مصدر "جاهد" أي: بالغ في قتال عدوِّه، وشرعًا: قتال الكفار (^١) (وهو: فرض كفاية) إذا قام به من يكفي: سقط عن سائر الناس وإلا: أثم الكل (^٢) ويُسنُّ
كتاب الجهاد
حقيقة الجهاد، وحكمه، والغنائم، والأمان، والهدنة، وما يتعلَّق بذلك
وفيه إحدى وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: الجهاد لغة: مصدر مأخوذ من "جاهد، يجاهد، فهو مجاهد": إذا كان باذلًا لكل طاقته وكل ما في وسعه في الدفاع عن نفسه من عدو، وهو في الاصطلاح: بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله بعد امتناعهم عن الإسلام، ودفع الجزية، فإن قلتَ: لمَ جُعل الجهاد ضمن العبادات، مع أن بعض الفقهاء يجعلونه بعد مباحث الحدود؟ قلتُ: لأن كون الجهاد عبادة أظهر من كونه ردعًا وانتقامًا؛ حيث إن المسلم يُجاهد الكفار ليقيموا أركان الإسلام الخمسة، وهي "الشهادتان" والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج والعمرة" وهي عبادات قد سبق تفصيل مسائلها.
(^٢) مسألة: الجهاد فرض كفاية: إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإن تركه الجميع أثموا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال﴾ و"الكَتْب" من صيغ الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ كان إذا خرج في غزوة أبقى بعض المؤمنين في المدينة" و"كان يبعث السرايا تقاتل في سبيل الله" وهذا يلزم منه: أن الجهاد فرض كفاية، فإن قلتَ: لمَ شُرع الجهاد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإسلام لا يبقى ظاهرًا عزيزًا إلا بالجهاد، فإن قلتَ: إنه فرض عين، وهو قول سعيد بن =
[ ٢ / ٦٥٥ ]
بتأكُّد مع قيام من يكفي به، وهو أفضل مُتطوَّع به، ثم النفقة فيه (^٣) (ويجب) الجهاد
المسيب وبعض العلماء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ حيث يلزم من الوعيد بالعذاب لمن تركه: أنه فرض عين؛ إذ لا يُتوعَّد بذلك إلا على ترك واجب عيني قلتُ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ كما قال ابن عباس ﵃، وعلى فرض عدم نسخها: فيُحتمل أن يكون ذلك خاصًا بغزوة تبوك حين استنفر النبي ﷺ الناس إلى تلك الغزوة، فتكون هذه الحالة من الحالات التي تجب فيها الإجابة، ولذلك هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه حينما تخلفوا عن تلك الغزوة بلا عذر، حتى أذن له بترك هجرهم، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. [فرع]: يُشترط في كون الجهاد فرض كفاية: أن يكون المسلمون عندهم القوة والقدرة التي يغلب على ظنهم بسببهما: أنهم سينتصرون على الكفار، أما إن لم يكن ذلك مُتوفِّرًا: فلا يجوز الجهاد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث حرم ذلك؛ لأن النهي مُطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام، فيشمل ما نحن فيه فيلزم من ذلك اشتراط القوة والقدرة، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قتال العدو بلا قوة وقدرة يؤدِّي إلى إفناء المسلمين، وإهلاك الأنفس، وسبي ما بقي من الرجال والنساء، وجعلهم خدمًا للكفار، فدفعًا لذلك: اشترط ذلك.
(^٣) مسألة: يكون الجهاد مُستحبًا استحبابًا مؤكَّدًا على شخص إذا قام به من يكفي به؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من قيام بعض الطوائف بالجهاد: سقوط الوجوب عن هذا الشخص، فيكون الجهاد بحقِّه مُستحبًا فإن قلتَ: لمَ كان مُؤكَّدًا؟ قلتُ: لكونه مظهرًا من مظاهر الإسلام، ولمواظبة النبي ﷺ وأصحابه عليه، تنبيه: =
[ ٢ / ٦٥٦ ]
(إذا حضره) أي: إذا حضر صف القتال (أو حضر بلده عدو) أو احتيج إليه (أو استنفره الإمام) حيث لا عذر له؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ وقوله: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾، وإذا نودي: "الصلاة جامعة" لحادثة يُشاور فيها: لم يتأخر أحد بلا عذر (^٤) (وتمام الرباط: أربعون يومًا)؛
قوله: "وهو أفضل مُتطوَّع به، ثم النفقة فيه" قد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة (٢) من باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها".
(^٤) مسألة: يكون الجهاد فرض عين على المسلم القادر في خمس حالات: أولها: أن يكون المسلم قد حضر صف القتال، وهو قادر عليه، فهذا لا يجوز له ترك القتال إلا إذا خشي فناء المسلمين، أو كان مُتحرِّفًا لقتال بأن يُظهر أنه هرب، وهو يُريد أن يخدعهم، أو يترك فئة من المسلمين لينضم إلى فئة أخرى، ثانيها: إذا دخل الكفار بلد ذلك المسلم، وقدر على قتالهم، ثالثها: إذا كان عامة المسلمين بحاجة إلى ذلك المسلم: كأن يكون حاذقًا في رمي النبال، أو ذكيًا في خداع العدو، أو مهندسًا في بعض الآلات الحربية، أو كان حضوره يُحزن العدو، أو يفرح المسلمين رابعها: أن يطلب الإمام أو نائبه من ذلك المسلم الخروج للجهاد، ويستنفره، خامسها: أن يُنادي الإمام أو نائبه جميع المسلمين بعبارة: "الصلاة جامعة" من أجل التشاور في مسألة تهم الإسلام والمسلمين: سواء كانت تخص الجهاد، أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولُّوهم الأدبار، ومن يتولهم يومئذٍ دُبَره إلا متحرفًا لقتال أو متحيّزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ فأوجب الشارع على من حضر صف القتال: أن يُقاتل؛ حيث إنه توعد من هرب بهذا الوعيد، ولا يُتوعَّد بذلك إلا تارك فرض عين عليه، أو فاعل الحرام، واستثنى المتحرف للقتال، =
[ ٢ / ٦٥٧ ]
لقوله ﷺ: "تمام الرِّباط أربعون يومًا"رواه أبو الشيخ في كتاب: "الثواب" و"الرباط": لزوم ثغر الجهاد مقويًا للمسلمين، وأقلَّه ساعة، وأفضله بأشد الثغور خوفًا، (^٥) وكُره
والمتحيز إلى فئة؛ لأنه لم يقصد الهرب، ومن دخل الكفار بلده مثل من حضر الصف في ذلك؛ لعدم الفارق؛ وهو من باب "مفهوم الموافقة" ثانيهما: قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فأوجب على من استنفره الإمام أن يخرج معه؛ لأن الاستفهام في قوله: "مالكم" للتوبيخ والإنكار، وهذه عقوبة، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، أو فعل حرام، ثالثها: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ حيث أوجب الشارع على من طُلب لأخذ رأيه في مسألة تخص الجهاد أو غيره: أن يُلبِّي ذلك بعينه؛ لكونه لا فائدة في هذا الخطاب إلا استجابة من كُلِّفوا بذلك، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات" وذكر منها: "التولِّي يوم الزحف"، و"الموبق" هو: المبطل لجميع الأعمال وهذه عقوبة، ولا يعاقب إلا من ترك واجبًا أو فعل محرمًا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المشاركة المسلمين في القتال والمشورة فيه تأييد للإسلام والمسلمين وإضعاف للكفار، وهذا هو سبب النصر.
(^٥) مسألة: يُستحب الرِّباط -وهو: لزوم الحدود بين ديار الإسلام وديار الكفار بنية: دفع الكفار إذا هجموا فجأة على المسلمين-، وأتمُّه: أربعون يومًا، وأفضله: الوقت والمكان اللذان يشتد فيهما الخوف من الكفار، وأقله: لزوم الحدود بينهما ساعة من نهار أو ليل؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ حيث أمر بالمرابطة، والسنة القولية هي التي صرفت هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث قال: ﷺ: "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه" وقال: "رباط يوم =
[ ٢ / ٦٥٨ ]
نقل أهله إلى مُخوف (^٦) (وإذا كان أبواه مسلمين): حُرَّين، أو أحدهما كذلك: (لَم يُجاهد تطوعًا إلا بإذنهما)؛ لقوله ﷺ: "ففيهما فجاهد" صحَّحه الترمذي، ولا يُعتبر إذنهما لواجب، ولا إذن جدٍّ وجدَّة (^٧) وكذا: لا يتطوع به مَدِين آدمي لا وفاء
في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" فلزم من لفظ "خير" الاستحباب، وإذا رابط ساعة يُسمَّى بالمرابط؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي مرة واحدة وإذا فعل أقلَّ ما يطلق عليه الاسم صدق إطلاق الاسم عليه الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من رابط أربعون يومًا فقد استكمل الرباط" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الرباط في وقت شدَّة خوف المسلمين من الكفار أو في مكان خوفهم منهم أنفع لهم، وأحوج ما يكونون إليه فيكون أفضل الرباط؛ لكثرة أجره؛ نظرًا لكونه يدفع أشد المضرَّات عن المسلمين.
