تغيُّر الدنيا وزوالها لا محالة: فالذي لم يمت اليوم سيموت لا محالة غدًا، فالموت قضية حتمية لكل حي، فإذا سمع هذا في الآيات التي تقرأ: طابت نفسه من هذه الحياة، وسيكون مستعجلًا للآخرة خاصة إذا سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وغيرها من الآيات المبشرة بالجنة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ويرفع رأسه قليلًا؛ ليصير وجهه إلى القبلة (^١٢) (فإذا مات: سُنَّ تغميضه)؛ لأنه ﷺ أغمض أبا سلمة، وقال: "إن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون" رواه مسلم ويقول: "بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ"، ويُغمِّض ذات محرم، وتُغمِّضه، وكره من حائض وجنب وأن يقرباه، وتُغمِّض الأنثى مثلها أو صبي (^١٣) (وشدُّ لُحييه)؛ لئلا
(^١٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل وجه المحتضر إلى القبلة على جنبه الأيمن إن أمكن، أو يُجعل مستلقيًا على ظهره، ويُرفع رأسه فتكون رجلاه ووجهه إلى القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في البيت الحرام: "قبلتكم أحياء وأمواتًا"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القبلة أشرف الجهات وخيرها وأبركها، واليمين فيه بركة قد سبق بيانها، ولا يفعل ذلك إلا بعد أن يغلب على الظن بنزول الموت؛ لئلا يخوف ذلك المريض فيشق عليه.
(^١٣) مسألة: يُستحب أن تغمض عينا الميت - حين خروج روحه -؛ لأن العينين تنفتحان تبعًا للروح، ويقوم بتغميض الرجل رجلٌ مثله، أو محارمه من النساء، ويقوم بتغميض المرأة امرأةٌ مثلها، أو صبي، أو محارمها من الرجال، ويكره أن يُغمِّضه جنب من رجل أو امرأة، أو حائض ونفساء، ويُستحب أن يُدعى للميت أثناء التغميض فيُقال: "بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ اللهم اغفر له وارفع درجته، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه"؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا؛ فإنه يؤمَّن على ما قاله أهل الميت" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ دعا بذلك الدعاء حين غمَّض عيني أبي سلمة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن تغميض العينين فيه تحسين لمنظر الميت، وفيه منع الهوام والحشرات من أن تصل إلى حدقة العين قبل دفنه، ولا يُغمضه إلا رجل أو محارمه، وكذلك المرأة؛ =
[ ٢ / ١٠٥ ]
يدخله الهوام (^١٤) (وتليين مفاصله)؛ ليسهل تغسيله: فيردُّ ذراعيه إلى عضديه، ثم يردُّهما إلى جنبيه، ثم يردُّهما ويردُّ ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردُّهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتها، فإن شق ذلك تركه (^١٥) (وخلع ثيابه): لئلا يحمي جسده فيُسرع إليه الفساد (وستره بثوب)؛ لما روت عائشة: "أن النبي ﷺ حين توفى سُجِّي ببرد حبرة" متفق عليه، وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأسه ورجليه؛ لئلا يرتفع بالريح (^١٦) (ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه)؛ لقول أنس:
للاحتياط من الفتنة، وكُرِه أن يُغمِّضه من به حدث أكبر؛ للتأكيد على أنه لا يتولَّى الميت إلا طاهر؛ واستحب الدعاء له؛ لأن هذا الموضع من المواضع التي يستجاب فيها الدُّعاء؛ لكون الملائكة تحضر وتؤمِّن على الدعاء.
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يُغلق فم الميت ويُشدِّ لحييه مع رأسه حال موته وذلك بلين ولطف؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر لابنه ﵃: "إذا رأيت روحي بلغت لهاتي فضع كفَّك اليُمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للهوام والحشرات من أن تدخل عن طريقه قبل دفنه، وفيه تحسين منظر الميت.
(^١٥) مسألة: يُستحب أن تُليَّن مفاصل وأعضاء الميت بعد موته مباشرة، وطريقته: أن يرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يجعلهما على جنبيه، ثم يرد ساقيه إلى فخذيه، ويرد فخذيه إلى بطنه ثم يرد كل ما سبق إلى موضعه، هذا إن تيسر، وإلا: تركه على ما هو عليه؛ للمصلحة: حيث إنه بعد موته يكون حارًا، فإذا مضى وقت: فإنه يبرد وتقسو عضلاته ومفاصله، فيصعب على المغسِّل تحريكها، وتغسيل ما بينها، وإذا حُرِّكت بعد قسوتها: فإنها تتكسَّر، لذا يفعل ذلك لتسهيل غسله.
(^١٦) مسألة: يُستحب أن تخلع ثياب الميت حال موته، ووضع ثوب عليه يستر جميع جسده، وإن فضل شيء منه: جعله تحت رأسه ورجليه؛ لقاعدتين: =
[ ٢ / ١٠٦ ]
"ضعوا" على بطنه شيئًا من حديد"؛ لئلا ينتفخ بطنه (^١٧) (ووضعه على سرير غسله)؛ لأنه يُبعد عن الهوام (متوجهًا) إلى القبلة على جنبه الأيمن (منحدرًا نحو رجليه) أي: أن يكون رأسه أعلى من رجليه؛ لينصب عنه الماء، وما يخرج منه (^١٨)
= الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على ذلك؛ لأنه لما مات النبي ﷺ قالوا: "هل نُجرِّده كما نُجرِّد موتانا" وهذا يلزم منه: أن تجريد الميت من ثيابه حال موته معهود عندهم مجمع عليه، وأن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على ستر رسول الله ببُرد من البرود اليمانية، وهو ثوب مخطَّط ومحسَّن وهو المقصود بـ "الحبرة" الوارد في الحديث، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بقاء ثوبه المعتاد عليه لفترة طويلة بعد موته يؤدِّي إلى فساده، وظهور رائحة كريهة تؤذي من حوله، واستحب ستره بثوب يشمل بدنه؛ صيانة له من الانكشاف؛ نظرًا لأمر الشارع بستر المؤمن حيًا وميتًا، واستحب وضع ما فضل من الثوب تحت رأسه ورجليه؛ لمنع انكشاف بدنه بسبب هبوب ريح.
(^١٧) مسألة: يُستحب أن يوضع شيء ثقيل على بطنه بعد موته مباشرة كحديدة صغيرة أو طين أو حجر ونحوها لقول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁ لما مات عبد له-: "ضعوا على بطنه شيئًا من حديد" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع من انتفاخ بطنه، ويُسهِّل إخراج ما فيه من روائح وقاذورات.
(^١٨) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت بعد موته مباشرة على موضع مرتفع عن الأرض غير متصل بها كسرير ويُجعل على جنبه الأيمن قد وُجِّه وجهه إلى القبلة، ويكون رأسه أعلى قليلًا من رجليه أثناء تغسيله؛ للمصلحة؛ حيث إن وضعه هذا: يمنع الهوام والحشرات من الدخول في فمه وأنفه ويمنع عنه رطوبة الأرض، ويُسهِّل انحدار الماء - حين تغسيله - من رأسه إلى رجليه، وخروج ما في بطنه من روائح وقاذورات كما يفعل الجنب، ويوجَّه إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات كما سبق.
[ ٢ / ١٠٧ ]
(وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة)؛ لقوله ﷺ: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أبو داود، ولا بأس أن يُنتظر به من يحضره من وليه أو غيره إن كان قريبًا، ولم يُخش عليه، أو يشقُّ على الحاضرين، فإن مات فجأة، أو شُكَّ في موته: انتُظر به حتى يُعلم موته ب-: انخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه (^١٩) (وإنفاذ وصيته)، لما فيه من تعجيل الأجر (ويجب) الإسراع
(^١٩) مسألة: يُستحب الإسراع - قدر الإمكان - في تجهيز الميت: من غسل وتكفين، وصلاة ودفن، هذا إذا مات غير فجأة وبغتة، ويُباح تأخير الصلاة عليه إن كان يُرجى حضور بعض أهله البعيدين بُعدًا لا يتجاوز مسافة قصر - وهي (٨٢) كم - بشرط: أن لا يُخشى من ظهور رائحة كريهة منه، وأن لا يشق الانتظار على الحاضرين، أما إن مات فجأة وبغتة - كالحوادث الناتجة عن السيارات أو الطائرات أو الغرق أو الحرق أو الكهرباء -: فيُستحب تأخير تجهيزه حتى يُتيقَّن من موته بانخساف صدغيه - وهو ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن - أو بغيبوبة سواد عينيه، أو بميل أنفه وليونته، أو بانخلاع أو انفصال كفيه بأن تسترخي عصبة اليد، أو باسترخاء رجليه كيديه، أو بها جميعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله" حيث يلزم من لفظ "لا ينبغي": استحباب الإسراع بتجهيز الميت، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الإسراع به فيه تقديم الميت إلى قبره؛ ليتمتَّع بالخير الذي ينتظره إن كان من الصالحين، أو ليسلم أهله من شره إن كان من الفاسدين كما قال ﷺ: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تُقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم" وكذا: فيه تكريم للميت بستره بقبره؛ لئلا تخرج منه رائحة كريهة، وفي إباحة تأخيرها لأجل حضور بعض أقربائه بشرطه: مصلحة دعائهم له في الصلاة عليه؛ لأنهم أشفق عليه من الأجانب، وفي تأخير =
[ ٢ / ١٠٨ ]
(في قضاء دينه) سواء كان الله تعالى، أو لأدمي؛ لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسَّنه عن أبي هريرة مرفوعًا: "نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يُقضى عنه" (^٢٠)
= تجهيز من مات فجأة: مصلحة التأكُّد من موته؛ حيث إنه يُحتمل أنه أغمي عليه إغماءة طويلة - كما يحدث من وقوع الحوادث فجأة - فائدة: الموت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر كما قالت عائشة ﵂.
(^٢٠) مسألة: يجب أن تُنفَّذ وصية الميت، والإسراع في قضاء دينه بعد وفاته مباشرة: سواء كان هذا الدَّين الله تعالى كالزكاة، أو النذر، أو كان للآدميين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ حيث إن الشارع قد أوجب قضاء دين الميت وإنفاذ وصيته قبل توزيع تركته على الورثة؛ لأن هذا أمر بصيغة الخبر، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب والفور، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "نفس المؤمن مُعلَّقة بدينه حتى يقضى عنه" حيث دل مفهوم الغاية: بأن روحه لا ترتاح إلا إذا قُضي دينه، وعدم ارتياحها عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، فيكون قضاء الدين والإسراع بذلك واجبًا، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يجب قضاء دينه والإسراع بذلك؛ فكذلك الوصية مثله والجامع: أن كلًا منهما قد انشغلت الذمة فيه فيجب إبراؤها منه وتعجيل الأجر وهو المقصد الشرعي، فإن قلتَ: لمَ قُدِّم ذكر الوصية على الدَّين مع أن الدَّين مقدم عليها بالعمل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الموصى له أصبح كالوارث في أخذ شيء من مال الموصي - وهو: الميت - فيصعب على الورثة إخراجها عادة، بخلاف الدَّين؛ حيث إن إخراجه لا يشق على الورثة عادة، فقُدِّم ذكر الوصية: للاهتمام بها، تنبيه: قوله: "وإنفاذ وصيته" يُفهم منه: أن إنفاذ الوصية مستحب قلتُ: هذا غير صحيح؛ لأن الوصية كالدَّين في حفظ الحقوق.
[ ٢ / ١٠٩ ]
ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه، ولو بعد تكفينه (^٢١) فصل: (غسل الميت) المسلم (وتكفينه) فرض كفاية؛ لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه" متفق عليه عن ابن عباس ﵃ (والصلاة عليه) فرض كفاية؛ لقوله ﷺ: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" رواه الخلَّال والدارقطني، وضعَّفه ابن الجوزي، (ودفنه: فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه، وحمله أيضًا: فرض كفاية، (^٢٢)
(^٢١) مسالة: يُباح أن يُقبِّل الميت، وينظر إليه كلُ شخص يجوز له النظر إليه: سواء بعد تكفينه أو قبله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، فإن قلتَ: لمَ أبُيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه راحة وسرور المقبِّل.
(^٢٢) مسألة: غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه فرض كفاية - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ والمراد: دفن الميت، حيث يجب كما فسر ذلك ابن عباس وهو تفسير صحابي مقبول، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الذي وقصته ناقته في عرفة فمات -: "اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبيه" حيث أوجب غسل الميت وتكفينه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يدفنون موتاهم، الرابعة: التلازم؛ حيث إنه لا يمكن دفنه إلا بحمله فيجب، من باب: "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك فرض كفاية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام الميت وستره، وتحسين مظهره، والدعاء له، والتخلُّص من رائحته بدفنه، تنبيه: لا يصح الاستدلال بحديث: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، لأنه ضعيف، والضعيف لا يُحتج به.
[ ٢ / ١١٠ ]
واتباعه: سنة، (^٢٣) وكرِه الإمام للغاسل: أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجًا فُيعطى من بيت المال، فإن تعذَّر: أعطي بقدر عمله، قاله في "المبدع"، (^٢٤) والأفضل
(^٢٣) مسألة: اتِّباع الميت وتشييعه حتى يُدفن مستحب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن: كان له قيراطان"، قيل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للميت، وإعزاز له، وتآلف مع أهله.
(^٢٤) مسألة: يُكره أخذ الأجرة على غسل الميت وتكفينه، وحمله، ودفنه بدون حاجة، أما إن وُجدت حاجة: فيُباح أن يأخذ بقدر عمله من مال الميت، فإن تعذَّر: فمن بيت مال المسلمين، فإن تعذَّر: فمن مال ورثة الميت، فإن تعذَّر: سقط؛ للمصلحة؛ حيث إن تجهيز الميت من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فلو أخذ بدون حاجة: فإنه ينقص أجره، وأُبيح أخذه إن كان بحاجة؛ سدًا لحاجته؛ لئلا يتكفف الناس، فإن قلتَ: لمَ يأخذ من ماله أو من بيت المال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المنَّة عنه، ولأنه قضاء لحاجة المسلمين فيصح من بيت مالهم، فإن قلتَ: لَم يؤخذ من مال الورثة؟ قلتُ: لأنه لو كان له مال لانتفعوا به فكذلك العكس، فإن قلتَ: لمَ يسقط عند تعذر ما سبق؟ قلتُ: لأن الواجب يسقط عند العجز عنه، تنبيه: قوله: "وكره الإمام" يقصد الإمام أحمد، قلتُ: كره أخذ الأجرة على ذلك جمهور العلماء، ولم ينفرد أحمد بذلك. [فرع]: يحرم أخذ الأجرة على الصلاة على الميت؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده: التلازم؛ حيث إن الصلاة عبادة محضة قد قصد المصلي بالأقوال والأفعال التي فيها التقرب إلى الله تعالى، ونوى ذلك بها فيلزم منه: تحريم أخذ الأجرة عليها.
[ ٢ / ١١١ ]
أن يُختار لتغسيله ثقة عارف بأحكامه (^٢٥) (وأولى الناس بغسله وصيه) العدل؛ لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسَّله امرأته أسماء، وأوصى أنس ﵁ أن يُغسله محمد بن سيرين (ثم أبوه)؛ لاختصاصه بالحنو والشفقة (ثم جده) وإن علا؛ لمشاركته الأب في المعنى (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) فيُقدَّم الابن، ثم ابنه، وإن نزل، ثم الأخ لأبوين، ثم الأخ لأب على ترتيب الميراث (ثم ذووا أرحامه) كالميراث، ثم
(^٢٥) مسألة: يجب أن يكون المغسِّل للميت عدلًا، عارفًا لأحكام التغسيل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بأن يُغسل من وقصته ناقته بماء وسدر، وتجنيبه الطيب وكان قد قال للنساء اللواتي غسَّلن ابنته بأن تلف بكذا وكذا - مما سيأتي - وهذا يلزم منه: أن لا يتولى التغسيل إلا العدل العارف بالأحكام؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث أوصى أبو بكر ﵁ امرأته أسماء بأن تُغسِّله إذا مات، وأوصى أنسٌ محمد بن سيرين بأن يُغسِّله إذا مات، وهذا يلزم منه اشتراط هذين الشرطين؛ لأنه معلوم عادة: أن لا يوصي شخص بأن يغسِّله أو يفعل له أيُّ فعل سِرِّي إلا إذا كان متصفًا بالعدالة، والمعرفة بأحكام ما سيفعله، وهذا فيه مصلحة للمغسَّل، وهو المقصد منه فإن قلتَ: إنه يُستحب أن يكون المغسل عدلًا، وعارفًا لأحكام التغسيل، للمصلحة: حيث إنه قد لا يوجد من يتوفر فيه هذان الشرطان، قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إن غير العدل سينشر ما يراه على الميت من مكاره، وغير العارف لأحكام الغسل: سيُغسِّله على غير الطريقة الشرعية، فلا يكونان قائمين بفرض الكفاية، ولذا: قلنا: إنه يجب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة السنة القولية وقول الصحابي" حيث إنا قد فهمنا من لازمهما: اشتراط هذين الشرطين، والواجب يسقط بالعجز، وعندهم: لا يلزم من السنة وقول الصحابي هذان الشرطان.
[ ٢ / ١١٢ ]
الأجانب، (^٢٦) وأجنبي أولى من زوجة وأمة، وأجنبية أولى من زوج وسيد، (^٢٧)
(^٢٦) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُغسِّل الميت الرجل: فإنه يُقدَّم وصيُّه - وهو: الذي أوصاه الميت بأن يُغسِّله - بشرط: كونه عدلًا عارفًا للأحكام، ولو كان هذا الموصى أنثى من محارمه، فإن تعذَّر فإن الأب هو الذي يتولَّى ذلك، فإن تعذَّر: فالجد وإن علا، فإن تعذَّر: فالأقرب ممن يعصبه: فيُقدَّم الابن، فإن تعذَّر، فابن الابن وإن نزل، فإن تعذَّر: فالأخ الشقيق، فإن تعذَّر: فالأخ لأب، فإن تعذَّر: فالعم الشقيق، فإن تعذَّر: فالعم لأب، فإن تعذَّر: فالأقرب من ذوي الأرحام - وهو: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة - فيُقدَّم منهم جد الميت لأمه وهكذا كترتيب الميراث، فإن لم يوجد قريب: يغسله الأجانب ويقدَّم منهم الصديق ثم الجار: إذ توفرت صفة العدالة والعلم بأحكام التغسيل -؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابة؛ وقد سبق ذكره في مسألة (٢٥)، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب السابق أصلح للغسل؛ لتقديم الأرفق والأشفق والألطف، والأستر له، والأكثرون قربًا ومعرفة للميت هم الذين يتصفون بالرفق والشفقة عليه، فإن قلتَ: لمَ قُدِّم الأب والجد على الابن وابن الابن مع أن الأخيرين يُقدَّمان في الميراث؟ قلتُ: لأن رفق وشفقة الأب بابنه أكثر من العكس غالبًا، وكذا الجد.
(^٢٧) مسألة: إذا مات رجل ولم يوجد عنده إلا زوجته أو أمته، وأجنبي عنه: فإنه يُقدَّم في تغسيله الزوجة أو الأمة، وإذا ماتت امرأة ولم يوجد عندها إلا زوجها أو سيدِّها، وأجنبية عنها: فإنه يُقدَّم في تغسيلها الزوج، أو السيد؛ للمصلحة؛ حيث إن هؤلاء الأقرباء أرفق وأشفق وأستر للميت من الأجنبي أو الأجنبية، ولكون هؤلاء الأقرباء قد اطلعوا على بدن الميت في حياته، فلا يختلف الأمر بعد مماته، فإن قلت: يقدَّم الأجنبي والأجنبية هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، وهو مخالف لمصلحة الميت.
[ ٢ / ١١٣ ]
وزوج أولى من سيد، وزوجة أولى من أُمِّ ولد (^٢٨) (و) الأولى (ب-) غسل (أنثى وصيتها) العدل (ثم القربى فالقربي من نسائها) فتقدَّم أمها وإن عَلَت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى كالميراث، وعمتها وخالتها سواء، وكذا: بنت أخيها، وبنت أختها؛ لاستوائهما في القرب والمحرمية (^٢٩) (ولكل) واحد (من الزوجين) إن لم تكن الزوجة ذمِّية (غسل صاحبه)؛ لما تقدم عن أبي بكر ﵁، وروى ابن المنذر أن عليًا ﵁ غسَّل
(^٢٨) مسألة: إذا ماتت أمة لها زوج ولها سيِّد: فيُقدَّم في تغسيلها زوجها، وإذا مات رجل له زوجة وأمُّ ولد: فتقدَّم في تغسيله الزوجة؛ للمصلحة؛ حيث إن القرابة تكون أشد بين الزوج وزوجته، ويلزم من ذلك: أن تكون الشفقة والمودَّة بينهما أعظم، هذا في الغالب.
(^٢٩) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُغسِّل الميتة: فإنه يُقدَّم وصيَّتها بشرط: كونها تتصف بالعدالة والعلم بأحكام التغسيل، فإن تعذَّر ذلك: فتغسلها القربي لها من نسائها: فتقدم في ذلك أمها، فإن تعذَّر: فجدتها وإن عَلَت، فإن تعذَّر: فابنتها، فإن تعذر: فبنتُ بنتها وإن نزلت، فإن تعذَّر: فأختها الشقيقة، فإن تعذَّر: فأختها لأب، وهكذا على حسب الميراث، فإن لم يوجد عندها إلا عمتها وخالتها، أو لم يوجد عندها إلا بنت أخيها وبنت أختها: فلا تقدَّم إحداهما على الأخرى، بل يُقرع بينهما فمن تصيبها القرعة تقدم بغسلها، فإن تعذر: فالأجنبيات تقوم بذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس على غسل الرجل وقد سبق في مسألة (٢٦) الثانية: التلازم؛ حيث إن استواء العمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت في القرب والمحرمية: يلزم منه عدم تقديم إحداهما على الأخرى، والأخذ بحكم القرعة؛ حيث إنها تلزم إذا استوت الحقوق، وهو طريق يُفعل لتحقيق العدالة بين الناس.
[ ٢ / ١١٤ ]
فاطمة، ولأن آثار النكاح من: عدة الوفاة، والإرث باقية فكذا الغسل، (^٣٠) ويشمل ما قبل الدخول، (^٣١) وأنها تغسِّله وإن لم تكن في عدة كما لو ولدت عقب موته، (^٣٢)
(^٣٠) مسألة: الرجل يُغسِّل زوجته المسلمة، والزوجة تغسِّل زوجها إذا مات كل واحد منهما؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث قالت عائشة ﵂: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه"، وأوصى أبو بكر ﵁ أن تغسله امرأته أسماء، وغسل علي زوجته فاطمة الثانية: القياس، بيانه: كما أن آثار النكاح باقية بعد الوفاة كعدَّة الوفاة والإرث فكذلك الغسل مثله يبقى، والجامع: عدم انقطاع صلة النكاح بالموت، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل واحد منهما أرفق وأشفق بالآخر، ويعرف من أسرار صاحبه مالا يعرفه الآخرون، وللتيسير على العباد.
(^٣١) مسألة: إذا مات رجل بعد عقد النكاح على امرأة وقبل الدخول بها: فإن هذه المرأة تُغسِّله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوجة المدخول بها تغسله إذا مات فكذلك غير المدخول بها مثلها، والجامع؛ أن كلًا منهما تسمَّى زوجة شرعًا، وأنها ترث، وعليها العدة، وتستحق المهر.
(^٣٢) مسألة: إذا مات رجل وزوجته حامل فولدت قبل تغسيله: فإنها تغسِّله بشرط: عدم زواجها قبل تغسيله؛ للقياس، بيانه: كما أن آثار النكاح باقية كالإرث فكذلك الغسل مثلها، والجامع: عدم انقطاع صلة الزوجية بالموت، وأن كل واحد منهما نظر إلى عورة الآخر في الحياة فكذلك بعد الموت، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك انقضاء العدة بالولادة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد، ولأنها أرفق به وأشفق عادةً.
[ ٢ / ١١٥ ]
والمطلَّقة الرجعية إذا أُبيحت له (^٣٣) (وكذا: سيِّد مع سريته) أي: أمته المباحة له، ولو أم ولد (^٣٤) (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط) ذكرًا كان أو أنثى؛ لأنه لا عورة له، ولأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء، فتغسله مُجَّردًا من غير سترة، وتمس عورته؛ وتنظر إليها (^٣٥) (وإن مات رجل بين
(^٣٣) مسألة: إذا طلَّق رجل زوجته طلاقًا رجعيًا - بأن طلَّقها طلقة واحدة - ثم مات ذلك الرجل قبل انقضاء مدة عدَّة الطلاق - وهي: ثلاثة أشهر: فإنها تُغسِّله بشرط: إباحة مراجعتها - فيما لو كان حيًا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز مراجعتها بدون عقد وولي: أن تكون شبهة الزوجية باقية، والزوجة تغسل زوجها، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك مع أنه طلقها قلتُ: للمصلحة التي ذكرناها في مسألة (٣٢).
(^٣٤) مسألة: يُباح للسَّيِّد أن يُغسِّل أمته إذا ماتت، ومدبَّرة، ومكاتبة بشرط: أن يكون قد وطأها، وأن تكون مسلمة: سواء كانت أمَّ ولد أو لا، ويُباح العكس: بأن تغسل الأمة والمدبَّرة والمكاتبة سيدها - كما سبق -؛ للقياس، بيانه: كما أن الزوج يُغسِّل زوجته إذا ماتت، والزوجة تُغسِّل زوجها إذا مات فكذلك الأمة تغسِّل سيدها، والسيد يُغسِّل أمته، والجامع: نظر كل واحد منهما إلى عورة الآخر في الحياة، فلا يختلف بعد الممات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد.
(^٣٥) مسألة: يُباح للرجل والمرأة أن يُغسِّلان من هو دون سبع سنوات إذا مات: سواء كان هذا الميت ذكرًا أو أنثى، وسواء كان مجردًا من ثيابه أو لا، وسواء نظر إلى عورته ولمسها أو لا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ النساء اللَّاتي قد غسَّلن إبراهيم ابن النبي ﷺ، ولم يُنكر عليهن، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لكونه لا عورة له في الحياة وبعد الممات كذلك.
