في اللغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، سُمِّيت "صلاة" لاشتمالها على الدعاء، مشتقة من "الصلوين" وهما: عرقان من جانبي الذنب، وقيل عضمان ينحنيان في الركوع والسجود، (^١) وفرضت ليلة
كتاب الصلاة
حقيقة الصلاة وحكمها
وفيه إحدى وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الصلاة لغة هي: الدعاء والاستغفار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله ﷺ: "ومن كان صائمًا فليُصل" والمراد: ادع لهم، وادع لأهل الوليمة إذا دعوه ولم يأكل، والصلاة في الاصطلاح: "أقوال وأفعال مخصوصة يُتعبَّد بها مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم"، وهذا الإطلاق في الشرع حقيقة فيها؛ لأن الصلاة لفظ منقول من معناه اللغوي إلى معناه في الشرع؛ لوجود علاقة بين المعنى اللغوي - وهو: الدعاء - والمعنى الشرعي، وهو: اشتمال تلك الصلاة على دعاء العبادة ودعاء المسألة، وقد فصَّلتُ ذلك في كتاب: "المهذب" (٣/ ١١٥٠)، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت هذه الأفعال والأقوال بالصلاة؟ قلتُ: لاشتمالها على دعاء العبادة والمسألة، لذا سُمِّيت صلاة الجنازة بالصلاة مع أنه لا ركوع فيها ولا سجود؛ لاشتمالها على الدعاء - كما في "المنتقى" (١/ ١٣) و"المقدمات" (٣/ ٧) و"الفوائد" (٢/ ٦) - وقيل: سُميت بذلك أخذًا من الصلوين، وهما عرقان في الردف، وأصلهما: "الصلا" وهو: عرق في =
[ ١ / ٣١٠ ]
الإسراء (^٢) (تجب) الخمس في كل يوم وليلة (على كل مسلم مكلَّف) أي: بالغ عاقل: ذكر أو أنثى أو خنثي: حر أو عبد، أو مبعَّض (^٣)
= الظهر يفترق عند عجز الذنب - وقيل: هما عضمان ينحنيان عند الركوع - كما في "الذخيرة" (٢/ ١٥) والأول: أنسب.
(^٢) مسألة: فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج بمكة قبل الهجرة بعام واحد، وهي أول ما فُرِض من أركان الإسلام - بعد الشهادتين؛ للإجماع؛ حيث قال ابن عبد البر في "الاستذكار": "لم تختلف الآثار ولا العلماء في أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء".
(^٣) مسألة: تجب الصلوات الخمس في اليوم والليلة على كُلِّ مسلم مكلف، أي: بالغ عاقل، وهذا مطلق، أي: سواء كان ذكرًا أو أنثى أو خنثى، وسواء كان حرًا أو عبدًا، أو مبعَّضًا - أي: بعضه حر وبعضه الآخر عبد؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ حيث أوجب الصلاة؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لمعاذ - حين بعثه إلى أهل اليمن -: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" حيث بيَّن أن الإسلام - وهما الشهادتان - شرط لصحة الصلاة وهذا عام لجميع ما ذكر، ثانيهما: قوله: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ" حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل البالغ تجب عليه الصلاة من جملة الواجبات، فإن قلتَ: لِمَ وجبت على المسلم المكلَّف؟ قلتُ: لأن الصلاة لا تجتمع مع الكفر، لما بينهما من التناقض، كما بينت ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام"، ولأن البالغ العاقل =
[ ١ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يُدرك المقصود من الصلاة والمراد من التَّعبُّد بها وتصح النية منه، بخلاف الصبي والمجنون فلا يدركان ذلك، ولا تصح منهما نية، فإن قلت: لِمَ وجبت الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة تُعتبر أكمل العبادات؛ لاشتمالها على جميع أنواع التكبيرات والتحميدات، والتسابيح، والتذلل والخضوع والخشوع، ودعاء العبادة ودعاء المسألة، والقراءة، واشتمالها على جلب الأرزاق، وتقوية القلوب، وتفريج الهموم والغموم، وتنشيط الجوارح، وشرح الصدور، وإبعاد الشياطين، وهذا ثابت لمن طاب مأكله، وتأثيرها على احتقار الدنيا وزينتها ومراكزها، فإن قلت: لِمَ كانت الصلوات خمس فقط دون زيادة أو نقصان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الأوقات الخمسة تحدث فيها آيات عظيمة تستوجب شكر الله عليها، فطلوع وظهور الإسفار ناسبه وجوب صلاة الفجر، وزوال الشمس زوالًا بطيئًا ناسبه وجوب صلاة الظهر، وزوال الشمس زوالًا سريعًا ناسبه وجوب صلاة العصر، وغروب الشمس وبداية الليل ناسبه وجوب صلاة المغرب، وحلول الليل والظلام ناسبه