لغة: النماء، والزيادة، يُقال: "زكى الزرع": إذا نما وزاد، ويُطلق على المدح، والتطهير، والصلاح، وسُمِّي المخرج زكاة؛ لأنَّه يزيد في المخرج منه، ويقيه الآفات، وفي الشرع: حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (^١)
كتاب الزكاة
حقيقة الزكاة، وحكمها، وشروطها
وفيه تسع وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: الزكاة لغة تطلق على إطلاقات: أولها: تطلق على النماء والزيادة، ومنه قولهم: "زكى الزرع": إذا نما وزاد وبورك فيه وكثر ريعه، ثانيها: أنها تطلق على المدح ومنه قولهم: "فلان قد زكَّاه فلان" أي مدحه وأثنى عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تمدحوها، ثالثها: أنها تطلق على التطهير، ومنه قولهم: "نفس فلان زكية" أي: طاهرة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها من الأدناس كالحقد والحسد، والنفاق، والكذب ونحو ذلك، رابعها: أنها تطلق على الصلاح والعدالة، وزيادة الخير والصفات الحسنة في الإنسان، ومنه: "فلان مُزكَّى" أي: مُعدَّل، ولذلك سُمِّي باب في الحديث، وأصول الفقه باسم "التزكية والتجريح" وهذه الإطلاقات تصدق في زكاة المال؛ حيث إن إخراج زكاة المال يتسبَّب في نمو وزيادة المال المزكى، وأن فاعل ذلك ممدوح، ومُطهَّر من الأدناس، وأنَّه صالح فالح عدل، أما الزكاة في الاصطلاح فهي: "حقُّ واجبٌ في مال مخصوص لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقت مخصوص"، وهذا أقرب تعريف لها إلى الصحة؛ حيث خرج بقوله: "حق واجب" المستحب كالصدقات المطلقة، والمراد بـ "المال الخاص" المال الذي =
[ ٢ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجبت فيه الزكاة كالبهائم، والزروع والثمار، والنقدين، والعقارات ونحوها - مما سيأتي بيانه - وخرج بذلك: المال الواجب إخراجه بأسباب أخرى: كالوفاء بالدَّين، والنفقات، والنذور، والكفَّارات، والدِّيات، وأثمان البيوع ونحوها والمراد بـ "الطائفة المخصوصة" الأصناف الثمانية التي أمر الشارع بأن تدفع لهم الزكاة - كما سيأتي -، والمراد بـ "الوقت المخصوص": تمام الحول في الأثمان، والنقود، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة، واشتداد الحب، وبدو صلاح الثمار، وخروج ما في الأرض، وغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان لزكاة الفطر، وسيأتي تفصيل ذلك - وخرجت بذلك النذور والكفَّارات، والدِّيات ونحوها مما لم يُعيَّن لها وقت محدَّد، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المال المخرج زكاةً؟ قلتُ: لكونه يُزكي، ويزيد، ويُنمِّي المخرج منه، ويتسبَّب في بركته، ويحميه من الآفات التي تنقصه أو تزيله، وتُبارك في المزكي، ويكون بسبب إخراجها نقيًا طاهرًا صالحًا وهذه مسوِّغات دخول الجنة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت الزكاة بالصدقة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ …﴾؟ قلتُ: لأن إخراجها بنفس راضية دليل على صدق عبودية مخرجها الله تعالى، وامتثاله لأوامره؛ ذلك لأنَّه يُخرج بعض ماله الذي لم يجتمع عنده إلا بشق الأنفس، وهذا لا يفعله إلا من صدق وقوي إيمانه، وأراد أن يتقرَّب بذلك إلى الله تعالى، ويهون كل شيء لأجل رضى الله تعالى، فإن قلتَ: لمَ وُضعت الزكاة بعد الصلاة في الكتب الفقهية؟ قلتُ: لأن الزكاة تُشبه الصلاة في عظم شأنها، وخطر تركها، وتأثيرها في صلاح فاعلها وسعادته في الدنيا والآخرة، وتأثيرها في بناء المجتمع الإسلامي المتكافل، المتواصل، المتعاون، ولذلك جاء ذكرها بعد الصلاة مباشرة في اثنتين وثمانين آية من القرآن، وفي كثير من الأحاديث، ولم تكن الصحابة تفرِّق بينهما، لذا قال أبو بكر ﵁ - في قتال المرتدين -: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة" ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا سكوتيًا.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(تجب) الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة - ويأتي تفصيلها - (^٢) (بشروط خمسة): أحدها (حُرِّية) فلا تجب على عبد؛
(^٢) مسألة تجب الزكاة وجوبًا قطعيًا - وهو الفرض، وهي من أركان الإسلام - في أنواع من الأموال هي: "سائمة بهيمة الأنعام" و"عروض التجارة" و"ما خرج من الأرض من معادن وزروع وحبوب" و"أثمان الأشياء" ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث إن الله تعالى قد أمر بأدائها في آيات كثيرة، ومنها قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "بُني الإسلام على خمس، وذكر منها: الزكاة" حيث دلَّ مفهوم العدد على أن من لم يفعل تلك الأمور الخمسة ويعتقدها فليس بمسلم، وهذا يلزم منه: أن من ترك الزكاة فهو كافر، فلو لم تكن واجبة لما أُخرج تاركها من الإسلام، ثانيها: حديث معاذ؛ حيث قال له ﷺ لما أرسله إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة" و"الفرض" هو الواجب وزيادة، ثالثها: قول جرير البُجلي: "بايعتُ رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة" وهذا يلزم منه وجوب الزكاة؛ لأنَّه لا إسلام لمن ترك الزكاة، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، ولا يُقاتل إلا على ترك واجب، الرابعة: القياس، على الصلاة بجامع: أن كلًا منهما قد أُمر به أمرًا جازمًا - وقد سبق - فإن قلتَ: لم وجبت الزكاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن دفع الزكاة سبب في حماية المجتمع من مرض الفقر، وفي زيادة مال المزكي، وفي علاج النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل، وفي تحسين الإسلام في نفوس الكفار، وفي إنزال المطر، وكثرة المياه، وفي تكفير الخطايا، وفي إطفاء غضب الله، وفي إبعاد الأمراض عن المزكي، وفي نجاة مُخرجها من حرِّ يوم القيامة، وفي انشراح الصدر، وراحة النفس، وابتهاج الروح، وإبعاد الهموم والغموم عنه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
لأنَّه لا مال له ولا على مُكاتب؛ لأنَّه عبد، وملكه غير تام، (^٣) وتجب على مُبعَّض بقدر حُرِّيته (^٤) (و) الثاني (إسلام) فلا تجب على كافر أصلي، أو
(^٣) مسألة: في الأول -من شروط وجوب الزكاة- وهو: أن يكون المالك للمال حُرًّا، فلا تجب على "العبد الرقيق" ولا على "المكاتب" - وهو: من اشترى نفسه من سيده بثمن يُسدِّده له على مراحل، فإذا أكمل السداد: عتق كما جاء في الصحاح (١/ ٢٠٩) -، ولا على "المدبَّر" - وهو من قال له سيده: "أنت حرٌّ بعد موتي" كما في اللسان (٤/ ٢٧٣) - ولا على "أمِّ ولد" - وهي: الأمة التي أتت بولدٍ من سيدها -؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن أدلة وجوب الزكاة - وهي المذكورة في مسألة (٢) - يلزم منها وجوبها على المستطيع دفعها - وهو: المالك المتصرِّف، وهذا لا يمكن إلا من الحر، الثانية: القياس بيانه: كما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة فكذلك العبد، والمكاتب، والمدبَّر، وأم الولد لا تجب عليهم الزكاة، والجامع: عدم ملكية المال في كل، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحرَّ لا تعلُّق لأحد بماله، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة عن هؤلاء الأربعة؟ قلتُ: لأنهم لا مال لهم أصلًا؛ لكونهم وأموالهم لأسيادهم، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة عن المكاتب مع أن عنده شبهة ملك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بحاجة إلى فكِّ رقبته بما عنده من المال، بدلًا من أن يُخرجه زكاة؛ لأن الرِّق مفسدة، ودفع المفسدة مُقدم على جلب المصلحة.