[ ٢ / ١١٦ ]
نسوة) ليس فيهن زوجة، ولا أمة مباحة له: يُمِّم (أو عكسه): بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج ولا سيِّد لها: (يُمِّمت كخنثى مُشكل) لم تحضره أمة له فيُيمَّم؛ لأنه لا يحصل بالغسل من غير مَسٍّ تنظيف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت، (^٣٦) وعُلِم منه: أنه لا مدخل للرجال في غسل الأقارب من النساء، ولا بالعكس (^٣٧) (ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا) وأن يحمله، أو يُكفِّنه، أو يتبع جنازته كالصلاة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (أو يدفنه) للآية (بل يوارى)
(^٣٦) مسألة: إذا مات رجل، بين نساء أجانب عنه ليس بينهن زوجة ولا أمة، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب عنها ليس بينهم زوج ولا سيد لها: فإنهما لا يغسلان، بل يفعل بهما حكم التيمُّم: بأن يُقبض على يدي الميت بحائل - خرقة أو غيرها - فيضرب بهما الأرض فيُمسح بهما وجه الميت وكفَّيه - بعد أن ينوي الفاعل عن الميت -؛ للقياس، بيانه: كما أن الخنثى يُفعل به ذلك، فكذلك هذان يُفعل بهما ذلك والجامع: منع الفتنة في كل؛ لأنه لا يجوز للأجانب أن ينظروا أو يلمسوا عورات غيرهم من الأجانب إذا لم يوجد منهم من ذكرنا، والخنثى لا يُعلم هل هو ذكر أم أنثى؟ فنظرًا لهذا الاحتمال لا يُغسله أحد، بل يُيمَّم؛ احتياطًا فكذلك هذان مثله، فإن قلتَ: لمَ لا يغسَّل بصب الماء عليه؟ قلتُ: لأن المس حرام، ولو صُبَّ الماء عليه لما تحققت إزالة النجاسة، ولتسبَب في كثرتها.
(^٣٧) مسألة: يحرم على الرجل أن يُغسِّل المرأة التي يحرم عليه أن يتزوجها في حال حياتها - كأمه وابنته ونحوهما - ويحرم على المرأة أن تُغسِّل الرجل الذي يحرم عليها أن تتزوج به في حال حياتها - كأبيها وابنها ونحوهما -؛ للقياس، بيانه: كما أن ذلك يحرم في حال الحياة فكذلك يحرم بعد الممات، والجامع: المحرمية في كل، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لشدَّة تحريم النظر إلى عورات المحارم في الشريعة.
[ ٢ / ١١٧ ]
وجوبًا (لعدم) من يواريه؛ لإلقاء قتلى بدر في "القليب" (^٣٨)، ويُشترط لغسله: طهورية ماء، وإباحته، وإسلام غاسل إلا نائبًا عن مسلم نواه، وعقله ولو مميزًا، أو حائضًا، أو جنبًا (^٣٩) (وإذا أخذ) أي: شرع (في غسله: ستر عورته) وجوبًا - وهي:
(^٣٨) مسألة: يُحرَّم على المسلم أن يُجهز الميت من الكفار إذا مات بين المسلمين: فلا يُغسَّله، ولا يُكفنه، ولا يحمله، ولا يدفنه بل يدفنه؛ للتخلص من رائحته؛ إذا عُدم من يفعل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فحرَّم موالاة الكفار؛ لأن الموالاة تكريم، وتجهيز ميتهم من باب التكريم؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، الثانية: القياس، بيانه: كما تُحرَّم الصلاة على ميت الكفار فكذلك يحرم تجيزه والجامع: عدم التكريم والتطهير في كل، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعزاز للمسلمين، ووضعه تحت التراب؛ لمنع خروج رائحته الكريهة فتؤذي المسلمين كما أمر ﷺ بإلقاء قتلى بدر من الكفار بالقليب.
(^٣٩) مسألة: شروط صحة غسل الميت أربعة: أولها: أن يكون الماء الذي غُسل به طهورًا مباحًا فلا يصح غسله بماء طاهر، أو نجس أو مسروق، للقياس؛ بيانه: كما أنه يشترط ذلك في غسل الجنابة فكذلك غسل الميت مثل ذلك، والجامع: أن كلًا منهما يقصد منه التطهير، فلا يحصل إلا بذلك، ثانيها: أن يكون الغاسل مسلمًا، فلا يصحُّ غسل كافر المسلم ميت إلا إذا كان الكافر نائبًا عن مسلم ونوى المسلم الغسل فغسله الكافر: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن غسل الميت المسلم عبادة، ولا صحة لأي عبادة إلا بنية، ولا نية صحيحة لكافر: فيلزم عدم صحة غسله، لفقدان النية الصحيحة منه، ولذا: صحَّ غسل الكافر لميت مسلم إذا كان نائبًا عن مسلم ونواه ذلك المسلم؛ لوجود النية من المسلم لا من الكافر؛ وإنما جُعل الكافر كالآلة، ثالثها: أن يكون الغاسل؛ =
[ ٢ / ١١٨ ]
ما بين سرته وركبته - (^٤٠) (وجرَّده) ندبًا؛ لأنه أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره، وغُسل النبي ﷺ في قميص؛ لأن فضلاته طاهرة فلم يُخش تنجيس قميصه (^٤١)
= عاقلًا ولو كان نجسًا أو لم يبلغ؛ للقياس، بيانه: كما أنه يصح غسل العاقل لنفسه فكذلك يصح غسله لغيره، دون من لا يعقل كمن لا يميز، والمجنون، والمعتوه، فلا يصح غسلهم للميت؛ لكونهم لا يصح غسلهم لأنفسهم؛ لعدم النية الصحيحة منهم، رابعها: أن يكون الغاسل ثقة عدلًا عارفًا لأحكام التغسيل وطريقته؛ للسنة القولية، وقول الصحابي، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٢٥)، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه إكرام للميت.
(^٤٠) مسألة: إذا بدأ الغاسل في غسل الميت: فيجب أن يستر عورة الميت - وهي: ما بين السرَّة إلى الركبة - بأن يضع عليها خرقة ونحوها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي ﵁: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" حيث حرم الشارع النظر إلى عورة الأجنبي؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وما يُترك به الحرام: واجب، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة الفتنة.
(^٤١) مسألة: يُستحب أن يُجرَّد الميت من جميع ثيابه عند تغسيله - سوى عورته -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل غسله وتنظيفه وتطهيره، فإن قلت: لا يُستحب ذلك، بل يجعل على جسده قميصًا رقيقًا، ويُدخل الغاسل يده تحت ذلك القميص فيمرَّها على بدنه، والماء يُصبُّ أثناء ذلك، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد؛ للقياس، بيانه: كما أنه فعل بالنبي ﷺ ذلك فكذلك غيره، والجامع: الستر في كل قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه ﷺ لم يخرج منه ما يُنجس قميصه؛ لكونه طاهرًا حيًا وميتًا بخلاف غيره، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" فعندنا: يعمل بالمصلحة؛ لفساد القياس، وعندهم: يُعمل بالقياس على النبي ﷺ.
[ ٢ / ١١٩ ]
(وستره عن العيون) تحت ستر في خيمة أو بيت إن أمكن؛ لأنه أستر له (^٤٢) (ويكره لغير مُعيّن في غسله حضوره)؛ لأنه ربما كان في الميت مالا يجب اطلاع أحد عليه، والحاجة غير داعية إلى حضوره بخلاف المعين (^٤٣) (ثم يرفع رأسه) أي: رأس الميت غير أنثى حامل (إلى قرب جلوسه) بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره (ويعصر بطنه برفق)؛ ليخرج ما هو مستعد للخروج، (^٤٤) ويكون هناك بخور (^٤٥) (ويكثر صبَّ الماء حينئذٍ)؛ ليدفع ما يخرج بالعصر (^٤٦) (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة
(^٤٢) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت أثناء تغسيله في مكان لا يراه أحد: كأن يوضع في غرفة أو خيمة ونحوهما؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أحوط في ستره.
(^٤٣) مسألة: يُكره أن ينظر أحد إلى الميت أثناء تغسيله إلا الغاسل أو من يُعينه فقط وهذان يغضَّان البصر على حسب القدرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر الميت، وحفظ الناظر من أن يتأثَّر من رؤية شيء في الميت يكرهه، وقد يتحدَّث به في حين أن الميت لا يرضى به.
(^٤٤) مسألة: يُستحب أن يرفع الغاسل رأس الميت رفعًا ظاهرًا حتى يكون قريبًا من حال جلوسه، ثم يعصر بطنه برفق ولين، إلا إن كانت الميتة حاملًا فلا يفعل فيها ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة يجعل ما هو متهيئ للخروج من نجاسات يخرج؛ لئلا يخرج بعد الفراغ من تغسيله فيؤذي المصلين عليه والمشيعين له، أما الحامل: فلا يفعل بها ذلك؛ لأن ذلك سيتسبَّب في خروج ولدها مع الدماء، وسيحتاج ذلك إلى وقت لتنظيفه.
(^٤٥) مسألة: يُستحب أن يُجعل في مكان غسل الميت بخور - وهو: كل ماله رائحة طيبة من عود ونحوه -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع تأذَّي الغاسل ومن معه من الروائح الكريهة التي تخرج من الميت.
(^٤٦) مسألة: يُستحب أن يُكثر الغاسل صب الماء حال رفع رأس الميت وعصر بطنه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيدفع النجاسات التي تخرج منه أثناء العصر.
[ ٢ / ١٢٠ ]
فيُنجيِّه) أي: يمسح فرجه بها (^٤٧) (ولا يحلُّ مسُّ عورة من له سبع سنين) بغير حائل كحال الحياة؛ لأن التطهير يمكن بدون ذلك (^٤٨) ويُستحب: أن لا يمس سائره إلا بخرقة)؛ لفعل علي مع النبي ﷺ، فحينئذ يُعدُّ الغاسل خرقتين: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية بدنه (^٤٩) (ثم يوضِّيه ندبًا) كوضوئه للصلاة؛ لما روت أمُّ عطية: أن النبي ﷺ قال في غسل ابنته: "إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" رواه الجماعة،
(^٤٧) مسألة: يُستحب أن يُنجِّي الغاسل الميت: بأن يضع خرقة خشنة أو قفَّازين على يده فيقوم بمسح فرج الميت بذلك، ثم يغسله بعد ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة للنجاسة وتطهيره؛ لئلا يؤذي المصلين عليه والحاملين له.
(^٤٨) مسألة: يحرم على الغاسل أن يمس عورة الميت البالغ سبع سنين فما فوق باليد مباشرة، ولكنه يمسها لغسلها بحائل كخرقة، أما من دون سبع سنين فلا بأس بمس عورته بدون حائل؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز مسَّ عورة من بلغ سبع سنين في حال الحياة فكذلك لا يجوز مسُّها بعد الممات، والجامع: إثارة الشهوة في كل غالبًا، وكذلك: كما يجوز مسُّ عورة من لم يبلغ ذلك في الحياة فكذلك يجوز ذلك بعد الممات، والجامع: عدم إثارة الشهوة غالبًا.
(^٤٩) مسألة: يُستحب أن يمس الغاسل سائر جسد الميت - سوى العورة - بحائل من خرقة ونحوها؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا ﵁ قد فعل ذلك بالنبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخرقة ونحوها أقوى في التنظيف، وأبعد عن إثارة الشهوة عن طريق لمس اليد جسد الميت مباشرة، فائدة: الغاسل يُعدُّ خرقتين أولهما: لإزالة النجاسات من قُبُل ودُبُر الميت، ثانيهما: لغسل سائر جسد الميت، وهذا أبلغ في التطهير.
[ ٢ / ١٢١ ]
وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل كما في "المنتهى" وغيره (^٥٠) (ولا يُدخل الماء في فيه، ولا في أنفه)؛ خشية تحريك النجاسة (^٥١) (ويُدخل إصبعيه) إبهامه وسبَّابته (مبلولتين) أي: عليهما خرقة مبلولة (بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فيُنظِّفهما) بعد غسل كفِّي الميت، فيقوم المسح فيهما مقام غسلهما؛ خوف تحريك النجاسة بدخول الماء جوفه (ولا يدخلهما) أي: الفم والأنف (الماء)؛ لما تقدَّم (^٥٢)
(^٥٠) مسألة: يُستحب أن يقوم الغاسل بتوضية الميت كما يتوضأ الحي للصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن غسَّلن ابنته: "ابدأُنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" وصرفت السنة القولية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث قال ﷺ فيمن وقصته ناقته ومات -: "اغسلوه بماء وسدر" حيث أمر الشارع بالغسل مباشرة، بدون وضوء، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن توضئة الميت والبداية باليمين منه يُعتبر من المبالغة في التطهير وتحقيق البركة، تنبيه: قوله: "وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل" يقصد: أنه ينبغي للماتن - وهو الحجَّاوي -: أن يؤخِّر الكلام عن البدء بالميامن وتوضئته إلى ما بعد الكلام عن نية الغسل، أي: بعد قوله: "ثم ينوي غسله … " الذي سيأتي في مسألة (٥٣) وهو صحيح.
(^٥١) مسألة: لا يُشرع أن يُدخل الغاسل الماء في أنف الميت ولا في فمه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يتسبَّب في دخول الماء إلى جوف الميت فينتفخ البطن، وقد ينفجر قبل دفنه، وقد يؤدي ذلك إلى استمرار خروج النجاسات، فيؤذي الغاسل، والحاملين له، فدفعًا لذلك ثبت هذا الحكم.
(^٥٢) مسألة: يُستحب أن ينظّف الغاسل أسنان الميت ومنخريه بخرقةِ مبلولة بالماء، ويستعمل لذلك إصبعيه: السبَّابة والإبهام إن سهل؛ للقياس، بيانه: كما أن المتوضئ الحي يفعل ذلك بالماء أثناء المضمضة والاستنشاق، فكذلك الغاسل يفعله =
[ ٢ / ١٢٢ ]
(ثم ينوي غسله)؛ لأنه طهارة تعبُّدية، فاشتُرطت له النية كغسل الجنابة (^٥٣) (ويُسمِّي) وجوبًا؛ لما تقدَّم (^٥٤) (ويغسل برغوة السدر) المضروب (رأسه ولحيته
= بالميت ولكن بدون ماء، والجامع: المبالغة في التطهير، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة للروائح الكريهة، وشرع عدم استعمال الماء؛ لأنه لو استعمل لدخل جوفه، وهذا فيه مفسدة وقد بيناها في مسألة (٥١) تنبيه:
قوله: "بعد غسل كفي الميت" هذا قد سبق بيانه في مسألة (٥٠).
(^٥٣) مسألة: يجب على الغاسل أن ينوي غسل هذا الميت؛ للقياس، بيانه: كما أن الجنب يجب عليه إذا أراد الاغتسال أن ينوي ذلك فكذلك الغاسل ينوي غسل هذا الميت؛ لانعدامها من الميت، والجامع: أن كلًا منهما طهارة تعبُّدية لا تصح إلا بنية، فإن قلتَ: لمَ وجبت النية هنا؟ قلتُ: لأنه لا عمل في الإسلام إلا بنية؛ لكونه يُرجى من ورائه الأجر والثواب؛ لعموم قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فإن قلتَ: لا تجب النية في غسل الميت، وهو قول بعض العلماء كأبي يعلى وتلميذه ابن عقيل؛ للقياس، بيانه: كما أن غسل النجاسة لا تجب فيه النية فكذلك لا تجب النية هنا، والجامع: أن كلًا منهما المقصود به إزالة النجاسات والتطهير قلتُ: إن غسل الميت يُشبه غسل الحي من الجنابة أكثر من شبهه لغسل النجاسة فألحقناه به، فأوجبنا النية فيه كما وجبت النية على المغتسل عن الجنابة؛ مع أنه في الحقيقة يُزيل النجاسة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بغسل الجنابة لأنه أكثر شبهًا به عندنا، فأوجبنا النية، وألحقوه بغسل النجاسة لأنه أكثر شبهًا به عندهم فلم يوجبوا النية، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه أو غلبة الأشباه".
(^٥٤) مسألة: يُستحب أن يُسمِّي الغاسل عند بدء غسله للميت؛ للقياس، بيانه: كما أن المغتسل عن الجنابة يُستحب أن يُسمِّي قبل اغتساله فكذلك هنا، ويُسمِّي =
[ ٢ / ١٢٣ ]
فقط)؛ لأن الرأس أشرف الأعضاء، والرغوة لا تتعلَّق بالشعر (^٥٥) (ثم يغسل شقَّه الأيمن ثم) شقَّه (الأيسر)؛ للحديث السابق (^٥٦) (ثم) يغسله (كله) يفيض الماء على جميع بدنه، يفعل ما تقدَّم (ثلاثًا) إلا الوضوء: ففي المرة الأولى فقط (يُمرُّ في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه): ليُخرج ما تخلَّف (فإن لم ينق بثلاث) غَسَلات: (زيد حتى يُنقي ولو جاوز السبع) وكره اقتصاره في غسله على مرة إن لم يخرج منه شيء فيحرم الاقتصار ما دام يخرج منه شيء على ما دون السبع، وسُنَّ قطع على
= الغاسل؛ نظرًا لتعذُّر التسمية منه، والجامع: أن كلًا منهما عبادة يُتقرَّب بها إلى الله، فيُستحب أن يُبدأ بها باسمه سبحانه، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التسبُّب في حصول البركة تنبيه: قوله: "ويُسمِّى وجوبًا" يُشير إلى أن التسمية واجبة هنا؛ قياسًا على وجوبها في الوضوء والغسل والتيمُّم، وهذا مرجوح كما سبق بيانه؛ حيث بيَّنا في مسألة (١٦) من باب "السواك وسنن الوضوء": أن التسمية في الطهارات كلها مستحبة.
(^٥٥) مسألة: يُستحب أن يغسل الغاسل رأس الميت ولحيته برغوة السدر - وهو زُبَدَه المتصاعد منه - أو برغوة الصابون؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "اغسلوه بماء وسدر" وهو عام، فيشمل الرأس واللحية داخلة فيه وخصِّص "السدر" لما فيه من الرغوة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشعر تتعلَّق به عادة الأوساخ، فيُحتاج إلى عناية أكثر، والرغوة تزول عادة.
(^٥٦) مسألة: يُستحب أن يبدأ الغاسل بغسل شقِّ الميت الأيمن، ثم يغسل شقه الأيسر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن يُغسِّلن ابنته -: "ابدان بميامنها" يسر فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق
البركة.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وتر، (^٥٧) ولا تجب مباشرة الغسل: فلو تُرك تحت ميزاب ونحوه، وحضر من يصلح لغسله، ونوى، وسمَّى، وعمَّه الماء: كفى (^٥٨) (ويجعل في الغسلة الأخيرة) ندبًا
(^٥٧) مسألة: يُستحب أن يوضئ الغاسلُ الميت مرة واحدة فقط تكون قبل الغسلة = الأولى، ثم يغسل جميع بدنه مرة واحدة وجوبًا، ويُستحب أن يزيد في غسله إلى ثلاث مرات يمر في كل مرة على بطنه مع عصر خفيف، فإن لم ينظف بتلك الثلاث: فإنه يُستحب أن يغسله خمسًا، فإن لم ينظف فيغسله سبعًا، ويزيد حتى يتحقق التنظيف، ويقف على وتر، ويُكره الاقتصار على واحدة: سواء خرج منه شيء بعد ذلك أولًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لمن غسلن ابنته-: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" وقال: "اغسلوه بماء وسدر" وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويقتضي المرة الواحدة، وتبرأ الذمة بها وإن خرج منه شيء من النجاسات، والزيادة مستحبة وكره الوقوف على غسلة واحدة؛ لحرمان نفسه من أجر الاستحباب، والحديث الأول يدل على استحباب قطع غسله على وتر، لأن الله وتر يحب الوتر، فإن قلتَ: يحرم الاقتصار على المرة الواحدة إذا كان يخرج من الميت بعض النجاسات وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، حيث إن التلازم قد دل على جواز الاقتصار على مرة واحدة وإن خرج منه شيء؛ حيث يلزم من تلك الغسلة: الخروج عن العهدة، وتبرئة الذمَّة، فلا يأثم إذا تركه بعد ذلك، وإن كان يخرج منه شيء من النجاسات.
(^٥٨) مسألة: لا تجب مباشرة الغسل باليد أو بالخرقة، فلو وُضع الميت تحت ميزاب يصبُّ عليه الماء: لصح غسله بشروط: أولها: أن يعم الماء جميع بدنه، ثانيها: أن يحضر من يصلح لغسله - كما سبق في مسألة، (٣٩)، ثالثها: أن ينوي هذا الحاضر غسله - كما سبق في مسألة (٥٣)؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من توفر تلك الشروط: صحة الغسل، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن =
[ ٢ / ١٢٥ ]
(كافورًا) وسدرًا؛ لأنه يُصلّب الجسد، ويطرد عنه الهوام برائحته (^٥٩) (والماء الحار) يُستعمل إذا احتيج إليه (والأشنان) يُستعمل إذا احتيج إليه (والخلال يُستعمل إذا احتيج إليه) فإن لم يُحتج إليها: كُرِهت (^٦٠) (ويقصُّ شاربه، ويُقلّم أظفاره) ندبًا إن طالا، ويؤخذ شعر إبطيه، ويجعل المأخوذ معه (^٦١) كعضو
= ذلك فيه توسعة على العباد، ويتبين أثره عند بعضهم فيما لو مات رجل بين نساء أجانب عنه، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب عنها، أو مات خنثى: فإنه يُصب على الميت ماء ولا يُمسَّ، وهذا أولى عندهم من أن يُيَمَّم قلتُ: بل إن فعل أحكام التيمم فيه موافق للمصلحة كما سبق في مسألة (٣٦)، تنبيه: قوله: "وسمَّى" يشير إلى أن التسمية واجبة، وقد بينا أن التسمية مستحبة في مسألة (٥٤).
(^٥٩) مسألة: يُستحب أن يجعل الغاسل مع الغسلة الأخيرة للميت كافورًا - وهو: طيب أبيض يُشبه الشَّب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لمن غسلن ابنته-: "واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الكافور أبرد أنواع الطيب، ورائحته تطرد الهوام والحشرات عن الميت، ويجعل جسد الميت صلبًا لا يتكسر.
(^٦٠) مسألة: يُباح استعمال الماء الحار، والأشنان - وهو: يُشبه الصابون - في غسل الميت والخلال - وهو العود الذي يزيل ما علق بين الأسنان من طعام - وذلك لإزالة ما علق بالميت من قاذورات بشرط: الحاجة إليها، ويُكره استعمالها بدون حاجة إليها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في التطهير والتنظيف، وإذا استعملت بدون حاجة: فإنه يتسبَّب في تأخير تجهيز الميت، وهذا مخالف للمشروع؛ حيث إنه يُشرع الإسراع به كما سبق بيانه.
(^٦١) مسألة: يُستحب أن يقصَّ الغاسل شارب الميت، ويُقلّم أظفاره إن كان ذلك طويلًا، ويحلق شعر إبطيه، ويجعل ما يأخذه منه في كفنه؛ لقاعدتين: الأولى: =
[ ٢ / ١٢٦ ]
سقط، (^٦٢) وحرم حلف رأسه، (^٦٣) وأخذ عانته (^٦٤)
= قول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁: "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم" وهذا يلزم منه قصَّ الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق الإبط: الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحي يُستحب له أن يدفن ما أخذه من شعر أو ظفر فكذلك الميت مثله، والجامع: إكرام أجزاء الميت والحي، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه مبالغة في تطهير وتنظيف وإكرام الميت وإعداده لمقابلة الملكين اللذين سيسألانه عند دخوله القبر.
(^٦٢) مسألة: إذا قُطع من مسلم عضو، وانفصل عنه فيجب أن يُدفن؛ للمصلحة وهي من وجهين: أولهما: أن هذا العضو المقطوع يُعتبر جزءًا منه، فدفنه يُعتبر إكرامًا للمقطوع منه؛ لئلا يُتلاعب به، ثانيهما: أن دفنه فيه منع أذية الناس برائحته الكريهة، تنبيه: قاس المصنف دفن الشعر والظفر على دفن العضو إذا قطع قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الحكم قد اختلف: فدفن الشعر والظفر مستحب - كما سبق في مسألة (٦١) - ودفن العضو المقطوع واجب كما في مسألة (٦٢)، ولا توجد علة جامعة بينهما.
(^٦٣) مسألة: يحرم حلق رأس الميت؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" حيث لم يرد من الشارع ما يدل على مشروعية حلقه، فيكون حلقه فعلًا مردودًا، والمردود حرام؛ لكونه من البدع، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشويه للميت.
(^٦٤) مسألة: يحرم أخذ وحلق عانة الميت - وهو: النابت فوق الفرج من قُبُل -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم النظر إلى العورة: تحريم حلق العانة؛ لأنه لا يتم ذلك الحلق إلا بالنظر إليها، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة.
[ ٢ / ١٢٧ ]
كختن (^٦٥) (ولا يُسرَّح شعره) أي: يُكره ذلك؛ لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه (^٦٦) (ثم ينشَّف) ندبًا (بثوب) كما فُعل به ﷺ (^٦٧) (ويضفَّر) ندبًا (شعرها) أي: الأنثى (ثلاثة قرون، ويُسدل وراءها)؛ لقول أمِّ عطية: "فضفَّرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها" رواه البخاري (^٦٨) (وإن خرج منه) أي: الميت (شيء بعد سبع) غسلات: (حشي) المحل (بقطن)؛ ليمنع الخارج كالمستحاضة (فإن لم يستمك) بالقطن: (فبطين حر) أي: خالص؛ لأن فيه
(^٦٥) مسألة: يحرم ختن الميت - وهو: قطع الجلدة التي فوق الحشفة - إذا كان غير مختون -؛ للتلازم؛ وقد سبق بيانه، مع المقصد الشرعي منه في مسألة (٦٤)، وفيه - أيضًا - إيذاء للميت من غير حاجة.
(^٦٦) مسألة: يُكره تسريح شعر الميت: كشعر رأسه ولحيته وتمشيطه؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ نهت عن ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى تقطيع شعره وإيذائه، وإضاعة الوقت بلا حاجة.
(^٦٧) مسألة: يُستحب أن يُنشَّف الميت بثوب بعد الفراغ من غسله وقبل تكفينه؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ذلك فعله بعض الصحابة الذين غسلوا النبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من تعفُّن الميت وظهور رائحة منه إذا كفن بدون ذلك.