وجوب صلاة العشاء، وهذه الأوقات قد صلى فيها الأنبياء السابقين: فالفجر صلاة آدم، والظهر صلاة إبراهيم، والعصر صلاة يونس، والمغرب صلاة عيسى، والعشاء صلاة موسى ﵈ وذلك لنعم أنعم الله بها عليهم، فأرادوا شكر الله عليها، فأراد الله تعالى أن يجمع لنبيه وأمته هذه الصلوات فأوجبها عليهم؛ تكثيرًا لأجورهم، ثم إن ذلك يُناسب مصلحة المسلم، حيث جعل فاصلًا طويلًا بين الفجر والظهر لكسب رزقه بعد ما جعل فاصلًا طويلًا بين العشاء والفجر ليأخذ ما يحتاجه من النوم الكافي، فإن قلتَ: لِمَ كانت أكثر الصلوات في آخر النهار: كالظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت ليس بوقت عمل، ولا بوقت نوم فأراد الشارع إشغاله بالذكر، فإن قلتَ: لِمَ =
[ ١ / ٣١٢ ]
(لا حائضًا ونفساء) فلا تجب عليهما (^٤) (ويقضي من زال عقله بنومٍ أو إغماء، أو سكر) طوعًا أو كرهًا (أو نحوه) كشرب دواء؛ لحديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" رواه مسلم، و"غشي على عمار ثلاثًا ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث" ويقضي من شرب محرَّمًا حتى زمن جنون طرأ متصلًا به؛ تغليظًا عليه (^٥)
= اختلفت تلك الصلوات في الركعات؟ قلتُ: لأن آدم صلى الفجر ركعتين؛ لأن الله أنجاه من ظلمة الليل لما أُخرج من الجنة، وأنه سبحانه قد أرجع إليه النهار، والظهر صلاها إبراهيم أربعًا؛ لإزالة غم الولد، وإتيانه بالفداء، ولرضى ربه بذلك، وصبر ولده، والعصر صلاها يونس أربعًا؛ لأن الله أنجاه من ظلمة الذلة وظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، والمغرب صلاها عيسى شكرًا لله؛ لأنه استطاع نفى الألوهية عن نفسه، وعن أمه، وأثبتها لله، والعشاء صلاها موسى شكرًا لله على أن الله أنجاه من غم هارون، وغم غرق فرعون، وغم أولاده، وغم حيرته في البحر.
(^٤) مسألة: تسقط الصلاة عن الحائض والنفساء، ولا يقضيان تلك الصلاة بعد انقضاء مدة الحيض والنفاس، وقد سبق بيانه في مسألة (٩ و٤٧) من باب "الحيض والاستحاضة والنفساء".
(^٥) مسألة: إذا نام شخص أو شرب أي شيء مزيل لعقله سواء كان حرامًا أو لا، مختارًا أو لا، جُنَّ بسببه أو لا: فإنه إذا أفاق يقضي ما فاته من الصلوات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأوجب على النائم قضاء الصلاة التي نام عنها؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهو عام في الأزمان، فيقضي الفرض في أي وقت شاء، سواء كان وقت نهي أو لا، خرج وقتها أو لا؛ لأن لفظ "مَنْ" الشرطية و"إذا" التي بمعنى "حين" من صيغ العموم، والسكران كالنائم؛ لعدم الفارق بجامع إزالة العقل من =
[ ١ / ٣١٣ ]
(ولا تصح) الصلاة (من مجنون) وغير مميِّز؛ لأنه لا يعقل
= باب مفهوم الموافقة المساوي، فإن قلت: لِمَ يقضي هنا؟ قلتُ: لسد الذرائع؛ حيث إنه لو لم يقض هؤلاء ما فاتهم عند إفاقتهم لأدَّى ذلك إلى تساهل هؤلاء فينامون أو يشربون شيئًا يزيل عقولهم لئلا يؤدُّوا الصلاة، فأوجب عليهم قضاء الصلوات التي تركوها؛ تغليظًا عليهم، منعًا من التساهل في أعظم ركن من أركان الإسلام. [فرع]: المغمى عليه لا يقضي ما فاته من الصلوات أثناء الإغماء؛ للقياس، بيانه: كما أن المجنون لا يقضي ما فاته من الصلوات إذا أفاق فكذلك المغمى عليه مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد حدث رغم أنفه، ولا يمكن إفاقتهما، فإن قلت: لِمَ لا يقضي المغمى عليه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحصل بسبب ليس منه، وقد يطول، فيشق قضاؤه، فإن قلت: إن المغمى عليه يقضي ما فاته من الصلوات إذا أفاق، وهو قول بعض العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن النائم يقضي الصلوات فكذلك المغمى عليه مثله، والجامع: زوال العقل في كل، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمَّارًا قد أغمي عليه فقضى ما فاته بعد إفاقته، قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإغماء نادر الوقوع، والمغمى عليه لا يمكن إفاقته، وأنه يحصل بسبب مرض أو نحوه، بخلاف النوم: فهو كثير الوقوع، ويمكن إفاقة النائم، وهو طبيعي يحصل بدون مرض، ومع هذه الفروق فلا قياس، أما فعل الصحابي: - وهو عمَّار -: فيُحتمل أنه فعل ذلك على سبيل الوجوب، ويُحتمل أنه قضى ذلك على سبيل الاستحباب، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن قسناه على المجنون؛ لأنه أكثر شبهًا به وهم قاسوه على "النائم" لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمى بقياس الشبه، وأيضًا "تعارض فعل الصحابي مع القياس" فعندنا يقدم القياس على المجنون؛ لضعف فعل الصحابي؛ لاحتماله، وعندهم: يقدم فعل الصحابي.