(^٤) مسألة: تجب الزكاة على المبعَّض - وهو الذي أُعتق بعضه - فإن كان نصفه حُرًّا: زكَّى على نصف ماله إذا بلغ هذا النصف النصاب، وحال عليه الحول؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزكاة تجب على الحر فكذلك تجب على المبعَّض، والجامع: وجود الحرية في كُلِّه أو بعضه، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة عليه؟ قلتُ: لتصرُّفه بنصف ماله تصرُّفًا مُطلقًا دون تدخُّل غيره فيه، فهو يُتاجر فيه دون الرجوع لأحد، فتجب زكاته.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
مُرتدِّ، (^٥) فلا يقضيها إذا أسلم (^٦) (و) الثالث (ملك نصاب) ولو لصغير أو
(^٥) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المالك للمال مسلمًا، فلا تجب على كافر أصلي - وهو: الذي لم يسبق إسلامه - ولا على كافرُ مرتد - وهو الذي أسلم ثم كفر -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "بني الإسلام على خمسٍ"، وذكر منها "الزكاة" بعد الشهادتين، وهذا يدل على: وجوبها على المسلم - وهو الذي أقرَّ بالشهادتين - ويلزم منه عدم وجوبها على الكافر مطلقًا حال كفره، ثانيهما: قوله ﷺ لمعاذ - حين بعثه إلى اليمن -: "فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" إلى قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة" حيث دلَّ هذا الترتيب بالفاء على أن الزكاة لا تجب إلا بعد الإسلام - وهو: الإقرار بالشهادتين ومقتضاهما -، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة طهرة وتنقية، والكافر لا طهرة له في حال كفره، ثم إنه لو وجبت الزكاة على الكافر في حال كفره مع دفعه للجزية: للحقه مشقة، وهذا يُنفِّره عن الإسلام، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة العامة وهو: تحبيب الإسلام في نفوس الكفار، وقد فصَّلتُ القول في هذا في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام" (٦).
(^٦) مسألة: إذا دخل الكافر في الإسلام: فلا يجب عليه قضاء ودفع ما ترك من الزكاة حال كفره، وإن كان عالمًا بالإسلام؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ حيث دل منطوقه على أن الكافر إذا أسلم يُسقط عنه كل ما سبق أن فعله أو تركه إلا ما بينه وبين الآدميين من معاملات، وهذا عام لجميع الأحكام الشرعية ومنها "الزكاة"؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أما علمت أن الإسلام يجبُّ ما كان قبله" حيث دلَّ على أن الكافر إذا أسلم كأنه =
[ ٢ / ٢٠٨ ]
مجنون؛ لعموم الأخبار، وأقوال الصحابة، فإن نقص عنه: فلا زكاة، (^٧) إلا
وُلد من جديد، لم يصدر منه أيُّ معصية لله تعالى أصلًا، وهذا يلزم منه عدم قضاء ما تركه من واجبات الإسلام ومنها الزكاة الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أسلم على يديه الجم الغفير من الكفار، فلم يأمر أحدًا منهم بأن يقضي ما فاته من زكاة وغيرها من العبادات، ولم يُبيِّن إيجاب ذلك، فدل على عدم وجوبها عليهم إذا أسلموا؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتحبيب الإسلام في نفوس من أراد الدخول فيه؛ إذ لو وجب على كل شخص دخل في الإسلام دفع زكاة السنوات الماضية: لتراجع عن الإسلام، ونفر غيره، لكن إذا علم أنه ساقط عنه كل شيء عمله في كفره إذا أسلم: فإنه سيُقدم عليه، وقد بينت ذلك في كتابي: "الإلمام" في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
(^٧) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المال الذي يملكه المسلم الحر قد بلغ نصابًا - وهو: ما نصبه الشارع علامة على وجود الغنى من بهيمة الأنعام، والأثمان، وما خرج من الأرض من الزروع والحبوب، وعروض التجارة وغيرها وسيأتي بيان نصاب كل واحد منها - فمن لم يملك نصابًا، أو ملك دون النصاب: فلا زكاة عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" وقال: "ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب صدقة" وقال: "في خمس من الإبل صدقة" وقال: "في أربعين شاة شاة" ونحو ذلك مما سيأتي حيث دلَّ منطوقها على وجوبها فيما بلغ النصاب، ودل مفهوم العدد منها على عدم وجوبها فيما نقص من ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة مواساة للفقراء ونحوهم، وما دون النصاب لا يحتمل المواساة؛ لكونه لو دفع من مال لم يبلغ النصاب لأصبح =
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الرَّكاز (^٨) (و) الرابع (استقراره) أي تمام الملك في الجملة، فلا زكاة في دين الكتابة؛ لعدم استقراره؛ لأنَّه يملك تعجيز نفسه (^٩) (و) الخامس (مُضي الحول)؛ لقول عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه
فقيرًا مثل المدفوع له، وهذا فيه ضرر، ورفعه واجب؛ لعموم قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(^٨) مسألة: الركاز - وهو المال من الذهب والفضة الذي يستخرجه الشخص مدفونًا في الأرض - لا يُشترط فيه بلوغ النصاب، بل إنه يُقسَّم إلى خمسة: يكون لمستخرجه أربعة أخماسه، ويُدفع الخُمسُ الباقي لبيت المال؛ للقياس، بيانه: كما أن الغنيمة يُفعل فيها ذلك فكذلك الركاز مثلها، والجامع: عدم العلم بمقدار كل منهما عند الحصول عليه.