(^٦) مسألة: يُكره أن ينقل المرابط أهله: من زوجة وأولاد إلى مكان المرابطة الذي يخاف من هجوم العدو بغتة فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأهله من التعرض للأخطار، والأضرار؛ لأن دفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح.
(^٧) مسألة: إذا أراد المسلم أن يُجاهد جهاد فرض عين -كما سبق في مسألة (٤) -: فإنه يخرج دون إذن والديه، أما إن كان الجهاد تطوُّعًا: فلا يخرج إلا بعد إذنهما، إن كانا مسلمين حُرَّين عدلين أو أحدهما، أما الجد والجدة: فلا يُعتبر إذنهما مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يطلب أن يجاهد في سبيل الله قال له: "ألك أبوان؟ " قال نعم، قال: "ففيهما فجاهد" وفي رواية: "إن أذنا لك فجاهد، وإلا: فبرهما" فقدَّم الشارع برَّ الوالدين على الجهاد المستحب، ولزم من لفظ "أبوان": أن الجدَّ، والجدة لا يُعتبر إذنهما؛ لأنهما ليسا بأبوين حقيقة بدليل: مسائل الإرث، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الجهاد الواجب مُقدَّم على برِّ الوالدين وإن كان واجبًا؛ لأن منفعة ومصلحة الجهاد عامة، وبرَّ الوالدين مصلحته خاصة، فتُقدّم العامة على =
[ ٢ / ٦٥٩ ]
له إلا مع إذن، أو رهن محرز، أو كفيل مليء، (^٨) (ويتفقَّد الإمام) وجوبًا (جيشه عند المسير ويمنع) من لا يصلح لحرب من رجال وخيل كـ: (المخذِّل) الذي يُفنِّد الناس عن القتال، ويُزهدهم فيه و(المرجف) كالذي يقول: هلكت سرية المسلمين، ومالهم مَدَد، أو طاقة، وكذا: من يُكاتب بأخبارنا، أو يرمي بيننا بفتن، (^٩) ويُعرِّف
الخاصة وهذه المصلحة هي التي خصَّصت الحديث السابق فجعلته خاصًا بالجهاد المستحب، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط في الأبوين كونهما مسلمين حرين عدلين؟ قلتُ: لأن الكافِرَين لن يأذنا في حرب ضد الكفار، والعبدَين تبع لسيدهما فلا رأي لهما، والفاسقين لا يهمَّهما نصرة الإسلام.
(^٨) مسألة: لا يجوز للمسلم أن يُجاهد تطوعًا إذا كان مدينًا لشخص آخر إلا بعد أن يأذن له هذا الآخر، أو يرهن شيئًا يفي بذلك الدَّين، أو يكفله مليء بأنه إن لم يرجع هو الذي يُسدِّد دينه؛ للسنة القولية؛ حيث قال رجل للنبي ﷺ: أيُكفِّر الله عني خطاياي إن مُتُّ صابرًا مُحتسبًا في سبيل الله؟ قال له: "نعم إلا الدَّين" حيث بيَّن أن الجهاد -وإن كان أعظم الطاعات- إلا أنه لا يُكفِّر الدَّين؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي فالمدين لا بدَّ أن يفي بدينه قبل خروجه للجهاد التطوعي، أو يأذن الدائن، أو يكفله مليء أو يرهن شيئًا يفي بدينه، فإن قلتَ: لمَ قيِّد ذلك بالجهاد تطوعًا؟ قلتُ: لأن الجهاد الفرض يجوز أن يخرج إليه المسلم ولو كان عليه دين، ولو لم يأذن الدائن؛ وللمصلحة؛ حيث إن الجهاد الواجب مقدَّم على قضاء الديون وإن كان واجبًا؛ لأن مصلحة الجهاد عامة فيقدم لذلك كما قلنا في تقديم الجهاد الواجب على برِّ الوالدين -وقد سبق في مسألة (٧).
(^٩) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه: أن يتفقَّد جيش المسلمين قبل خروجه إلى القتال فإن وجد شخصًا قد اقتضت المصلحة عدم خروجه: أبعده عن الجيش كالشخص المخذِّل للجنود المضعف لحماسهم وعزيمتهم بعبارات كقوله: "إن =
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الأمير عليهم العُرَفاء، ويعقد لهم الألوية، والرايات، ويتخيَّر لهم المنازل، ويحفظ
الوقت لا يصلح للقتال" أو يقول: "إن الطريق طويل" أو "السرية الفلانية من المسلمين قد انهزمت" أو نحو ذلك؛ وكذلك الشخص الذي يغلب على ظن الإمام أنه يُفشي سرَّ المسلمين، أو المنافقين والزنادقة الذين يسعون بشتى الطرق إبراز أنفسهم وتضعيف الآخرين من المسلمين المخلصين، أو التقليل من قيمتهم ومنزلتهم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلمين والجنود من الخذلان؛ لكون هؤلاء المخذِّلين ينشرون الفتنة، وتقوية جانب العدو، وهذا فيه ضرر على الإسلام والمسلمين، فوجب منعهم من الخروج، بل يجوز قتلهم إن أصروا على ذلك؛ لأن دفع المفاسد، مُقدَّم على جلب المصالح، ومن هنا وجب على الإمام أو نائبه أن يتفقَّد جيشه. [فرع]: لا تجوز الاستعانة بالكفار في الجهاد، إلا إن كان كافرًا حسن الرأي في المسلمين، وأمِنوا خيانته، واحتاجوا إليه كأن يكون عند الكفار أسلحة لا يعرفها إلا كافر مثلهم: فتجوز الاستعانة به بقدر الحاجة ليكشف لنا أسرار تلك الأسلحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، وهو عام، فيشمل جميع الكفار والمشركين؛ لأنه نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم فيلزم عدم جواز الاستعانة بأي كافر، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد استعان بناس من المشركين في حرب خيبر، وحارب صفوان مع النبي ﷺ وهو حينئذٍ مشرك، وهذا يُحمل على ما إذا كان المشرك مأمون الجانب واحتيج إليه، وهذه السنة قد خصَّصت عموم السنة القولية السابقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المسلمين، وهي مقدمة على جلب المصالح.
[ ٢ / ٦٦١ ]
مكامنها، ويبعث العيون، ليتعرَّف حال العدو (^١٠) (وله أن ينفل) أي: يُعطي زيادة على السهم (في بدايته) أي: عند دخوله أرض العدو، ويبعث سرية تُغير، ويجعل لها (الربع) فأقل (بعد الخمس، وفي الرَّجعة) أي: إذا رجع من أرض العدو، وبعث سرية ويجعل لها (الثلث) فأقل (بعده) أي: بعد الخمس، ويُقسِّم الباقي في الجيش كله؛ لحديث حبيب بن مسلمة: "شهدتُ رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة" رواه أبو داود (^١١) (ويلزم الجيش طاعته) والنصح (والصبر معه)؛ لقوله
(^١٠) مسألة: يجب على أمير الجيش وقائدهم العام الذي سيخرج معهم: أن يُقسِّم جيشه إلى فرق، ويجعل على كل فرقة عريفًا -ويُسمَّى رئيسًا-، ويجعل لكل عريف لواء، يختلف لونه عن لون العريف الآخر، ويجعل لكل عريف وفرقته مكانًا معروفًا، ويُخصِّص أناسًا يأتون له بأخبار العدو وتفصيلات حالتهم: من عدد، وعُدَّة، وخِطط، ومنازل، ويفعل هذا القائد كل ما فيه مصلحة للمسلمين، ومفسدة للعدو؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك في غزواته، ومنها: أنه جعل على كل عشرة عريفًا يوم خيبر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذه السياسة الحربية تؤدي إلى نصر الإسلام والمسلمين.