[ ١ / ٣١٤ ]
النية (^٦) (ولا) تصح من (كافر)؛ لعدم صحة النية منه، ولا تجب عليه، بمعنى: أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، ويُعاقب عليها، وعلى سائر فروع الإسلام (^٧) (فإن
(^٦) مسألة: لا تصح الصلاة من مجنون، وصبي غير مميز - وهو: الذي لا يُميز بين الخير والشر - ولا من الهرم، والمعتوه - وهما اللذان قد اختلطت عليهما حقائق الأمور -، ولو أفاق المجنون، أو ميز أو بلغ الصبي أو شفي الهرم والمعتوه: فإنهم لا يقضون ما فاتهم من الصلوات؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم إدراكهم للنية وشروطها: عدم صحة ما يعملونه؛ لأنه لا عمل صحيح إلا بنية كما قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات".
(^٧) مسألة: الكافر - أصليًا أو مرتدًا - إذا صلى في أثناء كفره: فإن صلاته لا تصح منه، وإذا أسلم: فلا يجب قضاء الصلوات التي تركها أثناء كفره، ولكنه يُعاقب على تركه لجميع فروع الإسلام: من صلاة وحج وزكاة ونحوها من أول علمه بالإسلام وقدرته عليه إلى وفاته؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ حيث إنه بيَّن أن سبب دخولهم النار أنهم تركوا الصلاة، وكذا أوجب عليهم الحج وهم في حالة كفرهم؛ لأن لفظ "الناس" اسم جنس وهو من صيغ العموم فيدخل الكافر، وهذا يدل على مخاطبتهم بفروع الإسلام، وأنهم معاقبون على تركها في الآخرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فلا صحة لأي عمل إلا بنية، ولا نية صحيحة لكافر في حال كفره، فلا يُحسب أي عمل عمله أنه شرعي، الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث إنه قد أسلم الجم الغفير من الصحابة على يد النبي ﷺ، فلم يرو أنه أمر أحدهم أن يقضي ما فاته من الصلوات - أو غيرها من الفروع التي تركها أثناء كفره - ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد خصَّصت لهذه المسألة مصنَّفًا قد صدر منذ زمن هو: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
[ ١ / ٣١٥ ]
صلى) الكافر على اختلاف أنواعه في دار الإسلام أو الحرب جماعة أو منفردًا بمسجد أو غيره (فمسلم حكمًا) فلو مات عقب الصلاة: فتركته لأقاربه المسلمين، ويُغسَّل، ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابرنا، وإن أراد البقاء على الكفر وقال: "إنما أردت التهزي": لم يُقبل، وكذا لو أذن، ولو في غير وقته (^٨) (ويؤمر بها صغير لسبع) أي: يُلزم وليه: أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين، وتعليمه إياها، والطهارة ليعتادها: ذكرًا كان أو أنثى، وأن يكفّه عن المفاسد (و) أن (يُضرب عليها لعشر) سنين؛ لحديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده يرفعه: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع" رواه أحمد وغيره (^٩) (فإن بلغ في أثنائها): بأن تمت مدة بلوغه وهو في الصلاة (أو بعدها
(^٨) مسألة: إذا رأينا كافرًا يؤذن أو يقيم أو يصلي: فإنا نحكم بإسلامه: له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم: بأن يرثه أقاربه المسلمون بعد وفاته، ويُغسَّل ويُكفن ويُدفن في مقابرهم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فله ما لنا وعليه ما علينا" وهذا قد فعل ذلك، أو فعل مقدمات الصلاة، فيدخل في عموم ذلك؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيكون - على ذلك مسلمًا، فإن قلتَ: لِمَ حُكِم عليه بالإسلام؟ قلتُ: لأن الصلاة والأذان والإقامة عبادات خاصة بشرعنا لا يفعلها إلا مسلم؛ لاشتمالها على الشهادتين، وهذا ما ظهر، ويجب العمل بالظاهر، [فرع]: إذا قال الكافر: "إني أذنتُ وأقمتُ وصليتُ استهزاء": فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام: فيُستتاب ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام وإلا: قُتل بالسيف؛ قياسًا على المرتد - كما سيأتي -.