(^٩) مسألة: في الرابع - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المالك للمال قد استقرَّ عنده هذا المال استقرارًا قد غلب على الظن عدم زواله، وعليه فلا تجب الزكاة في مال هو عرضة للتَّلف، أو عدم التمكُّن، أو يجري عليه احتمال زواله عنه: فمثلًا: لو اشترى عبد نفسه من سيده - بعشرة آلاف، ولم يدفعها العبد، وحال عليها الحول عنده: فلا زكاة فيها؛ لكون المال دين غير مستقر؛ حيث يستطيع ذلك العبد تعجيز نفسه، ويمتنع عن الأداء، فيرجع - حينئذٍ - تحت سيطرة سيده، وكذلك أجرة المنزل لا تجب فيها الزكاة قبل تمام مُدَّة الإجارة، ودفع المستأجر لها؛ حيث إنه قد ينهدم المنزل، وتنفسخ الإجارة بدون اختيار؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو دفع زكاة مال غير مستقر عنده لأدَّى ذلك إلى إلحاق الضرر بنفسه، وهذا لا يصح؛ لعموم قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
[ ٢ / ٢١٠ ]
الحول" رواه ابن ماجه، ورفقًا بالمالك؛ ليتكامل النماء، فيُواسي منه، ويُعفى فيه عن نصف يوم (^١٠) (في غير المعشَّر) أي: الحبوب والثمار؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وكذا المعدن والركاز والعسل؛ قياسًا عليهما، (^١١) فإن استفاد مالًا بإرثٍ
(^١٠) مسألة: في الخامس - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون قد حال ودار على هذا المال البالغ للنصاب حول كامل بالقمري، لا بالشمسي كباقي أحكام الإسلام كرمضان والحج وهو: شرط لوجوب الزكاة في الأثمان، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة - كما سيأتي -، ولا يضرُّ نقص يوم أو يومين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول" حيث دلَّ مفهوم الغاية ومفهوم الزمان على وجوب الزكاة بشرط: حولان الحول على ملكه للمال البالغ للنصاب؛ لكونه نفى وجوبها قبل حولان الحول، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحول والعام الكامل بفصوله الأربعة وقت واسع، ينمو فيه المال، ويستطيع صاحبه أن يضبط ذلك فيستطيع بذلك أن يواسي به الفقراء وغيرهم من أهل الزكاة، بخلاف ما لو كان الوقتُ أقلَّ من ذلك: فيشقَّ عليه ذلك، ولا يؤثر نقص يوم أو يومين؛ لعدم تسميته نقصًا، ويغلب على الظن عدم انضباطه.
(^١١) مسألة: لا يُشترط تمام الحول في "الخارج من الأرض" كالحبوب والثمار، وكذا: "المعادن والركاز" اللذان يوجدان مدفونين في الأرض، وكذا: "العسل" حيث تجب زكاة هذه الثلاثة حال الحصول عليها صالحة - وسيأتي -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث أوجب الشارع إخراج زكاة الزروع والثمار يوم حصاده؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولأن مفهوم الزمان دلَّ على عدم اشتراط حولان الحول؛ لأنَّه خصَّصه حصاده وجذِّه، والثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أنَّ الغنيمة يؤخذ خمسها حال الحصول عليها، فكذلك الركاز والمعادن =
[ ٢ / ٢١١ ]
أو هبة ونحوهما: فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (^١٢) (إلا نتاج السائمة، وربح التجارة ولو لم يبلغ) النتاج أو الربح (نصابًا، فإن حولهما حول أصلهما) فيجب ضمُّها إلى ما عنده (إن كان نصابًا)؛ لقول عمر ﵁: "اعتدَّ عليهم بالسُّخلة ولا تأخذها منهم رواه مالك، ولقول علي ﵁: "عُدَّ عليهم الصِّغار والكبار" فلو ماتت واحدة من الأمات فنتجت سُخلة: انقطع، بخلاف ما لو نتجت ثم ماتت (^١٣)
مثلها، فلا يشترط حولان الحول، والجامع: أن كلًا منهما يكون نفعه في وقت الحصول عليه، ثانيهما: أن الزروع والثمار لا يُشترط فيهما تمام الحول فكذلك العسل يُزكى حال الحصول عليه بدون اشتراط الحول، والجامع: أن كلًا منهما يكون نفعه في وقت الحصول عليه، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصود من الزكاة نفع الفقير، وهذه الثلاثة تكون أنفع له إذا أُعطى إياها حال الحصول عليها، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
(^١٢) مسألة: إذا قبض مسلم مالًا فجأة كأن يرثه، أو يُهبه له أحد، أو يكون عوض خلع أو فسخ نكاح، أو الصداق والمهر: فيُشترط له حولان الحول عليه، أي: لا تجب زكاته على القابض له إلا بعد حول كامل وهو مستقر عنده؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" حيث إن ما قبضه يُعتبر مالًا فيشمله عموم لفظ "مال" هنا؛ لأنَّه نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الحول هنا؟ قلتُ: لأن ما قبضة قابل للنماء، والنماء لا يكونُ متكاملًا إلا إذا دار عليه الحول.
(^١٣) مسألة: لا يُشترط تمام الحول في أولاد بهيمة الأنعام السائمة، ولذا: تجب الزكاة في أولادها بدون تمام الحول على هؤلاء الأولاد بشرط: أن تبلغ الأمَّهات النصاب فمثلًا: لو عندك أربعون شاة، فولدت كل واحدة عددًا من =
[ ٢ / ٢١٢ ]
(وإلا) يكن الأصل نصابًا (فـ) حول الجميع (كماله) نصابًا: فلو ملك خمسًا وثلاثين
الأولاد حتى بلغ مجموعها من الأمهات والأولاد مائة وإحدى وعشرون شاة وسخلة: فإنك تزكي بشاتين، ولو لم تبلغ تلك الأولاد الحول، لكن لو ماتت واحدة من الأمهات، وأنتجت شاةٌ أخرى سُخلةً: فالحول ينقطع فلا زكاة، بخلاف ما لو ولدت الأمُّ سُخلة ثم ماتت - أي: الأم - فالحول لا ينقطع، وكذا يُقال في فصلان الإبل وعجول البقر؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "اعتدَّ عليهم بالسُّخلة يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم" وقال علي ﵁: "عُدَّ عليهم الصِّغار والكبار"، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط تمام الحول على أولادها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه تجب الزكاة في الأمهات، والأولاد تبع لها في ذلك، لذلك قلنا: لا تجب الزكاة إذا ماتت واحدة من الأمهات؛ لاختلال النصاب في الأمهات فتبعها في ذلك الأولاد، ولمشقة معرفة وقت ميلاد كل شاة لتلك السخلة، فيؤدِّي إلى عدم معرفة حسابها، فدفعًا لذلك: جُعلت تابعة لأمَّهاتها في تمام الحول فائدة: السُّخلة هي: ولد المعز والضأن، وتطلق على الذكر والأنثى، وهي التي لم تبلغ أربعة أشهر. [فرع]: لا يُشترط تمام الحول في ربح التجارة: ولذا: تجب الزكاة في هذا الربح ولو لم يتمَّ عليه حول كامل بشرط: أن يبلغ أصل المال نصابًا، فمثلًا: لو اشتريت منزلًا للتجارة بمائة ألف، ثم في أثناء العام وقبل تمامه: صار يساوي مائتي ألف: فإنك تزكي في آخر العام على المائتين وكأنه مال واحد، مع أن الربح - وهو مائة ألف - لم يدر عليه حول كامل؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ على المسلم حساب ربح كل مال مُتَّجر فيه من وقت الرِّبح؛ حيث إنه يُعتبر من نمائه، فدفعًا لتلك المشقة: أُلحق الرِّبح بأصله فيأخذ حكمه.