(^١١) مسألة: يُستحب لقائد الجيش -عند نزوله دار الحرب- أن يبعث سرَّية مكونة من عدة أفراد؛ ليبدأوا بقتال العدو، ويُعطيهم ربع ما يغنمونه من ذلك، ويُستحب له -عند خروجه من دار الحرب-: أن يبعث سرية أخرى لتقاتل آخر الكفار، وتُنكلِّ بهم، وتحمي ظهور المسلمين، ويُعطيهم ثلث ما يغنمونه من ذلك، أي: أن ما تغنمه السرية القبلية: يؤخذ خمسه -وهو سهم الله ورسوله- ثم يُؤخذ ربع الباقي، فيُقسَّم على أفراد تلك السرية، ويُضم الباقي إلى الغنائم العامة، وكذلك يُفعل في السرية البعدية؛ فتُعطى ثلث الباقي لما =
[ ٢ / ٦٦٢ ]
تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١٢) (ولا يجوز) التَّعلُّف،
غنموه -بعد نزع الخمس- والباقي يُضم إلى الغنائم العامة، ثم إن أفراد السَّريتين يأخذون نصيبهم عند تقسيم الغنيمة العامة كغيرهم، فيكون ما يأخذونه من الربع والثلث زيادة ونفل لهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نقل الربع في البدأة والثلث في الرجعة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمقدمة جيش المسلمين ولمؤخرته، مما يؤدِّي إلى نصر الإسلام، فإن قلتَ: لمَ تُعطى السرية القبلية الرُّبع، وتُعطى السرية البعدية الثلث؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مشقة السرية البعدية أكثر من مشقة السرية القبلية؛ لأن البعدية تحارب بعد انتهاء المعركة في حالة تكون النفوس والأجساد قد تعبت، وكلَّت، ولو هُزمت فقد لا يتنبَّه لها المسلمون؛ لكونهم قد ذهبوا، فاستحقت الثلث لذلك، بخلاف السرية القبلية: فإنها تحارب بنشاط وقوة، وإذا هُزمت: فإن الجيش كله خلفها يستطيع نصرها، فلما اختلفت المشقة اختلف الأجر في الدنيا والآخرة، والأجر في كل شيء على قدر المشقة.
(^١٢) مسألة: يجب على أفراد الجيش كله: أن يُطيعوا أميرهم وقائدهم، ويُخلصوا له النصيحة، وأن يصبروا معه -ولو كان ذلك الأمير فاسقًا، إذا لم يأمر بمعصية -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأوجب الشارع طاعة ولي الأمر، لأن الأمر في الآيتين مُطلق، فيقتضي الوجوب، وهو مطلق في الأزمان والأحوال، فيشمل الحرب والسلم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني" فطاعة الله والإخلاص له تقتضي وجوب طاعة أمراء المسلمين إذا لم يأمروا بمعصية، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
[ ٢ / ٦٦٣ ]
والاحتطاب، و(الغزو إلا بإذنه (^١٣) إلا أن يفجأهم عدو يخافون كَلَبه) بفتح اللام، أي: شرَّه وأذاه؛ لأن المصلحة تتعيَّن في قتاله إذًا، (^١٤) ويجوز تبييت الكفار، ورميهم بالمنجنيق، (^١٥) ولو
حيث إن عدم طاعة أمير الجيش، والأمير العام يُؤدِّي إلى التنازع والاختلاف والفشل، وذهاب الريح والقوة، وهذا ما يُفرق بين المسلمين ويتسبَّب في هزيمتهم ويُفرح الكفار وينصرهم، فدفعًا لذلك: شرع ذلك.
(^١٣) مسألة: يحرم على أي جندي في الجيش أن يبدأ بالغزو، أو أن يخرج من المعسكر لتعليف البهائم، أو للاحتطاب، أو أي حركة إلا إذا أذن أميره؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا معه حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وهذا عام للرسول ولغيره ممن يقوم بأمر المسلمين، وهذا النفي: نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، ومفهوم الغاية دلَّ على أنهم إذا أذن بذلك: فإنه يجوز، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أمير الجيش وقائده أعلم بحال العدو، وطريقة حربهم بسبب ما تصل إليه من معلومات عن طريق مَنْ يبعثهم لذلك.
(^١٤) مسألة: إذا فاجأ الكفار المسلمين وغاروا عليهم: فيجوز لأي فرد من جيش المسلمين أن يُقاتلوهم ولو لم يأذن أمير الجيش؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمسلم أن يقتل الصائل والهاجم عليه بدون إذن أحد، فكذلك الحال هنا، والجامع: الحفاظ على النفس والدفاع في كل.
(^١٥) مسألة: يجوز للمسلمين أن يُغيروا على الكفار بليل أو نهار، في بيان أو لا، ويجوز رميهم بالمنجنيق -وهي المدافع-؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، على أهل الطائف وغيرهم، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو: نصرة المسلمين.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قتل بلا قصد صبيًا ونحوه، (^١٦) ولا يجوز قتل صبي، ولا امرأة، وخنثى، وراهب، وشيخ فان، وزمن، وأعمى لا رأي لهم، ولم يُقاتلوا، أو يحرِّضوا، (^١٧) ويكونون أرقَّاء بسبي، (^١٨) والمسبي غير بالغ مُنفرِدًا،
(^١٦) مسألة: إذا قامت الحرب: فيجوز للمسلمين أن يستعملوا أيَّ آلةٍ وطريقة تتسبَّب في نصرتهم، وهزيمة الكفار، ولو أدَّى ذلك إلى قتل الصبيان والنساء، والشيوخ، والرهبان من غير قصد، أو ضع الكفار بعض المسلمين في مُقدِّمة جيشهم -وهو التترس- فتجوز مهاجمتهم؛ للمصلحة؛ حيث إن مصلحة عامة المسلمين مُقدَّم على مصلحة هؤلاء؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان: قُدِّمت أعمهما وأعظمهما نفعًا.
(^١٧) مسألة: يحرم قتل أيِّ كافر لم يشترك في محاربة المسلمين: من قتال، أو رأي أو مشورة، أو تحريض: كصبيان الكفار، ونسائهم، ورهبانهم وشيوخهم، وأصحاب العاهات والأمراض، والعميان، أو غير ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد نهى عن قتل النساء والصبيان" والنهي هنا مُطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد ترك الرهبان من الكفار، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن هؤلاء إما أن يدفعوا الجزية، أو يكونوا أرقاء، فقتلهم فيه مفسدة على المسلمين.
(^١٨) مسألة: إذا سُبي أيُّ شخص من الكفار: فإن إمام المسلمين يفعل به ما تقتضيه المصلحة، فإن اقتضت قتلهم: فعل، وإن اقتضت الاسترقاق: فعل، وإن اقتضت المنَّ والفداء فعل؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال: ﴿فإما مَنٌّ بعد وإما فِداء﴾ الثانية؛ السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لبعض زوجاته: "اعتقيها" يقصد امرأة قد أُسرت، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد منَّ على ثمامة وغيره، وقد فدى الرَّجل بالرَّجلين، =
[ ٢ / ٦٦٥ ]
أو مع أحد أبويه: مسلم، (^١٩) وإن أسلم، أو مات أحد أبوي غير بالغ بدارنا: فمسلم، (^٢٠) وكغير البالغ من بلغ
الرابعة: المصلحة؛ حيث إن بعض من يُؤخذ أسيرًا قتله أصلح من إبقائه، وبعضهم فداؤه أصلح وبعضهم استرقاقه أصلح، وبعضهم المن عليه بالحرية أصلح، فكل فرد يُناسبه شيء قد لا يُناسب الآخرين وهذا من باب "تحقيق المناط الخاص". [فرع]: يترك الراهب من الكفار -وهو: الذي انقطع في مكان منعزل يعبد الله على ما جاء في دينه، وهو لا يُساعد الكفار على الإضرار بالمسلمين- فلا يُتعرَّض له بسبي، ولا قتل ولا تؤخذ منه الجزية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ذرهم وما حبسوا أنفسهم عليه" الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قتلهم أو سبيهم، أو إيذاءهم يؤدي غالبًا إلى نفور الناس عن الإسلام، خاصة وأنهم لم يُشاركوا في شيء مما يؤذي المسلمين، وأنهم لا يصلحون إلا لما هم عليه.
(^١٩) مسألة: إذا سبى مسلم صبيًا من الكفار: فيُحكم عليه بأحكام الإسلام: سواء كان مُميزًا أو لا، وسواء سُبي مع أبويه أو أحدهما، أو بدونهما؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه"، فتكون تبعيته لأبويه انقطعت بسبب السبي؛ نظرًا لإخراجه من دار الكفر إلى دار الإسلام، فيكون تبعًا للمسلم.