(^٩) مسألة: إذا بلغ الصبي سبع سنين - وهو سن التمييز غالبًا - يجب على وليه أن يأمره بالصلاة، وأن يُعلِّمه طريقة الطهارة لها، وأن يعظِّم شأن الصلاة في نفسه، وأن يُعلِّمه فعل كل خير، وترك كل شر، وإن لم يُصل - وهو ابن عشر =
[ ١ / ٣١٦ ]
في وقتها: أعاد) أي: لزمه إعادتها؛ لأنها نافلة في حقه، فلم تجزئه عن الفريضة،
= -: فإنه يضربه لأجل ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر" حيث أوجب الشارع على ولي الصبي أن يأمره بالصلاة، وإذا أبى، أن يضربه لأجلها - إذا بلغ العاشرة؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، ولذا: لو ترك الولي ذلك لأثم، لكونه قد ترك واجبًا، ويدل مفهوم العدد: على أن الصبي لا يُؤمر بها إذا كان له أقل من سبع سنين، ولا يُضرب عليها إذا كان له أقل من عشر سنين، فإن قلت: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لتأديبه وتهذيبه على أداء الصلاة؛ لئلا يستثقلها إذا بلغ، وخُصِّص هذا السن؛ لأنه يميز فيه بين حقائق الأمور، ويقوى على تحمُّل الضرب وهو في سنِّ العاشرة، فإن قلت: لِمَ لا تجب الصلاة على الصبي المميز؟ قلتُ: لأن الصبا مظنة الغباوة، وضعف العقل عن إدراك الغايات والنيات والمقاصد، وعدم قدرته على الاستقلالية، ولأنه عار عن البلية العُظمى وهي: "الشهوة"، فإن قلت: لِمَ وجب على الولي تعظيم الصلاة، وتعليمه الطهارة والآداب؟ قلتُ: لأن تلك الأمور تساعد الصبي على القيام بالصلاة بإخلاص إذا بلغ من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فإن قلتَ: إن ضرب الصبي يدل على وجوب الصلاة عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الضرب: المعاقبة، ولزم من معاقبة الصبي على تركه للصلاة أنها واجبة عليه؛ لأنه لا عقاب إلا على ترك واجب، قلتُ: إن الضرب هنا ضرب تأديب وتهذيب، لا ضرب عقاب؛ لأن الصبي لا يُكلَّف بشيء؛ لقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ .. " وهذا التلازم لا يقوى على تخصيصه فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بعموم السنة، وعندهم: يُعمل بالتلازم ويقوى على تخصيص عموم السنة.