[ ٢ / ٢١٣ ]
شاة فنتجت شيئًا فشيئًا: فحولها من حين تبلغ أربعين، وكذا: لو ملك ثمانية عشر مثقالًا وربحت شيئًا فشيئًا: فحولها منذ بلغت عشرين، (^١٤) ولا يبنى الوارث على حول الموروث، (^١٥) ويُضمُّ المستفاد إلى نصابٍ بيده من جنسه أو في حكمه، ويُزكي
(^١٤) مسألة: إذا كان عنده مال لا يبلغ نصابًا، فبلغ نصابًا بسبب إضافة المستفاد منه من جنسه: فإنه يُحسب الحول من حين بلوغ النصاب عليهما معًا فمثلًا: لو وجد عندك في "شهر المحرم" خمس وثلاثون شاة، ثم بلغت في "شهر ربيع الثاني" أربعين فيُحسب الحول هنا من "شهر ربيع الثاني"، فإذا جاء "ربيع الثاني" من العام القادم وجب إخراج زكاتها، وهو: "شاة واحدة" بشرط: عدم نقصانها أثناء العام، مثال آخر: لو كان عندك ثمانية عشر مثقالًا من الذهب في "شهر المحرم"، ثم ربح ذلك حتى وصل إلى العشرين في "شهر رمضان" فإن الحول يُحسب من "رمضان" فإذا جاء رمضان من العام القادم: وجب إخراج زكاة ذلك وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مالًا: اشتراط حولان الحول عليه - كما سبق - فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن نماء المال لا يتكامل إلا بعد حولٍ كاملٍ، ويستطيع به مواساة الفقراء.
(^١٥) مسألة: إذا ورث شخص مالًا: فإن الحول يُحسب من حين ميراثه مباشرة، ولو كان المال مضى عليه أكثر الحول عند المورِّث، فمثلًا: لو كان زيد يملك مالًا يبلغ نصابًا فلما مضى عليه ثمانية أشهر مثلًا مات زيد، فورثه عمرو واستلم هذا المال في "شهر المحرم" مثلًا: فإن الحول يبدأ من جديد من "شهر المحرم"، فإذا جاء هذا الشهر من العام القادم وهو عند عمرو بدون نقصان: فإنه يزكي عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعلُّق المال بذمَّة عمرو من "شهر المحرم" حساب الحول عليه من ذلك الشهر، دون ما قبله؛ لعدم تملُّكه إياه قبله، فلا يحسب.
[ ٢ / ٢١٤ ]
كلُّ واحد إذا تمَّ حوله (^١٦) (ومن كان له دين أو حق) من مغصوب، أو مسروق، أو موروث مجهول ونحوه (من صداق وغيره) كثمن مبيع وقرض (على ملئ) باذل (أو غيره: أدَّى زكاته إذا قبضه لما مضى) روي عن علي ﵁؛ لأنَّه يقدر على قبضه، والانتفاع به: قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة، أو لا، (^١٧) ولو قبض دون نصاب:
(^١٦) مسألة: إذا استفاد مالًا من جنس مال بالغ للنِّصاب عنده: فإنه يضمهما معًا ويُزكي كل واحد منهما إذا تم حوله، فمثلًا: لو وجد عندك أربعون شاة قد مضى عليها بعض الحول، ثم اشتريت خمسًا وثمانين شاة، فهنا يضم الجنس إلى الجنس، ولكن يكون حول كُلِّ قسم منها مُستقلًا عن الآخر، فالأربعون إذا تمَّ حولها تُخرج زكاتها، والخمس والثمانون إذا تمَّ حولها تخرج زكاتها، وهكذا يُقال في الذهب والفضة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كُلِّ واحد من الجنسين مالًا: اشتراط حولان الحول على كُلِّ واحدٍ منهما لوحده، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: لأنَّ كلَّ مالٍ له تنميتُه الخاصَّة به.
(^١٧) مسألة: إذا قبض زيد من عمرو دينًا أو مالًا قد سرقه عمرو منه سابقًا، أو قرضًا، أو ثمن مبيع، أو عارية، أو صداقًا لامرأة: فتجب على زيد إخراج زكاة ما قبضه لما مضى من الأعوام إذا بلغ هذا المال نصابًا: سواء كان عمر مليئًا باذلًا له معترفًا به، أو كان مُعسرًا مماطلًا جاحدًا، وسواء قصد زيد إبقاء ذلك المال عند عمرو للفرار من الزكاة، أو لم يقصد ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن علي قوله في الدَّين المظنون: "يُزكِّيه إذا قبضه لما مضى"، فإن قلتَ: لمَ لا تجب زكاة ذلك قبل قبضه؟ قلتُ: لأن الزكاة وجبت للمواساة، وليس من المواساة أن يُخرج زيد زكاة مال لم يقبضه ولا ينتفع به؛ لاحتمال تلف ذلك المال الذي عند عمرو، أو أن يجحده، لذلك لم تجب زكاته قبل قبضه، فإن قلتَ: لمَ وجبت زكاته حال قبضه دون اشتراط الحول عليه عند قابضه؟ قلتُ: لكونه قد تحصَّل على ماله بدون تعيين وقت محدَّد لذلك - كما سيأتي في باب "زكاة الثمار والحبوب" -.
[ ٢ / ٢١٥ ]
زكاه، وكذا: لو كان بيده دون نصاب وباقيه دَيْن، أو غصب أو ضال، (^١٨) والحوالة به، أو الإبراء كالقبض (^١٩) (ولا زكاة في مال من عليه دين يُنقص النصاب) فالدَّين، وإن لم يكن من جنس المال مانع من وجوب الزكاة في قدره (ولو كان المال) المزكَّى
(^١٨) مسألة: إذا قبض زيد بعض ماله من عمرو، والباقي لم يدفعه له عمرو، أو غصبه إياه أو سرقه، أو كان ضالًا: فإن زيدًا يُخرج زكاة هذا البعض بشرط: أن يغلب على ظنِّ زيد أنه سيقبض الباقي من عمرو، أما إذا لم يغلب على ظنه ذلك: فلا يُزكِّي ذلك حتى يبلغ ما قبضه نصابًا، فمثلًا: لو كان زيد يُطالب عمرًا بمائة ريال، فأعطاه عمرو أربعين: فيجب على زيد أن يُخرج زكاة الأربعين - وهو ريال واحد تقريبًا - يفعل ذلك وإن كانت الأربعين لا تبلغ النِّصاب، لكن غلب على ظن زيدًا أن عمرًا سيُعطيه الباقي؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو قبض المائة كلها من عمرو: فيجب أن يُخرج زكاتها فكذلك لو قبض بعضها ويغلب على ظنه أنه سيقبض الباقي مثل ذلك في الحكم، والجامع: تحقيق شرط ملك النصاب في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لقدرته على تحصيل الباقي.