(^٢٠) مسألة: إذا أسلم أحد أبوي الصبي، في دار الإسلام: فيحكم على الصبي بالإسلام، للتلازم؛ حيث إنه تابع لدين أبويه أو أحدهما، فيلزم من إسلامهما أو إسلام أحدهما: أن يكون ولدهما تابعًا لذلك، فإن قلتَ: لمَ يُحكم عليه بحكم الإسلام إذا أسلم أحد أبويه فقط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنا غلَّبنا الأصلح له في الدنيا والآخرة، تنبيه: قوله: "أو مات" سيأتي بيانه في المسألة الآتية.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
مجنونًا (^٢١) (وتُملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب) وتجوز قسمتها فيها؛ لثبوت أيدينا عليها، وزوال ملك الكفار عنها، و"الغنيمة": ما أُخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما أُلحق به، مشتقة من الغنم، وهو: الربح (^٢٢) (وهي لمن شهد الوقعة)
(^٢١) مسألة: إذا مات أبوا الصبي -وهما كافران- وذلك في دار الإسلام، أو بلغَ في دار الإسلام وهو مجنون: فلا يُحكم عليه بأحكام الإسلام، وهو مذهب الجمهور، بل يكون تابعًا لأقاربه الكفار؛ للاستقراء؛ حيث إنه قد ثبت بعد الاستقراء والتتبُّع لأحوال الكفار من أهل الذِّمَّة: أنهم لما ماتوا وتركوا صبيانًا: فإن الصحابة ومن جاء بعدهم من الخلفاء والولاة لم يحكموا على هؤلاء الصبيان بأحكام الإسلام، بل تركوهم على ما هم عليه، والمجانين مثلهم، فإن قلتَ: إن الصبي أو من بلغ مجنونًا هنا يُحكم عليه بأحكام الإسلام قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^٢٢) مسألة: تُملك الغنيمة -وهي: كل مال أخذ من كافر حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به مما أخذ بفداء أو أهدي لأمير أو نائبه- بعد الاستيلاء عليها في دار الحرب، وتُقسَّم بعد انتهاء المعركة مباشرة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وأُحلَّت لي الغنيمة" فيلزم من إحلالها ملكيتها، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يرجع من غزوة إلا بعد أن يُقسِّم الغنيمة على من قاتل معه؛ الرابعة: التلازم، حيث إن الاستيلاء على ذلك المال بسبب شرعي، وهو: الجهاد، وطرد الكفار عنها وقهرهم: يلزم منه ثبوت أيدينا عليها وإزالة ملك الكفار عنها، فإن قلتَ: لمَ شُرعت الغنيمة في الإسلام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المجاهد إذا علم أنه سيجمع في الجهاد بين أجر الآخرة، وأجر الدنيا: مما يغنيه عن غيره، أو يُغني أولاده، أو يكون له صدقة جارية: فإنه سيُقاتل قتالًا شديدًا، يكون فيه النصر للمسلمين بإذن الله تعالى.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
أي: الحرب (من أهل القتال) بقصده: قاتل أو لم يُقاتل حتى تجَّار العسكر وأجرائهم المستعدِّين للقتال؛ لقول عمر ﵁: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (^٢٣) (فيُخرج) الإمام أو نائبه (الخمس) بعد دفع سلب لقاتل، وأجرة جمع، وحفظ، وحمل، وجُعل من دلَّ على مصلحة، ويجعله خمسة أسهم: منها: سهم لله، ولرسوله ﷺ مصرفه كفيء، وسهم لبني هاشم وبني المطَّلب؛ حيث كانوا: غنيهم وفقيرهم، وسهم لفقراء اليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، يعم من بجميع البلاد حسب الطاقة (ثم يُقسِّم باقي الغنيمة) وهو أربعة أخماسها بعد إعطاء النفل والرَّضخ لنحو قنِّ، ومميز على ما يراه (للراجل سهم) ولو كافرًا (وللفارس ثلاثة سهم له وسهمان لفرسه) إن كان عربيًا؛ لأنه ﷺ "أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له" متفق عليه عن ابن عمر ﵁، وللفارس على فرس غير عربي سهمان فقط، (^٢٤)
(^٢٣) مسألة: تقسَّم الغنيمة على كل شخص شهد المعركة ممن قاتل فعلًا، أو كان مُستعدًا للقتال قاصدًا له ولو لم يُقاتل، ولو كان تاجرًا فيها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُقسِّم الغنيمة على من شهد المعركة معه، الثانية: قول الصحابي، حيث قال عمر ﵁: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" وهذا عام يشمل مَنْ ذكرنا فإن قلتَ: لِمَ يُعطى من حضر الوقعة وإن لم يُقاتل؟ قلتُ: لأنه مستعدٌّ في حالة الحاجة إليه.
(^٢٤) مسألة: طريقة تقسيم الغنيمة هي كما يلي: أولًا: أن يُعطى كلُّ واحد سَلَبه، أي: إذا قتل مسلم كافرًا منفردًا، وعلم ذلك قائد الجيش: فإنه يستحق كل ما على ذلك الكافر فيأخذه المسلم دون أن يُشاركه فيه أحد وإن كان كثيرًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سَلَبه" وهو عام فيشمل القليل والكثير؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، ثانيًا: بعد ذلك: =
[ ٢ / ٦٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُعطى كل من استُؤجر لأجل جمع الغنيمة، أو حفظها من السارقين والأمطار، أو حملها من مكان إلى آخر، أو أرشد المسلمين مكان العدو؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك كله من أجل مصلحة الغنيمة ودفع المفسدة عنها فيلزم أن يُعطى القائم بذلك منها قبل تقسيمها قياسًا على عامل الزكاة؛ حيث إنه يُعطى منها قبل إعطائها لمستحقيها كما سبق، ثالثًا: بعد ذلك: يُعطى كل مسلم أو مُعاهد ماله الذي أثبت مُلكيته له؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ردَّ غُلامًا قد هرب من ابن عمر إليه بعد المعركة؛ والمعاهد مثل المسلم؛ لعدم الفارق في ذلك من باب مفهوم الموافقة؛ نظرًا لكون المعاهد له ما للمسلم وعليه ما على المسلم، وهو يتضرَّر بأخذ حقه، رابعًا: بعد ذلك: يأخذ الإمام أو نائبه خُمُس الغنيمة، ويُقسِّمه على خمسة أسهم بالتساوي هي: ١ - سهم لله ولرسوله، ويكون فيئًا، يُجعل في بيت مال المسلمين، ويُصرف في مصالح المسلمين العامة، ٢ - سهم يُوزَّع على ذوي القربى من رسول الله وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطَّلب، ويُعطى هؤلاء مُطلقًا أي: سواء كانوا أغنياء أو فقراء، وسواء وُجد أو كان غائبًا، ٣ - سهم يُوزَّع على فقراء اليتامى -واليتيم هو: من لا أب له وهو لم يبلغ- ٤ - سهم يُوزَّع على المساكين -والمسكين هو الذي لا يجد قوت يومه ويشمل الفقير- ٥ - سهم يُعطى ابن السَّبيل وهو المسافر المنقطع في سفره فيُعطى ما يُوصله إلى بلده؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ خامسًا: بعد ذلك: تُعطى السرية القبلية ربع ما غنموه في تلك السرية، وتُعطى السرية البعدية ثلث ما غنموه من تلك السرية -كما سبق في مسألة (١١) -، سادسًا: بعد ذلك: يُخرج الرَّضخ، وهو: أن يُعطى بعض من حضر قسمة الغنيمة مما لا سهم له من الصبيان المميزين والنساء، والعبيد =
[ ٢ / ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النافعين، وأهل الذمة، وبعض رؤوس القبائل والعشائر ويُعطون أقل من سهم على حسب ما يراه الإمام من المصلحة؛ لقاعدتين الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن أم عطية قالت: "كان ﷺ يرضخ لنا" أي: يُعطينا أقل من السهم، والصبيان والعبيد منهم؛ لعدم الفارق وأعطى ﷺ قريشًا وبعض رؤوس القبائل من الغنيمة ويُعطى أهل الذمة مثلهم، لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على أنه لا سهم للغلمان والنساء، وإنما يُرضخ لهم، سابعًا: بعد ذلك يُقسَّم الباقي على المجاهدين في تلك المعركة، والذين خرجوا قاصدين القتال، ولو لم يُقاتلوا، فيُعطى الراجل - وهو الذي قاتل بدون فرس - سهم واحد فقط، ويُعطى الفارس: ثلاثة أسهم: له، وسهمان لفرسه، إذا كان الفرس عربيًا، أما إن كان غير عربي كله، أو كان أحد أبويه غير عربي: فإنه يُعطى سهم واحد ولفرسه سهم واحد فقط؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد أعطى الراجل سهمًا، والفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له في غزوة خيبر"، "وأعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهمًا"، فإن قلتَ: لِمَ قُسِّمت الغنيمة على هذا التقسيم؟ قلتُ: لتحقيق العدالة في ذلك، فلو دقَّقت في هذا التقسيم لوجدت الشارع قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، وراعى جلب المصالح، ودفع المفاسد في هذا التقسيم، فإن قلتَ: لِمَ يأخذ الإمام خمس الغنيمة؟ قلتُ: شكرًا الله تعالى على ما حصل من النصر، فإن قلتَ: لِمَ يُعطى الرَّضخ؟ قلتُ: لتقوية إيمان من يُعطون من العبيد، ورؤوس القبائل، ولدفع شرَّهم، فإن قلتَ: لِمَ يُعطى الراجل سهمًا، والفارس ثلاثة؟ قلتُ: لأن تأثير الفرس في القتال والنكاية بالعدو أعظم وأشد من الراجل والفرس العربي أصبر وأقوى فيستحق أكثر من غيره.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ولا يُسهم لأكثر من فرسين إذا كان مع رجل خيل، (^٢٥) ولا شيء لغيرها من البهائم؛ لعدم وروده عنه ﷺ (^٢٦) (ويُشارك الجيش سراياه) التي بُعثت منه من دار الحرب (فيما غنمت، ويُشاركونه فيما غنم) قال ابن المنذر: روينا أن النبي ﷺ قال: "وتُردُّ سراياهم على قعدهم"، (^٢٧) وإن بعث الإمام من دار الإسلام جيشين أو
(^٢٥) مسألة: إذا كان مع مسلم أكثر من فرس: فإنه لا يُسهم إلا لفرس واحد فقط، فيُعطى ثلاثة سهمان، لفرسه وسهم له، وهو قول الجمهور؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد فعل ذلك في غزوة خيبر" مع أنه يُحتمل أن بعض الصحابة معه أكثر من فرس، فإن قلتَ: يسهم لفرسين فيُعطى خمسة أسهم: سهمان لفرسه الأول، وسهمان لفرسه الثاني، وسهم له، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا مخالف للسنة، ومخالف للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في نقصان أنصبة الآخرين.