[ ١ / ٣١٧ ]
ويُعيد التيمم، لا الوضوء، والإسلام (^١٠) (ويحرم) على من وجب عليه (تأخيرها
(^١٠) مسألة: إذا دخل صبي في صلاة الظهر - مثلًا، ثم بلغ في أثنائها - أو بعد الفراغ منها بأن علم بلوغه خمسة عشر، بأي علامة، فإنه لا يجب عليه إعادة تلك الصلاة سواء خرج وقت الصلاة أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الصبي فعل ما له فعله على الوجه الذي طُلب منه فيلزم من فعله: سقوط الطلب عنه، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الصبي إذا بلغ في أثناء يوم صوم من أيام رمضان: فإنه لا يقضي هذا اليوم فكذلك الصلاة مثله، والجامع: البلوغ في أثناء فعل النافلة التي هو المطالب بها في كل، فإن قلت: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق، فإن قلت: إنه إذا بلغ في أثناء أو بعد الصلاة: فإنه يُعيد الصلاة إذا لم يخرج وقتها، دون إعادة الوضوء بالماء، والشهادتين وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البالغ إذا صلى قبل دخول الوقت لا تجزئه صلاته، فتجب إعادتها، فكذلك الصبي إذا صلى قبل البلوغ: فإن صلاته لا تجزئه، فيجب إعادتها والجامع: أن كلًا منهما قد صلى قبل وجود سبب الوجوب، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن البالغ يعلم أن الصلاة واجبة عليه إذا دخل وقتها، فعلم أن صلاته قبله لا تجزئه، أما الصبي فلم يعلم وجوبها عليه إلا بعد دخوله بها، أو بعد الفراغ منها، وكان بلوغه فجأة عنده، فاختلفا، ولذلك: تبطل صلاة البالغ قبل دخول وقتها، لأنه لم يفعل ما وجب عليه، ولا يصلي الصبي الذي بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها مرة ثانية؛ لأنه فعل ما عليه فعله، فلا يُطالب بها مرة ثانية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين"؛ حيث إنا قسناه على الصبي الذي بلغ في أثناء صومه؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على البالغ الذي صلى قبل دخول الوقت؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشبه". تنبيه: قوله: "ويُعيد التيمم" يقصد إن كان الصبي قد =
[ ١ / ٣١٨ ]
عن وقتها) المختار، أو تأخير بعضها (^١١) (إلا لناوِ الجمع) لعذر فيُباح له التأخير؛ لأن وقت الثانية يصير وقتًا لهما (^١٢) (و) إلَّا (لمشتغل بشرطها الذي يُحصِّله قريبًا) كانقطاع ثوبه الذي ليس عنده غيره إذا لم يفرغ من خياطته حتى خرج الوقت، فإن
= صلى تلك الصلاة التي بلغ في أثنائها أو بعدها بالتيمم، فإنه يعيد ذلك التيمم والصلاة؛ لأن التيمم مشروع لكل صلاة؛ لأنه ليس برافع، وإنما هو مبيح للصلاة - كما سبق في مسألة (٣٠) من باب "التيمم" - وهذا على حسب مذهبه: من أن الصلاة تُعاد، وقد بيَّنا أنها لا تُعاد.
(^١١) مسألة: يحرم على المكلف تأخير الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا لها بلا عذر، وكذا: يحرم تأخير صلاة العصر عن وقتها المختار إلى وقتها الضروري - وسيأتي بيان ذلك؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى بأصحابه الصلوات الخمس بأوقاتها وقال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" فحصر هنا الصلاة بين وقتين معلومين - سيأتي بيانهما - فدل مفهوم الزمان على تحريم تأخير الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا، فإن قلت: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تحديد الصلاة بوقت معين له أسرارٌ وحِكم كثيرة: منها: شكر الله تعالى على نعم وآيات عظيمة تظهر في هذا الوقت - كما سبق في مسألة (٣) - والامتحان والابتلاء: وهذا كله فيه أجر عظيم.
(^١٢) مسألة: يُباح لمن نوى الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، أو الجمع بين المغرب والعشاء؛ لسفر أو مرض أو مطر: أن يؤخر صلاة الأولى إلى وقت الثانية جمع تأخير - كما سيأتي -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك - كما رواه أنس -، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على الناس فيكون وقت الثانية وقتًا للصلاتين معًا.
[ ١ / ٣١٩ ]
كان بعيدًا عُرفًا: صلى، (^١٣) ولمن لزمته: التأخير في الوقت مع العزم عليه ما لم يظن مانعًا، وتسقط بموته، ولم يأثم (^١٤) (ومن جحد وجوبها: كفر) إذا كان ممن لا يجهله
(^١٣) مسألة: يُباح تأخير الصلاة عن وقتها لمن اشتغل بإيجاد ماء أو تراب يتطهر به، أو إيجاد سترة يستر بها عورته بشرط: أن يغلب على ظنه أن ذلك سيستغرق وقتًا قصيرًا بعد الوقت كساعة ونحوها؛ للقياس، بيانه: كما أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تضر فكذلك خروج وقتها بقليل لا يضر بسبب اشتغاله بتوفير شرط من شروط الصلاة: كستر العورة والطهارة ونحوهما، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو تحصيل أجر الستر أو التطهر، وأن الزيادة أو النقصان القليل في الشرع لا يضر إذا وجدت المصلحة لذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: لأن تحصيل ذلك إذا كان سيستغرق وقتًا طويلًا: فإنه يكون عاجزًا عنه، والواجب يسقط بالعجز عنه. [فرع]: يُباح تأخير الصلاة عن وقتها للخائف على نفسه، أو أهله، أو ماله إلى أن يزول الخوف، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد شُغل عن صلاة العصر يوم الخندق إلى غروب الشمس، فصلى العصر، ثم المغرب، فظاهره: أنه أخرها بسبب الخوف من العدو، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا قال: "اشتدت الحرب غداة تستُّر فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس" و"تستُّر" بلد في خراسان، فظاهره: أن بعض الصحابة لم يؤخرها إلا بسبب الخوف، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلمين، وترك الصلاة إذا وجد ما يُشغل القلب عنها.