(^١٩) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بألف ريال، وقال لعمرو: "أعطها بكرًا"، وقال لبكر "خذها من عمرو" وهي الحوالة - أو أبرأ زيد عمرًا من هذا المال وأسقطه عنه: فيكون زيد كأنه قبضه وبناء عليه: تجب زكاة الألف على زيد فيُخرج "خمسًا وعشرين ريالًا زكاة عليه" -؛ للقياس، بيانه: كما أنَّ زيدًا لو قبض هذا الألف من عمرو: فيجب على زيد إخراج زكاته فكذلك الحوالة به أو عليه، أو إبراءه منه مثل ذلك والجامع: تحقق شرط ملك النصاب في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لقدرة زيد على قبض الجميع، فوجبت مواساة الفقير منه.
[ ٢ / ٢١٦ ]
(ظاهرًا) كالمواشي والحبوب والثمار (^٢٠) (وكفارة كدين)، وكذا: نذر مطلق، وزكاة،
(^٢٠) مسألة: الدَّين مانع من وجوب الزكاة بشرط: أن يُنقص هذا الدَّين النِّصاب، فمثلًا: لو ملكتَ مائة شاة، وعليك دين يُعادل مقدار واحدة وستين من الشياه: فلا زكاة عليك؛ لكون الباقي تسعًا وثلاثين، وهو أقل من النصاب؛ وكذا: يُقال في جميع الأموال التي تُزكى، لكن إذا كان عليه دين لا يُنقص النِّصاب: فلا يمنع ذلك الدين الزكاة، فمثلًا: لو كنت تملك مائة من الغنم، وعليك دين يُقدَّر بستين منها: فتجب زكاة الباقي، وهي الأربعون؛ لبلوغها النصاب، وهذا مطلق، أي أن الدَّين مانع من الزكاة سواء كانت الأموال باطنة - وهي: الأثمان وعروض التجارة - أو ظاهرة - وهي: المواشي والحبوب والثمار - وسواء كان الدَّين حالًا أو مؤجَّلًا، وسواء كان الدَّين من جنس المال الذي عنده أو ليس من جنسه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا صدقة إلا عن ظهر غِنى" فنفى الصدقة - وهي: الزكاة - عن غير غِنَى - وهو: الفقير - ومن عليه دين فقير وزيادة؛ لكون حاجته لقضاء دينه أشدَّ من حاجة الفقير، وأثبت هنا الصدقة بسبب الغنى - وهو: بلوغ المال النصاب -؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهذا عام؛ لأن لفظ "صدقة" نكرة في سياق نفي، وهو: من صيغ العموم، فيشمل الدَّين المعجَّل والمؤجَّل، والدَّين الذي هو من جنس ما عندك أو غيره، ويشمل الأموال الظاهرة والباطنة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عثمان ﵁ قال في خطبة له: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدِّه حتى تُخرجوا زكاة أموالكم" ويلزم من ذلك: أنه لا زكاة إلا بعد قضاء الدَّين وهو عام لما ذكرنا، فإن قلتَ: لم كان الدَّين مانعًا من وجوب الزكاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من الزكاة هو: مواساة الفقراء، والشكر على نعمة الغِنَى، فلو كُلِّف بإخراج زكاة ما عنده وهو: مدين دينًا يُنقص النصاب: لشق عليه ذلك؛ لكونه أحوج إلى هذا المال ليُسدِّد به دينه، =
[ ٢ / ٢١٧ ]
ودين حج، وغيره؛ لأنَّه يجب قضاؤه أشبه دين الآدمي، ولقوله ﷺ: "دين الله أحقُّ بالوفاء" (^٢١) ومتى برئ: ابتدأ حولًا (^٢٢) (وإن ملك نصابًا صغارًا: انعقد حوله حين
فدفعًا لذلك: سقطت الزكاة عن من عليه دين، فإن قلتَ: إن الأموال الظاهرة - كالحبوب والثمار والمواشي - لا يمنع الدَّين من وجوب الزكاة فيها، وهو قول مالك والشافعي؛ للمصلحة؛ حيث إن ظهور هذه الأموال يلزم منه: تعلُّق قلوب ونفوس الفقراء بها، فإذا لم يُعطوا منها فإن نفوسهم تنكسر، فمنعًا لذلك وجب إخراجها من تلك الأموال الظاهرة قلتُ: إن الدَّين مانع من زكاة الأموال الظاهرة والباطنة؛ لعموم السنة القولية وقول الصحابي، والمصلحة التي ذكرناها، ولا تقوى المصلحة التي ذكروها على معارضة ذلك، لكون سداد الدَّين واجب يُعاقب إذا لم يُسدِّده، بخلاف انكسار قلوب الفقراء لا يُعاقب عليه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بعموم السنة ولا تقوى المصلحة على تخصيص ذلك، وعندهم: يخصَّص ذلك العموم بالمصلحة.
(^٢١) مسألة: إذا وجبت على مسلم كفارة جماع في نهار رمضان، أو كفارة قتل، أو كفارة ظهار من إطعام، أو عتق، أو نذر أن يتصدَّق، أو يحج، أو نحو ذلك: فإن هذا كله دين يمنع من وجوب الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن دين الآدمي يمنع من وجوب الزكاة - كما سبق في مسألة (٢٠) - فكذلك تلك الأمور مثله والجامع: أن كلًا منهما يُسمَّى دينًا انشغلت الذِّمَّة به فيجب قضاؤه، بل إن هذه الأمور أولى بالقضاء؛ لكونها ديون الله كما قال ﷺ: "فدين الله أحقُّ بالقضاء" فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وقد سبق.
(^٢٢) مسألة: إذا قضى المسلم ما عليه دين الله من دين الآدميين: فإن ذمته تبرأ، وحينئذٍ يبدأ بحول جديد فيما يملك من الأموال، ولا يبني على ما سبق؛ =
[ ٢ / ٢١٨ ]
ملكه)؛ لعموم قوله ﷺ: "في أربعين شاة شاة"؛ لأنها تقع على الكبير والصغير لكن لو تغدَّت باللّبن فقط: لم تجب؛ لعدم السَّوم (^٢٣) (وإن نقص النصاب في بعض الحول): انقطع؛ لعدم الشرط، لكن يُعفى في "الأثمان" و"قيم العروض" عن نقص
للتلازم؛ حيث يلزم من وفائه بدينه: إبراء ذِمَّته، وابتداء حساب مدة الحول من حين براءة ذِمَّته؛ لعدم المانع من ذلك.