(^٢٦) مسألة: إذا وُجد مع المجاهدين بهائم - غير الخيل - من إبل، وبقر، وغنم، وفيَلة، وحمير، ونحو ذلك: فلا يُسهم لها وإن انتفع بها في القتال؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ: قد أسهم للخيل فقط في غزواته، وكان مع المجاهدين الإبل الكثير، ولم يُسهم لواحد منها، وعدم ذلك: يدل على عدم الحكم، فإن قلتَ: لِمَ لا يُسهم لها مع أنها تقوم ببعض الأعمال؟ قلتُ: لكون الخيول تُسهم وتشارك في القتال مشاركة فعلية من كرٍّ، وفرٍّ، وذهاب، وإياب، ودنو، وبعد، وسرعة ميل، ورفع وخفض، ومساعدة الفارس في القتال، ولا يمكن لغير الخيل أن تفعل ذلك، ولا تقاربه.
(^٢٧) مسألة: إذا بعث قائد الجيش سرية، قبلية وسرية بعديةٍ من دار الحرب فإن ما غنمه أفراد هاتين السرَّيتين يشاركهم فيه أفراد الجيش العام الموجود في دار الحرب، وما غنمه - بعد إخراج الثلث والربع منه كما سبق في مسألة (١١) - =
[ ٢ / ٦٧١ ]
سريتين: انفردت كل بما غنمت (^٢٨) (والغال من الغنيمة) وهو: من كتم ما غنمه أو بعضه: لا يُحرم سهمه (^٢٩) و(يُحرق) وجوبًا (رحله كله) ما لم يخرج عن ملكه (إلا
وكذلك العكس: أي أن أفراد السريتين يُشاركون الجيش العام ما غنمه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وتُردُّ سراياهم على قعدهم" ويقصد بـ "القعد" الجيش العام؛ لكونهم قعدوا في دار الحرب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما غزَ هوازن بعث سرية من الجيش ففتحت تلك السرية فأشرك بينها وبين الجيش، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لو غنم أحد جانبي الجيش: فإن الجانب الآخر يشترك معه في الغنيمة، فكذلك ما نحن فيه مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر رفدًا وقوة لأصل الجيش ويشمله اسم واحد، والمصلحة واحدة.
(^٢٨) مسألة: إذا بعث الإمام أو نائبه جيشين، أو سريتين من دار الإسلام والسلام، وغنم كل جيش أو سريَّة شيئًا: فإن كل أفراد الجيش، أو السرية ينفردون بما غنموه؛ للتلازم؛ حيث إن انبعاث كل جيش أو سرية من دار الإسلام، وقيامهم لوحدهم بالمعركة مع الكفار يلزم منه: أن يكون ما غنموه لهم؛ لما لاقوه من المشقة في ذلك.
(^٢٩) مسألة يحرم أن يغلَّ واحد من الغزاة أو غيرهم من الغنيمة - والغلُّ: أن يأخذ أحد الغزاة شيئًا من الغنيمة، ويكتمه، ولا يطرحه مع الغنيمة عند قسمتها - وهذا الغال لا يُحرم سهمه من الغنيمة، بل يُعطى إياه؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا وعيد، ولا يُتوعَّد إلا على فعل حرام، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصبها المقاسم: لتشتعل عليه نارًا" فلما سمع الناس ذلك: جاء رجل بشراك، أو =
[ ٢ / ٦٧٢ ]
السلاح والمصحف وما فيه روح) وآلته، ونفقته، وكتب علم، وثيابه التي عليه، ومالا تأكله النار فله قال يزيد بن يزيد بن جابر: "السنة في الذي يغلُّ: أن يُحرق رحله" رواه سعيد في "سننه" (^٣٠) (وإذا غنموا) أي: المسلمون (أرضًا) بأن
شراكين إلى النبي ﷺ فقال: "شراك من نعل أو شراكان من نار" و"الشراك": سير النعل، وهذا وعيد، ولا يتوعَّد إلا على فعل محرم، ثانيهما: قوله ﷺ: "أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له" وهذا عام فيشمل من غلَّ وغيره، فلا يمنع غلوله أن يُعطى حقه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن كتمان شيء من الغنيمة يُعتبر من باب الخيانة، والخيانة من الموبقات، ولا يجوز منع الغالِّ حقه؛ لكونه يلحق الضَّرر به، ولا ضرر في الإسلام.
(^٣٠) مسألة: مَنْ غلَّ يُعاقبه الإمام أو نائبه وجوبًا بإحراق رحله ومتاعه كله إن كان تحت ملكه وتصرُّفه، إلا السلاح، والمصحف، وكل ما فيه روح من بهائم، وجميع الآلات التي معه، والكتب العلمية، والثياب، ونحو ذلك: فإنها لا تُحرق، ثم بعد ذلك يُعزَّر ذلك الغال بما يناسبه من، جلد، أو حبس؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إذا وجدتم الرَّجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه" وهذا الأمر مُطلق، فيقتضي الوجوب، وقوله: "فاضربوه" كناية عن التعزير وللإمام أو نائبه أن يُعزِّر بما يراه مناسبًا للردع، ثانيهما: قول يزيد: "السنة في الذي يغلَّ: أن يُحرق رحله" ويلزم من هذا التعبير: أنها سنة النبي ﷺ؛ لأنَّه هو الظاهر من هذا التعبير الثانية: المصلحة؛ حيث إن إحراق ما يجوز إحراقه فيه معاملة له بنقيض قصده، وحرمانه من كل متاعه ورحله عقوبة له، وردعًا لأمثاله، والعقاب من جنس العمل، وترك بعض الأمور بدون إحراق كالسلاح وكتب العلم ونحوها فيه مضرَّة عامة، فمُنع ذلك، فإن قلتَ: لا يُحرَّق شيء، وإنما يُؤخذ ما معه ويُجعل =
[ ٢ / ٦٧٣ ]
(فتحوها) عنوة (بالسيف) فأجلوا عنها أهلها (خُيِّر الإمام بين قسمها) بين الغانمين (ووقفها على المسلمين) بلفظ من ألفاظ الوقف ويضرب عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي بيده) من مسلم وذمي، يكون أجره لها في كل عام كما فعل عمر ﵁ فيما فتحه من أرض الشام والعراق ومصر، وكذا: الأرض التي جلو عنها؛ خوفًا منا، أو صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج، (^٣١) بخلاف ما صُولحوا على
في بيت المال، وهو قول كثير من السلف، وتبعهم ابن تيمية وابن القيم؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن إضاعة المال" وإحراق ذلك يُعتبر من إضاعة المال قلتُ: إن إحراق ذلك ليس من باب إضاعة المال، بل من باب حمايته؛ لأن هذا الفعل فيه زجر للفاعل وردع للآخرين من أن يفعلوا مثله، ففيه حماية لحقوق الآخرين من النهب والسلب وإبقاؤه كما قلنا في مصلحة قطع يد السارق ونحوه من العقوبات، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين، والمصلحتين" كما فصَّلنا.