(^١٤) مسألة: الصلاة واجبة وجوبًا موسَّعًا، فيُباح للمكلف أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها إلى وسطه، أو إلى آخره إذا غلب على ظنه العيش إلى آخره، لكن إذا أراد أن يؤخرها إلى وسط أو آخر وقتها: فإنه يجب عليه أن يعزم وينوي أنه سيُصلِّيها في آخر وقتها، فلو مات قبل أن يصل إلى آخر وقتها فإنها تسقط عنه، =
[ ١ / ٣٢٠ ]
وإن فعلها؛ لأنه مُكذِّب الله ورسوله وإجماع الأمة، وإن ادَّعى الجهل كحديث عهد بالإسلام: عُرِّف وجوبها، ولم يُحكم بكفره، لأنه معذور، فإن أصرَّ: كفر (^١٥) (وكذا:
= ولا يعصي بذلك ولا يأثم؛ للسنة القولية؛ حيث إن جبريل ﵇ قد صلى بالنبي ﷺ كل صلاة في أول وقتها وفي آخرها في يومين ثم قال: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين" وهذا يلزم منه: تخيير المكلف بين أجزاء وقت الصلاة: فإن شاء صلى في أوله، أو في آخره، ويلزم منه: أنه إذا أخرها إلى آخر وقتها: فإنه فعل ما له فعله، فلا يعصي، ولا يأثم فيما لو مات قبل وصوله إلى آخر الوقت، فإن قلتَ: لِمَ كان وقت الصلاة واسعًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فقد لا تسمح ظروف المكلف أن يصليها في أول وقتها، أو وسطه، أو آخره، فخيره الشارع بينها، وهذا فيه توسعة وتيسير، وقد فصَّلتُ الكلام عن هذا في كتابي: "الواجب الموسَّع" فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط العزم على فعلها في آخر الوقت؟ قلتُ: لأن هذا يخرجه عن عزمه على تركها مطلقًا فيكفر.
(^١٥) مسألة: إذا جحد شخص وجوب الصلاة: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان ممن يجهل مثله كمن أسلم حديثًا، أو الناشئ في صحراء لا يرى فيها أحدًا: فإن هذا يُعلَّم أحكام الإسلام، ومنها: الصلاة: فإن أقرَّ وعمل بذلك: تُرك وشأنه، وإن أصرَّ على جحد وجوبها فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، ثم يحكم بكفره ويُقتل بالسيف، ثانيًا: إن كان ممن لا يجهل مثله كالناشئ بين المسلمين: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام: فإن أصرَّ: يحكم بكفره ويقتل بالسيف؛ للقياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام يُفعل به ذلك، فكذلك من جحد وجوب الصلاة، والجامع: أن كلًا منهما قد كتب الكتاب، والسنة وإجماع الأمة، فإن قلتَ: لِمَ يُعلَّم مَنْ يجهل مثله؟ قلتُ: لكونه معذورًا بالجهل؛ أصله قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإن قلتَ: لِمَ يُستتاب ثلاثًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعطيه =
[ ١ / ٣٢١ ]
تاركها تهاونًا) أو كسلًا، لا جحودًا (^١٦) (ودعاه إمام أو نائبه) لفعلها (فأصرَّ وضاق وقت الثانية عنها) أي: عن الثانية، لحديث: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة" قال أحمد: شيء ذهب آخره: لم يبق منه شيء، فإن لم يُدع لفعلها: لم يُحكم بكفره؛ لاحتمال: أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها لمثله (^١٧)
= مهلة للتفكير، فإن قلتَ: لِمَ يُحكم بكفره ويقتل بالسيف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ما فعل ذلك إلا لكونه قد احتقر الإسلام وتعاليمه، فيخشى من أن ينشر ذلك: فيقتل منعًا لذلك.