(^٢٣) مسألة: إذا ملك نصابًا من صغار المواشي السائمة - وهي: التي تعيش على العشب النابت من المطر - كان يملك أربعين سُخلة من الغنم، أو ثلاثين عجلًا من البقر، أو خمس فصلان من الإبل: فإنه يبدأ حساب حولها من حين ملكه إياها، أما إن كانت تلك الصغار ليست سائمة - بأن كانت تتغذَّى على اللَّبن -: فلا يبدأ حساب حولها من ملكها، ولا تجب الزكاة فيها أصلًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "في أربعين شاة شاة" حيث إن هذا عام للكبار والصغار، وصغار البقر والإبل مثلها؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وخصَّصت السنة القولية الأخرى هذا العموم بالسائمة فقط -؛ حيث قال ﷺ: "في سائمة الغنم الزكاة" فيكون التقدير: تجب الزكاة في الصغار السائمة فقط، وعليه يبدأ حساب مُدَّة حولها من ملكه إياها، ودلَّنا مفهوم الصفة على أن غير السائمة وهي المعلوفة، لا تجب فيها الزكاة وهذا المفهوم عام للصغار والكبار، فإن قلتَ: لم وجبت الزكاة فيها إذا كانت سائمة مع أنها صغيرة، بخلاف غير السائمة؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إنها إذا اعتمدت على نفسها في الأكل خفَّت مؤنتها على صاحبها، فتجب فيها مواساة الفقير منها، بخلاف غير السائمة من الصغار والكبار: فإنه يشق على المالك لها تغذيتها باللَّبن، والعلف ودفع زكاتها: فدفعًا لتلك المشقة والضرر: سقطت زكاتها عنه: لأن دفع المفسدة، مقدَّم على جلب المصلحة.
[ ٢ / ٢١٩ ]
يسير كحبة وحبَّتين؛ لعدم انضباطه (أو باعه) ولو مع خيار بغير جنسه: انقطع الحول (أو أبدله بغير جنسه، لا فِرارًا من الزكاة: انقطع الحول)؛ لما تقدَّم، ويستأنف حولًا (^٢٤)، إلا في ذهب بفضة وبالعكس؛ لأنهما كالجنس الواحد ويُخرج مما معه عند الوجوب، وإذا اشترى عَرَضًا لتجارة بنقد، أو باعه به: بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيَم العروض، وهي من جنس النقد (^٢٥)، وإن قصد بذلك
(^٢٤) مسألة: إذا نقص النصاب قبل أن يتم الحول: فإن الحول ينقطع، ويُستأنف حولًا جديدًا فمثلًا: لو عندك أربعون شاة وقبل شهر أو أقل من تمام الحول عليها بعتَ واحدة - ولو في وقت الخيار - بشيء غير جنسه كدراهم، أو ماتت واحدة، أو سُرقت أو أبدلت خمسًا منها ببقرة: فلا تجب الزكاة في الباقي بعد الحول بشرط أن يقع هذا بدون قصد الفرار من الزكاة، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود شرط الزكاة - وهو تمام الحول على النصاب -: عدم وجود الحكم وهو: وجوب الزكاة فإن قلتَ: لِمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك شيء يعذر به المسلم. [فرع]: إذا نقص من نصاب الأثمان أو عروض التجارة شيء يسير كحبة أو حبَّتين: فلا ينقطع الحول بسبب ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يندر من يسلم منه، ويصعب ضبطه، فدفعًا لذلك لا ينقطع الحول به.
(^٢٥) مسألة: إذا أبدل ذهبًا بفضة، أو أبدل فضة بذهب في أثناء حول أحدهما، أو اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من أثمان، أو بالعكس في أثناء حول أحدهما كان يشتري دارًا بألف، أو يبيع دارًا بألف، أو يشتري دارًا بدار أخرى للتجارة: فإنه لا ينقطع حول الأول الذي كان عنده، أي: يبنى على الأول الذي خرج من مُلكه فمثلًا: لو عندك دار للتجارة وبعد مضي ثمانية أشهر بعتها بألف: فإنه بعد أربعة أشهر تُخرج زكاة ذلك الألف؛ للتلازم؛ حيث إن =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الفرار من الزكاة لم تسقط؛ لأنه قصد به إسقاط حقِّ غيره فلم تسقط كالمطلِّق في مرض موته (^٢٦)، فإن ادَّعى عدم الفرار وثمَّ قرينة: عُمل بها، وإلا: فقوله (^٢٧) (وإن
كون المبدل والبدل، والمباع والمشترى من جنس واحد يلزم منه: عدم انقطاع الحول، فإن قلتَ: لمَ لا ينقطع الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لتحايل بعض التجار من التخلُّص من الزكاة، وحرمان الفقراء منها.
(^٢٦) مسألة: إن كان عند شخص نصاب من الغنم - كأربعين - فأبدل خمسًا منها ببقرة، أو باع واحدة منها أو نحو ذلك قبل تمام الحول عليها قاصدًا بذلك إنقاص النصاب؛ للفرار من تزكية الأربعين شاة: فإن الزكاة لا تسقط عنه، بل تجب عليه؛ للقياس، بيانه: كما أن الذي يُطلِّق امرأته في مرض موته قاصدًا حرمانها من الميراث: فإنها لا تطلق، بل ترثه من جملة الورثة، فكذلك من قصد الفرار من الزكاة هنا مثله والجامع: أن كلًا منهما قصد إسقاط حق غيره، فيُعامل بنقيض قصده، وهي "قاعدة شرعية"، فإن قلتَ: لمَ لا تسقط الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث ذلك فيه حماية الفقراء من أن يُسلبوا حقهم.
(^٢٧) مسألة: إذا أبدل خمسًا من "أربعين شاة" ببقرة، أو باع واحدة منها قبل تمام الحول، وادَّعى "أنه فعل ذلك للحاجة، لا للفرار من الزكاة": فإنه يُقبل قوله، وينقطع الحول، فلا تجب عليه الزكاة بشرط: عدم وجود قرينة تدلُّ على كذبه، أما إن وُجدت قرينة تدلُّ على كذبه في ذلك: فإن الحول لا ينقطع، وتجب زكاة الأربعين - بإخراج شاة واحدة - فتؤخذ منه وإن لم يرض؛ للتلازم؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيلزم أن نُصدِّقه فيما ادَّعاه إذا لم تدل قرينة على كذبه تصرفنا عن هذا الأصل، ويلزم من وجود قرينة على كذبه: أن نردَّ قوله، ونأخذ الزكاة؛ لمعاملته بنقيض قصده، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للفقراء من التحايل على سلب حقوقهم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
أبدله بـ) نصاب من (جنسه) كأربعين شاة بمثلها أو أكثر: (بنى على حوله) والزائد تبع للأصل في حوله كنتاج: فلو أبدل مائة شاة بمائتين: لزمه شاتان إذا حال حول المائة (^٢٨)، وإن أبدله بدون نصاب انقطع (^٢٩) (وتجب الزكاة في عين المال) الذي لو
(^٢٨) مسألة: إذا أبدل شيئًا بالغًا للنِّصاب بشيء من جنسه بالغ للنِّصاب: فلا ينقطع الحول، بل يبني على ما مضى من زمن المبدل، ويُخرج زكاة البدل والمبدل، فمثلًا: لو ملكتَ أربعين شاة، ومضى عليها وهي عندكَ ثمانية أشهر، ثم أبدلتها بأربعين أخرى: فإن حول الأربعين الأولى لا ينقطع، وعلى ذلك: فإذا مضى أربعة أشهر على الأربعين الثانية - وهي البدل - فإنه يجب عليك إخراج زكاتها، ويُنظر إلى الزائد، فمثلًا: لو كان عندك مائة شاة، ثم بعد ثمانية أشهر على وجودها عندك أبدلتها بمائتين: فإنه تجب زكاة المائتين بعد أربعة أشهر فقط - وهما شاتان -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن نتاج المواشي تبع لأمَّهاتها في الحول، تُحسب في النصاب، وتخرج زكاتها وإن كانت صغارًا لم تبلغ الحول، أي: حولها حول أمهاتها - كما سبق في مسألة (١٣) - فكذلك البدل تُحسب في النصاب، وتخرج زكاتها، وحولها هو حول أصلها - وهو: المبدل - والجامع: مشقَّة انفراد كل شيء بحوله الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الشرط - وهو: تمام الحول على جنس واحد - وجود المشروط - وهو: وجوب الزكاة -، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (٢٧).