(^٣١) مسألة: إذا غنم المجاهدون أرضًا عن طريق القتال والقهر، أو عن طريق جلاء الكفار عنها بدون قتالٍ، بل لخوف من المسلمين، أو عن طريق مصالحة المجاهدين معهم على أن تلك الأرض للمجاهدين، وهم يُقرِّونها بأيدي الكفار بالخراج فإن الإمام أو نائبه مُخيَّر بين أمرين: أحدهما: أن يُقسِّمها بين الغانمين ثانيهما: أن يوقفها على مصالح المسلمين بأحد ألفاظ الوقف، ويضرب عليها خراجًا مستمرًا بأن يقول مثلًا: "على كل متر من هذه الأرض أجرة وقدرها مائة درهم أو دينار - أو ما يُعادلهما من الأثمان - تؤخذ تلك الأجرة سنويًا ممن هي بيده: سواء كان مسلمًا أو ذمِّيًا" وهذا التخيير تخيير مصلحة كالتخيير في الأسرى؛ حيث إن الإمام يرى ما تقتضيه المصلحة فيفعله - بعد مشورة أهل العلم والفضل والخبرة في ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قسَّم نصف أرض خيبر بين المسلمين، ووقف نصفها الآخر على نوائبه، =
[ ٢ / ٦٧٤ ]
أنها لهم ولنا الخراج عنها: فهو كالجزية تسقط بإسلامهم (^٣٢) (والمرجع في) مقدار (الخراج والجزية) حين وضعهما (إلى اجتهاد الإمام) الواضع لهما فيضعه بحسب اجتهاده؛ لأنَّه أجرة: يختلف باختلاف الأزمنة، فلا يلزم الرجوع إلى ما وضعه عمر ﵁، (^٣٣) وما وضعه هو أو غيره من الأئمة ليس لأحد تغييره ما لم يتغيَّر السَّبب كما في الأحكام السلطانية؛ لأن تقديره ذلك حكم، (^٣٤) والخراج على أرض لها ماء
الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵃ قد وقف الأراضي التي فُتحت عنوة في الشام ومصر والعراق، ونحوها، وضرب الخراج، ولم يُنكر عليه أكثر الصحابة الثالثة: المصلحة؛ حيث إن لكل عصر وقوم منفعة تختلف عن غيرهم؛ لذلك خُيِّر الإمام فيفعل ما يراه مناسبًا لعصره.
(^٣٢) مسألة: إذا وقعت مصالحة بين المسلمين وبين الكفار على: أن هذه الأرض لهم، ولنا الخراج عنها: فإن حكم ما يُؤخذ من خراج حكم الجزية؛ وتسقط تلك الجزية إذا أسلموا؛ للتلازم؛ حيث إنها ليست بدار إسلام، فيلزم من إسلامهم: سقوط ذلك.
(^٣٣) مسألة: الذي يضع مقدار الخراج - أو الجزية - الذي سيُؤخذ من تلك الأرض هو الإمام أو نائبه فيُقدِّر ما يراه مُناسبًا للزمان والمكان، والأفراد، والجودة فإذا فُتحت أرض لا يلزم أن يُوضع خراجها كما وضع عمر بن الخطاب ﵁ إخراج أرض فُتحت في عصره، بل يُنظر لكل أرض بمفردها، فما يُناسبها قد لا يُناسب الأخرى؛ للمصلحة؛ حيث إن مقدار كل خراج وأجرة يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والجودة، فدفعًا للمشقة يُعطى كل عصر ومكان ما يُناسبه.
(^٣٤) مسألة: إذا وضع إمام كعمر - مثلًا - مقدارًا لخراج أرض معينة، أو جزية على قوم: فلا يجوز لأحد من الذين يأتون بعده: أن يُغيِّروا ذلك المقدار، فلا =
[ ٢ / ٦٧٥ ]
تُسقى به، ولو لم تُزرع، لا على مساكن (^٣٥) (ومن عجز عن عمارة أرضه) الخراجية: (أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها) بإجارة أو غيرها؛ لأن الأرض للمسلمين، فلا يجوز تعطيلها عليهم (^٣٦) (ويجري فيها الميراث) فتنتقل إلى وارث من
يُنقص منه ولا يزيد عليه، وإنما يُعادل ذلك بما يساويه من العملة المستعملة في عصر كل إمام؛ للاستصحاب؛ حيث إن حكم الإمام السابق في ذلك لازم في الحال، فيستصحب: لزومه في المستقبل إن لم يُوجد سبب يُغيِّر ذلك، ويلزم من تغيُّر العملات: مُعادلتها بما يساويها؛ للمصلحة الظاهرة. [فرع]: إذا تغيَّرت حال الأرض بأن غلا ثمنها، أو رخص فإنه يجوز للإمام أو نائبه أن يُغيِّر مقدار الخراج، فيزيد أو يُنقص على حسب ما يراه من اقتضاء المصلحة؛ للتلازم؛ حيث إن الخراج أجرة، والأجرة تختلف باختلاف الأزمان والأمكنة، والفائدة وعدمها: فيلزم من ذلك تغيير الأجرة على حسب ذلك.
(^٣٥) مسألة: الخراج يوضع على أرض يُمكن سقيها بالماء لزرعها، وغرسها، ولو لم يقم الشخص بزراعتها، أو سقيها: أي: سواء زرعها أو لم يزرعها: فإنه يجب عليه دفع خراجها، أما المساكن المبنية والدور: أو الأراضي التي لا يصل إليها ماء: فلا خراج عليها؛ للقياس؛ كما أن الأجرة تُؤخذ من شيء ينتفع به المستأجر، أما ما لا يُنتفع به: فلا يُؤخذ منه شيء؛ لعدم الفائدة من ورائه، فكذلك الخارج مثلها، والجامع: الانتفاع وعدمه في كل وهو المقصد.
(^٣٦) مسألة: إذا عجز شخص عن زراعة أو غراسة الأرض الخراجية التي تحت يده فإنه يُجبر على تركها لغيره حتى يقوم بزراعتها، أو رفع يده عنها؛ للمصلحة؛ حيث إن الأرض لمصالح جميع المسلمين، فلزم أن يُتصرف بذلك؛ لينتفعوا بخراجها وريعها.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
كانت بيده على الوجه الذي كانت عليه في يد مُورِّثه، فإن آثر بها أحدًا: صار الثاني أحقُّ بها كالمستأجرة، (^٣٧) ولا خراج على مزارع مكة والحرم (^٣٨) (وما أُخذ) بحق بغير قتال (من مال مشرك) أي: كافر (كجزية، وخراج وعشر) تجارة من حربي، أو نصفه من ذمِّي اتَّجر إلينا (وما تركوه فَزَعًا) منَّا أو تخلَّف عن ميت لا وارث له (وخمس خمس الغنيمة فـ) هو (فيء) سُمِّي بذلك؛ لأنَّه رجع من المشركين إلى المسلمين وأصل الفيء: الرجوع (يُصرف في مصالح المسلمين) ولا يختصُّ بالمقاتِلة، ويبدأ بالأهم فالأهم من سد بثق، أو تعزيل نهر، وعمل قنطرة ورزق نحو قضاة، ويُقسَّم فاضل بين أحرار المسلمين: غنيهم وفقيرهم (^٣٩)
(^٣٧) مسألة: إذا كانت أرض خراجية تحت يد زيد فمات، أو باعها، أو آثر بها شخصًا آخر فإن تلك الأرض تنتقل إلى الذي آثره وقدَّمه، فإن لم يُوجد، فإنها تكون لمشتريها، فإن لم يُوجد: فإنها تكون لوارثه بشرط أن يكون المنتقلة إليه قادرًا على غرسها وزراعتها ودفع خراجها كما كان زيد يفعل ذلك تمامًا؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو استأجر أرضًا أو دارًا مُدَّة فمات، أو جعل آخر عنه في باقي تلك المدَّة: فإن الوارث، أو الذي جعله عنه هو الأحق في باقي تلك المدة، فكذلك الحال في الأرض الخراجية، والجامع: أن كلًّا من ذلك حق له فيستفيد من ذلك المقدَّم، أو الوارث بشرطه فيهما.