(^١٦) مسألة: إذا أقرَّ شخص بوجوب الصلاة، ولكنه ترك فعلها تهاونًا وكسلًا: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام: فإن أصرَّ على عدم فعلها: يحكم بكفره ويُقتل بالسيف؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حيث دل مفهوم الشرط هنا على أن الذي لم يقم الصلاة: فإنه لا يُخلَّى سبيله، بل يُقتل لكفره، وهذا عام فيشمل من تركها تهاونًا وغيره، فإن قلتَ: لِمَ يُقتل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع نشر فساده.
(^١٧) مسألة: لا يُحكم بكفر من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا: إلا بشرطين: أولهما: أن يقول له إمام أو نائبه: "صل وإلا قتلناك؛ لكفرك" ثانيهما: أن يضيق وقت الصلاة الثانية: كأن يترك صلاة الظهر، ثم يضيق وقت صلاة العصر، وتقرب الشمس من المغيب وهو لم يصل الظهر والعصر: فإنه إذا لم يصل: فإنه يحكم بكفره؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا ..﴾ كما سبق في مسألة (١٦)، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" ويلزم منه أن الشخص إذا ترك الصلاة: فلا دين له وهو الكافر، ثانيهما: قوله ﷺ: "الذي بيننا وبين الكفر: ترك الصلاة" وهو واضح الدلالة؛ الثالثة: المصلحة؛ حيث إن =
[ ١ / ٣٢٢ ]
(ولا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثًا فيهما) أي: فيما إذا جحد وجوبها، وفيما إذا تركها تهاونًا، فإن تابا، وإلا ضربت عنقهما والجمعة كغيرها (^١٨) وكذا: ترك ركن أو
= الحكم على شخص بالكفر بدون دعوته، وإمهاله والصبر عليه إلى أن يضيق وقت الصلاة الثانية: فيه تجني عليه؛ لأن تركه للصلاة يُحتمل أنه تركها لعذر يظن أنه يسقطها، ويُحتمل أنه تركها لإرادته جمعها مع أخرى لعذر، ومع جواز هذين الاحتمالين: فلا حكم، وهذا دليل يردُّ على من زعم أنه لا دليل على اشتراط هذين - كابن عثيمين وغيره -.
(^١٨) مسألة: لا يجوز قتل من جحد وجوب الصلاة - جمعة أو غيرها من الفرائض - أو من ترك فعلها تهاونًا وكسلًا إلا بعد أن يُستتاب ثلاثة أيام بأن يُحبس في مكان، ويقال له في كل يوم: "صلِّ وإلا قتلناك" فإن لم يفعل ذلك: قتل في اليوم الرابع كفرًا بالسيف؛ لقواعد: الأولى: القياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام لا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثًا فكذلك الجاحد لوجوب الصلاة أو التارك لفعلها تهاونًا مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد ترك حقًّا ثابتًا يحتاج إلى البيان، الثانية: قول الصحابي: حيث إن عمر قال فيمن ترك الصلاة: "هلا حبستموه ثلاثًا لعلَّه يتوب" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن إمهاله ثلاثة أيام يجعله يعيد النظر فيما يعتقده، وقد يكون قد غُرِّر به وخُدِع، فيُبيَّن له الحق في هذه الأيام، وعادة أن الشخص إذا ذكِّر بالآيات والأحاديث وأقوال السلف: تاب إلى الله تعالى، ففي الاستتابة مصلحة له وللمسلمين، فإن قلتَ: لِمَ كانت الأيام ثلاثة؟ قلتُ: لمناسبتها لهذه الحالة؛ حيث إنه في اليوم الأول يبيَّن له الحق، وفي الثاني يفكِّر في ذلك، وفي الثالث: يقول النتيجة، فإن قلتَ: لِمَ لا يُقتل كفرًا، ولا يُقتل حدًّا؟ قلتُ: لأن حكمه حكم المرتدين عن =
[ ١ / ٣٢٣ ]
شرط، (^١٩) وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها حتى يُصلي ولا ينبغي السلام عليه،
= الإسلام، وعليه: فلا يُغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، ولا يورث بخلاف المقتول حدًّا: فهو مسلم حكمًا كالزاني المحصن والقاتل؛ فهذا إذا قتل يُغسَّل ويكفن ويُصلى عليه ويدفن مع المسلمين، ويورث، فإن قلت: لِمَ يُقتل بالسيف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصود هو إنهاء حياته، لئلا يؤثر على الآخرين، وليس المقصود تعذيبه، فإن قلت: لم يُقتل بهذا وهو أهون القتلات مع أنه كافر، والزاني المحصن أو الزانية يقتلان بالرجم وهو: أشد القتلات؟ قلتُ: لأن مفسدة هذا الكافر قليلة، أما الزانية والزاني فمفسدتهما شاملة لهما ولعائلتهما ولأولادهما، وللأزواج، ويؤثر في الأنساب، ولأن الجسم قد اهتز كله بالحرام، فلا بد أن يعذب كله في الحياة، - وعذاب الآخرة أمرُّ -؛ جزاءً لهما وردعًا لمن تحدِّثه نفسه بأن يفعل ذلك، فإن قلتَ: إنه لا يُستتاب، بل يُقتل فورًا إلا إذا اقتضت المصلحة استتابته وهو قول كثير من العلماء وتبعهم ابن عثيمين؟ قلتُ: إن هذا غير منضبط فقد يستتيب الإمام أحدًا لمجرد التشهي والهوى فتكون استتابته مطلقًا هو الذي تقتضيه المصلحة العامة، والقياس كما سبق بيانه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين" فعندنا: المصلحة العامة تقتضي الاستتابة، وهي أقوى؛ لانضباطها.