(^٦٨) مسألة: يُستحب أن يُضفَّر شعر المرأة الميتة: بأن يُقسَّم إلى ثلاثة قرون، ثم ترُخى وتُسدل وراءها؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت أمُّ عطية: "فضفَّرنا رأسها وناصيتها، وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها" - تعني بنت النبي ﷺ لما ماتت - ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يزيد من حسنها لمقابلة ربها والملكين، وهو يساعد أيضًا على جمع رأسها.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قوة تمنع الخارج (ثم يغسل المحلَّ) المتنجِّس بالخارج (ويُوضأ) الميت وجوبًا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل (^٦٩) (وإن خرج) منه شيء (بعد تكفينه: لم يُعد الغسل)؛ دفعًا للمشقة، (^٧٠) ولا بأس بقول غاسل له: "انقلب يرحمك الله" ونحوه، (^٧١) ولا يُغسِّله في حمَّام (^٧٢) (ومحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي يُغسل بماء وسدر) لا كافور (ولا
(^٦٩) مسألة: إذا خرج من الميت شيء من النجاسات بعد غسله المرة السابعة: فيجب أن يسدَّ الغاسل محلَّ خروج النجاسة بشيء من القطن، فإن لم ينسد: فيسدُّه بطين خالص - وهو: الطين الأبيض الذي لم يخالطه رمل -، ثم يغسل المحلَّ، ثم يُوضئه كوضوء الصلاة، ثم يكفّنه؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المستحاضة تسدُّ ما يخرج منها من الدماء بشيء من القطن بعد غسلها من الجنابة، فكذلك الميت هنا مثلها والجامع: دفع المشقة في كل، ثانيهما: كما أن الجنب إذا أحدث بعد اغتساله يتوضأ للصلاة، فكذلك الميت هنا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد أحدث بعد الطهارة، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط وتأكد تطهيره.
(^٧٠) مسألة: إذا خرج شيء من الميت بعد تكفينه: فلا يُعاد غسله، بل يُصلى عليه مباشرة: سواء خرج هذا بعد السابعة أو قبلها، وسواء كان الخارج قليلًا أو كثيرًا؛ للمصلحة؛ حيث إن فكَّ كفنه وتغسيله، ثم تكفينه مرة أخرى فيه مشقة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٧١) مسألة: لا يُشرع أن يقول الغاسل شيئًا أثناء غسله للميت؛ للتلازم؛ حيث إن هذا القول غير مفيد فيلزم عدم مشروعيته، فإن قلتَ: يُباح أن يقول: "انقلب يرحمك الله" أو "أرحني" ونحوهما قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^٧٢) مسألة: لا يُغسل الميت في الحمَّام العام؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يغتسل الحي من الجنابة في الحمام العام فكذلك الميت مثله، والجامع: عدم الستر الكامل في كل.
[ ٢ / ١٢٩ ]
يُقرِّب طيبًا) مطلقًا (ولا يلبس ذكر مخيطًا) من قميص ونحوه (ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجه أنثى) محرمة، ولا يؤخذ شيء من شعرهما وظفرهما؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ قال - في محرم مات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبِّيًا"، (^٧٣) ولا تُمنع معتدَّة من طيب (^٧٤) وتُزال اللصوق لغسل واجب إن لم يسقط من جسده
(^٧٣) مسألة: إذا مات محرم في حج أو عمرة: فإنه يُفعل به كما يُفعل بمن مات وهو غير محرم: من تغسيل، وتكفين، وصلاة عليه، ودفن، إلا أنه لا يُطيَّب، ولا يُلبس الرجل مخيطًا ولا يُغطى رأسه، ولا يُغطى وجه المرأة إن لم تكن عند أجانب، ولا يؤخذ من شعرهما، ولا ظفرهما كما يفعل لو كان محرمًا حيًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُمسُّوه طيبًا ولا تخمِّروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة مُلبيًا" حيث أوجب تغسيله وتكفينه كغيره؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وحرم مسُّه بطيب وتغطية رأسه، لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم؛ ويلزم من قوله: "فإنه يُبعث مُلبيًا" تحريم لبسه المخيط، وعدم تغطية المرأة لوجهها، وتحريم أخذ شيء من شعره وظفره؛ لكونه في حالة إحرام بنسكٍ، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه جمع بين تطهيره وبقائه على نسكه.
(^٧٤) مسألة: إذا ماتت امرأة معتدَّة بعدَّة وفاة: فإنها تُطيب بكافور وغيره كغيرها؛ للتلازم؛ حيث إن الإحداد قد سقط عنها بسبب موتها فيلزم عدم المنع من تطيبها كغيرها من الميتات غير المعتدَّات، فإن قلتَ: لمَ ذكرت المعتدَّة هنا مع أنها مثل غيرها؟ قلتُ: لأن المعتدَّة تمنع من التطيب كما يُمنع المحرم في حال الحياة، وذكرت هنا؛ لنفي الحرج في المعتدَّة وإنها تُطيب إذا ماتت، بخلاف من مات وهو محرم.
[ ٢ / ١٣٠ ]
شيء بإزالتها فيُمسح عليها كجبيرة الحي، (^٧٥) ويُزال خاتم ونحوه ولو ببرده" (^٧٦) (ولا يُغسل شهيد معركة ومقتول ظلمًا) ولو انثيين، أو غير مكلَّفين؛ لأنه ﷺ في شهداء أحد أمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم، وروى أبو داود عن سعيد بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" وصحَّحه الترمذي (إلا أن يكون) الشهيد أو المقتول ظلمًا (جُنبًا) أو وجب عليهما الغسل الحيض، أو نفاس أو إسلام (^٧٧)
(^٧٥) مسألة: إذا كان على جسد الميت لصوق وجبائر كخرق وقطن تمنع من وصول الماء إلى بشرته: فيجب نزعها وغسل ما تحتها بشرط: أن لا يتضرَّر جسده بسبب ذلك النزع؛ أما إن وجد ضرر: فتترك ويُمسح عليها؛ للقياس، بيانه: كما أن جبيرة الحي تُزال عند اغتساله من جنابة أو حيض أو نفاس عند عدم الضرر؛ لإيصال الماء إلى البشرة، ولا تُزال عند وجود الضرر، فكذلك الميت، والجامع: إيصال الماء إلى البشرة؛ لوجوبه، ورفع الضرر في كل.
(^٧٦) مسألة: يجب أن يُزال ما على بدن الميت من خاتم، وحِلَق، وأسورة ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال، وقد يمنع الماء من الوصول إلى بعض البشرة.
(^٧٧) مسألة: لا يُغسَّل من مات شهيدًا في معركة قاتل فيها الكفار الإعلاء كلمة الله: سواء كان مُكلَّفًا أو لا، وسواء كان ذكرًا أو أنثى، وسواء كان عليه ما يوجب الغسل أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ بشهداء أحد أن يُدفنوا بدمائهم، ولم يغسلهم، ولم يُصلِّ عليهم، وهذا عام لجميع من ذكرنا ولم يسأل النبي ﷺ هل على أحد منهم حدث أكبر أو لا؟ وترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: =
[ ٢ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المصلحة؛ حيث إن غسلهم فيه مشقة؛ نظرًا لكثرة المقتولين في المعارك عادة، ولوجود التّعب عند الأحياء من أثر المعركة، ولو تركوا إلى ما بعد الراحة لظهرت روائح كريهة منهم، ثانيهما: أن تغسيله فيه إزالة لأثر عبادة مستطابة شرعًا وهي: الدماء، وهذا مكروه، كما قلنا في السواك بعد الظهر من يوم صوم، فإن قلتَ: المقتول ظلمًا لا يُغسل أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أن شهيد المعركة، لا يغسل فكذلك هذا مثله، والجامع: أن كلًا منهما شهيد، لكونه قُتل دون وجه حق؛ حيث قال ﷺ: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المقتول في المعركة يشق غسله - كما سبق بيانه، وهو لم يُكره على القتال، بخلاف المقتول ظلمًا دون ماله أو أهله فلا يشق غسله لندرته، وهو مكره على القتال فإن قلتَ: إن المقتول ظلمًا قد شارك المقتول في المعركة في التسمية وهو "الشهيد" فيلزم من ذلك مشاركته في الحكم وهو: عدم غسله قلتُ: لا نسلِّم هذا التلازم، فالشارع قد سمَّى المبطون، والغريق، والحريق شهيدًا، ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الثلاثة لا يغسلون مع أنهم يُشاركون المقتول في المعركة في اسم "الشهيد" فليست المشاركة في الاسم تقتضي المشاركة في الحكم والأجر، يؤيده: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد غُسل عمر وعلي ﵃ مع أنهما قد قُتلا ظلمًا تنبيه: وجوب غسل المقتول ظلمًا هو مذهب جمهور العلماء؛ لعموم أدلة وجوب غسل الميت بدون معركة، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة؛ لضعف القياس هنا؛ وعندهم: يُعمل بالقياس؛ نظرًا لقوته فإن قلتَ: إن شهيد المعركة يُغسل إذا كان عليه ما يوجب الغسل كجنابة، أو حيض أو نفاس، وهو ما =
[ ٢ / ١٣٢ ]
(ويدفن) وجوبًا (بدمه) إلا أن تخالطه نجاسة فيغسلا (في ثيابه) التي قُتل فيها (بعد نزع السلاح والجلود عنه)؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم"، (وإن سُلبها: كُفّن بغيرها) وجوبًا (^٧٨) (ولا يُصلَّى عليه)؛ للأخبار؛ لكونهم أحياء
= ذكره المصنف هنا للسنة؛ التقريريرية؛ حيث إن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال ﷺ: "ما شأن حنظلة، فإني رأيتُ الملائكة تغسله" قالوا: "إنه جامع امرأته، ثم خرج للقتال، فقُتل" فهذا يلزم منه: أن الشهيد إذا كان عليه جنابة أو غيرها مما يُوجب الغسل يُغسل لذلك، لا لأجل الموت قلتُ: هذا من باب التكريم؛ لكونه لا يُحسُّ ولا يُرى، وهذا لا يلزم منه: تغسيل البشر له فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة التقريرية مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة القولية؛ لعمومها، وعندهم: يُعمل بالتقريرية وهي مخصِّصة لعموم السنة القولية عندهم تنبيه: قوله: "أو المقتول ظلمًا" هذا بناء على مذهبه المرجوح.
(^٧٨) مسألة: يُدفن شهيد المعركة بثيابه التي قُتل فيها بعد أن يُنزع كلُّ ما عليه من سلاح وجلود، وخِفاف، وإن لم يكن عليه ثياب - كمن أخذ ثيابه العدو-: فيُكفن بثياب غيرها، وإن علقت به نجاسة: فتغسل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر بقتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد والجلود، وأن يُدفنوا في ثيابهم بدمائهم" الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يُدفن أحد عريانًا، فكذلك شهيد المعركة إذا سلبه الكفار ثيابه لا يُدفن عريانًا بل يكفَّن، والجامع: الستر في كل، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن غسل النجاسة فيه دفع مفسدة دفنه بنجاسته وإن زال مع غسلها بعض الدم وهو أثر عبادة لا يُزال؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
[ ٢ / ١٣٣ ]
عند ربهم (^٧٩) (وإن سقط عن دابته) أو شاهق بغير فعل العدو (أو وجد ميتًا ولا أثر به) أو مات حتف أنفه، أو برفسة، أو عاد سهمه عليه، (أو حمل فأكل) أو شرب، أو نام، أو بال أو تكلَّم، أو عطس (أو طال بقاؤه عرفًا: غُسِّل وصلي عليه) كغيره، (^٨٠) ويُغسَّل الباغي، ويصلى عليه، ويُقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى
(^٧٩) مسألة: لا يُصلَّى على شهيد المعركة، صلاة الجنازة، بل يُدفن بعد الفراغ من المعركة مباشرة؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بدفن شهداء أحد، ولم يُصلَّ عليهم، فإن قلتَ: لمَ لا يصلى عليه؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أن الصلاة شرعت على الأموات، والشهداء أحياء عند ربهم، والحي لا يُصلَّى عليه، ثانيهما: أن الصلاة إنما شُرعت للشفاعة للميت والدعاء له، والشهيد قد أغناه الله بنيل الشهادة عن الشفاعة والدعاء؛ حيث إن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، فإن قلتَ: يُصلَّى عليه استحبابًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خرج يومًا فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت قلتُ: إن هذه صلاة مودِّع لهم؛ حيث إن هذا الخروج كان بعد ثمان سنوات من موتهم كما كان يخرج إلى من دفن في البقيع فيستغفر لهم كالمودِّع للأحياء، والأموات مثلهم كما قال ابن القيم في "زاد المعاد" فإن قلتَ: ما الخلاف؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" فعندنا يعمل بالقولية؛ لضعف الفعلية، وعندهم: يعمل بالفعلية.
(^٨٠) مسألة: إذا خرج مسلم لقتال الكفار ولكنه مات بسبب سقوطه عن دابته أو شاهق، أو وُجد ميتًا بساحة المعركة ولم يوجد فيه أثر الجرح أو ضرب، أو وجد ميتًا على فراشه، أو مات بسبب رفس دابته له، أو وطأته سيارة، أو مات بسبب عود سهمه عليه، أو قاتل ثم جرح، ثم حمل، ثم أكل أو شرب، أو نام أو بال أو تكلم أو عطس ونحو ذلك ثم مات، أو طال بقاؤه بعد الانتهاء من المعركة: فإن هذا يُغسَّل، ويُصلَّى عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث =
[ ٢ / ١٣٤ ]
عليه ثم يُصلب (^٨١) (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر: غُسِّل وصُلِّي عليه) وإن لم يستهل؛ لقوله ﷺ: "والسَّقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" رواه، أحمد وأبو داود، (^٨٢) وتُستحبُّ تسميته، فإن جُهل أذكر هو أم أنثى؟: سُمِّي بصالح
= إن سعد بن معاذ قد أصابه سهم يوم الخندق، فحُمل إلى المسجد، وبقي مدة، ثم مات، فغُسِّل، وصلى عليه النبي ﷺ، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُغسَّل كل ميت ويُصلّى عليه فكذلك هذا مثلهم والجامع: عدم الموت بسلاح العدو مباشرة في كل.
(^٨١) مسألة: يُغسَّل البغاة والسارقون، وشاربو الخمر، والمقتولون بحد أو قصاص أو تعزير، وكذا: قطاع الطرق، ويُصلى عليهم، ثم يصلب قاطع الطريق بتعليقه على عود قوي مدَّة حتى يراه الناس؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُغسِّل ويصلي على كل أحد مات إلا شهيد المعركة، والغالَّ، - وهو: الذي يكتم شيئًا من الغنيمة؛ ليأخذها لنفسه -، وكذا لم يصل على قاتل نفسه، والبُغاة وقُطَّاع الطرق ليسوا من هؤلاء الثلاثة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل وجوب تغسيل كل ميت والصلاة عليه، فيُستصحب ذلك ويُعمل به في الجميع - والشهيد، والغالُّ، وقاتل نفسه قد ورد ما يُخصِّصهم، ويبقى الباقي على الأصل.
(^٨٢) مسألة: يُغسَّل السَّقط - وهو: الذي تضعه أمُّه ميتًا - ويُكفن، ويُصلَّى عليه بشرط: أن يكون قد بلغ في بطن أمه أربعة أشهر - (١٢٠ يومًا) -، أما إذا لم يبلغ ذلك: فإنه يُلفُّ بخرقة، ويُدفن، بلا غسل ولا كفن ولا صلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "والسقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" ويلزم من الصلاة عليه: أنه يُغسَّل ويُكفَّن قبل ذلك وهذا عام لمن بلغ أربعة أشهر، ومن لم يبلغ لأن "السقط" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، =
[ ٢ / ١٣٥ ]
لهما (^٨٣) (ومن تعذَّر غسله)؛ لعدم الماء أو غيره كالحرق، والجذام، والتبضيع: (يُمِّم) كالجنُب إذا تعذَّر عليه الغسل، وإن تعذَّر غسل بعضه: غُسِّل ما أمكن، ويُمم للباقي (^٨٤) (و) يجب (على الغاسل ستر ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنًا) فيلزمه
= فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد توفرت فيه صفة الإنسانية، ونُفخت فيه الروح، وهو من أولاد المسلمين؛ حيث قال ﷺ: "إن الجنين يكون في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، فهذه أربعة أشهر، ثم يُرسل له الملك فينفخ فيه الروح" فهذا يلزم منه: أن يكون بعد أربعة أشهر إنسانًا كاملًا، بخلاف من هو أقل من ذلك، ولذا يُفعل به كما يُفعل بالبالغين من الاحترام، والتقدير، والتكريم في الحياة وبعد الممات، وهذا قد خصَّص عموم السنة القولية وهو قوله: "السقط يُصلّى عليه .. ".
(^٨٣) مسألة: يُستحب أن يُسمَّى هذا السقط قبل تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، فإن لم يُعلم جنسه هل هو ذكر أم أنثى؟: فإنه يُسمَّى باسم صالح لهما مثل: "نعمة الله" و"هبة الله" و"فضل الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأنه في يوم القيامة يُدعى كل شخص باسمه.
(^٨٤) مسألة: إذا عُدِم الماء، أو كان لا يكفي لغسله كله، أو كان فيه جروح أو حروق، أو كان غريقًا خشي من غسله أن يتقطَّع: فإن هذا لا يُغسَّل، أو يُغسَّل بما توفر من الماء، أو يُغسَّل الجانب الذي لا يتضرَّر بالغسل، ويُترك الباقي: ثم يُفعل به كما يفعل المتيمِّم، وإن لم يوجد ماء ولا تراب: فإنه يصلى عليه ويُدفن على حاله، فإن وجد الماء قبل دفنه: غُسِّل وصُلِّي عليه مرة ثانية، وإن وجد بعد دفنه: فلا يُخرج من قبره، بل يُترك؛ للقياس، بيانه كما أن الجنب إذا لم يجد الماء، أو يتضرَّر باستعماله يفعل ما يستطيعه، ويتمَّم للباقي، وإن وجد الماء =
[ ٢ / ١٣٦ ]
ستر الشر، لا إظهار الخير، (^٨٥) ونرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، (^٨٦) ولا
= قبل خروج الوقت يغتسل، ويُعيد الصلاة، فكذلك يُفعل بالميت والجامع: أن كلًا منهما معذور فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر، واستعمال ما يُستطاع استعماله وفيه دفع مشقة نبشِهِ أصله قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" وقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
(^٨٥) مسألة: يجب على الغاسل: أن يستر ما رآه على الميت من الأشياء القبيحة، ويُستحب إظهار ما رآه عليه من محاسن؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفُّوا عن مساوئهم" والذي صرف الأمر مر من الوجوب إلى الاستحباب هنا: فعل الصحابي؛ حيث إن بعضهم لا يذكر محاسن من غسله من الصالحين، والنهي في قوله: "وكفوا" مطلق فيقتضي تحريم ذكر المساوئ، وترك المحرم واجب، ثانيهما: قوله ﷺ: "من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة" وهو عام فيشمل الأحياء والأموات؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم بسبب ستر ما ظهر من المساوئ عليه، وفي إظهار الحسن تذكير الناس بالدعاء، له، والاقتداء بما كان يعمل، تنبيه: قوله: "لا إظهار الخير" يُشير به إلى أن إظهار الخير مباح، قلتُ: وهذا فيه نظر؛ لكونه يرقى إلى درجة الاستحباب؛ لما فيه من المصالح كما سبق.
(^٨٦) مسألة: يُستحب للمسلم أن يرجو للمحسن والصالح أن يُوفِّيه الله تعالى أجره كما وعده، ويخاف على المسيء أن يؤاخذه الله بما فعل فيدعو للاثنين قائلًا: "اللهم جازه بالحسنات إحسانًا وبالسيئات عفوًا وغفرانًا"؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة ودفع مفسدة.
[ ٢ / ١٣٧ ]
نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ (^٨٧) ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة، ويُستحب ظن الخير بالمسلم (^٨٨) فصل: في الكفن (يجب تكفينه في ماله)؛ لقوله ﷺ في المحرم -: "كفّنوه في ثوبيه" مقدَّمًا على دين) ولو برهن (وغيره) من وصية وإرث؛ لأن المفلس يُقدَّم بالكسوة على الدَّين، فكذا: الميت، (^٨٩) فيجب لحقِّ الله
(^٨٧) مسألة: يحرم أن يشهد شخص لشخص آخر بأنه في الجنة، وإن كان ظاهره أنه صالح مصلح، أو يشهد بأنه في النار وإن كان ظاهره أنه فاسد مفسد، بل يشهد بما شهد له النبي ﷺ بالجنة كالعشرة المبشرين بالجنة، ويشهد بما شهد له النبي ﷺ بالنار؛ للإجماع؛ حيث أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم العلم بحقيقة الأمر، فقد يظهر بعضهم الصلاح، وهو في الحقيقة فاسد، وقد يظهر من بعضهم الفساد وهو في الحقيقة صالح، أما ما يشهد به النبي ﷺ فقد أخبره به الله ﷿، فيكون حقًا.
(^٨٨) مسألة: تحرم إساءة الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة - وهو: من اجتمع فيه التقوى والمروءة -، ويُستحب أن يظن الخير فيه: سواء كان حيًا أو ميتًا، أما من ظاهره الفسق: فيُباح سوء الظن به؛ للتلازم؛ حيث يلزم ممن ظاهره العدالة: تحريم إساءة الظن به، لقربه من الصلاح، وبعده عن السوء، ويلزم ممن ظهر فسقه: إباحة سوء الظن به؛ لقربه من السوء، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى التواصل بين المسلمين العدول، والتوادد والمحبة والتعاون فيما بينهم، وترك الفسَّاق، وإهانتهم، حتى يرجعوا عمَّا هم عليه.
(^٨٩) مسألة: يجب أن يؤخذ كفن الميت من ماله بعد موته مباشرة قبل قضاء دينه ووصيته، وقبل تقسيم ماله على الورثة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ فيمن وقصته ناقته بعرفة فمات -: "كفِّنوه في ثوبيه" فأوجب تكفينه في ثوبيه ولم يستفصل عن دين أو وصية ونحو ذلك؛ لأن الأمر مطلق =
[ ٢ / ١٣٨ ]
وحقِّ الميت ثوب لا يصف البشرة، يستر جميعه (^٩٠) من ملبوس مثله، (^٩١) ما لم يوص بدونه، (^٩٢) والجديد أفضل (^٩٣) (فإن لم يكن له) أي:
= فيقتضي الوجوب والفور، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المفلس المدين يؤخذ مما عنده ليستره من كسوة، ويُقدَّم على قضاء دينه، فكذلك الميت مثله، والجامع: ستر المسلم حيًا وميتًا، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن الكفن الذي يكون من ماله: أنقى وأطهر، ولا تلحقه فيه منة.
(^٩٠) مسألة: يجب أن يكون الكفن ساترًا الجميع بدن الميت، لا يُعلم لون البشرة أهي بيضاء أو سوداء؟ للمصلحة؛ حيث إن الله أمر بستر المسلم حيًا وميتًا، وهو حق للميت فيلزم أن يكون الكفن ساترًا للميت، لا يصف البشرة عملًا بالحقين، وإكرامًا للمسلم.
(^٩١) مسألة: يجب أن يكون الكفن عاديًا، يلبسه من هو مثله، فلا يُغالى فيه، ولو أوصى الميت بأن يُكفن بكفن غال في الثمن: فلا تُنفَّذ تلك الوصية؛ بل يُكفَّن مثل غيره؛ للمصلحة؛ حيث إن الكفن الغالي فيه إسراف وإضاعة للمال، والله لا يُحب المسرفين.
(^٩٢) مسألة: إذا أوصى الميت بأن يُكفَّن بشيء أقل من ملبوس مثله: فيجب تنفيذ تلك الوصية؛ للتلازم؛ حيث إن تكفينه بملبوس مثله حقٌّ له، فيلزم من وصيته، بأن يكفن بأقل منه أن تُقبل؛ لأنه يُعتبر قد تنازل عن حقه.
(^٩٣) مسألة: يُستحب أن يكفن بشيء جديد؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الذين كفنوا رسول الله ﷺ كفَّنوه بثلاثة أثواب سحولية جُدُد - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لتكريم الميت، وتحسينه أمام الناظرين. [فرع]: إذا أوصى الميت بأن يُكفَّن بشيء قديم: فيجب تنفيذ وصيته؛ لقول الصحابي؛ حيث =
[ ٢ / ١٣٩ ]
للميت (مال فـ) كفنه ومؤنة تجهيزه (على من تلزمه نفقته)؛ لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذا: بعد الموت (إلا لزوج لا يلزمه كفن امرأته) ولو غنيًا؛ لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية، والتمكُّن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت، (^٩٤) فإن
= إن أبا بكر ﵁ قال: "كفِّنوني في ثوبي هذين؛ لأن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمُهْل والتراب" و"المهل": الصديد والقيح - كما قال أبو عبيدة كما في اللسان (١١/ ٦٣٤)، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الكفن سيذهب مع التراب، والتكفين بالجديد إضاعة للمال، وإسراف، والله لا يحب المسرفين، ولقد صدق أبو بكر ﵁ في مقالته.
(^٩٤) مسألة: إذا لم يكن للميت مال: فجميع لوازم تجهيزه: من كفن، وحمل، ودفن تؤخذ ممن تلزمه نفقته، ومؤنته في حال الحياة، فيجب على الآباء وإن علوا أن يُجهزوا أولادهم وإن نزلوا، ويجب على الأبناء وإن نزلوا أن يجهزوا آباءهم وإن علو وهكذا؛ للقياس، بيانه: كما أن نفقته تلزمه حال الحياة، فكذلك تلزمه بعد الممات من تجهيزه، والجامع: أن كلًا منها نفقة لازمة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للمنَّة من الأجانب، فإن قلتَ: إن الزوج لا يلزمه تجهيز زوجته إذا ماتت - وإن كانت نفقتها تلزمه في حال حياتها - وهو ما ذكر المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن عقد النكاح شرع لحلِّ الاستمتاع بالزوجة واستيلاءها، ويلزم من ذلك: النفقة عليها وكسوتها، فيلزم من انقطاع الاستمتاع والاستيلاء بالموت: انقطاع النفقة عليها وكسوتها، قلتُ: هذا لا يُسلَّم، بل يجب على الزوج تجهيز زوجته، وهو قول أكثر العلماء؛ للقياس الذي ذكرناه، وهي قاعدة عامة لجميع من تلزمه نفقته في حال الحياة، وكذا: التلازم؛ حيث يلزم من العشرة بالمعروف والمكافأة بالجميل: وجوب تجهيزها على الزوج، أما التلازم الذي =
[ ٢ / ١٤٠ ]
عدم مال الميت، ومن تلزمه نفقته: فمن بيت المال إن كان مسلمًا، (^٩٥) فإن لم يكن: فعلى المسلمين العالمين بحاله، (^٩٦) قال الشيخ تقي الدين: من ظنَّ أن غيره لا يقوم به تعيَّن عليه، (^٩٧) فإن أراد بعض الورثة: أن ينفرد به: لم يلزم بقية الورثة
= ذكروه فمنقوض بالمريضة؛ حيث إنه قد أجمع العلماء على وجوب نفقتها مع أنه لا يُستمتع بها، ولا تصلح للاستيلاء فكذا الميتة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا يعمل بالقياس وهو عام، وعندهم: يعمل بالتلازم؛ حيث إنه قد خصَّص عموم ذلك القياس.