(^٣٨) مسألة: لا يجوز أخذ الخراج عن أراضي مكة والحرم وإن زُرعت أو غُرست؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز أن تؤجَّر المناسك بمنى ومُزدلفة فكذلك لا يجوز أخذ الخراج عن أراضيها مُطلقًا، والجامع: أن الأحق لمن سبق في كل؛ لتيسير العبادة، وهذا هو المقصد منه.
(^٣٩) مسألة: الأموال التي يأخذها الإمام أو نائبه من الكفار تسمَّى "الفيء" وهو متكون مما يلي: أولًا: الذي يُؤخذ منهم كجزية وخراج - كما سبق في مسألة (٣٢)، و٣٣)، ثانيًا: الذي يُؤخذ منهم كعشر مكسب تجارة كافر حربي =
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فصل: ويصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران
قد تاجر في بلاد المسلمين، ثالثًا: الذي يُؤخذ منهم كنصف عشر مكسب تجارة كافر ذمِّي قد تاجر في بلاد المسلمين، رابعًا: الذي يُؤخذ منهم لما هربوا، أو فزعوا، أو طلبوا الهدنة، خامسًا: الذي يؤخذ من كافر قد مات لا وارث له، وكذا: مال مسلم لا وارث له مثله سادسًا: الذي يُؤخذ كخمس خمس الغنيمة - وهو: سهم الله ورسوله كما سبق في مسألة (٢٤) -، وهذه الأموال توضع في بيت المال، وتُصرف في مصالح المسلمين العامة، ويُقدَّم في ذلك الأهم فالمهم على حسب الحاجة بكل عدالة وإخلاص، فيُبدأ مثلًا بتوفير المياه للمسلمين: من إصلاح الأنهار أو حفر الآبار، أو توصيل المياه إلى منازل المسلمين، ووضع القناطر؛ لكون نفع ذلك ظاهر وعام، ثم يُصرف على أشياء تُعين في الدين والحكم فيه كوضع القضاة، والتشجيع على طلب العلم طلبًا حقيقيًا وتوفير الكتب مع توفير العلماء الذين يشرحون تلك الكتب ويبينونها للناس، ثم يُعمل بعد ذلك ما يُناسب المصالح العاجلة والآجلة، ثم إن بقي شيء: فإنه يُصرف على جميع المسلمين الأحرار، فقيرهم وغنيهم على السواء، فلا يجوز لأي شخص قد تولَّى أمر المسلمين أن يحابي نفسه بما عنده من مال الدولة أو المنافقين الذين حوله، ويترك من قد يكون أخلص له من هذا المنافق الذي يدور حوله؛ لأن من نافقك فسيُنافق غيرك، ومن خان غيرك فسيخونك لا محالة وهذه قاعدة في السياسة الشرعية؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد" فأثبت أن لكل مسلم حق بالتساوي ونفاه عن العبيد؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ولأن نفس العبيد مال لأسيادهم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا التقسيم يُحقق جلب المصالح، ودفع المفاسد، وهذا هو الغرض الذي جاء الإسلام لأجله، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المال بالفيء؟ قلتُ: لأن الفيء هو: الرجوع، وهنا قد أرجع المال من غير المستحقين له وهم الكفار إلى المسلمين؛ لإعانتهم على عبادة الله.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
ولو قَنًّا، أو أنثى، بلا ضرر، (^٤٠) في عشر سنين فأقل، (^٤١) مُنجزًا
(^٤٠) مسألة: إذا خاف كافر، وأمَّنه مسلم: فإنه يصح أمانه إذا كان هذا المؤمِّن مُسلمًا عاقلًا، مُختارًا، لا يلحقه ضرر من ذلك الأمان، وهذا مُطلق: أي: سواء كان هذا المسلم المؤمِّن عبدًا، أو حرًا، امرأة أو ذكرًا، أما إن كان غير مسلم، أو غير عاقل، أو مُكره، أو يلحقَه ضرر من هذا التأمين: فلا يصح أمانه للكافر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وهذا يدل على إباحة أمان المسلم للكافر؛ لأن الأمر ورد بعد حظر الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين أولهما: قوله ﷺ: "ذِمَّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" والعبد والمرأة يصح أمانهما؛ لعموم قوله: "المسلمين" للعبيد والنساء؛ لأن الخطاب يعمهم، ودلَّ مفهوم الصفة على عدم جواز تأمين الكافر، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فحرم التأمين الذي يُؤدِّي إلى الأضرار بالمؤمِّن؛ لأن النفي: نهي، والنهي مُطلق، وهو يقتضي التحريم، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه" وهو خاص في المسألة، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من اختلاط حقائق الأمور على غير العاقل والسكران، والمكره: عدم صحة أمانهم؛ لعدم قصد الأمان؛ حيث إن الأمور بمقاصدها، فإن قلتَ: لمَ صحَّ الأمان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب الدعوة إلى الإسلام، فقد يتأثَّر الكافر بمعاملة المسلمين له، وبمعاملة بعضهم لبعض، ثم يُسلم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرطت تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للمؤمِّن، وللمؤمَّن، ودفع مفسدة عنهما.
(^٤١) مسألة: يُباح تأمين الكافر عشر سنين وأكثر وأقل، فلا يُوجد تعيين ذلك بمدَّة؛ للمصلحة؛ حيث إن المسلمين قد يحتاجون في التأمين أو المهادنة للكفار أكثر أو أقل من عشر سنين، فشُرع ذلك؛ لمراعاة حاجة المسلمين، فإن قلتَ: يشترط: أن =
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ومعلَّقًا، (^٤٢) من إمام الجميع المشركين ومن أمير لأهل بلدة جُعل بإزائهم، ومن كل أحد لقافلة، وحصن صغيرين عُرفًا، (^٤٣) ويحرم به قتل، ورقٌّ،
يُؤمَّن الكافر عشر سنين فما دونها، ولا يُزاد عليها سواء كان المؤمِّن الإمام أو نائبه أو فرد من أفراد المسلمين قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^٤٢) مسألة: يصحُّ الأمان مُنجزًا بأن يقول المسلم للكافر: "أنت آمن" أو "لا بأس عليك" أو "أجرتك" أو "ألق سلاحك" أو "لا تخف" أو "لا تخش شيئًا"، ويصح مُعلقًا على شرط بأن يقول المسلم للكافر: "إن فعلت كذا: فأنت آمن" أو يقول: "من فعل كذا فهو آمن" ونحو ذلك، ويصح الأمان في رسالة، أو كتابة، أو إشارة أو إيماء تُفهم الأمان؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من دخل داره فهو آمن .. " حيث إن هذا معلَّق بشرط، وإذا صح الأمان المعلق فمن باب أولى أن يصح الأمان الناجز من باب "مفهوم الموافقة الأولى" الثانية: القياس، بيانه: كما أن النَّطق بالأمان يصح، فكذلك ما تلفَّظ به ووضع في كتاب أو رسالة وأرسلت إلى الكافر، والجامع: أن كلًّا منها يُفهم الأمان، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مُشرك فنزل بأمانه فقتله: لقتلته به" فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين في الأمان والمهادنة.