(^٢٩) مسألة: إذا أبدل شيئًا بالغًا للنصاب بشيء من جنسه لم يكن بالغًا للنصاب: فالحول ينقطع، فمثلًا: لو كان عندك أربعون من الغنم، وقد مضى عليها عندك ستة أشهر، ثم أبدلتها بخمس وثلاثين: فإن حول الأربعين الأولى ينقطع، فلا زكاة عليها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم السبب - وهو: بلوغ النصاب في =
[ ٢ / ٢٢٢ ]
دفع زكاته منه: أجزات كالذهب والفضة، والبقر، والغنم السائمة ونحوها؛ لقوله ﷺ: "في أربعين شاة شاة" و"فيما سقت السماء العشر" ونحو ذلك، و"في" للظرفية، وتعلُّقها بالمال كتعلُّق أرش جناية برقبة الجاني فللمالك إخراجها من غيره (^٣٠)، والنماء بعد وجوبها له، وإن أتلفه: لزمه ما وجب فيه، وله التصرُّف فيه
الخمس والثلاثين -: عدم وجود الحكم - وهو: وجوب الزكاة - فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وجوبها في شيء لم يبلغ النصاب ضرر على المالك، ودفع الضرر واجب؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(^٣٠) مسألة: زكاة كُلِّ مالٍ تُدفع من جنسه؛ حيث إنها مُتعلِّقة بعين المال المزكَّى، فزكاة الذهب تُدفع ذهبًا، وزكاة الفضة تُدفع فضة، وزكاة الغنم تُدفع غنمًا وزكاة الحبوب تُدفع حبوبًا وهكذا، هذا إن تمكَّن من ذلك، أما إن لم يتمكَّن إخراج الزكاة من جنس المال المزكَّى: فله إخراجها من غير النصاب بشرط: أن يكون من جنسه، فمثلًا: لو كان عندك أربعون شاة، ولكنك لم تتمكَّن من إخراج شاة منها للزكاة: فلك إخراج شاة من غيرها ولو كان ذلك بعد مُدَّة، ولو أخذتها دينًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "في أربعين شاة شاة" وقال: "فيما سقت السماء العشر" حيث بيَّن الشارع أن الزكاة تتعلَّق بجنس المال الذي تُخرج منها؛ لكون "في" ظرفية دالة على كون مدخولها ظرفًا لمتعلِّقها الثانية: القياس، بيانه: كما أن أرش الجناية مُتعلِّق برقبة الجاني، فكذلك الزكاة تتعلَّق بعين المال المزكَّى، والجامع: أن كلًا منهما له تعلُّق بشيء فتلزم عينه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأموال تختلف باختلاف أجناسه وصفاته، فهناك مال رديء، وهناك مال جيد، فتكون زكاة المال الرديء تؤخذ من عين ذلك المال الرديء، وزكاة المال الجيد تؤخذ من =
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ببيع وغيره، فلذلك قال (ولها تعلُّق بالذمَّة) أي: ذمَّة المزكّي؛ لأنه المطالب بها (^٣١) (ولا يُعتبر في وجوبها: إمكان الأداء) كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على المريض والحائض، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم، فتجب في الدِّين، والمال الغائب ونحوه - كما تقدَّم - لكن لا يلزمه الإخراج قبل حصوله بيده (^٣٢) (ولا) يُعتبر في
عينه، فلو أُخذ مال رديء زكاة، عن مال جيد لتضرَّر الفقير، ولو أُخذ مال جيد زكاة عن مال رديء: لتضرَّر الغني، فدفعًا لذلك الضررين: شُرع ما ذكر.
(^٣١) مسألة: إذا وجبت زكاة في شيء - كشاة زكاة عن أربعين -: فإن هذا الوجوب يكون في ذمَّته، ولا تبرأ تلك الذمَّة إلا بإخراجها هي: سواء أخرجها من تلك الأربعين، أو من غيرها، وسواء باع تلك الأربعين أو أتلفها، أو أكلها، أو أبدلها بغيرها، أو نمت عنده أو زادت، أو لا، فلا يجب إلا إخراج تلك الشاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بلوغ النصاب وحولان الحول على ذلك: وجوب الزكاة، واستقرار هذا الوجوب في الذِّمَّة، ولا يسقط ذلك إلا بالفعل، فيُطالب بها، فإن قلتَ: لمَ وجبت بالذمة، ولم تجب من النِّصاب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المالك، فيتصرَّف فيها ببيع، أو تنمية، أو نحو ذلك، فلو وجبت في عين المال لا تُخرج إلا منه: للزم من ذلك إلحاق الضرر عليه.
(^٣٢) مسألة: لا يُشترط في وجوب الزكاة: تمكُّن المالك من الأداء حال وجوبها، ولذا: تجب الزكاة في مال قد بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وإن لم يتمكَّن من أدائها حالًا، ولذا وجبت الزكاة في الدَّين، والمال الغائب والمنسي إذا تذكَّره لكن لا يُخرج زكاة ذلك فعلًا إلا إذا قبض ذلك المال المزكَّى بيده - كما سبق في مسألة (١٧) -؛ للقياس بيانه: كما أن الصوم يجب على المريض والحائض والنفساء، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم وإن لم =
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وجوبها أيضًا: (بقاء المال): فلا تسقط بتلفه: فرَّط أو لم يُفرِّط كدين الآدميين (^٣٣)،
يتمكَّن هؤلاء من أدائهما في الحال فكذلك الزكاة تجب وإن لم يتمكَّن المالك من أدائها والجامع: عدم التمكن من الأداء لعذر في كل، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة حق للفقير من هذا المال، فلا يسقط هذا الحق بسبب عدم التمكن من الأداء.