(^٩٥) مسألة: إذا لم نجد مالًا للميت، ولم نجد من يُنفق عليه، أو تعذَّر ذلك: فإنه يُجهَّز من بيت مال المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن هذا البيت قد وضع لقضاء مصالح المسلمين، فيلزم تجهيزه منه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع لمَّنة الأجانب عليه.
(^٩٦) مسألة: إذا لم يكن للميت مال، ولا يوجد من ينفق عليه، وتعذَّر تجهيزه من بيت المال فيجب على عامة المسلمين العالمين بحال هذا الميت تجهيزه وجوبًا كفائيًا - فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الجميع، وإن تركوه مع علمهم به: أثم الجميع -؛ للقياس، بيانه: كما أن الحي العاجز عن نفقة نفسه: يُنفق عليه من تلزمه نفقته من أقربائه، فإن تعذَّر فمن بيت المال، فإن تعذَّر فعلى عامة المسلمين فكذلك الميت مثله، بجامع: العجز في كل، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعاون وتكافل اجتماعي.
(^٩٧) مسألة: إذا قطع أو غلب على ظنِّ زيد عدم وجود غيره يقوم بالنفقة والتجهيز لعمرو: فإن ذلك يجب على زيد وجوبًا عينيًا، وهذا من صور انقلاب الواجب الكفائي إلى واجب عيني؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث يلزم من عدم وجود غيره: وجوب ذلك عليه؛ لئلا يهلك عمرو، أو يؤذي غيره برائحته =
[ ٢ / ١٤١ ]
قبوله، (^٩٨) لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفته بعد دفنه، (^٩٩) وإذا مات إنسان مع جماعة في سفر: كفَّنوه من ماله، فإن لم يكن: كفَّنوه ورجعوا على تركته، أو من تلزمه نفقته إن نووا الرجوع (^١٠٠) (ويُستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن؛ لقول عائشة ﵂: "كُفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض
= إذا لم يُجهَّز إذا مات، وهذا فيه دفع مفسدة، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وقد بسطتُ الكلام عن ذلك في المجلد الأول من كتابَي: "المهذب" و"الإتحاف" تحت عنوان: "متى ينقلب فرض الكفاية إلى فرض عين؟ ".
(^٩٨) مسألة: إذا أراد واحد من الورثة، أو من الأجانب أن ينفرد بدفع جميع تكاليف تجهيز مورِّثهم: من كفن وحمل، ودفن، فلبقية الورثة أن يمتنعوا، ويطلبوا المشاركة في ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع وجود المنَّة من هذا المنفرد على الورثة أو على الميت.
(^٩٩) مسألة: إذا انفرد واحد من الورثة أو من الأجانب بتجهيز مورِّثهم، ثم دُفن: فلا يجوز لأحد من بقية الورثة أن ينبشه ويسلبه كفنه لأجل أن يشترك في ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مشقة وحرج عظيم: فقد يتغَّير الميت بعد دفنه - وهو الغالب - فيتأثر النابش بما رآه.
(^١٠٠) مسألة: إذا مات مسلم مع جماعة في سفر أو حضر: فيجب أن يُجِّهزوه من ماله، فإن لم يوجد معه مال: جهزوه من مالهم، ويجوز لهم أخذ ما جهَّزوه به من تركته أو ممن تلزمهم نفقته إذا رجعوا، بشرط: أن ينووا ذلك في حال تجهيزهم له، أما إذا لم ينووا ذلك: فلا يأخذوا منهم شيئًا؛ للمصلحة؛ حيث إن أخذهم المال الذي جهَّزوه به ممن تلزمهم نفقته فيه منع منَّتهم على الميت، وعلى أقربائه، ولا يأخذون إذا لم ينووا الأخذ منهم؛ لأن التجهيز عبادة، ولا يؤخذ مقابلها شيء.
[ ٢ / ١٤٢ ]
سحولية جُدُد يمانية ليس فيها قميص، ولا عمامة أدرج فيها إدراجًا" متفق عليه، (^١٠١) ويُقدَّم بتكفين من يُقدَّم بغسل، (^١٠٢) ونائبه كهو، والأولى: تولِّيه بنفسه (^١٠٣) (تجمر) أي: تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره؛ ليعلق (ثم تُبسط بعضها
(^١٠١) مسألة: يُستحب أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف - تُلفُّ عليه - تكون بيضاء نقية، ليس فيها قميص، ولا عمامة، ولا سراويل ولا غير ذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن من كفَّن رسول الله ﷺ من الصحابة قد كفَّنوه بذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أستر للميت، وأطهر وأطيب، وفيه تفاؤل بالخير، وسرور لأهل الميت فائدة: المراد بالسحولية: الثياب البيض النقية المكونة من قطن، نسبةًّ إلى "سحول" قرية في اليمن - كما في اللسان (١١/ ٣٢٨) -.
(^١٠٢) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُكفِّن الميت: فيُقدِّم وصيُّه، فإن لم يوجد وصي: فالأقرب من أقربائه: أصوله، ثم فروعه، للقياس، بيانه: كما يُفعل ذلك في تغسيله - كما سبق في مسألتي (٢٦ و٢٩) فكذلك يُفعل في تكفينه، والجامع: تقديم من قدَّمه الشارع، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه روعي في ذلك الأرحم والأشفق للميت.
(^١٠٣) مسألة: إذا أوصى زيد عمرًا بأن يُغسِّله ويُكفِّنه إذا مات، ثم أناب عمرو بكرًا بفعل ذلك لما مات زيد، فيكون بكر مقدمًا على أقارب الميت، ولكن الأفضل أن يقوم عمرو بتغسيل وتكفين زيد بنفسه، ولا يُنيب أحدًا عنه في ذلك إلا أن يقول زيد العمرو: "غسِّلني وكفِّني إذا متُ فإن تعذَّر ذلك منك: فأنب من تراه مناسبًا لذلك" فالموصى ونائبه سواء؛ للمصلحة؛ حيث إن زيدًا يعرف عدالة عمرو التي تقتضي عدم كشف ما يراه على الميت - وهو: زيد - وغيره ليس مثله في تلك العدالة، لذلك كان الأفضل أن يقوم الموصى بذلك =
[ ٢ / ١٤٣ ]
فوق بعض) أوسعها، وأحسنها: أعلاها؛ لأن عادة الحي جعل الظاهر أفخر ثيابه (ويجعل الحنوط) وهو: أخلاط من طيب - يُعدُّ للميت خاصة - (فيما بينها) لا فوق العليا؛ لكراهة عمر وابنه، وأبي هريرة (^١٠٤) (ثم يوضع) الميت (عليها) أي: اللَّفائف (مُستلقيًا)؛ لأنه أمكن لإدراجه فيها (^١٠٥) (ويُجعل منه) أي: من الحنوط (في قطن
= بنفسه، أما إن قال له: "أنب عنك من يقوم بذلك" فكل من الموصَى ونائبه في مرتبة واحدة؛ لكون زيد قد أذن لعمرو في ذلك، والعدل لا يُنيب إلا عدلًا مثله.
(^١٠٤) مسألة: إذا أراد المكفّن تكفين الميت: فإنه يُبخِّر اللفائف بعد رشها بماء ورد ونحوه، ثم يبدأ ببسط ومدِّ اللفائف الثلاث على الأرض، أو على السرير، فيمدُّ اللُّفافة الأولى التي ينبغي أن تكون أوسع اللفائف وأحسنها ثم يوضع عليها الحنوط - وهو طيب يُعدُّ للميت خاصة - فوق هذه اللُّفافة، ثم يمدُّ اللفافة الثانية فوق الأولى، ثم يذر الحنوط فوقها من داخلها، ثم يمدُّ اللفافة الثالثة فوق الثانية؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته فمات -: "ولا تُقرِّبوه طيبًا" حيث دل مفهوم الصفة على أن غير المحرم يُطيَّب ويُحنَّط، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر، وابنه، وأبا هريرة ﵃ يكرهون أن يوضع الطيب فوق اللفافة الأولى، بل داخلها، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل منظر ورائحة الميت مقبولين عند الناظرين والقريبين من الجنازة، الرابعة: القياس بيانه: كما أن الحي يجعل أحسن وأوسع ثيابه هو الظاهر، فكذلك الميت مثله، والجامع: ظهور المسلم بأحسن هيئة وصورة في كل.
(^١٠٥) مسألة: بعد بسط اللفائف: يوضع الميت مُستلقيًا على ظهره فوق تلك اللَّفائف، ويُجعل وجهه إلى القبلة إن أمكن؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أيسر في =
[ ٢ / ١٤٤ ]
بين إليتيه)؛ ليرد ما يخرج عند تحريكه (ويشدُّ فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (تجمع إليتيه ومثانته ويُجعل الباقي) من القطن المحنَّط على منافذ وجهه): عينيه، ومنخريه، وأذنيه، وفمه؛ لأن في جعلها على المنافذ منعًا من دخول الهوام (و) على (مواضع سجوده): ركبتيه، ويديه، وجبهته، وأنفه، وأطراف قدميه؛ تشريفًا لها، وكذا مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطيه، وسرته؛ لأن ابن عمر ﵃ كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (^١٠٦) (وإن طُيِّب) الميت (كله:
إدراجه في تلك اللَّفائف وطويها عليه بخلاف ما لو وضعه على جنب، ويُوجّه وجهه إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات.
(^١٠٦) مسألة: بعد وضع الميت على اللفائف مستلقيًا يضع المكفِّن بعض الحنوط والطيب في قطنة كبيرة فيضعها بين إليتيه على دُبُره، ثم يُشد بخرقة مشقوق طرفها كالسروال القصير الذي ليس له أكمام - وهو: المسمَّى بالتِّبَّان - وفعل ذلك؛ لتجمع هذه الخرقة بين إليتيه، ومثانته، بسبب إدارتها على الفخذين معًا، ثم تُشدُّ وتربط بقوة بعد ذلك بجعل بعض القطن المطيَّب على منافذ وجهه وهي العينان، والمنخران، والشفتان، والأذنان، والفم، ويوضع بعضه على مواضع السجود وهي: الركبتان، واليدان، والجبهة والأنف، وأطراف القدمين، بعد ذلك يوضع بعضه على المواضع التي يظهر منها رائحة كريهة عادة كالذي تحت الركبتين، وإبطيه وسرته؛ لقاعدتين: الأولى المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر للقبل والدُّبْر فيما لو سقط الكفن عن الميت، وفيه منع لظهور الرائحة الكريهة التي يمكن أن تحرج منه أثناء تحريكه، وفيه منع من دخول الهوام إلى داخل الجسم، وفيه تشريف مواضع السجود، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يتتبَّع مغابن: الميت كطي ركبتيه وإبطيه بالمسك؛ لمنع ظهور رائحة كريهة منه.
[ ٢ / ١٤٥ ]
فحسن)؛ لأن أنسًا طلي بالمسك، وطَلَى ابن عمر ميتًا بالمسك، (^١٠٧) وكُره داخل عينيه (^١٠٨) وأن يُطيَّب بورس وزعفران، (^١٠٩) وطليه بما يُمسكه كصبر ما لم يُنقل (^١١٠) (ثم يرد طرف اللفافة العليا) من الجانب الأيسر (على شقِّه الأيمن، ويرد
(^١٠٧) مسألة: يُكره تطييب جميع بدن الميت بالمسك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة المال، وإسراف، والله لا يُحب المسرفين، فإن قلتَ: يُستحب تطييب جميع بدنه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد طلى ميتًا بالمسك قلتُ: إن ثبت هذا عنه، فإنه اجتهاد منه مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرف﴾، وقول أو فعل الصحابي إذا خالف نصًا لا يُحتج به فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع عموم الكتاب" فعندنا: يُعمل بالعموم ولا يقوى فعل الصحابي هنا على تخصيصه، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي، ويقوى على تخصيص عموم الآية، تنبيه: قوله: "لأن أنسًا طلي بالمسك" لا يصلح للاستدلال به؛ لأن الغالب أن الذي طلاه بذلك بعض التابعين، وقول أو فعل التابعي ليس بحجة.
(^١٠٨) مسألة: يُكره وضع قطن مُطيَّب داخل عيني الميت؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُفسدهما.
(^١٠٩) مسألة: يُكره وضع زعفران أو ورس على بدن أو كفن الميت؛ للمصلحة؛ حيث إنهما غير مناسبين، وغير لائقين بحال الموت؛ لكونهما يُستعملان للزينة.
(^١١٠) مسألة: يُكره طلي ودهن جسم الميت بشيء يجعله متماسكًا صلبًا يابسًا مثل "الصَّبر"؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال ووقت بلا حاجة. [فرع]: يُستحب طلي جسم الميت بشيء يجعله صلبًا يابسًا كالصبر بشرط: أن يعزم أهله على نقله من بلد إلى بلد آخر - لغرض معيَّن -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع من ظهور رائحة كريهة من الميت عند تأخر دفنه.
[ ٢ / ١٤٦ ]
طرفها الآخر فوقه) أي: فوق الطرف الأيمن (ثم) يفعل بـ (الثانية والثالثة كذلك) أي: كالأولى (^١١١) (ويجعل أكثر الفاضل) من كفنه (على رأسه)؛ لشرفه، ويُعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه؛ ليصير الكفن كالكيس، فلا ينتشر (ثم يعقدها)؛ لئلا ينتشر (وتحلُّ في القبر)؛ لقول ابن مسعود: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلُّوا العقد" رواه الأثرم، (^١١٢) وكُرِه تخريق اللفائف؛ لأنَّه إفساد لها، (^١١٣) (وإن
(^١١١) مسألة: بعد فراغه من تطييب الميت على الطريقة السابقة - في مسألة (١٠٦) -: يقوم برد طرف اللفافة العليا، وهي الثالثة كما سبق في مسألة (١٠٤) - وهي: التي تلي الميت مباشرة - من الجانب الأيسر، ويجعلها على شقه الأيمن، ويرد طرف هذه اللفافة الآخر فوق الطرف الأيمن أو يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية كما فعل بالأولى، ثم يفعل بالثالثة - وهي التي تظهر للناس - كما فعل بالثانية؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع خروج الميت من الكفن عند تحريكه أثناء حمله أو دفنه.
(^١١٢) مسألة: إذا فضل من كفنه شيء: فيُجعل أكثره على رأسه، ويجعل باقي الفاضل على وجهه ورجليه، ثم يعقد ذلك على رأسه ووجهه ورجليه، ثم إذا وُضع في قبره: فإن تلك العُقد تُحل؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة: حيث إن هذا يجعل الكفن كالكيس، فلا ينتشر فيما: إذا سقط من حامليه، وجُعل الفاضل على الرأس والوجه؛ لشرفهما، وجُعل على الرجلين؛ ليمنع ذلك من السقوط والانزلاق، وشُرع حلُّ العقد في القبر؛ لأن الخوف من سقوط وانتشار الميت قد أُمن، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود ﵁: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلُّوا العقد".
(^١١٣) مسألة: يُكره أن يُخرَّق الكفن، بحيث يُجعل فيه فَتَحات إلا إن خيف من سرقة الكفن فيُستحب تخريقه؛ للمصلحة؛ حيث إن تخريقه يُقبِّح الكفن، ويُفسده، إما إن خيف من سرقة الكفن: فيُستحب التخريق؛ لمنع نبش القبر لأجل ذلك فتنتهك حرمة الميت.
[ ٢ / ١٤٧ ]
كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة: جاز)؛ لأنَّه ﷺ "ألبس عبد الله بن أُبَي قميصَه لما مات" رواه البخاري، وعن عمرو بن العاص: أن الميت يؤزر، ويُقمَّص، ويُلف بالثلاثة، وهذا عادة الحي، ويكون القميص بكمَّين، ودخاريص، لا يزِرٍّ (^١١٤) (وتُكفَّن المرأة) والخنثى ندبًا (في خمسة أثواب) بيض من قطن (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين)؛ لما روى أحمد وأبو داود - وفيه ضعف - عن ليلى الثقفية قالت: "كنتُ فيمن غسل أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ فكان أول ما أعطانا الحِقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر" قال أحمد: "الحِقاء": الإزار و"الدرع": القميص، فتؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمَّر، ثم تُلَفُّ باللُّفافتين، (^١١٥) ويُكفَّن صبي في ثوب، ويُباح في ثلاثة ما لم يرثه غير
(^١١٤) مسألة: يُباح تكفين الميت في قميص - وهو: الثوب العادي ذو الأكمام، ودخلات في جوانبه - وهي: الدخاريص - لكن بدون أزرار تقفل - وكذلك إزار يُجعل على الحقوين وما تحتهما، وكذلك: لفافة تلف جميع البدن، وصفة ذلك: أن يُلبس الإزار، ثم يُلبس القميص، ثم يُلفُّ باللفافة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ألبس قميصه عبد الله بن أُبَي لما مات، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحي يلبس الإزار، ثم القميص، ثم العباءة فكذلك الميت مثله، والجامع: الاحتياط في الستر في كل؛ الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمرو بن العاص: "إن الميت يؤزر، ويُقمَّص، ويُلفُّ بالثلاثة"، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وتزيين مظهر الميت، وستره.
(^١١٥) مسألة: يُستحب أن تكفن المرأة والخنثى في خمسة أثواب، وهي: "إزار" و"قميص" وهو الثوب العادي ذو الأكمام و"خمار" يُجعل على رأسها، و"لفافتان" وهما اللتان يشملان جميع بدنها، وصفة ذلك: أن تُلبس الإزار، ثم =
[ ٢ / ١٤٨ ]
مكلَّف (^١١٦) وصغيرة في قميص ولفافتين (^١١٧) (والواجب) للميت مطلقًا (ثوب
تُلبس القميص، ثم تُخمَّر، ثم تُلَفُّ باللفافتين؛ للقياس، بيانه: كما أن المرأة في الحياة تزيد على الرجل في لباسها؛ سترًا لها فكذلك تزيد عليه في كفنها والجامع: المبالغة في سترها؛ منعًا للفتنة، وإثارة الشهوة، وجُعل الخنثى مثل المرأة هنا، احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى تنبيه: حديث ليلى الثقفية لا يصلح للاستدلال به؛ لأن من رواته نوح بن حكيم، وهو ضعيف الرواية.
(^١١٦) مسألة: يُستحب أن يكفن الصبي بثلاثة أثواب، وهو قول الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن البالغ يستحب أن يكفن في ثلاثة أثواب فكذلك الصبي، والجامع: الاحتياط في الستر، فإن قلتَ: يُستحب: أن يُكفَّن في ثوب واحد، ولا يُكفَّن في ثلاثة إلا إن كان وارثه مُكلَّفًا وأذن بذلك: فإنه يكفن في ثلاثة استحبابًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للمصلحة؛ حيث إن غير المكلف بحاجة إلى المال، فلا يُوضع في ثلاثة أثواب مع أنه يكفيه واحد قلتُ: هذا غيرُ مسلِّم؛ لأن فيه جلب مصلحة لغيره من ماله، وفي تكفينه في ثلاثة أثواب جلب مصلحة له، فيُقدَّم ما فيه جلب مصلحة له؛ لأنَّه ماله فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس؛ لما ذكرنا من مصلحة الميت، وعندهم: يُعمل بمصلحة الحي الوارث له.
(^١١٧) مسألة: يُستحب أن تُكفَّن الصبية بخمسة أثواب؛ للقياس على البالغة، والجامع: المبالغة في الستر، فإن قلتَ: تكفن في قميص ولفافتين، ولا تخمر ولا يُغطى رأسها - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أن الصغيرة ليست بحاجة إلى الخمار في حياتها فكذلك بعد موتها، والجامع: الأمن من الفتنة في كل قلتُ: لا يُسلَّم الأصل المقاس عليه؛ حيث إن الصبية التي بلغت سبع سنوات قد يُفتتن بها، فتكون بعد مماتها كذلك، فتكفَّن في خمسة أثواب، =
[ ٢ / ١٤٩ ]
يستر جميعه)؛ لأن العورة المغلَّظة يجزئ في سترها ثوب واحد: فكفن الميت أولى (^١١٨) ويكره بصوف وشعر، (^١١٩) ويحرم بجلود، (^١٢٠) ويجوز في حرير؛ لضرورة فقط، (^١٢١) فإن لم يجد إلا بعض ثوب: ستر العورة كحال الحياة، والباقي بحشيش
فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فألحقناها بالبالغة؛ لأنها أكثر شبهًا بها، وألحقوها بحالها حال حياتها؛ لأنَّه أكثر شبهًا بها وهو المسمى بقياس "الشبه"، أو "غلبة الأشباه".
(^١١٨) مسألة: يُجزئ تكفين الميت بثوب واحد ساتر للميت: سواء كان ذكرًا أو أنثى أو خنثى أو كبيرًا، أو صغيرًا، وسواء كان الثوب له أكمام أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن العورة المغلَّظة يُجزئ في سترها من الحي ثوب واحد، فمن باب أولى أن يُجزئ ذلك في الميت، والجامع: الستر في كل، بل إن الحي أحوج إلى الستر من الميت؛ لكون الحي المنكشف العورة يثير الفتنة أكثر من الميت المنكشف العورة، فإن قلتَ: لمَ يجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن المطلوب الستر وقد وُجد.
(^١١٩) مسألة: يُكره أن يُكفَّن الميت بكفن مكوَّن من صوف أو شعر؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤثر في بشرة الميت قبل دفنه.
(^١٢٠) مسألة: يحرم أن يُكفن الميت بكفن مكوَّن من جلود الحيوانات؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بنزع الجلود عن الشهداء مع ضيق الوقت، ومع عدم غسلهم وتكفينهم؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لم حرم ذلك؟ قلتُ: لعدم التفاؤل في لبسها؛ وقد قيل: إنها من ألبسة أهل النار.
(^١٢١) مسألة: يحرم تكفين الميت بكفن من حرير أو من ذهب أو فضة لغير ضرورة، أما إن وُجدت ضرورة: كأن لا يوجد إلا هذا الكفن من الحرير أو الذهب أو الفضة فيُباح تكفينه فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن تكفينه فيها من غير =
[ ٢ / ١٥٠ ]
أو ورق، (^١٢٢) وحُرِّم دفن حُلي وثياب غير الكفن؛ لأنَّه إضاعة مال، (^١٢٣) ولحي أخذ كفن ميت لحاجة حر أو برد بثمنه (^١٢٤) فصل: في الصلاة على الميت: تسقط بمكلَّف، (^١٢٥) وتسنُّ جماعة، وأن لا تنقص الصفوف عن
ضرورة ضياع للمال وإسراف؛ والله لا يُحب المسرفين، فإن وجدت ضرورة فيُباح لضرورة ستر العورة؛ لأن دفع المفسدة - وهو: ستر العورة - مُقدَّم على جلب المصلحة - وهو الحفاظ على المال، و"عند الضرورات تُباح المحظورات".
(^١٢٢) مسألة: إذا لم يوجد إلا قطعة لا تكفي لستر كل الميت: فإنه يُستر بها عورته وإن بقي شيء فرأسه، ويُجعل على باقيه شيء من الحشيش أو الورق؛ للقياس، بيانه: كما أن العورة تقدَّم في الستر في حال الحياة، فكذلك تُقدَّم في حال الممات، والجامع: الستر في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف العورة يُثير الفتنة بخلاف غيرها.
(^١٢٣) مسألة: يحرم أن يُدفن مع الميت ذهب أو فضة أو غيرهما من الثياب والحلي؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال، وإسراف، والله لا يحب المسرفين.
(^١٢٤) مسألة: يُباح للحي أن يأخذ كفن الميت - قبل أو بعد وضعه في قبره - بشرط: أن يخاف على نفسه الهلاك أو الضرَّر من بردٍ أو حرٍّ، وذلك بثمنه، فيدفع ثمنه للورثة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع التلف أو الضرر عن ذلك الحي، ودفع المفسدة عن ذلك الحي مقدم على جلب المصلحة لذلك الميت بتكفينه فيه.
(^١٢٥) مسألة: إذا صلَّى مُكلَّف - بالغ عاقل - على ميت: فإن الصلاة عليه تسقط عن الباقين: سواء كان هذا المصلي ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا، مقيمًا أو مسافرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الصلاة عليه فرض كفاية - كما سبق في =
[ ٢ / ١٥١ ]
ثلاثة (^١٢٦) (والسنة: أن يقوم الإمام عند صدره) أي: صدر ذكر (وعند وسطها) أي: وسط أنثى، والخنثى بين ذلك، (^١٢٧) والأولى بها وصيُّه العدل، فسيِّد برقيقه، فالسلطان، فنائبه الأمير، فالحاكم، فالأولى بغسل رجل، فزوج بعد ذوي
مسألة (٢٢) - أن تسقط بالواحد؛ لأنَّه يُعتبر بعضًا؛ حيث إن فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^١٢٦) مسألة: يُستحب أن تُصلِّي جماعة على الميت، وأن تكون ثلاثة صفوف؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يصلي مع الجماعة، وأنَّه كان يُقسِّم الناس ثلاثة صفوف، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير الأجر، وغفران الذنوب للميت.
(^١٢٧) مسألة: يُستحب أن يقف الإمام - أثناء الصلاة على الميت - عند رأس الرجل والصبي، وعند وسط المرأة والصبية، والخنثى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشريف للرأس الذي فيه الفكر والذهن، الذي بسببه قد اهتدى إلى طريق الرشاد، وابتعد عن طريق الضلال، والأصل أن يقف عند رأس كل ميت، ولكن عُدل في المرأة فاستحب الوقوف عند وسطها؛ لكون ذلك أستر لها: فيمنع الإمام أن ينظر المأموم إلى ما يُقابل فرجها وعجزتها؛ دفعًا لإثارة الفتنة، وفُعل ذلك بالخنثى احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: إن الإمام يقف عند صدر الذكر، ويقف بين صدر الخنثى ووسطه - وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
[ ٢ / ١٥٢ ]
الأرحام، (^١٢٨) ومن قدَّمه وليُّ بمنزلته، (^١٢٩) من قدَّمه وصي، (^١٣٠) وإذا اجتمعت
(^١٢٨) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يصلي على هذا الميت: فيُقدَّم وصيُّه العدل العارف لأحكام الصلاة، فإن لم يوجد وصي، فيُقدَّم سيد للصلاة على رقيقه، فإن تعذَّر: فالأولى بغسله يُقدَّم في الصلاة عليه - كما سبق في مسألة (٢٦ و٢٩) - ممن يصلح للإمامة، ويُقدَّم في الصلاة على المرأة أبوها وإن علا، ثم ابنها وإن نزل، ثم أخوها، ثم زوجها؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد أوصى بأن يُصلَّي عليه عمر ﵁، وأوصى عمر بأن يُصلِّي عليه صهيب فقُدِّما في ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب السابق أصلح للميت، وأعزُّ له، وسبب لاستجابة الدُّعاء.