(^٤٣) مسألة: يصح أمان إمام المسلمين أو نائبه الجميع الكفار، ولا يصحُّ أمان أمير بلدة أو آحاد المسلمين لمجموعة من الكفار إلا بعد أن يُجيز ذلك الإمام الأعظم أو نائبه ويُوافق عليه؛ للمصلحة؛ حيث إن الإمام الأعظم أو نائبه أعلم بمصالح المسلمين العامة، فلو أذن لكل شخص أن يؤمِّن مجموعة من الكفار بدون إذن الإمام لترتَّب على ذلك: اختلاط الكفار بالمسلمين، وتعطيل الجهاد، فإن قلتَ: =
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وأسرٌ (^٤٤) ومن طلب الأمان؛ ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام: لزم إجابته، ثم يُردُّ إلى مأمنه (^٤٥) والهدنة: عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مُدَّة
يصحُّ أن يؤمِّن أمير بلدة أهل بلدة كافرة، أو أهل حصن منهم، ويصح ذلك آحاد المسلمين أيضًا: سواء أذن الإمام الأعظم أو نائبه أو وهو الذي أشار إليه المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل إنه مخالف لما اقتضته المصلحة؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(^٤٤) مسألة: إذا وقع الأمان من مُسلم لكافرٍ، أو لعددٍ من الكفار: سواء كان المؤمِّن إمام المسلمين الأعظم، أو نائبه، أو فرد من المسلمين: فإنه يحرم - بسبب هذا الأمان -: أن يتعرض هذا الكافر المؤمَّن لأي أذى: من قتل، أو استرقاق، أو أسر، أو سرقة ماله أو نحو ذلك، ولو جعل هذا الكافر مالًا عند مسلم كوديعة ثم رجع إلى دار الحرب، فيجب على المسلم أن يُرجع هذا المال إلى ذلك الكافر، فإن كان ميتًا: فإنه يُعطيه ورثته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إعطائه للأمان: أن يكون عليه ما على المسلم وله ما للمسلم، فهو معصوم مثله، ويلزم من كون الكافر قد سلَّم تلك الوديعة إلى المسلم في حالة الأمان: أن تُردُّ إليه وإن رجع إلى دار الحرب؛ استصحابًا للحال السابق، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الاحترام يُعتبر احترامًا وتكريمًا للمسلم الذي أمَّنه، فقد يتأثر هذا الكافر بذلك فيُسلم. [فرع]: إذا دخل مسلم ديار الكفار: فإنه يحترم أنظمتهم، ويحرم عليه خيانتهم، وتخويفهم بأي شيء، وإن سرق شيئًا يلزمه إرجاعه إليهم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق للعدالة ونشر الإسلام، ودخول الآخرين فيه عن اقتناع.
(^٤٥) مسألة: إذا طلب كافر أن يُؤمِّن لأجل أن يسمع كلام الله، ويعرف الأحكام الشرعية فيجب على أي مسلم أن يُجيبه على ذلك، وأن يُسهِّل الأمور لتحقيقه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ=
[ ٢ / ٦٨١ ]
معلومة، ولو طالت بقدر الحاجة، وهي لازمة يجوز عقدها؛ لمصلحة؛ حيث جاز تأخير الجهاد؛ لنحو ضعف بالمسلمين ولو بمال منَّا ضرورة، (^٤٦) ويجوز شرط ردِّ
حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ فأوجب الشارع ذلك؛ لأن الأمر مُطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دعوة إلى الله تعالى والدعوة إلى الله واجبة إذا تيسرت.
(^٤٦) مسألة: يجوز عقد الهدنة بين المسلمين والكفار عقد لازم - وهو: أن يعقد الإمام أو نائبه عقدًا يتضمَّن ترك القتال الكفار، وهو مُدَّة معلومة - وتُسمَّى مهادنة، وموادعة، ومعاهدة وصلح، ويجوز ذلك بغير مال، ويجوز بمال يدفعه الكفار للمسلمين، وبمال يدفعه المسلمون للكفار؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وهذا يلزم منه جواز الهدنة مُطلقًا، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد عقد هُدنة وصُلحًا مع كفار قريش في الحديبية بدون مال، الثالثة: القياس، بيانه: كما يجوز للأسير المسلم فداء نفسه بمال يُدفع للكفار، فكذا يجوز أن يدفع المسلمون مالًا للكفار من أجل الهدنة والصلح العام، والجامع: الدفاع عن المسلمين: أفرادًا وجماعات في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن المسلمين، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: إن دفع المسلمين المال للكفار لا يجوز، وهو قول الشافعي وأحمد وبعض الفقهاء؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مفسدة على المسلمين وهي: صغار وإذلال للمسلمين قلتُ: إن المسلمين لا يدفعون هنا مالًا إلا عند الضرورة، وهي أن يخشوا من قيام الكفار، بسبيهم، أو قتلهم قتلًا عامًا، أو يعتدوا على أعراضهم، فيكون هذا المال يدفع لحفظ دينهم، وعرضهم، وأنفسهم، وهذا أعظم المصالح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" كما هو واضح.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
رجل جاء منهم مُسلمًا؛ للحاجة، وأمره سِرًّا بقتالهم والفرار منهم، (^٤٧) ولو هرب قنٌّ فأسلم: لم يُردُّ وهو حر (^٤٨)، ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقَوَد، وحدٍّ، (^٤٩) ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا
(^٤٧) مسألة: إذا اشترط الكفار - في عقد الهدنة -: أن يرد المسلمون رجلًا جاء من الكفار مسلمًا أو مستأمنًا إليهم: فإن هذا يجوز، ويجوز للمسلمين أن يأمروا هذا الرجل الذي جاء مسلمًا من الكفار بأن يهرب منهم، وأن يفعل أيَّ شيء فيه نقص عليهم، لكن لا يرجع إلى المسلمين للسنة الفعلية؛ حيث إن الكفار قد شرطوا ذلك في صلح الحديبية ووفَّى ﷺ لهم بذلك، فلما جاء أبو جندل، وأبو بصير ردَّهما رسول الله ﷺ إلى الكفار، وأمرهما بأن يفعلا بالمشركين ما شاءا من المكائد، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلمين في حال ضعفهم يجوز لهم أن يقبلوا كل شيء إلا الضرورات الخمس وهي: حفظ الدين، والعرض، والعقل، والنسل، والنفس؛ وذلك للحاجة.
(^٤٨) مسألة: إذا هرب عبد رقيق من كافر، ودخل في دار الإسلام، ثم أسلم: فإنه يكون حُرًّا ولا يُردُّ إليهم؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الهدنة يقع عرفًا على الأحرار، والعبيد يتبعون أسيادهم، فإذا أسلم وجاء إلى ديار الإسلام فإنه يكون حُرًّا حكمًا فيلزم من ذلك: عدم ردِّه؛ لأن الشخص يملك نفسه إذا أسلم.
(^٤٩) مسألة: يجب أن تقام على الكفار - الذين يقع بيننا وبينهم عقد هدنة وأمان - جميع العقوبات والحدود التي تلزم من جناياتهم على المسلمين، فإذا سرق المعاهد وتوفَّرت شروط السرقة: تقطع يده وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عقد الهدنة: أن يكون الكفار كالمسلمين في الأمن على أنفسهم بأن يكونوا لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وهذا يلزم منه إقامة جميع العقوبات عليهم، وقد فصَّلتُ ذلك =
[ ٢ / ٦٨٣ ]
رهائننا، (^٥٠) وإن خيف نقض عهدهم: أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم. (^٥١)
في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق المسلمين.
(^٥٠) مسألة: يجوز قتل رهائنهم إذا قتلوا رهائن المسلمين؛ للمصلحة؛ حيث إنه إذا عرف الكفار بأن رهائنهم الذين عند المسلمين سيُقتلون إن قتلوا رهائن المسلمين: فإنهم سيمتنعون عن قتل الرهائن من المسلمين.
(^٥١) مسألة: إذا وُجدت علامات وأمارات من الكفار تدل على نقضهم للعهد: فيجب على إمام المسلمين أو نائبه أن يتأكد من ذلك، فإذا تأكَّد من ذلك: فيجب أن يُعلمهم أنه قد انتقض العهد شرعًا، ويُعلمهم بأنه سيهجم عليهم، وبذلك تحلُّ دماؤهم، وسبي ذراريهم، وجميع أموالهم؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ فأوجب إعلامهم بقتالهم؛ لأن الأمر مُطلق فيقتضي الوجوب، وهذا الخطاب يشمل أمته لأن الخطاب الموجَّه إليه ﷺ تدخل فيه أمته فيكون عامًا له ولهم، ولا يوجد ما يُخصَّصه، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "لما هادن قريشًا فنقضوا العهد: حلَّ له منهم كل ما كان قد حُرِّم عليه منهم" و"لما نقض بنو قريظة العهد قتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم" فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: يُعلمون قبل قتالهم لئلا يؤخذون على حين غرَّة، ولعلهم يرجعون ويتبين أن ذلك كان وشاية وخيانة من أحدهم فقط. [فرع]: يجب أن يُمنع الكفار من الإقامة في جزيرة العرب - وهي: من: جنوب العراق إلى عدن طولًا، ومن تهامة إلى أطراف الشام عرضًا-، أما إذا أقاموا للعمل: فيجوز؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأوجب إخراجهم؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا المنع جاء للمصلحة؛ حيث إن إقامتهم فيها فيه مفسدة على أهلها وهم سكان أرض العرب، ومسكنها ومعدنها ومنبع قبائلها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت جزيرة العرب؟
قلتُ: لأنها مُحاطة بالبحر الأحمر، والخليج العربي، ونهر الفرات.
وهذه آخر مسائل "حقيقة الجهاد وحكمه والغنائم والأمان والهدنة"، ويليه باب "عقد الذمة وأحكامها"
[ ٢ / ٦٨٥ ]