(^٣٣) مسألة: لا يُشترط في وجوب الزكاة: بقاء المال على حاله: ولذا: لو تلف مال بالغ للنصاب تام الحول باحتراق أو نحوه: لوجبت الزكاة فيه: سواء كان صاحب المال فرَّط أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن دين الآدمي يجب الوفاء به: سواء تلف مال المدين أو لا، فرَّط أو لا فكذلك الزكاة إذا وجبت يجب إخراجها: سواء تلف المال المزكَّى أو لا، فرَّط أو لا، والجامع: انشغال الذِّمة بذلك في الكل، فلا تبرأ إلا بالأداء، أو الإبراء، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه عين تلزمه مؤنة تسليمه إلى مستحقه، فيضمنه له، وهذا يستوي فيه المفرِّط وغيره؛ لاحتمال ادِّعاء بعضهم عدم التفريط في تلف هذا المال فيضيع حق الفقير فيتضرَّر لا سيما إذا عرفنا أن الزكاة تجب وجوبًا موسَّعًا، وتسقط عند العجز عنها، فتُقدِّم هنا حق الفقير ومراعاته فإن قلتَ: إن لم يفرط المالك فتلف المال المزكَّى: فإن لا يضمن تلك الزكاة بل تسقط عنه، وهو قول أبي الفرج ابن قدامة وتبعه ابن عثيمين؛ للمصلحة؛ حيث إن المالك يتضرر إذا ضمن ما تلف بسبب غيره قلتُ: إن هذا فيه فتح لباب ادعاء بعض المالكين عدم التفريط، فيضيع حق الفقير، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس؛ مراعاة لحق الفقير، وعندهم يُعمل بالمصلحة مراعاة لحق الغني.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ (^٣٤)، (والزكاة) إذا مات من وجبت عليه (كالدَّين في التركة)؛ لقوله ﷺ: "فدينُ الله أحق بالوفاء" (^٣٥)، فإن وجبت وعليه دين برهن، وضاق المال: قُدِّم (^٣٦)،
(^٣٤) مسألة: إذا تلف زرع، أو ثمر بجائحة - كمطر، وحريق، ورياح - قبل جمع الحبوب والثمر من الزرع والنخيل في الجرين - وهو: مكان جمعه -: فإن الزكاة تسقط؛ للتلازم؛ حيث إن عدم توفر شرط الزكاة هنا - وهو: عدم جمع ذلك في الجرين بسبب التَّلف -: يلزم منه عدم وجوب الزكاة، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المالك لو دفع زكاة ما تلف: للحقه الضَّرر، فدفعًا لذلك: سقطت الزكاة عنه.
(^٣٥) مسألة: إذا مات شخص بعد وجوب الزكاة عليه: فتؤخذ تلك الزكاة من رأس التركة قبل تقسيمها على الورثة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو مات وعليه دين فلا يسقط ذلك الدين بموته فكذلك الزكاة مثله، والجامع: أن كلًا منهما دين قد انشغلت الذمة به وسمَّاه الشارع بذلك؛ حيث قال ﷺ: "فدين الله أحق بالقضاء" فإن قلتَ: لمَ لا تسقط الزكاة بالموت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة حقٌّ للفقير، فلا يسقط هذا الحق بموت المالك؛ لكون حقه تعلَّق بعين المال، لا بعين صاحب المال.
(^٣٦) مسألة: إذا وجبت زكاة على زيد، وكان عليه دين لعمرو، وهو - أي: زيد - قد رهن عند عمرو منزلًا، ولا يكفي المال الذي عند زيد إلا لسداد الدَّين، أو لإخراج الزكاة: فيُقدَّم هنا سداد الدَّين على إخراج الزكاة، فإن فضل شيء: صُرف للزكاة، وإلا تبقى في ذمته حتى يستطيع؛ للقياس، بيانه: كما يُقدَّم حق المرتهن على سائر الغرماء، فكذلك يُقدَّم قضاء دين برهن على أداء الزكاة، نظرًا للحاجة إلى فكِّ ذلك الرهن والجامع: تقديم حاجة المالك على حاجة الفقراء.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وإلا تحاصَّا (^٣٧)، ويُقدَّم نذر معَّين (^٣٨)، وأضحية مُعيَّنة (^٣٩).
(^٣٧) مسألة: إذا وجبت زكاة على زيد، وكان عليه دين لعمرو بدون رهن، والمال الذي عند زيد لا يكفي للزكاة وللوفاء بالدَّين: فيُعمل بالمحاصَّاة بالنِّسب فمثلًا: لو كان الدين ألفين، والزكاة ألفًا: فإنه يؤخذ ثلثا المال الذي عند زيد ويُعطى لعمرو، ويُؤخذ ثلثه الباقي ويُدفع زكاة؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا تزاحمت ديون الآدميين: فإنه يؤخذ بالمحاصَّاة على حسب نسبة دين كل واحد من الغرماء فكذلك الحال هنا والجامع: أن حقَّ كل واحد في مرتبة حق الآخر دون تفاوت مع التزاحم في كل، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لحقوق الغرماء، ولحقوق الفقراء.
(^٣٨) مسألة: إذا كان عندك أربعون شاة، وحال عليها الحول، وكان عليه نذر بإخراج شاة معيَّنة - كأن يقول: "هذه الشاة لله تعالى" - فيُقدِّم الوفاء بالنذر، ويُخرج شاة له ثم يُخرج شاة أخرى للزكاة إن فضل شيء من ذلك وهو بالغ للنصاب، وإن تعذَّر ذلك: فإنها تبقى في ذمته حتى يؤدِّيها، فإن عجز: سقطت عنه، للتلازم؛ حيث إن تعيين الواجب - وهو: النذر - يلزم منه تقديمه على الواجب المطلق - وهو: الزكاة - نظرًا لكون المعيَّن مُقدَّم على المطلق، وسقطت إن عجز؛ لأنه يلزم من العجز: سقوط الواجب.
(^٣٩) مسألة: إذا وجبت زكاة أربعين شاة - وهي: إخراج شاة واحدة - وكان قد عيَّن شاة لتكون أضحية: فإنه يُقدَّم إخراج شاة الزكاة، للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزكاة واجبة: تقديم إخراجها على المستحب وهي: الأضحية وإن عُينت فلا تقدم على الزكاة الواجبة، فإن قلتَ: تُقدَّم الأضحية المعيَّنة هنا، وهو قول المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيينها: تقديمها قلتُ: هذا يصح إذا كان =
[ ٢ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعيَّن واجبًا كغير المعيَّن، أما إن اختلف في الحكم فالتعيين لا يُغير الحكم ويجعله يُقدَّم على الواجب وهو هنا: الزكاة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التعيين للمستحب يقلبه إلى واجب ويُقدَّم على الواجب المطلق أم لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم، وكذا "تعارض التلازمين".
هذه آخر مسائل: "حقيقة الزكاة وحكمها وشروطها" ويليه باب "زكاة بهيمة الأنعام"
[ ٢ / ٢٢٨ ]