(^١٢٩) مسألة: إذا قدَّم واحد من أولياء الميت شخصًا في إمامة الصلاة على الميت: فإنه يُقدَّم على غيره، فيكون المقدَّم بمنزلة المقدِّم بشرط: أن يكون هذا المقدَّم عدلًا عارفًا لأحكام الصلاة على الموتى؛ للقياس، بيانه: كما أن ولي النكاح إذا قدَّم غيره ووكَّله بأن يعقد النكاح على موليته: فإنه يُقدّم على غيره، فكذلك هنا، والجامع: التقديم والصلاحية في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا من حقه شرعًا، والتيسير على المسلمين.
(^١٣٠) مسألة: إذا أوصى زيد بأن عمرًا يُصلِّي عليه إذا مات، وأوصى عمرو بكرًا بأن يُصلي على زيد: فلا يُقدَّم بكر، إلا إذا أذن زيد لعمرو بأن يُقدِّم من يشاء، وقدَّم عمرو بكرًا: فإنه يُقدَّم هنا؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا قد وثق بعمرو بأن يصلي عليه، ولا يلزم من ذلك: أن يكون غيره مثله في درجة الثقة فلزم منعه، بخلاف ما لو أذن لعمرو بأن يُقدِّم من يشاء فيلزم تقديمه؛ لأن زيدًا واثق بأن عمرًا لن يُقدِّم إلا من هو مثله أو أفضل منه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للميت.
[ ٢ / ١٥٣ ]
جنائز: قُدِّم إلى الإمام أفضلهم - وتقدَّم -، فأسن، فأسبق، ويُقرع مع التساوي، (^١٣١) وجمعهم بصلاة أفضل (^١٣٢) ويُجعل وسط أنثى حذاء صدر رجل، وخنثى
(^١٣١) مسألة: إذا اجتمعت عدَّة أمواتٍ: رجال وصبيان ونساء: فإنه يوضع الرجال مما يلي الإمام مباشرة، ثم يليهم الصبيان، ثم النساء، فتكون النساء أبعد ما يكون عن الإمام؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عثمان وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة، وقد تقدَّم ذلك في مسألة (١١٣) من باب "صلاة الجماعة" حيث إنه إذا اجتمع هؤلاء: صف الرجال وراء الإمام؛ ثم يصف الصبيان خلفهم، ثم تصف النساء خلف الجميع. [فرع]: إذا اجتمعت عدَّة أموات من الرجال: قُدِّم أفضلهم في العلم بأن يوضع بعد الإمام مباشرة، فإن كانوا في العلم سوءا: قُدِّم أكبرهم سِنًّا، فإن كانوا في السِّنِّ سواء: قُدِّم أسبقهم في الموت والتغسيل والتكفين، فإن كانوا في ذلك سواء: يُقرع بينهم، ويُجعل مما يلي الإمام من تخرج له القرعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم العلماء على غيرهم؛ لفضلهم على جميع الناس، ثم الأكبر سنًا؛ لكونهم أقدم في العمل في الأحكام الشرعية، فيكون أكمل وأشرف من غيره، ثم الأسبق في الموت وغيره؛ لئلا يشعر أهله بالظلم، ثم يُقدَّم من تُصيبه القرعة؛ نظرًا لتساوي الحقوق، فلا يشعر أحد بظلم كما قلنا في الأذان، والإمامة، وقد تقدَّم.
(^١٣٢) مسألة: إذا اجتمعت عدَّة جنائز: فإن الصلاة عليهم جميعًا بصلاة واحدة أفضل من الصلاة على كل جنازة لوحدها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق الإسراع بدفن الموتى قبل أن تخرج منهم روائح كريهة، وفيه تكثير الجماعة على كل جنازة؛ لاجتماع أهل الجنائز جميعهم.
[ ٢ / ١٥٤ ]
بينهما (^١٣٣) (ويُكبِّر أربعًا)؛ "لتكبير النبي ﷺ على النجاشي أربعًا" متفق عليه (^١٣٤) (يقرأ في الأولى) أي: بعد التكبيرة الأولى، وهي تكبيرة الإحرام و(بعد التعوِّذ) والبسملة (الفاتحة) سرًا ولو ليلًا لما روى ابن ماجه عن أم شريك الأنصارية قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها" (^١٣٥) (ويُصلِّي على النبي ﷺ في) أي: بعد التكبير (الثانية كـ) الصلاة
(^١٣٣) مسألة: إذا اجتمع رجل وامرأة وخنثى وأريد الصلاة عليهم صلاة الجنازة: فإنه يُجعل وسط المرأة والخنثى مساويًا لرأس الرجل؛ للتلازم؛ حيث إن الإمام يقف عند وسط المرأة والخنثى، ورأس الذكر إذا انفرد كل واحد منهم، فيلزم أن يفعل ذلك إذا اجتمعوا؛ ليتحقَّق ذلك، تنبيه: قوله: "حذاء صدر رجل وخنثى بينهما" يشير إلى مذهبه في ذلك، والراجح أنه يقف عند وسط الخنثى كالمرأة، ورأس الذكر - كما سبق في مسألة (١٢٧).
(^١٣٤) مسألة: إذا وُضع الميت أمام الإمام - كما سبق وصفه -: فإنه يُصلِّي عليه مُكبِّرًا أربع تكبيرات للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يُكبِّر في صلاة الجنازة أربع تكبيرات كما فعل في صلاته على النجاشي لما علم بوفاته، وكما فعل على عدة جنائز كما رواه أنس وابن عباس ﵃، فإن قلتَ: لمَ شُرعت تلك التكبيرات الأربع؟ قلتُ: لأنها بمنزلة أربع ركعات، فإن قلتَ: لمَ كانت صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود؟ قلتُ: لأن الإسراع بدفن الجنازة مقصود شرعًا؛ لئلا تخرج منه روائح كريهة، فتؤذي الناس، وتُشوه الميت، والصلاة عليه بهذه الطريقة تحقق هذا المقصود.
(^١٣٥) مسألة: يبدأ المصلي على الجنازة بتكبيرة الإحرام - وهي: التكبيرة الأولى - فيتعوَّذ بعدها من الشيطان الرجيم، ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة سرًا، ولو وقعت تلك الصلاة في الليل، ولا يقرأ سورة بعدها؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول أمِّ شريك: "أمرنا رسول الله أن نقرأ في الجنازة بفاتحة الكتاب، =
[ ٢ / ١٥٥ ]
في (التشهد) الأخير؛ لما روى الشافعي عن أبي أمامة عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ: "أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يُكبِّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يُصلِّي على النبي ﷺ، ويُخلص الدعاء للميت، ثم يُسلِّم" (^١٣٦) (ويدعو في الثالثة)؛ لما تقدَّم (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا
ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها"، ثانيهما: قول أبي أمامة بن سهل: "إن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يُكبِّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سِرًّا في نفسه، ثم يُصلِّي على النبي ﷺ، ويُخلص الدعاء للميت، ثم يُسلِّم" وأبو إمامة قد أخبره بذلك رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، وإذا قال الصحابي: "من السنة" فله حكم الحديث المرفوع، فإن قلتَ: لمَ تقرأ الفاتحة هنا؟ قلتُ: لأن القيام مشروع في صلاة الجنازة، والفاتحة تُشرع في كل قيام، فإن قلتَ: لم لا يُشرع فيها دعاء الاستفتاح، وقراءة سورة؟ قلتُ: لأنَّه يُشرع في صلاة الجنازة الإسراع فيها، وفعلهما يؤخرها، فإن قلتَ: إنه يُجهر في قراءة الفاتحة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد جهر فيها قلتُ: إن ابن عباس ﵃ قد جهر بذلك لتعليم الناس صلاة الجنازة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع فعل الصحابي" فعندنا: يعمل بالسنة وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي.
(^١٣٦) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة: يُكبِّر التكبيرة الثانية ثم يصلي على النبي ﷺ كما يفعل في التشهد الأخير قائلًا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد"؛ للسنة القولية؛ وهو حديث أبي إمامة الذي ذكر في مسألة (١٣٥)، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تبرك بالصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه الموفَّق: "وأنت على كل شيء قدير" ولفظة: "السنة" (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله) بضم الزاي وقد تسكن - وهو: القِرَى - (وأوسع مُدخله) بفتح الميم: إمكان الدخول، وبضمها: الإدخال (واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) رواه مسلم عن عوف بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: "وأبدله أهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة" وزاد الموفَّق لفظ: "من الذنوب" (وأفسح له في قبره ونوِّر له فيه)؛ لأنَّه لائق بالمحل، (^١٣٧) وإن كان الميت أنثى: أنَّت الضمير، وإن كان خنثى قال: "هذا الميت" ونحوه، (^١٣٨) ولا بأس بالإشارة بالإصبع حال الدعاء
(^١٣٧) مسألة: بعد الفراغ من الصلاة على النبي ﷺ يكبِّر التكبيرة الثالثة، ثم يدعو للميت بما شاء، ولكن الأولى: أن يدعو بما ورد عنه ﷺ؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدعو بما أورده المصنف إذا صلى على ميت - كما رواه عوف بن مالك وأبو هريرة -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي مصلحة الميت والحي، وهي واضحة في الدعاء، تنبيه: قوله: لكن زاد فيه الموفق: "وأنت على كل شيء قدير" ولفظ: "السنة" ولفظ: "من الذنوب" يشير إلى أن موفَّق الدين ابن قدامة زاد تلك الألفاظ في كتابه: "المقنع في الفقه" في حين أنها لم ترد فيما رواه عوف بن مالك وأبو هريرة، وهذه الزيادات مناسبة للمقام.
(^١٣٨) مسألة: يُستحب أن يؤنِّث الضمير في الدعاء إن كان الميت أنثى، فيقول: "اللهم اغفر لها .. " وإن كان خنثى قال: "اللهم اغفر لهذا الميت، أو لهذه الجنازة"؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُناسب المدعو له، فيلزم التلفُّظ بما يُناسب.
[ ٢ / ١٥٧ ]
للميت (^١٣٩) (وإن كان) الميت (صغيرًا): ذكرًا، أو أنثى، أو بلغ مجنونًا واستمر: (قال) - بعد: "ومن توفيته منا فتوفه عليهما" -: (اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا) أي: سابقًا مُهيئًا لمصالح والديه في الآخرة: سوءا مات في حياة والديه أو بعدهما (وأجرًا وشفيعًا حجابًا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم) ولا يستغفر له؛ لأنَّه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم، (^١٤٠) وإذا لم يعرف إسلام والديه: دعا لمواليه (^١٤١) (ويقف بعد الرابعة قليلًا) ولا يدعو، ولا يتشهد،
(^١٣٩) مسألة: تباح الإشارة إلى الميت بالإصبع أثناء الدعاء له؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه زيادة تخصيص وتأكيد، وهو من باب الإخلاص بالدعاء.
(^١٤٠) مسألة: إذا كان الميت صغيرًا أو مجنونًا وهو من أولاد المسلمين: فإنه يدعو المصلي قائلًا: "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا .. الخ" - كما ذكر المصنف هنا - لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ورد بعض هذا الدعاء عنه ﷺ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء مناسب للمقام؛ إذ لا ذنب للصغار والمجانين، فإن قلتَ: لمَ يقال: اجعله في كفالة إبراهيم؟ قلتُ: لما ذكره ابن أبي الدنيا من أن إبراهيم ﵇ هو حاضن من يموت من الصبيان، فإن قلتَ: لم لا يُستغفر له؟ قلتَ: لعدم وجود ذنب عليه؛ حيث إنه شافع لوالديه، فإن قلتَ: لمَ دعي له بأن يقيه الله من عذاب الجحيم مع أنه غير مُكلَّف؟ قلتُ: لأن النار ستنال كل أحد ومنهم الصغار، وهذا تحلِّة القسم؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
(^١٤١) مسألة: إن كان الميت صغيرًا أو مجنونًا، ولا يعرف: هل والداه مسلمان أو لا؟ فإنه يُدعى لمواليه المسلمين فيقال: "اللهم اجعله ذخرًا لمواليه"؛ للتلازم؛ حيث إن مواليه هم الذين قاموا برعايته والعناية به، وتربيته على الإسلام، فيلزم أن يصرف الدعاء إليهم؛ جزاء بما فعلوا.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ولا يُسبِّح (ويُسلِّم) تسليمة (واحدة عن يمينه) روى الجوزجاني عن عطاء بن السائب: أن النبي ﷺ سلَّم على الجنازة تسليمة واحدة، (^١٤٢) ويجوز تلقاء وجهه، وثانية، (^١٤٣) وسُنَّ وقوفه حتى تُرفع (^١٤٤) (ويرفع يديه) ندبًا (مع كل تكبيرة)؛ لما تقدَّم في صلاة العيدين (^١٤٥) (وواجبها) أي: الواجب في صلاة الجنازة
(^١٤٢) مسألة: بعد فراغه من الدعاء للميت: يُكبِّر الرابعة، ويسكت قليلًا ثم يُسلِّم عن يمينه تسليمة واحدة، فلا يقول شيئًا بعد هذه التكبيرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للفصل بين التكبيرة والتسليم بقدر أخذ النفس، وذلك كله للإسراع في دفن الجنازة فالتخفيف في ذلك مشروع؛ لذا يُجزئ لو قال: "السلام عليكم".
(^١٤٣) مسألة: يُباح أن يُسلِّم في صلاة الجنازة بدون التفات، أي: وهو مستقبل القبلة، ويُباح أن يُسلِّم تسليمتين كالصلاة العادية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث ثبت عنه ﷺ أنه سلَّم تسليمتين في صلاة الجنازة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن في التفاته بعض التأخير، فأُبيح تركه؛ لكونه يُناسب الإسراع في الجنازة.
(^١٤٤) مسألة: إذا فرغ المصلي على الجنازة: يُستحب أن يقف حتى تُرفع تلك الجنازة من بين يديه؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر لا يبرح من مُصلَّاه حتى يراها على أيدي الرجال، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احترام وتقدير هذا المسلم الميت.
(^١٤٥) مسألة: يُستحب أن يرفع المصلي على الجنازة يديه إلى محاذاة كتفيه أو أذنيه مع كل تكبيرة من التكبيرات الأربع، وأن يضع باطن اليد اليُمنى على ظاهر اليد اليُسرى تحت السرة أو فوقها بين التكبيرات الأربع؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب فعل ذلك في سائر الصلوات ومنها صلاة العيدين، فكذلك صلاة الجنازة مثلها، والجامع: أن كلًا منها تُعتبر صلاة يُعظم بها الله تعالى، وبيان أن الله أكبر من كل شيء.
[ ٢ / ١٥٩ ]
مما تقدَّم (قيام) في فرضها (وتكبيرات) أربع (والفاتحة) ويتحمَّلها الإمام عن المأموم (والصلاة على النبي ﷺ، ودعوة للميت والسلام)، (^١٤٦) ويُشترط لها النية، فينوي الصلاة على الميت، ولا يضرُّ جهله بالذكر وغيره، فإن جهله: نوى "على من يصلي عليه الإمام" وإن نوى: "أحد الموتى": اعتبر تعيينه، وإن نوى: "على هذا الرجل" فبان امرأة، أو بالعكس أجزأ؛ لقوة التعيين، قاله أبو المعالي، وإسلام الميت، وطهارته من الحدث والنجس مع القدرة، وإلا صُلِّي عليه، والاستقبال، والسترة كمكتوبة، وحضور الميت بين يديه، فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (^١٤٧)
(^١٤٦) مسألة: واجبات صلاة الجنازة ستة: أولها: القيام؛ فلا تصح من قاعد - وهو قادر على القيام ثانيها: التكبيرات الأربع، ثالثها: قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، رابعها: الصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية، خامسها: الدعاء للميت بعد الثالثة، سادسها: التسليمة الواحدة بعد الرابعة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صَلِّ قائمًا"؛ حيث أوجب الشارع القيام في كل صلاة، ومنها صلاة الجنازة؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية، الثالثة: المصلحة، وقد سبق بيان ذلك في مسائل (١٣٤ و١٣٥ و١٣٦ و١٣٧ و١٤٢)، وسبق أيضًا بيان المقصد من كل واجب، تنبيه: قوله: "ويتحمَّلها الإمام عن المأموم"؛ قياسًا على الصلاة المفروضة وقد سبق بيانه، تنبيه آخر: إذا أخلَّ بواحد من تلك الواجبات الستة عمدًا: بطلت صلاته، وإن أخلَّ به سهوًا: أتى به إن لم يطل الفصل، فإن طال الفصل: سقط عنه.
(^١٤٧) مسألة: شروط صلاة الجنازة سبعة: أولها: أن ينوي أنه سيُصلي على ميت، وتصح ولو لم يعلم جنس الميت أذكرًا أو أنثى؟ فينوي: "الصلاة على الجنازة الحاضرة" أو "على هذه الجنازة" أو "على من يصلي عليه الإمام" وكذا: تصح ولو نوى أنه سيصلي على رجل فبان أن الميت امرأة، أو بالعكس، ولو نوى أنه سيُصلى على واحد فقط من أموات كثيرين صحَّت صلاته على هذا الواحد =
[ ٢ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقط، دون غيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" وصلاة الميت عمل شرعي فلا يصح إلا بنية؛ لكونه يدخل تحت عموم لفظ "الأعمال" لأنَّه عموم جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الغرض من الصلاة وهو الدعاء: صحَّة الصلاة وإن لم يُعلم جنس الميت، أو عَلِم أنه ذكر فبان أنثى أو العكس، ويلزم من تعيين واحد من الموتى المجتمعين: إخراج غيره، فلا يكون مقصودًا، ثانيها: أن يكون الميت مسلمًا، فتحرم الصلاة على كافر إذا مات؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ حيث حرم الصلاة على من كفر: سواء كان أصليًا أو بنفاق؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ثالثها: أن يكون الميت قد طُهِّر من الحدث والنجس بغسله إن كان مقدورًا على ذلك، أو بالتيمُّم؛ للقياس على الحي: فكما أن الحي يُشترط لصحة صلاته التطهر من ذلك، فكذلك الميت يُشترط لصحة الصلاة عليه تطهره، رابعها: أن يكون المصلي على الجنازة مستقبل القبلة والجنازة أمامه؛ للقياس على الصلوات المفروضة؛ حيث يُشترط فيها ذلك، فكذلك صلاة الجنازة مثلها بجامع: أن كلًا منها صلاة مُتعبِّد بها، خامسها: أن يكون المصلي ساترًا لعورته؛ للقياس على الصلوات المفروضة وقد سبق، سادسها: أن يكون الميت حاضرًا بين يدي المصلي، فلا تصح الصلاة على جنازة محمولة، ولا تصح وهي من وراء جدار، أو خشب لا يراه الإمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسميتها "صلاة الجنازة": أن تكون موجودة بين يدي الإمام يُعاينها بدون تحريك، سابعها: أن تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين، فلا تصح صلاة قبل ذلك لمن قدر عليه؛ للمصلحة؛ حيث لا يليق به إلا ذلك؛ لتكريمه وإجلاله، فإن قلتَ: لمَ اشتُرطت تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا يفرق بين الأعمال الشرعية وغيرها إلا بالنية، ولتكريم المسلم الميت، ولإخلاص الدعاء له.
[ ٢ / ١٦١ ]
(ومن فاته شيء من التكبير: قضاه) ندبًا (على صفته)؛ لأن القضاء يحكي الأداء كسائر الصلوات، والمقضي أول صلاته يأتي فيه بحسب ذلك، وإن خشي رفعها: تابع التكبير: رُفعت أم لا، وإن سلَّم مع الإمام ولم يقضه: صحَّت؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "ما فاتكِ لا قضاء عليكِ" (^١٤٨) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي: على الميت: (صلَّى على القبر) إلى شهر من دفنه؛ لما في الصحيحين من حديث
(^١٤٨) مسألة: إذا دخل زيد وقد فاتته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة: فإنه يدخل مع الإمام ويُتابعه على ما هو عليه، فإذا سلَّم الإمام قضى زيد ما فاته من التكبيرات على صفة الأداء: فيُكبِّر الأولى ويقرأ الفاتحة، ويكبر الثانية، ويصلي على النبي، ثم يُكبِّر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة فيُسلِّم سواء: رُفعت الجنازة أو لا، وإن لم يقض: صحَّت صلاته؛ للقياس وهو من وجوه: أولها: كما أن الصلوات المفروضة يقضي المصلي ما فاته منها على صفة الأداء، فكذلك صلاة الجنازة مثلها، والجامع: أن كلًا منها صلاة مفروضة، ثانيها: كما أن المسبوق إذا أدرك ركعة، من صلاة الفرض: فإنه يقضي ما فاته إذا سلَّم إمامه وتحسب له الصلاة أداء وإن خرج الإمام من المسجد فكذلك الحال في صلاة الجنازة يستمر هذا المسبوق في قضاء صلاة الجنازة وإن رُفعت من الأرض، ويُحسب أنه صلى على الميت صلاة كاملة والجامع: أن كلًا منهما قد زال ما كان يقصده، ثالثها: كما أن المسبوق إذا وجد الإمام راكعًا فإنه يدخل معه وتصح الركعة ولا يقضيها، ولا يقضي قراءة الفاتحة، وتصح صلاته فكذلك من فاته عدد من التكبيرات في صلاة الجنازة لا يقضيها ويُسلّم مع إمامه وتصح صلاته، والجامع: تحمُّل الإمام ما فات على المأموم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التيسير والتوسعة على المسلمين، تنبيه: ما ذكره المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة ﵂: "ما فاتك لا قضاء عليك": لم أجده.
[ ٢ / ١٦٢ ]
أبي هريرة وابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ صلى على قبر" وعن سعيد بن المسيِّب: "أن أمَّ سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم: صلَّى عليها، وقد مضى لذلك شهر" رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: "أكثر ما سمعتُ هذا" وتحرم بعده ما لم تكن زيادة يسيرة (^١٤٩) (و) يُصلَّى (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر:
(^١٤٩) مسألة: يُستحب أن يُصلي المسلم على الميت ولو بعد دفنه بشرط: أن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، وتحرم بعد ذلك، والصلاة على القبر تكون على صفة الصلاة عليه قبل ذلك؛ للسنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر المرأة السوداء التي كانت تقمُّ المسجد، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد وقد مضى على دفنها شهر - كما قال الراوي - فيلزم من ذلك: أنه محدَّد بشهر تقريبًا، ولا تضر الزيادة القليلة، فإن قلتَ: تصح الصلاة على الميت ولو بعد دفنه بشهرين أو ثلاثة، وهو قول بعض العلماء كابن عقيل وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد بعد مضي شهر من دفنها - كما سبق - وهذا مطلق، ولم يُقيِّد بزمن معيَّن، وفعله ﷺ قد وقع اتفاقي بدون قصد التحديد، وكذلك صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنوات قلتُ: إن ما وقع منه ﷺ مقصود منه، ولم يكن اتفاقيًا؛ لسدِّ الذرائع؛ حيث إننا لو فتحنا هذا الباب - وهو: أن أفعاله ﷺ تقع اتفاقًا بدون قصد -: للزم تعطيل أكثر أفعاله من الاستدلال بها، وهذا باطل، أما صلاته ﷺ على قتلى أحد: فليست هي صلاة الميت، وإنما هي صلاة وداع لهم كما كان يُودِّع الموتى الذين دُفنوا في البقيع أحيانًا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة الفعلية" فيُعمل عندنا بالسنة الفعلية الأولى، ويلزم من فعله بهذا الوقت التحديد الشرعي، وعندهم: يُعمل بالسنة الفعلية الثانية، ولا يفهم من فعله التحديد.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر)؛ لصلاته ﷺ على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر، وكذا غريق، وأسير ونحوهما، (^١٥٠) وإن وُجد بعض ميت لم يُصلَّ عليه فككلَّه - إلا الشعر والظفر والسن - فيُغسَّل ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويُدفن بجنبه، (^١٥١) ولا يُصلَّى على مأكول ببطن آكل، ولا
(^١٥٠) مسألة: تصح الصلاة على المسلم الميت الغائب: سواء كان في بلد قريب أو بعيد، وسواء كان المصلي فردًا، أو جماعة: فيُوضع شيء أمامهم، ويصلون صلاة الجنازة كأنه أمامهم، بأن كان عند عدو، أو كان غريقًا لم يُستطع إخراجه، بشروط ثلاثة: أولها: أن لا يكون قد صُلِّي عليه، ثانيها: إن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، ثالثها: أن ينوي المصلي أن الميت الغائب بين يديه؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على النجاشي؛ حيث إنه لم يُصلَّ عليه؛ لأنَّه مات بين مشركين، بينما لم يُصلّ على من مات من الصحابة وهم غائبون؛ لكونهم قد صُلِّي عليهم قال ذلك ابن القيم، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلَّى على أم سعد وقد مضى شهر على دفنها، فيُقيَّد بذلك الزمن - كما سبق في مسألة (١٤٩) - والأسير والغريق مثل النجاشي، وأم سعد؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لمَ اشترطت النية هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله مقصودًا في الدعاء، فإن قلتَ: لمَ اشترط: أن لا يكون قد صُلِّي عليه؟ قلتُ: لأن صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، فيلزم من ذلك: عدم صحة الصلاة على غائب قد صُلِّي عليه.
(^١٥١) مسألة: إذا وُجد عضو من أعضاء مسلم ميت - لا تنفصل في العادة - كيد أو رجل: فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وإن وجد الباقي: فُعل به ذلك ودُفن بجنب قبره إن سَهُل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه =
[ ٢ / ١٦٤ ]
مستحيل بإحراق ونحوه، (^١٥٢) ولا على بعض حي مدة حياته (^١٥٣) (ولا) يُسنُّ: أن
لو مات ووُجد كاملًا يجب تجهيزه فكذلك يُفعل ببعضه والجامع: أن كلًا منهما له حرمة المسلم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد صلَّى على عظام بالشام، وأبو أيوب قد صلى على رِجْل إنسان، وأبو عبيدة قد صلى على رؤوس وجدها، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط: أن لا ينفصل عنه عادة؟ قلتُ: لأن المنفصل عن المسلم عادة كالشعر والظفر، والسن لا يُجهَّز إذا وُجد بعد وفاته؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب تجهيز ذلك: للحق المسلم ضيق ومشقَّة؛ نظرًا لكثرتها وانتشارها في الأرض، ثم إن انفصال ذلك طبيعي، فلا يُقاس على العضو غير المنفصل.
(^١٥٢) مسألة: لا يُصلَّى على مسلم قد أكله سبع - كأسد - ولو كان هذا السبع مُشاهَدًا، وكذا لا يُصلَّى على المحترق احتراقًا صيَّره إلى رماد لا يُشاهد منه شيء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم القدرة على تغسيله وتكفينه: عدم الصلاة عليه؛ لأن التغسيل والتكفين شرطان من شروط صلاة الجنازة - كما سبق في مسألة (١٤٧) -، فإن قلتَ: لمَ لا يُصلَّى على هذين مع صحة الصلاة على الغائب - كما سبق في مسألة (١٥٠)؟ قلتُ: لوجود الفرق بينهما؛ حيث إنه قد غلب على ظننا وجود جثَّة الغائب تحت الأرض، فيحصل تصوُّرها وإن كان غائبًا، أما من أكله السبع، أو احترق - كما وصفنا -: فلا توجد جُثَّة مشاهدة له، ولا مُتصوَّرة، ومع الفرق فلا قياس.
(^١٥٣) مسألة: إذا انقطعت يد مسلم، أو رجله، أو أيُّ عضو من أعضائه، وكان هذا المسلم حيًا: فلا يُغسَّل، ولا يكفن، ولا يُصلَّى على ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الصلاة على الميت هو: الدعاء له بالمغفرة، فيلزم من =
[ ٢ / ١٦٥ ]
(يُصلِّي الإمام) الأعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغالِّ) وهو: من كتم شيئًا ممن غنمه؛ لما روي زيد بن خالد قال: توفى رجل من جُهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيَّرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: "إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله"، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (ولا على قاتل نفسه) عمدًا؛ لما روى جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه"، رواه مسلم وغيره، و"المشاقص": جمع مشقص كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك يُرمى به الوحش (^١٥٤) (ولا بأس بالصلاة عليه) أي: على الميت
ذلك: عدم الصلاة على هذا العضو؛ لكونه لا ثواب له، ولا عقاب عليه، ولأنه يؤدِّي إلى أن يصلي المسلم على بعض نفسه، وهذا غير متصوَّر عقلًا ولا شرعًا، وهذا هو المقصد.
(^١٥٤) مسألة: لا يُستحب أن يصلي الإمام أو نائبه: كأمير قرية، أو قاضيها على "الغالِّ" وهو: من كتم شيئًا مما غنمه في الجهاد في سبيل الله قبل قسمتها، ولا على "قاتل نفسه عمدًا" ولا على "من مات على معصية بلا توبة"، ويُباح أن يصلي عامة المسلمين على هؤلاء الثلاثة وعلى غيرهم من العصاة كالقاتل، والزاني، وشارب الخمر، والمقتول قصاصًا أو حدًّا، وجميع الفسَّاق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلوا على صاحبكم" يقصد: "الغال"؛ حيث إنه أوجب على المسلمين الصلاة على الغالِّ؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وغيره من العصاة مثله؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد امتنع عن الصلاة على الغال، وعلى قاتل نفسه - كما رواهما زيد بن خالد، وجابر بن سمرة - =
[ ٢ / ١٦٦ ]
(في المسجد) إن أَمِن تلويثه؛ لقول عائشة: "صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد" رواه مسلم، "وصُلِّي على أبي بكر وعمر فيه" رواه سعيد، (^١٥٥) وللمصلي قيراط، وهو معلوم عند الله تعالى، وله بتمام دفنها آخر بشرط: أن لا يُفارقها من الصلاة حتى تدفن (^١٥٦) فصل: في حمل الميت ودفنه: ويسقطان بكافر
و"من مات على معصية بلا توبة" مثلهما؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلى على ماعز الأسلمي، وعلى الغامدية بعد رجمهما - لارتكابهما الزنا -؛ لكونهما قد تابا توبة نصوحًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عدم صلاة السلطان أو نائبه على هؤلاء الثلاثة فيه عقوبة لهم، وزجرًا وردعًا عن أن يفعل غيرهم مثل ما فعلوا، وأذن الشارع لعامة المسلمين بالصلاة عليهم؛ لكونهم بحاجة إلى الدعاء لهم بالمغفرة.
(^١٥٥) مسألة: تُباح الصلاة على الميت في المسجد: بشرط: أن يغلب على الظن عدم خروج نجاسة منه تُلون المسجد، ولكن الأفضل: أن يصلِّى عليه خارج المسجد؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أن أكثر صلاة النبي ﷺ على الأموات كان خارج المسجد، ثانيهما: أنه ﷺ صلى مرة على رجل في المسجد، الثانية: الإجماع السكوتي؛ حيث إن عمر قد صلى على أبي بكر ﵁، وصهيب صلى على عمر ﵃ في المسجد من غير نكير من أحد من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الصلاة عليه خارج المسجد فيه منع للمسجد من التلويث ببعض النجاسات التي تخرج عادة من الميت، إلا إذا أُمن ذلك فلا بأس، لتحقق عدم التنجيس، وفيه توسعة على المسلمين.
(^١٥٦) مسألة: إذا صلى المسلم على ميت: فله قيراط، وإذا صلى عليها وتبعها حتى تُدفن: فله قيراطان، و"القيراطان" مثل الجبلين العظيمين من الأجر =
[ ٢ / ١٦٧ ]
وغيره كتكفينه؛ لعدم اعتبار النية (^١٥٧) (ويُسن التربيع في حمله)؛ لما روى سعيد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "من اتبع جنازة: فليحمل بجوانب السرير كلها؛ فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع وإن شاء فليدع" إسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن كرهه الآجري وغيره إذا ازدحموا عليها، فيُسنُّ أن يحمله أربعة، و"التربيع": أن يضع قائمة السرير اليُسرى في المقدمة
والثواب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن: فله قيراطان" فقيل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" وفي رواية: "أصغرهما مثل أحد"، فإن قلتَ: لمَ خُصَّت الصلاة والدفن هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكريم للميت، وتفريح أهله الذين حزنوا بفقده، ولأن المقصود من تجهيز الميت هو: الصلاة عليه، ودفنه، ولجواز مشاهدة الميت في هاتين الحالتين، أما ما قبلهما - من تغسيل وتكفين -: فلا يجوز لأحد مشاهدته إلا للمغسِّل والمكفِّن ومعاونهما، فلذا لم يُذكرا هنا.
(^١٥٧) مسألة: يكفي في تكفين الميت وحمله ودفنه أيُّ شخص يقوم بها: سواء كان مسلمًا أو كافرًا: فلا يُشترط الإسلام لذلك؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الأمور لا تُشترط النية فيها فيلزم إجزاء قيام الكافر بها عن فعل المسلم لها، فإن قلتَ: لمَ صحَ ذلك من الكافر في حين لا تصح صلاته عليه وتغسيله له؟ قلتُ: لأن النية مشروطة في الصلاة والطهارة، وصلاة الجنازة، وتغسيل الميت يدخلان في عموم الصلاة والطهارة فلا يصحَّان إلا من مسلم، لصحة نيته، بخلاف التكفين، والحمل، والدفن، فلا تحتاج إلى النية؛ لأنَّه مجرد عمل، لا دعاء فيه فتصح من الكافر، وهذا من باب التوسعة على المسلمين.
[ ٢ / ١٦٨ ]
على كتفه الأيمن، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمته اليُمنى المقدمة على كتفه اليُسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة (^١٥٨) (ويُباح) أن يحمل كل واحدة على عاتقه (بين العمودين)؛ لأنَّه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين، (^١٥٩) وإن كان الميت طفلًا: فلا بأس بحمله على الأيدي، ويُستحب أن يكون على نعش، (^١٦٠) فإن كان
(^١٥٨) مسألة: يُستحب التربيع في حمل الجنازة وصفته: أن يضع قائمة السرير - وهو النعش - اليُسرى التي في المقدمة على كتفه الأيمن - وهي التي تلي يمين الميت من عند رأسه - ثم ينتقل إلى ما يليها في المؤخرة، ثم يتقدَّم فيضع قائمة السرير اليُمنى على كتفه الأيسر - وهي التي تلي يسار الميت من عند رأسه -، ثم ينتقل إلى ما يليها في المؤخرة، فيكون بذلك قد أخذ بقوائم السرير الأربع، وكره ذلك إن وجد ازدحام؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن مسعود: "من اتبع جنازة فليحمل من جوانب السرير كلها؛ فإنه من السنة" وقول الصحابي "من السنة كذا" له حكم الحديث المرفوع، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعاقب في حمله، وتكثير الأجر، فإن قلتَ: لمَ كُرِه التربيع إن وجد ازدحام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة التنازع، ودفع المفسدة - وهي الفتنة والتنازع - مُقدَّم على جلب المصلحة - وهي: التحصيل على أجر التربيع.
(^١٥٩) مسألة: يُباح أن يقف بين العمودين الأيمن والأيسر ويجعلهما على عاتقيه - كتفيه - الأيمن والأيسر عند حمله للجنازة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك لما حمل جنازة سعد بن معاذ، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين في حمل الجنازة.
(^١٦٠) مسألة: يُستحب أن يُحمل الطفل الميت على نعش - وهو السرير - ويكون فيه مُستلقيًا على ظهره كالبالغ، ويُباح حمله على الأيدي بدون نعش؛ =
[ ٢ / ١٦٩ ]
امرأة: استُحب تغطية نعشها بمكبَّة؛ لأنَّه أستر لها، ويُروى أن فاطمة صُنع لها ذلك بأمرها، ويُجعل فوق المكبَّة ثوب، وكذا إن كان بالميت حَدَب ونحوه، (^١٦١) وكُره تغطيته بغير أبيض، (^١٦٢) ولا بأس بحمله على دابة؛ لغرض صحيح كبُعْد قبره (^١٦٣) (ويُسنَّ الإسراع بها) دون الخَبَب؛ لقوله ﷺ: "أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة:
لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن عليًا قد حمل إبراهيم ابن النبي ﷺ على يديه حتى دُفن، ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حمل الطفل على النعش فيه البعد عن ملامسة الميت باليد، وعن احتمال سقوطه، فإن قلتَ: لمَ أبيح حمله على الأيدي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، ولأن ملامسة الطفل باليد لا يثير الفتنة عادة.
(^١٦١) مسألة: يُستحب أن يُوضع على نعش المرأة مُكبَّة مصنوعة من خشب ونحوه، ويُوضع فوق تلك المكبَّة ثوب، وتكون كالقبَّة الصغيرة، وكذلك توضع تلك المكبَّة على كل ميت مشوَّه البدن: كحدب ونحوه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر لجسم المرأة وتقاطيعه، وفيه تحسين لمنظر الميت المشوَّه الجسم، وهذا كله لتكريم الميت.
(^١٦٢) مسألة: يُستحب تغطية الميت بثوب أبيض، ويُكره بغيره؛ للمصلحة؛ حيث إن البياض أمارة على الطهارة والنقاء والصفاء، لذلك: استحب أن يلبسه الأحياء، ويُكفَّن فيه الأموات - كما ورد في الحديث.
(^١٦٣) مسألة: يُباح أن يُحمل الميت على دابة أو سيارة، ونحوهما، بسبب بُعْد المقبرة، أو عظم بدن الميت، ويُكره أن تحمل بطريقة مزرية كحمله في زنبيل؛ للمصلحة؛ حيث إن حمله على دابة ونحوها فيه دفع مشقة حمله، وفي كراهية حمله بطريقة مزرية دفع إهانة المسلم.
[ ٢ / ١٧٠ ]
فخير تُقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم" متفق عليه (^١٦٤) (و) يُسنُّ (كون المشاة أمامها) قال ابن المنذر "ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يمشون أمام الجنازة" (و) كون (الركبان خلفها)؛ لما روى الترمذي وصحَّحه عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة"، (^١٦٥) وكُرِه ركوب
(^١٦٤) مسألة: يُستحب الإسراع في حمل الجنازة إلى القبر: بأن يمشوا بها سريعًا فوق المشي المعتاد ودون العدو - هو الركض والخَبَب - ولا يجوز أن يُمشى بها بطيئًا - خطوة خطوة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال: "أسرعوا بالجنازة" وصرفت السنة التقريرية هذا الأمر هنا من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث كان بعض الصحابة لا يُسرعون إذا حملوا جنازة، وكذلك لا يُبطئون، بل كانوا يمشون وعليهم السكينة، ولم يُنكر النبي ﷺ ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لمصلحة الحامل والمحمول - كما نص الحديث على ذلك -؛ حيث إن كان الميت المحمول صالحًا فيُسرع به حتى يصل إلى الخير الذي ينتظره، وإن كان فاسقًا فيُسرع به حتى يتخلَّص الحامل له من شرٍّ يحمله، فإن قلتَ: لمَ لا يشرع الركض به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في ارتجاج الميت، مما يؤدِّي إلى خروج بعض النجاسات، فيؤذي الحاملين، فإن قلتَ: لمَ لا يجوز المشي البطيء به؟ قلتُ: لأن هذا بدعة، لا أصل لها في الشريعة قد فعلها بعض الحكَّام ومن ينافقهم؛ لمخالفتها للنص الصريح في الحديث السابق، قال ابن القيم: "وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مخالفة للسنة، ومتضمِّنة للتشبيه بأهل الكتاب".
(^١٦٥) مسألة: يُستحب للمشاة على أقدامهم من المشيعين: أن يكونوا أمام الجنازة، ويستحب للركبان منهم: أن يكونوا خلفها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الراكب خلف الجنازة" حيث دل مفهوم المكان على أن الماشي =
[ ٢ / ١٧١ ]
لغير حاجة، (^١٦٦) وعَوْد (^١٦٧) (ويُكره جلوس تابعها حتى توضع) بالأرض للدَّفن إلا لمن بَعُدَ؛ لقوله ﷺ: "من تبع جنازة: فلا يجلس حتى توضع" متفق عليه عن أبي سعيد، (^١٦٨) وكُرِه قيامه لها إن جاءت، أو مرَّت به وهو
لا يكون خلفها بل يكون أمامها أو مساويًا لها الثانية: اللسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يمشي أمام الجنازة، الثالثة: فعل الصحابي: حيث كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وابن الزبير ﵃ يمشون أمام الجنازة، فالسنة الفعلية وفعل الصحابي قد خصَّصا عموم مفهوم المكان من السنة القولية السابقة، وجعل الماشي أمام الجنازة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأصل: أن يكون الجميع أمام الجنازة؛ لأن المشيعين شفعاء للميت، والشفيع يتقدم عادة المشفوع له، ولكن شرع تأخير الركبان؛ لئلا يؤذي المشاة، أو تقلل من السكينة.
(^١٦٦) مسألة: يُكره ركوب المشيِّع للجنازة على دابة ونحوها لغير حاجة، أما إن وُجدت حاجة كضعفه فيُباح الركوب بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث رأى النبي ﷺ ناسًا ركبانًا في تشييع جنازة فقال: "ألا تستحون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّواب" - كما رواه ثوبان -، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الركوب بلا حاجة فيه نوع إهانة للميت، وللملائكة الذين مع المشيِّعين، أما إن وجدت حاجة فيُباح؛ لمراعاة أحوال الناس.
(^١٦٧) مسألة: يُباح أن يركب المشيع دابة ونحوها إذا عاد إلى بيته بعد دفن الجنازة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس" - كما رواه جابر بن سمرة -، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود جنازة، فلا إهانة لأحد.
(^١٦٨) مسألة: يُكره جلوس المشيِّع للجنازة على الأرض قبل أن توضع تلك الجنازة على الأرض إلا إن وصل قبل وصولها بوقت طويل: فيجلس =
[ ٢ / ١٧٢ ]
جالس (^١٦٩) ورفع الصوت معها، ولو بقراءة، (^١٧٠) وأن تتبعها امرأة، (^١٧١) وحُرِّم: أن
لانتظارها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من تبع جنازة: فلا يجلس حتى توضع على الأرض" وقد صرف فعل الصحابي هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ حيث ثبت أن بعض الصحابة كانوا يجلسون قبل وضع الجنازة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن جلوسه قبلها فيه نوع إهانة لها، وأُبيح جلوسه قبل وصولها؛ لأن وقوفه لانتظارها فيه مشقة عليه، فدفعًا للإهانة والمشقة شُرِع هذا.
(^١٦٩) مسألة: يُستحب أن يقوم الجالس إذا مرَّت به جنازة محمولة، ولو كانت جنازة كافر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قام لجنازة يهودي فيلزم أن يُقام لجنازة المسلم من باب أولى من باب: "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لتعظيم أمر الله، وتعظيم القائمين به، والمشيعين والملائكة الذين يتبعون كل ميت، فإن قلتَ: إن القيام هنا مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^١٧٠) مسألة: يحرم رفع الصوت أثناء تشييع الجنازة وقبل دفنها: سواء في قراءة أو ذكر أو لا، ويحرم اتباعها بنار أو جمر ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ أن تُتَّبع الجنازة بصوت أو نار" فحرم ذلك؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم ولا يوجد صارف له، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للميت، وللملائكة الذين يمشون مع الميت، ولمخالفة أهل الكتاب الذين يفعلون ذلك في موتاهم، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد صارفًا قويًا للنهي الوارد في الحديث من التحريم إلى الكراهة.
(^١٧١) مسألة: يحرم أن تتبع المرأة الجنازة؛ للسنة القولية؛ حيث قالت أمُّ عطية: "نُهينا عن اتباع الجنائز" فحرم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي =
[ ٢ / ١٧٣ ]
يتبعها مع منكر إن عجز عن إزالته، وإلا: وجبت (^١٧٢) (ويُسجَّى) أي: يُغطَّى ندبًا
التحريم، ولا يوجد صارف له إلى الكراهة، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة شديدة الجزع، سريعة الانفعال، فلو تبعت الجنازة وحصل منها الجزع لأدَّى إلى ظهور بعض بدنها، وهذا يثير الفتنة، فدفعًا لذلك: حرم عليها ذلك، ودفع المفسدة - وهي: إثارة الفتنة - مقدَّم على جلب المصلحة - وهو: أجر اتباع الجنازة -، فإن قلتَ: إن اتِّباع المرأة للجنازة مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث قالت أمُّ عطية في الحديث السابق: "ولم يُعزم علينا" حيث يلزم من عدم العزم على المنع: أن الخروج والاتِّباع مكروه؛ إذ لو كان حرامًا: لعزم على المنع قلتُ: إن لفظ "ولم يُعزم علينا" يظهر منه: أنه من اجتهاد أمُّ عطية، وقول الصحابي واجتهاده لا يُعمل به إذا كان مُعارضًا للسنة القولية مع تأييد المصلحة لذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة على إطلاقها، ولا يوجد صارف للنهي، وعندهم: أن قول الصحابي هنا قد صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
(^١٧٢) مسألة: يحرم على المسلم أن يتبع جنازة قد أُحيطت بمنكرات كرفع صوت، أو وجود نيران، أو طبول أو مزامير، أو لطم خدود ونحو ذلك إن لم يقدر على إزالتها، وإن غلب على ظنه قدرته على إزالتها وإقناع الناس بأنها منكرة: فيجب عليه حضورها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" حيث أوجب الشارع تغيير المنكر على المستطيع؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضور المسلم لهذا واستماعه للمنكرات وسكوته -؛ لعدم مقدرته على إنكارها - يُفهم الآخرين: أنه مُقرٌّ لها، فيفعل الآخرون كما فعل، فينتشر الفساد بسبب ذلك، وتعم =
[ ٢ / ١٧٤ ]
(قبر امرأة) وخنثى (فقط) ويُكره لرجل بلا عذر؛ لقول علي ﵁ وقد مرَّ بقوم دفنوا ميتًا، وبسطوا على قبره الثوب فجذبه - وقال: "إنما يصنع هذا بالنساء" رواه سعيد (^١٧٣) (واللَّحد أفضل من الشق)؛ لقول سعد: "إلحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللِّبن نصبًا كما صُنِع برسول الله ﷺ " رواه مسلم و"اللحد" هو: أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر مكانًا يسع الميت، وكونه مما يلي القبلة أفضل، و"الشَّقُّ": أن يُحفر في وسط القبر كالنهر، ويُبنى جانباه، وهو مكروه بلا عذر (^١٧٤)
المنكرات، ويصير المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا لذا حُرِّم؛ لأن دفع المفاسد وهو عدم الحضور لتلك المنكرات - مقدم على جلب المصالح وهو: أجر الحضور.
(^١٧٣) مسألة: يُستحب أن يُغطَّى قبر امرأة وخنثى حال إدخالهما القبر؛ لقول الصحابي؛ حيث رأى علي ﵁ قومًا دفنوا ميتًا وبسطوا على قبره ثوبًا لئلا يرى حين إدخاله فجذبه علي قائلًا: "إن هذا يُصنع بالنساء"، والخنثى كالمرأة؛ في هذا الحكم؛ احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أستر لها.
(^١٧٤) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت في لحد القبر، وهو: أن يُحفر في مُنتهى القبر مكانًا في حائطه مما يلي القبلة فيوضع فيه الميت، ثم يُبنى باللِّبن والطِّين بحيث لا يمس التراب الميت، وهذا أفضل من "الشَّقِّ" وهو: أن يُشق وسط القبر شقًا كما يُشق النهر في وسط الوادي فيوضع الميت فيه، ثم يُبنى جانباه باللبن، ويُسقف بالحجارة ونحوها بحيث لا يمس التراب الميت وهو - أي: الشق - مكروه -، إلا إن تعذَّر اللَّحد ككون الأرض رخوة لا يثبت معه اللحد؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الصحابة الذين قاموا بدفن النبي ﷺ فعلوا اللَّحد - كما حكى ذلك سعد بن أبي وقاص، وطلب أن يُفعل به ذلك، وهذا يلزم منه =
[ ٢ / ١٧٥ ]
كإدخاله خَشَبًا، وما مسَّته النار، ودَفْن في تابوت، (^١٧٥) وسُنَّ: أَن يُوسَّع ويُعمَّق قبر بلا حدٍّ، ويكفي ما يمنع من السباع والرائحة، (^١٧٦) ومن مات في سفينة، ولم يُمكن
كراهة الشق بلا عذر فإن قلتَ: لمَ كان اللحد أفضل من الشق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أستر للميت من الشق، فإن قلتَ: لمَ يُلحد تجاه القبلة؟ قلتُ: لأنها أشرف الجهات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح الشَّق لعذر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المشقة والحرج عن الناس.
(^١٧٥) مسألة: يُكره وضع الخشب، وما مسَّته النار - مثل الآجر وهو: الطين المطبوخ بالنار - في القبر، وكذا: يُكره دفن الميت في تابوت - وهو صندوق يوضع فيه الميت ثم يوضع في القبر -؛ لقول الصحابي وهو من وجهين: أولهما: أن عمرو بن العاص قال: "لا تجعلوا في قبري خشبًا ولا حجرًا" والتابوت من الخشب، ثانيهما: أن زيد بن ثابت منع أن يوضع في قبره الآجر، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفاؤل بأن لا تمسه النار، ولأن الأرض أكثر امتصاصًا لفضلات الميت من الخشب.
(^١٧٦) مسألة: يكفي في حفر القبر أدنى حفر بشرط: أن يكون مانعًا من نبش السباع للقبر ومانعًا من ظهور رائحة كريهة، لكن يُستحب: أن يُعمَّق في القبر، ويُوسَّع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في قتلى أحد -: "احفروا وأوسعوا، وعمِّقوا" وقد صرف قول الصحابي هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن ابن عمر ﵃ قد أوصى بأن يُحفر قبره قامة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إطلاق الأمر بوجوب دفن الميت، وعدم تحديده بعمق معيَّن: أن يُفعل أيُّ شيءُ يطلق عليه قبر ودفن، ومن واراه عن الأنظار: فإنه يصدق أنه دفنه وقبره؛ لأن الأمر مطلق، ويكفي أدنى ما يُطلق عليه أنه امتثال للأمر، وهذا فيه تيسير على العباد.
[ ٢ / ١٧٦ ]
دفنه: ألقي في البحر سلًّا كإدخاله القبر بعد غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتثقيله بشيء (^١٧٧) (ويقول مُدخله) ندبًا (بسم الله وعلى ملَّة رسول الله)؛ لأمره ﷺ بذلك، رواه أحمد عن ابن عمر (^١٧٨) (ويضعه) ندبًا (في لحده على شقِّه الأيمن)؛ لأنَّه يُشبه النائم، وهذه سنته، (^١٧٩) ويُقدم بدفن رجل من يُقدَّم بغسله، (^١٨٠) وبعد
(^١٧٧) مسألة: إذا مات مسلم في سفينة ولم يُتمكَّن من دفنه في الأرض: فإن يُغسَّل، ويُكفَّن ويُصلَّى عليه، ثم يُوضع عليه شيء ثقيل، ثم يُلقى في البحر سَلًّا كإدخاله في القبر، وصفته: أن يُجعل رأس الميت في الموضع الذي يكون فيه رجلاه فيما لو دُفن، ثم يُسلُّ فيه سَلًّا رفيقًا؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن الصحابة الذين دفنوا النبي ﷺ سَلُّوه في قبره من قبل رأسه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه منع للرائحة وفي وضع شيء ثقيل عليه سرعة استقراره في قاع البحر؛ لئلا يكون على سطح البحر، فيتأذى أقرباؤه.
(^١٧٨) مسألة: يُستحب أن يُقال عند إدخال الميت في قبره: "بسم الله، وعلي ملَّة رسول الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله وعلى ملَّة رسول الله" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البسملة تسبَّب البركة، وحتى يكون آخر عهده بالتوحيد.
(^١٧٩) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت في لحده على جنبه وشقِّه الأيمن؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُستحب أن ينام على شقه الأيمن كما ورد عنه ﷺ، فكذلك الميت يوضع على شقه الأيمن والجامع: التفاؤل باليمين، وطلب البركة، في فعله، لذا كان ﷺ يحب التيامن في شأنه كله.
(^١٨٠) مسألة: إذا حصل تنازع في مَنْ يُقوم بدفن رجل: فإنه يُقدَّم من قُدِّم بغسله: فيتقدَّم وصيُّه، فإن تعذَّر: فأبوه وهكذا كما سبق في التنازع في غسله في مسألتي (٢٦ و٢٩) وقد سبق الاستدلال على ذلك مع بيان المقصد من ذلك.
[ ٢ / ١٧٧ ]
الأجانب محارمه من النساء، (^١٨١) ثم الأجنبيات، (^١٨٢) وبدفن امرأة محارمها الرجال، فزوج، فأجانب، (^١٨٣) ويجب أن يكون الميت (مستقبل القبلة)؛ لقوله ﷺ في
(^١٨١) مسألة: إذا مات رجل بين نساء فقط: فيقمن محارمه بدفنه - وهنَّ من يحرم عليه أن يتزوجهن في حال حياته -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه أمن الفتنة، من فإن قلتَ: لمَ يُقدَّم في الدفن الرجال الأجانب على محارمه من النساء؟ قلتُ: لضعف النساء، وشدَّة جزعهنَّ.
(^١٨٢) مسألة: إذا مات رجل بين نساء أجنبيات عنه: فيجب أن يقمن بدفنه، ولا يتركنه؛ للمصلحة؛ حيث إن تركه بدون دفن فيه ضرر ظهور رائحته الكريهة، وفيه إكرام له فوجب عليهن ذلك، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك عليهن مع عدم جواز غسله عليهن ولو لم يوجد غيرهن؟ قلتُ: لعدم وجود مس ولا نظر إلى الميت في الدفن، بخلاف الغسل والتكفين.
(^١٨٣) مسألة: إذا ماتت امرأة: فإن الذي يدفنها محارمها من الرجال - وهم الذين لا يجوز لهم الزواج منها في حال حياتها -، ويقدم في ذلك الأقرب فالأقرب: فيقدم الأب، ثم الجد وإن علا ثم الابن، ثم ابن الابن وإن نزل، وهكذا، فإن لم يوجد واحد منهم: قام بذلك زوجها وسيدها - إن كانت أمة -، فإن لم يوجد من سبق: قام بدفنها الأجانب؛ لقاعدتين: الأولى: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن محارم المرأة من الرجال أولى بها في حال حياتها فكذلك أولى بها بعد مماتها، والجامع: جواز انكشافها لهم، ثانيهما: كما يجوز للزوج والسيد أن يُغسِّلا الزوجة والأمة فكذلك يجوز أن يقوما بدفنها، والجامع: أن الزوجية لا تنقطع بعد الموت بدليل الإرث والعدة الثانية: المصلحة؛ حيث إن تركت بلا دفن مع عدم المحارم: فإن ذلك فيه ضرر ظهور رائحة كريهة من الميتة، فإكرامًا للناس ولها: شرع دفن الأجانب لها.
[ ٢ / ١٧٨ ]
الكعبة -: "قبلتكم أحياء وأمواتًا"، (^١٨٤) وينبغي أن يُدنى من الحائط؛ لئلا ينكبُّ على وجهه، وأن يُسند من ورائه بتراب؛ لئلا ينقلب، ويُجعل تحت رأسه لبنة، (^١٨٥) ويُشرج اللّحد باللّبِن، ويُتعاهد خلاله بالمدر ونحوه، ثم يُطيَّن فوق ذلك، (^١٨٦) وحثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يُهال، (^١٨٧)
(^١٨٤) مسألة: يجب أن يُوجَّه الميت إلى القبلة حين وضعه في قبره، فيكون مستقبلًا لها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "القبلة قبلتكم أحياء وأمواتًا" فيجب استقبال تلك الكعبة في حال الصلاة وحال الموت، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنزيل الميت بمنزلة المصلي، ولأن القبلة أشرف الجهات.
(^١٨٥) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت قريبًا جدًا من حائط اللَّحد، وأن يُسند ظهره بشيء من التراب؛ ويوضع تحت رأسه لبنة أو بعض التراب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنعه من الانكباب على وجهه، ويمنعه من الانقلاب على ظهره والاستلقاء، ويُؤمَّن رأسه من السقوط.
(^١٨٦) مسألة: بعد وضع الميت في لحده: يُبنى اللحد باللِّبن، ويُضم بعضها إلى بعض حتى يُسدُّ على الميت تمامًا، ويوضع بين اللّبن بعض الطين الرطب حتى يلتصق بعضها ببعض؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من وصول التراب إلى الميت عند دفنه، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك مع أن الميت سيكون ترابًا عما قريب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تطييب لنفوس أهل الميت، فائدة: قوله: "ويُشرج اللبن" مراده: ضم بعض اللبن إلى بعض - كما في اللسان (٢/ ٣٠٥) - وقوله: "ويتعاهد خلاله بالمدر" مراده: يوضع بين اللبن قطع من اللبن الصغيرة - كما في الصحاح (٢/ ٨١٣) -.
(^١٨٧) مسألة: يُستحب - بعد بناء اللَّبن على الميت - أن يحثي كل واحد من الحاضرين ثلاث حثيات من التراب بيده، ثم يقوم الجميع بالاشتراك في إهالة =
[ ٢ / ١٧٩ ]
وتلقينه، (^١٨٨) والدعاء له بعد الدفن عند القبر، (^١٨٩) ورشُّه بماء بعد وضع حصباء عليه (^١٩٠) (ويُرفع القبر عن الأرض قدر شبر)؛ لأنَّه "ﷺ رُفع قبره عن الأرض
وصبِّ التراب في القبر بأيديهم أو بآلة كبيرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اشتراك كل واحد من الحاضرين بنصيب من الأجر، وصبِّ التراب بآلة فيه الإسراع بدفنه، وهو موافق لمشروعية الإسراع بتجهيز الميت، فائدة: قوله: "ثم يُهال" أي: يُرسل التراب ويُصبُّ من غير تقدير - كما في الصحاح (٥/ ١٨٥٥) -.
(^١٨٨) مسألة: لا يُشرع تلقين الميت بشيء بعد دفنه، بل إن هذا بدعة؛ للاستقراء؛ حيث إنه لم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا ذلك بموتاهم، فيكون من المحدثات، وكل محدثة بدعة، وهذا ثابت بالاستقراء والتتبع لأحوالهم، فإن قلتَ: بل يُستحب تلقين الميت - وهو الذي ذكره المصنف هنا - بأن يُقال عند القبر: "يا فلان أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله … " للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لقنوا موتاكم" قلتُ: المراد من الحديث: أن يُلقّن المحتضر وهو الذي شارف على الهلاك، وقد سبق بيانه في مسألة (١٠) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "التعارض بين السنة القولية والاستقراء" فعندنا: يُعمل بالاستقراء هنا؛ لأن المراد من السنة القولية هنا عندنا غير المراد بها عندهم، وعندهم: يعمل بالسنة.
(^١٨٩) مسألة: يُستحب أن يقف الحاضرون بعد الدفن مباشرة ويدعون للميت، ويستغفرون له، ويسألون الله أن يُثبِّته بالقول الثابت في الآخرة كما كان في الدنيا؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث كان ﷺ: إذا فرغ من دفن الميت وقف على قبره قائلًا: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل" وهو واضح المقصد.
(^١٩٠) مسألة: يُستحب أن يوضع فوق القبر بعض الحصباء - وهي: الحجارة الصغيرة -، ثم يُرشُ بعد ذلك الماء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل =
[ ٢ / ١٨٠ ]
قدر شبر" رواه السَّاجي من حديث جابر، ويُكره فوق شبر (^١٩١) ويكون القبر (مسنَّمًا)؛ لما رواه البخاري عن سفيان التمار: أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسنَّمًا، (^١٩٢) لكن من دُفن بدار حرب؛ لتعذُّر نقله: فالأولى تسويته بالأرض، وإخفاؤه (^١٩٣) (ويُكره تجصيصه) وتزويقه، وتخليقه، وهو بدعة (والبناء) عليه، لاصقة أو لا؛ لقول جابر: "نهي رسول الله ﷺ أن يُجصِّص القبر وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه" رواه
ذلك في قبر سعد بن معاذ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك يمنع التراب من الابتعاد عن القبر، وقد يؤدِّي ذلك إلى ظهور الميت أو بعضه، فدفعًا لذلك شُرع.
(^١٩١) مسألة: يُستحب أن يُرفع التراب الذي يُوضع على القبر قدر شبر المتوسط من الرجال - وهو المسافة بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويُكره أن يُرفع أكثر من ذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الذين دفنوا النبي ﷺ من الصحابة قد رفعوا قبره قدر شبر - كما رواه جابر - ودل مفهوم العدد منه على كراهية رفعه أكثر من شبر، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن رفعه قدر شبر يمنع أن يطأه أحد، وهو يكفي في تعريفه؛ ليزار، وكُرِه رفعه أكثر من شبر؛ لئلا يقرب من البناء عليه المنهي عنه.
(^١٩٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل القبر مُسنَّمًا: بأن يكون على شكل سنام البعير، لفعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة الذين دفنوا النبي ﷺ جعلوه كذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من أن يمشي عليه أحد؛ لإكرام الميت.
(^١٩٣) مسألة: يُستحب أن يُسوَّى قبر المسلم الذي دُفن في بلاد الكفار بالأرض، فلا يُرفع قدر شبر، ولا يُسنَّم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إخفاء له وحمايته من أن ينبشه الكفار فيمثِّلوا به.
[ ٢ / ١٨١ ]
مسلم (و) تُكره (الكتابة والجلوس والوطء عليه)؛ لما روى الترمذي، وصحَّحه من حديث جابر مرفوعًا: "نهى أن تجصَّص القبور، وأن يُكتب عليها وأن توطأ" وروي مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" (و) يُكره (الاتكاء إليه)؛ لما روى أحمد: أن النبي ﷺ ورأى عمرو بن حزم مُتكئًا على قبر فقال: "لا تُؤْذه"، (^١٩٤) ودفن بصحراء أفضل؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، سوى النبي ﷺ، واختار صاحباه
(^١٩٤) مسألة: يحرم تبييض القبر بالجص، أو بالبويات الحديثة، ويحرم تطييبه، والبناء عليه، والكتابة عليه: سواء كتب اسمه أو لا للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن تخصيص القبر، والبناء عليه، والكتابة عليه، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك قد يؤدِّي إلى تعظيم صاحب القبر، مما قد يفضي إلى عبادته أو التوسَّل به فسدًا ذلك: فإن قلتَ: إن ذلك كله مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد صارفًا للنهي الوارد في الحديث من التحريم إلى الكراهة. [فرع]: يُكره الجلوس على القبر، والوطء والاتكاء عليه، ووضعه كمخدَّة؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن الوطء على القبر، ونهى عمرو بن حزم عن الاتكاء عليه قائلًا: "لا تُؤْذِه" والجلوس عليه وطء وزيادة فيأخذ حكمه من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، والسنة القولية الأخرى قد صرفت النهي هنا من التحريم إلى الكراهة؛ حيث قال ﷺ: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" فيلزم من لفظ "خير" هنا: أن الجلوس على القبر مكروه؛ لأن الخيرية لا تكون إلا بين أمرين متفاضلين، ولا عقاب في ذلك، وهو حدُّ المكروه، والجلوس: وطء واتكاء وزيادة، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجلوس والاتكاء والوطء على القبر فيه إهانة للميت، ومضايقة لأهله فكره لرفع ذلك.
[ ٢ / ١٨٢ ]
الدفن عنده؛ تشرُّفًا وتبركًا، وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع، (^١٩٥) ويُكره الحديث في أمر الدنيا عند القبور، (^١٩٦) والمشي بالنعل فيها إلا خوف نجاسة أو
(^١٩٥) مسألة: يُستحب أن يُدفن الموتى بالصحراء خارج البلد: بأن يُوضع مكان يُسوَّر ويُخصَّص لدفن الموتى - ويُسمَّى بـ "المقبرة" سوى النبي ﷺ؛ حيث إنه دفن في الموضع الذي مات فيه، وقد اختار أبو بكر ﵁ أن يُدفن بجانب النبي ﷺ، واختار عمر ﵁ أن يُدفن بجانب أبي بكر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يُدفن الأنبياء حيث يموتون" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدفن من مات من أصحابه في "البقيع" وهو مكان كان خارج المدينة المنورة، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن الذين دفنوا أبا بكر وعمر لم يدفنوهما في "البقيع" وإنما دفنوهما في حجرة عائشة مع النبي ﷺ، استجابة لرغبتهما، فإن قلتَ: لمَ استُحب أن يُدفن الموتى في الصحراء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للساكنين مما قد يظهر من الروائح الكريهة من الموتى، فإن قلتَ: لمَ يُدفن الأنبياء في الموضع الذي ماتوا فيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للقبر أن يُتخذ مسجدًا، تنبيه: قوله: "تبركًا" يشير به إلى أن أبا بكر وعمر ﵃ قد اختارا أن يُدفنا عند قبر النبي ﷺ ليتبركا به، قلتُ: هذا لا يليق، فالأولى حذف تلك الكلمة، تنبيه آخر: قوله: "وجاءت أخبار على دفنهم كما وقع" قلتُ: لم أجد ذلك.
(^١٩٦) مسألة يُكره التحدُّث، والكلام في أمور الدنيا من أموال، وأولاد، وزوجات، ونحو ذلك في أثناء حمل أو دفن الجنازة، أو بعد ذلك بين القبور؛ للمصلحة؛ حيث إن حضور ذلك ينبغي أن يكون مُنبهًا له ومُذكِّرًا أن هذا المكان مصير كل حي: سواء طال الأمد أو قصر فعليه أن يستعدَّ للرحيل كما رحل غيره، وهذا كفيل بأن يصرف كل إنسان عن الكلام في الدنيا.
[ ٢ / ١٨٣ ]
شوك، (^١٩٧) وتبسُّم وضحك أشد، (^١٩٨) ويحرم إسراجها، واتخاذ المساجد، (^١٩٩) والتخلَّي عليها وبينها (^٢٠٠) (ويحرم فيه) أي: في قبر واحد
(^١٩٧) مسألة: يُكره أن يمشي المسلم بالنعل في المقبرة بلا عذر، أما إن وجد عذر كوجود نجاسة، أو حجارة حادة، أو حرارة أرض أو برودتها، أو شوك مؤذٍ فيُباح المشي بالنعل فيها، ويُباح المشي بالخف بعذر أو بغيره؛ للمصلحة؛ حيث إنه كُره المشي بالنَّعل لإكرام الموتى؛ لأن المقبرة دارهم، ومحل تزاورهم، وأفنية قبورهم، وأُبيح المشي بالخف لمشقة نزعه، لذا مُسح عليه عند الوضوء، وأُبيح لبس النعل إذا وجد عذر؛ لدفع الضرَّر من شوك وغيره، وعدم التعرض للنجاسة.
(^١٩٨) مسألة: يُكره الضحك والتبسُّم، وإظهار البهجة والسرور أثناء تشييع الجنازة ودفنها، وبعد الفراغ منها بقليل في المقبرة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا لا يُناسب المقام؛ حيث إن إظهار السرور في مصيبة الآخرين يشق عليهم، ويُضايقهم.
(^١٩٩) مسألة: يحرم إسراج القبور وإنارتها، أو بينها، وكذا: بناء المساجد عليها: سواء كانت قبور أنبياء أو لا؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لعن الله زوَّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ثانيهما: قوله ﷺ: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" حيث حرَّم الشارع ذلك؛ لأن "اللَّعن" هو: الطرد من رحمة الله، وهو عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إسراج القبور والبناء عليها يؤدِّي إلى تعظيم أصحابها، مما قد يؤدِّي إلى الشرك، فسدًّا لذلك: حُرِّم، وقد أطال ابن القيم الكلام عن ذلك.
(^٢٠٠) مسألة: يحرَّم التبوُّل والتغوُّط على القبور أو بينها؛ للمصلحة؛ حيث إن المقبرة دار الأموات، ومحل تزاورهم، وأفنية قبورهم، فيحرم فعل ذلك كما يحرم فعله في دارهم في الدنيا، وفعله في أسواقهم، وطرق ممشاهم.
[ ٢ / ١٨٤ ]
(دفن اثنين فأكثر) معًا؛ أو واحدًا بعد آخر قبل بلاء السابق؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن كلَّ ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم، (^٢٠١) وإن حفر فوجد عظام ميت: دفنها، وحفر في مكان آخر (^٢٠٢) (إلا لضرورة): ككثرة الموتى، وقلَّة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم؛ لقوله ﷺ يوم أُحُد -: "ادفنوا الاثنين والثلاثة في
(^٢٠١) مسألة: يُكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد لغير ضرورة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يدفن كل صحابي في قبر منفردًا، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يدفنون كل ميت منهم في قبر منفردًا، وهذا يدل على استحباب دفن كل واحد في قبر منفردًا، ويلزم منه: كراهية مخالفته؛ فإن قلتَ: إن هذا محرَّم - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، وهذا الفعل من النبي ﷺ والصحابة لا يدل على تحريم غيره، فإن قلتَ: لم كُرِه ذلك؟ قلتُ: لأن العادة جرت: أن الشخص لا يُحب أن يُشاركه أحد في منزله في الدنيا، فكذلك الحال في الآخرة. [فرع]: إذا بَلَت عظام الميت وصارت قريبة من التراب: فإنه يستحب أن يدفن فيه آخر كما يُفعل في البلاد الجبلية كِمكَّة والمدينة ونحوهما؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو دُفن كلُّ ميت في قبره منفردًا لا يُشاركه فيه غيره وإن بَلَت عظامه: لما وجد الناس الأحياء أرضًا يُقيمون عليها، ويزرعون فيها، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم.
(^٢٠٢) مسألة: إذا حفر مسلم قبرًا يُريد دفن ميت فوجد عظامًا كثيرة لميت سابق: فإنه يدفنها في محلها ولا يُحركها، ويحفر لميته قبرًا آخر، أما إن وجد عظامًا قليلة: فإنه يجمعها بجانب من القبر - كما يصنع أهل الحجاز في قبورهم - ثم يدفن ميته بجانبها؛ للمصلحة التي ذكرناها في الفرع السابق، ولما ذكرناه في مسألة (٢٠١).
[ ٢ / ١٨٥ ]
قبر واحد" رواه النَّسَائِي، (^٢٠٣) ويُقدَّم الأفضل للقبلة، وتقدَّم، (^٢٠٤) (ويُجعل بين كل اثنين حاجز من تراب)؛ ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد، (^٢٠٥) وكُرِه الدفن
(^٢٠٣) مسألة: إذا وُجدت ضرورة أو حاجة لدفن أكثر من ميت في قبر واحد: كوجود حرب، أو مرض، وخيف على الموتى من الفساد، وظهور رائحة كريهة منهم: فيُستحب: أن يُجمع الاثنين أو الثلاثة أو الأكثر من ذلك في قبر واحد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" - يقصد قتلى أُحُد - وغير ذلك من الأمراض مثل الحروب؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وفعل الصحابي هو الذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن بعض الصحابة قد دفنوا كل واحد في قبر واحد في بعض الحروب؛ فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن الأموات والأحياء، ودفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(^٢٠٤) مسألة: إذا دُفن اثنان فأكثر في قبر واحد: فيُستحب أن يُقدَّم إلى جهة القبلة أفضلهم وهو: أقرؤهم وأعلمهم، ثم أكثرهم سنًا، ثم أقدمهم إسلامًا، ثم أقدمهم هجرةً وهكذا كما قلنا في الإمامة، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ أمر بتقديم الأكثر قرآنًا إلى القبلة في دفن الاثنين والثلاثة من قتلى أحد، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا صُلِّي على مجموعة من الموتى: فإنه يُقدَّم الأفضل إلى الإمام فكذلك يُقدَّم الأفضل إلى القبلة في القبر، والجامع: تقديم الأفضل في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القبلة أشرف الجهات، فيُقدَّم أشرفهم وأفضلهم وأكرمهم إليها؛ ليتأسَّ به من يعلم ذلك.
(^٢٠٥) مسألة: إذا دُفن اثنان أو أكثر في قبر واحد: فيُستحب أن يُجعل بين كل اثنين حاجز من تراب؛ للقياس: بيانه: كما يُستحب أن يُدفن كل واحد في قبر =
[ ٢ / ١٨٦ ]
عند طلوع الشمس، وقيامها، وغروبها، (^٢٠٦) ويجوز ليلًا (^٢٠٧) ويُستحب جمع
منفرد، فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: تكريم الميت بانفراده بمحمل منعزل عن الآخر، وهو المقصد الشرعي.
(^٢٠٦) مسألة: يُكره دفن الموتى في ثلاث أوقات: "عند طلوع الشمس" و"عند وقوفها في كبد السماء" و"عند غروبها"؛ للسنة القولية؛ حيث قال عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى يميل، وحين تضيِّف الشمس للغروب حتى تغرب"، والسنة القولية هي التي صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ حيث قال ﷺ: "أسرعوا بالجنازة … " والإسراع بذلك يلزم منه دفنها في أيِّ وقت، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن طلوع الشمس وغروبها وقت عبادة المشركين، فتكره موافقتهم لذلك، ولأن وقوف الشمس وقت تسعير النار، فكره أن يدفن فيه؛ تفاؤلًا.
(^٢٠٧) مسألة: يُباح دفن الميت في الليل؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دفن ذا النجادين في غزوة تبوك ليلًا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد مرَّ بقبر فقال: "من هذا؟ " قالوا: فلان دفن البارحة، فصلى عليه، ولم يُنكر ذلك، الثالثة: فعل الصحابي حيث إن عليًا ﵁ قد دفن فاطمة ليلًا، وأبا بكر ﵁ دُفن ليلًا، فإن قلتَ: لمَ أبيح لك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. [فرع]: يُستحب دفن الموتى نهارًا؛ للمصلحة؛ حيث إنه في النهار يكثر المصلون، والمشيّعون، والحاضرون للدفن، والداعون للميت بعد الدفن بالثبات، وفي ذلك مصلحة للمدفون.
[ ٢ / ١٨٧ ]
الأقارب في بقعة؛ لتسهل زيارتهم (^٢٠٨) قريبًا من الشهداء والصالحين؛ لينتفع بمجاورتهم (^٢٠٩) في البقاع الشريفة، (^٢١٠) ولو وصَّى أن يُدفن في مُلكه: دُفن
(^٢٠٨) مسألة: يُستحب أن يُدفن الأقارب في بقعة من الأرض متجاورين يعرفها أقاربهم إن سهل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسهيل زيارتهم لهم.
(^٢٠٩) مسألة لا يُستحب أن يُدفن الميت في بقعة يكثر فيها الشهداء والعلماء والصالحون؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ حيث دلت هذه الآية على أن الإنسان لا ينفعه إلا ما عمله في حياته فقط، أما بعد موته فلن ينفعه قربه من قبر آخر فإن قلتَ: إنه يُستحب ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إنه ينتفع بمجاورتهم قلتُ: هذا مخالف للآية مخالفة صريحة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع "الكتاب" فعندنا: يعمل بالآية وعندهم بالمصلحة حيث خصصت عموم الآية عندهم.
(^٢١٠) مسألة: لا يُستحب أن يُدفن الميت في بقعة شريفة كالمدينة ومكة ونحوهما؛ للكتاب، وقد سبق ذكر ذلك في مسألة، (٢٠٩)، فإن قلتَ: بل يُستحب ذلك لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ سأل الله الشهادة في سبيل الله والموت في بلد رسول الله ﷺ، قلتُ: هذا مخالف لعموم الآية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع الكتاب" فعندنا: يعمل بالكتاب بعمومه، وعندهم: يعمل بقول الصحابي، وهو مخصص لعموم الآية. [فرع]: إذا اقتضت المصلحة بأن يُخرج الميت من قبره لُيدفن في موضع آخر كان يُخرج لأجل شق طريق للناس فيُباح ذلك؛ للمصلحة؛ وهي واضحة. [فرع آخر]: يُباح نقل الميت من بلد إلى بلد آخر ليُدفن فيه؛ لقول وفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر أوصى بأن يُدفن في "سرف" - وهو: موقع يبعد عن مكة بعشرة أميال - وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن زيد قد ماتا في العقيق فحُملا إلى المدينة، ولا =
[ ٢ / ١٨٨ ]
مع المسلمين (^٢١١) من سبق إلى مسبَّلة: قُدِّم، ثم يُقرع، (^٢١٢) وإن ماتت ذمِّية حامل من مسلم: دفنها مسلم وحدها إن أمكن، وإلا فمعنا على جنبها الأيسر، وظهرها إلى القبلة (^٢١٣) (ولا تكره القراءة على القبر)؛ لما روى أنس مرفوعًا قال:
شك بوجود بعض الصحابة مع الحاملين، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المسلمين.
(^٢١١) مسألة: إذا أوصى مسلم بأن يُدفن - بعد موته - فيما يملكه من أرض أو دار أو بستان: فإن تلك الوصية لا تُنفَّذ، بل يُدفن مع عامة المسلمين في المقبرة المعدَّة لذلك؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ تنفيذ ذلك يُلحق ضررًا بورثته في حين أنه لن ينتفع بذلك، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم أصله قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(^٢١٢) مسألة: إذا وجد ميِّتان، ولم يُوجد في المقبرة المسبَّلة والوقف إلا قبر واحد: دُفن فيه أسبقهما إليه، ويُدفن الآخر في مكان آخر، فإن وصلا إليها معًا: أقرع بينهما: فمن أصابته القرعة: دفن في هذا القبر، ويُدفن الآخر في مكان آخر؛ للقياس، بيانه: كما أن من سبق إلى مكان في المسجد هو أحقُّ به، وإن وصلا إليه معًا: أقرع بينهما، فكذلك الحال في المقبرة والجامع: أن كلًا منهما ليس ملكًا لأحد، بل هو حق لمن سبق إليه، أو يُقرع إذا وصلا معًا؛ لأنَّه ليس أحدها بأولى من الآخر فيه، وهذا فيه تطييب لنفوس أهل الميت.
(^٢١٣) مسألة: إذا ماتت ذمِّية - يهودية أو نصرانية - وهي حامل من مسلم بسبب زواجه بها: فإنها تُدفن وحدها - لا مع الكفار ولا مع المسلمين -، هذا إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن ذلك: فإنها تُدفن في مقابر المسلمين على جنبها الأيسر ويكون ظهرها متجهًا إلى القبلة، فيكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ للمصلحة؛ حيث إنها لو دُفنت في مقابر المسلمين لتأذى =
[ ٢ / ١٨٩ ]
"من دخل المقابر فقرأ فيها يس: خُفِّف عنهم يومئذ وكان له بعددهم حسنات" وصح عن ابن عمر: "أنه أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها" قاله في "المبدع" (^٢١٤) (وأيُّ قربة) من دعاء، واستغفار، وصلاة وصوم، وحج، وقراءة وغير ذلك (فعلها) مسلم (وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي: نفَعَه ذلك) قال أحمد: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه ذكره المجد وغيره، (^٢١٥)
المسلمون بعذابها، وإن دُفنت في مقابر الكفار لتأذى الجنين بعذابهم، وإن تعذَّر ذلك: فتُدفن في مقابر المسلمين على الطريقة السابقة ضرورة؛ لئلا تبقى بدون دفن، ولئلا تدفن مع الكفار فيتأذى الجنين بعذابهم، فلذلك شرع هذا.
(^٢١٤) مسألة: تُكره القراءة بشيء من القرآن عند الفراغ من دفن الميت بجانب قبره، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يُؤدِّي إلى الشعور بالانتفاع بصاحب القبر، أو تعظيمه، أو عبادته فسدًا لذلك: كُرِه، وهو من باب "سد الذرائع"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك، ولم يُحرَّم؟ قلتُ: لأن هذه المفسدة محتملة: فقد تحصل، وقد لا تحصل، فإن قلتَ: لا يُكره ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من دخل المقابر فقرأ فيها "يس": خُفِّف عنهم يومئذٍ" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد أمر بأن يُقرأ على قبره آيات من القرآن قلتُ: هذان لا يصلحان للاحتجاج بهما؛ نظرًا لضعفهما كما قال بعض أهل العلم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض المصلحة مع السنة القولية وقول الصحابي" فعندنا: يعمل بالمصلحة؛ لضعف السنة القولية وقول الصحابي هنا، وعندهم: يعمل بالسنة وقول الصحابي؛ لقوتهما.
(^٢١٥) مسألة: إذا فعل زيد المسلم أيَّ شيء فيه قربة وطاعة: كالدعاء، والاستغفار والذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، والصيام، والصدقة، والحج والعمرة، ثم نوى أجره وثوابه لعمرو المسلم: فإن ذلك يصل إلى عمرو، ويكون له ذلك الأجر وينفعه: سواء كان ميتًا أو حيًا؛ لقاعدتين: الأولى: =
[ ٢ / ١٩٠ ]
وحتى لو أهداه للنبي ﷺ: جاز، ووصل إليه
السنة القولية: حيث إن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ قائلًا: إن أمي ماتت أينفعها إذا تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يدعو لبعض الصحابة بعد موتهم كأبي سلمة، فلو لم يكن نافعًا لما دعا لهم، لكونه لا يفعل العبث والحي كالميت في ذلك، والأعمال الأخرى مثل الصدقة والدعاء؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعتبر بابًا من أبواب الخير للأموات، يُخفِّف عنهم بعض ما يجدون من العذاب والضيق في القبور، فإن قلتَ: لا يصل إلى الميت شيء من الطاعات التي يفعلها له الحي، وهو قول الشافعي، وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ حيث أثبت للإنسان نفع سعيه، ونفى نفع سعي غيره وإن نواه له؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" حيث أثبت انقطاع ما ينتفع المسلم به من الأعمال إذا مات، ونفى انقطاع ما أثبته هو لنفسه من وضعه للصدقة الجارية، أو العلم، أو الولد؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وعلى ذلك: فلا يصل إليه ما فعله غيره له من باب التلازم قلتُ: إن هذين النصّين عامان - "وهما الآية والحديث" -، وقد خُصِّصا بالسنة القولية، والفعلية اللَّتين ذكرناهما في أول المسألة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض النصوص" فعندنا إن السنة القولية الأولى والسنة الفعلية قد خصَّصا عموم الكتاب والسنة القولية الثانية وعندهم: لم يقويا على تخصيصهما.
[ ٢ / ١٩١ ]
الثواب (^٢١٦) (ويُسنُّ أن يُصلَّح لأهل الميت طعام يُبعث به إليهم) ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يُشغلهم" رواه الشافعي وأحمد، والترمذي، وحسَّنه (ويُكره لهم) أي: لأهل الميت (فعله) أي: فعل الطعام (للناس)؛ لما روى أحمد عن جرير قال: "كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة" وإسناده ثُقات (^٢١٧) ويُكره الذبح عند القبر، والأكل
(^٢١٦) مسألة: يُباح أن يُهدي المسلم ثواب القرب إلى النبي ﷺ: "من صلاة وصيام وحج وصدقات، ودعاء ونحوها، ويصل إليه ذلك؛ لقاعدتين وهما: السنة القولية والفعلية كما سبق ذكرهما في مسألة (٢١٥) والنبي ﷺ يدخل في عموم الخطابات الموجهة إلى عامة المسلمين إذا لم يوجد دليل يُخصِّصه ويُخرجه عن ذلك، وهنا لم يوجد شيء من ذلك، فيدخل معهم، ويكون حكمه حكمهم، وكذا: "يدخل المخاطِب ضمن الخطابات التي يوجهها إلى الآخرين".
(^٢١٧) مسألة: يُستحب أن يصنع بعض الناس - من أقارب أو جيران - طعامًا ويبعثون به إلى أهل الميت - وهم الذين كان ميتهم يُنفق عليهم - وذلك لمدة ثلاثة أيام من موت الميت، ولكن يُكره أن يصنع أهل الميت أنفسهم طعامًا ليأكله من يأتي إليهم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما علم بمقتل جعفر بن أبي طالب في معركة مؤتة قال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يُشغلهم" وقد صرفت السنة التقريرية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث كان بعض الصحابة لا يصنع طعامًا لأهل الميت ولم يكن ﷺ يُنكر ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب للمسلم إذا لاقى واحدًا من أقرباء الميت في الطريق أن يُعزِّيه في وقت لا يتعدّى ثلاثة أيام، فكذلك يُستحب صنع الطعام هذه المدة، والجامع: أن كلًا منهما واقع في وقت يكون الحزن فيه طريًا فيوافق محلَّه، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن =
[ ٢ / ١٩٢ ]
منه؛ لخبر أنس: "لا عَقْر في الإسلام" رواه أحمد بإسناد صحيح، وفي معناه: الصدقة عند القبر، فإنه مُحدث، وفيه رياء (^٢١٨) فصل: (تسنُّ زيارة القبور) وحكاه النووي
جرير البجلي قال: "كنا نُعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة" و"من" هنا للتبعيض، فيكون الاجتماع مع أهل الميت، وإعدادهم للطعام لأجل أن يُطعموا هؤلاء المجتمعين محرمًا؛ لأنَّه من النياحة، والنياحة على الميت حرام - كما سيأتي تفصيله -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهم انشغلوا بحزنهم بميتهم الثلاثة الأيام الأولى، وحرم إعداد أهل الميت للطعام؛ لما فيه من المشقة عليهم، ولما فيه من التشبه بأفعال أهل الجاهلية، والكفار.
(^٢١٨) مسألة: يحرم الذبح والصدقة عند القبر؛ سواء أُكل من ذلك أو لا؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا عَقْرَ في الإسلام" حيث إن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الميت عقروا عند قبره بعيرًا أو شاة يزعمون: أن هذا مكافأة له على صنيعه في حياته على أنه كان يعقر للأضياف، والنفي هنا: هو نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" والذبح، والصدقة بعد دفن الميت مباشرة عمل لم يأمر به الشارع، ولم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه ولا غيرهم من السلف الصالح فيكون مردودًا على صاحبه، وما كان مردودًا من الأعمال فهو فاسد، وكل فاسد حرام، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء، فدفعًا لذلك: حرم، سدًا للذرائع؛ فإن قلتَ: إن الذبح والصدقة هنا مكروه ولا يحرم، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ولا توجد قرينة قويت على صرف النهي الوارد في حديث "لا عقر في الإسلام" من التحريم إلى الكراهة والصدقة كالذبح تمامًا بجامع: أن كلًا منهما يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء من باب "مفهوم =
[ ٢ / ١٩٣ ]
إجماعًا؛ لقوله ﷺ: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم، والترمذي، وزاد: "فإنها تذكر الآخرة" وسُنَّ: أن يقف زائر أمامه قريبًا منه كزيارته في حياته (^٢١٩) (إلا النساءَ) فتكره لهن زيارتها غير قبره ﷺ، وقبري صاحبيه ﵃؛ روي أحمد والترمذي وصحَّحه عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ لعن زوَّارات القبور" (^٢٢٠)
الموافقة" فائدة: "العقر": قطع قوائم البهيمة، أو واحدة منها، ثم يُنحر بعد ذلك - كما في اللسان (٤/ ٥٩٢) - وهذا محرم في الإسلام.
(^٢١٩) مسألة: يُستحب للرجال: أن يزوروا القبور: فيقف الزائر أمام قبر من يزوره تلقاء وجهه - فيكون بذلك مستقبلًا لوجه الميت مستدبرًا للقبلة، ولا يتمسَّح به؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال، ومستنده السنة القولية والفعلية ومنها: قوله ﷺ: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم إذا زار حيًا يقف أمام وجهه ولا يتمسَّح به، فكذلك يفعل ذلك إذا زاره ميتًا، والجامع: إكرام المسلم في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الميت ينتفع بالدعاء له، والحي يتَّعظ بما صار إليه ذلك الميت، ويتيقَّن أن مآله إلى مثل هذا القبر: سواء طال الزمن أو قصر فينصرف عن الدنيا، وعن أهلها من عُبَّاد المال والمناصب، ويعمل للآخرة، فإن قلتَ: لمَ يُحرَّم التمسُّح بالقبر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء وهذا حرام.
(^٢٢٠) مسألة: يحرم أن تزور المرأة القبور: سواء كان منها قبر النبي ﷺ وقبري أبي بكر وعمر ﵃ أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لعن الله زوَّارات القبور" حيث حرم بذلك زيارة القبور على النساء؛ لأنَّه توعَّد من زارته باللَّعن - وهو: الطرد عن رحمة الله - وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل محرم، وهو عام =
[ ٢ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يشمل قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه؛ لأن لفظ "القبور" جمع معرف بأل، وهذا من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة قليلة الصبر، والعقل، شديدة الجزع والانفعال، فيُخش من زيارتها لقبر قريبها: أن تتصرَّف تصرُّفات لا تليق بالدين من نتف شعر، أو لطم خدٍّ، أو شقِّ جيب، أو تُظهر شيئًا من جسمها، أو تتخيَّل أن أحدًا يُكلِّمها بين القبور، فتُصاب بالأمراض النفسية، أو تفتتن برجل تراه هناك، ويفتتن بها؛ نظرًا لكون المقبرة تكون خارج البلد عادة، فتقع الفاحشة، فدفعًا لذلك كُلِّه: حُرِّمت زيارتها، فإن قلتَ: إن زيارة المرأة للقبور مكروهة، ولا تحرم، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ولا توجد قرينة تدل على أن "اللَّعن" ليس بعقاب، فإن قلتَ: تُباح زيارة المرأة للقبور مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فزوروها" حيث أباح زيارة القبور لكل شخص؛ لأنَّه أمر ورد بعد حظر، وهو يقتضي الإباحة، وهو عام للرجال والنساء؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم، فيدخلن في الخطابات الموجهة إلى الرجال، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ قد زارت قبر أخيها: عبد الرحمن قلتُ: أما حديث: "فزوروها" فهو عام - كما ذكرتم - ولكنه مُخصَّص بالسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لعن الله زائرات القبور"، والخاص مُقدَّم في العمل على العام، فيُعمل بالحديث الخاص، وبما بقي بعد التخصيص من الحديث العام، فتستمر دلالة حديث: "فزوروها" على استحباب زيارتها للرجال، ولكنه لا يُعمل به في النساء، أما فعل الصحابي - وهي: عائشة ﵂ فقد يكون اجتهادًا منها، ولا يُعمل باجتهادها إذا عارض السُّنَّة، ويُحتمل أنها لم تعلم بحديث "لعن الله زوَّارات القبور" والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية" فعندنا: الخاص من السنة القولية يخصِّص العام منها، وعندهم لا.
[ ٢ / ١٩٥ ]
(و) يُسنُّ: أن (يقول إذا زارها) أو مرَّ بها: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)؛ للأخبار الواردة في ذلك، وقوله: "إن شاء الله بكم للاحقون": استثناء للتبرُّك، أو راجع للُّحوق، لا للموت، أو إلى البُقاع، (^٢٢١) ويسمع الميت الكلام، ويعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وفي "الغنية": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد، (^٢٢٢)
(^٢٢١) مسألة: يُستحب لزائر القبور قاصدًا لها، أو مرَّ بها من غير قصد زيارتها: أن يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، ويُعلِّمه أصحابه - كما روت عائشة ﵂ وبُريدة -، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الدعاء نافع للزائر والمزار في الدنيا والآخرة، فائدة قوله: "وإن شاء الله بكم للاحقون" يُشير به إلى أن المسلم يقول "إن شاء الله" هنا للتبرُّك والتيمُّن بها فقط؛ لكون الموت واقع بالإنسان لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وهذا أرجح الأقوال فيها، وقيل: إن قوله: "إن شاء الله" راجع إلى اللُّحوق بالإسلام والموت عليه، وقيل: إنه راجع إلى اللحوق بكم في الدفن معكم في هذه البقعة من الأرض.
(^٢٢٢) مسألة: الميت يسمع كلام زائره، ويعرفه، ويأنس به، ويرد السلام في كل وقت وهو عام للشهداء وغيرهم لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ - في قتلى بدر -: "ما أنتم بأسمع بما أقول منهم"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُسلِّم عليهم - كما سبق في مسألة (٢٢١) - فيلزم أن يكونوا =
[ ٢ / ١٩٦ ]
وتُباح زيارة قبر كافر، (^٢٢٣) (وتُسنُّ تعزية) المسلم (المصاب بالميت) ولو صغيرًا قبل الدفن، وبعده؛ لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات عن عمرو بن حزم مرفوعًا: "ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلَل الكرامة يوم القيامة"، (^٢٢٤) ولا
سامعين لذلك؛ إذ لو لم يكن سامعًا للكلام رادًا عليه: لما فعله، ولما أمر أصحابه به؛ لأنَّه منزَّه عن العبث، تنبيه: قوله: "ويعرف زائره يوم الجمعة .. " قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ومالا دليل عليه غير معتبر.
(^٢٢٣) مسألة: يُباح للمسلم أن يزور قبر كافر بدون دعاء أو استغفار، أو سلام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد زار قبر أُمِّه، بعدما أُذن له فيه، ولم يؤذن له بالاستغفار والدعاء لها، الثانية: القياس، بيانه: كما يُباح للمسلم زيارة الكافر الحي، فكذلك يُباح زيارته وهو ميت، والجامع: تأليف القلوب، وتحسين الإسلام، وتخفيف العداء بين المسلمين والكفار، وهذا ثابت بالسياسة الشرعية، وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
(^٢٢٤) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُعزِّي أهل الميت، أو أحدهم إذا رآه مصادفة في المسجد، أو في المقبرة، أو في الطريق: سواء كان ذلك قبل الدفن، أو بعده، وسواء كان الميت كبيرًا أو صغيرًا، ولا يُشرع الذهاب والقصد إلى أهل الميت لأجل تعزيتهم، ولا يُستحب بعد ثلاثة أيام من دفن الميت، ويقول المعزِّي أيَّ عبارة تتضمَّن تسلية أهل الميت، وتهوين المصيبة عليهم كقوله: "﵀ وآجرك" أو يقول: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك"، ويقولها المسلم لمسلم آخر إن مات له كافر كعبد ولكن بدون قوله: "وغفر لميتك" أو يقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، ولكل أجل كتاب، وكل إليه راجع"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ما من مؤمن يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلِّل الكرامة يوم القيامة" والموت =
[ ٢ / ١٩٧ ]
تعزية بعد ثلاث فيُقال لمصاب بمسلم: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك" وبكافر: "أعظم الله أجرك وأحسن عزاك" وتحرم تعزية الكافر، (^٢٢٥) وكُرِه تكرارها، (^٢٢٦) ويردُّ مُعزَّى بـ؛ "استجاب الله دعاءك ورحمنا
من المصائب، وهذا عام للأزمان، وعام للكبير والصغير؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، ثانيهما: أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عند ابنته طفلًا يحتضر فقال ﷺ: "إن الله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمَّى، فمرها أن تحتسب وتصبر" ولم يذهب ﷺ ليُعزِّي أهله، وهو يدل على أن الصغير يُعزى فيه ولا يُقصد للتعزية، الثانية: المصلحة؛ حيث إن مثل تلك العبارات في التعزية تُهوِّن المصيبة على أهل الميت، وتحثهم على الرضى بالقضاء والقدر، ولأن التعزية فوق ثلاثة أيام فيه تجديد للحزن، وتذكير فيه؛ فدفعًا لذلك لا يُعزى فوق ثلاث؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(^٢٢٥) مسألة: يحرم أن يُعزِّي مسلم كافرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرم السلام على الكافر فكذلك تحرم تعزيته، والجامع: أن كلًا منهما فيه تعظيم للكافر، وتعظيمه محرم، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ولا تعزيه بعد ثلاث .. " قلت: قد سبق بيانه في مسألة (٢٢٤).
(^٢٢٦) مسألة يُكره أن يُكرِّر المسلم تعزيته للمصاب بمصيبة أكثر من مرة؛
للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى استدامة واستمرار الحزن، فدفعًا لذلك كره.
[فرع]: يحرم جلوس أهل الميت - رجالًا ونساء - لاستقبال المعزِّين وذهاب الناس إليهم لأجل التعزية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" والجلوس لاستقبال المعزين أو ذهاب الناس إليهم للتعزية أعمال لم يأمر بها الشارع، ولم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه فتكون محدثة، وكل محدثة بدعة، والبدع كلها حرام، وإنما إذا رأى المسلم واحدًا من أهل الميت صدفة في المسجد أو المقبرة أو الطريق: فإنه يُستحب تعزيته؛ =
[ ٢ / ١٩٨ ]
وإياك (^٢٢٧) وإذا جاءته التعزية في كتاب: ردَّها على الرسول لفظًا، (^٢٢٨) (ويجوز البكاء على الميت)؛ لقول أنس: "رأيتُ رسول الله ﷺ وعيناه تذرفان وقال: "إن الله لا يُعذَّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" متفق عليه، (^٢٢٩) ويُسنُّ الصَّبر والرضى، والاسترجاع فيقول: "إنا لله
جبرانًا لخاطره، وتذكيرًا له بالإيمان بالقضاء والقدر - كما سبق ذكره في مسألة (٢٢٤) - وهو كله للمصلحة.
(^٢٢٧) مسألة: يُستحب أن يردَّ المعزَّى - وهو المصاب بموت قريبه - بأي عبارة تتضمَّن شكرًا ودعاء للمعزِّي كأن يقول: "استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك" ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أنَّ تعزية المعزِّي، ومحاولته تهوين المصيبة قد أثمرت.
(^٢٢٨) مسألة: إذا كتب زيد إلى عمرو يُعزِّيه بمصيبة موت قريبه أو نحو ذلك: فيُستحب أن يرد عمرو ذلك بلفظه، دون كتابة قائلًا: "استجاب الله دعاءه، ورحمنا وإيَّاه"؛ للمصلحة؛ حيث إن كتابة الرَّدِّ يشقُّ على عمرو؛ نظرًا لانشغاله عادةً بمصيبته.
(^٢٢٩) مسألة: يُباح البكاء الطبيعي على الميت رحمة به - وهو: الحاصل من الإنسان بدون اختيار ولا تكلُّف -؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن أنسًا رأى عيني النبي ﷺ يخرج منهما الدمع، فلما تعجَّب بعضهم: قال: "إن الله لا يُعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" فنفى ﷺ أن يُعذِّب الله بسبب البكاء، وهذا النفي صيغة من صيغ الإباحة؛ ثانيهما: أنه ﷺ قد بكى على ابنه إبراهيم وقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنفيس =
[ ٢ / ١٩٩ ]
وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، (^٢٣٠) ويحرم بفعل المعصية، (^٢٣١) وكره المصاب تغيير
للمصاب مما يجده، فإن قلتَ: يحرم البكاء على الميت، وهو قول لبعض العلماء، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه" حيث إنه هنا حرم البكاء عليه؛ لأنَّه يلزم منه تعذيب الميت بسببه، ويحرم تعذيب الآخرين، أو التَّسبُّب في ذلك، وهذا عام للبكاء الطبيعي، وغيره قلتُ: إن المراد من التعذيب الوارد في الحديث: هو تعذيب همٍّ وألم وتضايق؛ حيث إن الميت يتألم لأجلهم إذا بكوا عليه، ويتعذَّب رأفةً ورحمةً بهم، وليس المراد به أن الميت يُعاقب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يعمل بالفعلية؛ لضعف القولية، وعندهم: يعمل بالقولية.
(^٢٣٠) مسألة: يجب على المسلم أن يرضى بما أصابه من المصائب من موت أحد أقربائه، أو مرض، أو فقد مال، أو نزول عاهة، أو نحو ذلك، وأن يصبر على ذلك كله، ويُستحب أن يقول عند ذلك: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها" وأن يتسبَّب في معالجة المرض والعاهة من أكل أدوية، ودعاء ونحو ذلك، وإن شكر الله على ما أصابه فهو من أعظم الصابرين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ حيث مدحهم على هذه المقالة؛ حيث تضمَّنت الإقرار والإيمان على أن جميع من في الوجود سيرجع إلى الله تعالى لا محالة الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من عبد تُصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مُصيبته وأخلف له خيرًا منها"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حمد الله وشكره على المصيبة يُعتبر صبرًا وزيادة، وهو أعظم الإيمان بقضاء الله وقدره، واليقين بأن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، واليقين بأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله عليه لن يستطيعوا ذلك - كما ورد في الحديث - وبهذا يسعد في دنياه وأخرته، ولا يلهث وراء هذه الدنيا، بل يتجه إلى الله ﷿ في كل أموره وكذا: فعل أسباب المعالجة من أي مرض مطلوب شرعًا، فإن قلتَ: يُستحب الرضى والصبر - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا على هذا الاستحباب.
(^٢٣١) مسألة: يحرم على المسلم أن يرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إزالة المعاصي: تحريم الرضى بفعلها.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
حاله وتعطيل معاشه، لا جَعْل علامة عليه؛ ليُعرف فيُعزَّى، وهجره للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام (^٢٣٢) (ويحرم الندب) أي: تعداد محاسن الميت كقوله: "وا سيِّداه"
(^٢٣٢) مسألة: يُحرم على المصاب بموت أحد أقربائه أو غير ذلك من المصائب: أن يُغيِّر حالته وهيئته وخلع ما على رأسه من عمامة وغيرها، وأن يقف عن العمل؛ لأجل مصيبته، وأن يجعل على نفسه علامة ليُعزَّى، وأن يهجر التزين بثياب وغيرها، بل يلبس ما شاء من الثياب؛ للتلازم؛ حيث إن الصبر على المصائب واجب ويلزم من تغيير حاله، أو تعطيل عمله، أو هجره للتزيِّن: عدم الصبر، وإظهار الجزع، وهذا محرم، بل أنكر بعض العلماء - كابن تيمية - تلك الأفعال إنكارًا شديدًا، فإن قلتَ: لمَ حُرّم ذلك؟ قلتُ: لكونه يدل على عدم رضاه بالقضاء والقدر، فإن قلتَ: يُكره أن يُغير حاله، ويُباح أن يجعل على نفسه علامة، ويُباح أن يهجر التزين وحسن الثياب ثلاثة أيام وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك بل هو مخالف للقواعد العقائدية.
[ ٢ / ٢٠١ ]
و"انقطاع ظهراه" (^٢٣٣) (والنياحة) وهي: رفع الصوت بالندب (^٢٣٤) (وشق الثوب ولطم الخد، ونحوه) كصراخ ونتف شعر ونشره، وتسويد وجه، وخمشه؛ لما في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب،
(^٢٣٣) مسألة: يحرم الندب إذا مات ميت، وهو: ذكر أشياء لا تكون إلا لله كقول المصاب: "واسيِّداه" أو "واسنداه" أو "واجبلاه" أو "وانقطاع ظهراه" ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: "واجبلاه، واسَيِّداه إلا وكَّل الله ملكين به يلمزانه ويقولان له: أهكذا كنت؟ " أي: يقول الملكان أهكذا كنت تعتمد على ذلك الميت، ولم تكن تعتمد على الله ﷿، فأنكر الشارع على القائل بذلك؛ لأن الاستفهام إنكاري، ويلزم من هذا الإنكار: أن يكون هذا الفعل محرمًا؛ إذ لو كان جائزًا لما أنكر عليه، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشعر بعدم الاعتماد على الله، والاعتراض على قضاء الله وقدره، فلذا حرم؛ حفاظًا على إيمان المسلم تنبيه: قوله: "الندب هو: تعداد محاسن الميت" قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأن ذكر محاسن الميت كأن يُذكر أنه كان عالمًا، وكان يفعل الخيرات، وليس بمنافق لأحد مستحب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث للآخرين أن يعملوا مثل فعله.
(^٢٣٤) مسألة: تحرم النياحة على الميت، - وهو البكاء الشديد الصادر بنوح صاخب مزعج مُهيج للقلوب؛ للسنة القولية؛ حيث قالت أم عطية: "أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة: ألا ننوح" فحرم النياحة؛ لأن هذا نهي مطلق، فيقتضي التحريم، و"لعن النبي ﷺ النائحة والمستمعة" واللَّعن - وهو: الطرد من رحمة الله - عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل الحرام، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشعر بالتظلُّم والسخط من قضاء الله وعدم الرضا به، وهذا مخلٌّ بالإيمان محرم حفاظًا على عقيدة المسلم، فائدة: النائحة هي التي تفعل النوح وتصرخ، والمستمعة هي التي تسمعه ويُعجبها.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ودعا بدعوى الجاهلية" وفيهما: "أنه ﷺ بريء من الصالقة، والحالقة والشاقة" والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، وفي صحيح مسلم: "أنه ﷺ لعن النائحة والمستمعة". (^٢٣٥)
(^٢٣٥) مسألة: يحرم فعل أيِّ شيء مخالف للعادة إذا مات الميت: كشق الثوب، أو الجيب، أو لطم الخدود، أو ضرب البدن، أو الصراخ الشديد، أو نتف الشعر، أو نثره، أو تسويد الوجه، أو خمشة أو خدشه، للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب" حيث تبرأ ممن فعل ذلك، وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام أو ترك واجب، ثانيهما: قوله ﷺ: أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" ويُقال فيه كما قلنا في الحديث السابق، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (٢٣٤)، فإن قلتَ: لمَ وُجِّه الخطاب إلى النساء في الحديث؟ قلتُ: لأن أغلب هذه الأمور تقع من النساء؛ لشدة جزعهن وقلَّة عقولهن، فائدة: "الصالقة" هي: التي ترفع صوتها عند وقوع المصيبة، مأخوذ من الصَّلق: وهو الصوت الشديد - كما في المصباح (٣٤٦)، و"الحالقة": هي التي تحلق شعر رأسها عند المصيبة، و"الشاقة": هي التي تشق ثوبها أو جيبها عند المصيبة.
هذه آخر مسائل كتاب "الجنائز وأحكام الموتى" ويليه كتاب "الزكاة"
[ ٢ / ٢٠٣ ]