(^١٩) مسألة: إذا ترك الشخص ركنًا من أركان الصلاة، أو شرطًا من شروطها، أو واجبًا من واجباتها عمدًا وهو يعتقده: فإنه يكفر، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب، وإلا قتل، للتلازم؛ حيث يلزم ممن ترك ركنًا، أو شرطًا، أو واجبًا يعتقده؛ إبطال صلاته عمدًا، ومن فعل ذلك فيلزم كفره، والكافر يُقتل؛ لاستهتاره بشرائع الإسلام القطعية - كما سبق -.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ولا إجابة دعوته، قاله الشيخ تقي الدين، ويُصير مسلمًا بالصلاة، (^٢٠) ولا يكفر بترك غيرها: من زكاة وصوم، وحج، تهاونًا وبخلًا. (^٢١)
(^٢٠) مسألة: إذا ترك شخص الصلاة؛ جُحدًا لوجوبها، أو تهاونًا بها، فلم يصل مطلقًا: فيجب على المسلمين الذين حوله: أن يهجروه: بأن لا يُسلموا عليه، ولا يُجالسوه ولا يشاركونه في شيء، وينشرون عنه أنه لا يصلي مطلقًا، فإن صلى: فإنه يُحكم بأنه مسلم؛ دون إعادة للشهادتين؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة قد تردعه فيعود إلى الصواب والحق. [فرع]: إذا تاب وصلَّى فإنه لا يقضي ما تركه عمدًا من الصلوات؛ للتلازم؛ حيث إنه قبل توبته كان كافرًا، ويلزم من ذلك: أن لا يقضي؛ لأن الكافر لا يقضي ما تركه أثناء كفره؛ لقوله ﷺ: "الإسلام يجب ما قبله"، فإن قلت: لِمَ لا يقضي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما تركه قد يكون كثيرًا؛ فلو وجب عليه قضاؤه بعد توبته: لشق عليه ذلك، ولتسبب في تنفيره عن التوبة، فدفعًا لذلك، وتحبيبًا له في الإسلام، وتأليفًا لقلبه: سقط عنه القضاء، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي: "الإلمام".
(^٢١) مسألة: إذا ترك شخص ركنًا من أركان الإسلام: وهو: الزكاة، أو الصوم، أو الحج تهاونًا وكسلًا وبخلًا: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وزكى وصام وحج: وإلا قتل في اليوم الرابع كفرًا بالسيف؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حيث دل مفهوم الشرط على أن الذي يترك الزكاة يُقتل ولا يُخلَّى سبيله، ثانيهما: قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ حيث أوجبهما معًا، وهذا يدل على عدم التفريق بينهما عند الترك، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت" حيث دل مفهوم العدد على أن من ترك واحدًا من هذه الأركان: فليس بمسلم؛ لأنه ليس أحدها بأولى من الآخر، الثالثة: إجماع الصحابة؛ حيث إن أبا بكر لما أصرَّ على قتال مانعي =
[ ١ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الزكاة، وافقه بقية الصحابة؛ نظرًا لكفر من منع الزكاة، قائلًا: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" الرابعة: القياس على الصلاة، فكما يُفعل بمن ترك الصلاة ذلك - كما سبق في مسألة (١٦) - فكذلك يُفعل بمن ترك الزكاة والصوم والحج، والجامع: أن كلًا منها ركن من أركان الإسلام ولا تصح كلمة "لا إله إلا الله" إلا بفعلها، فإن قلت: لم يكفر من ترك أي ركن مما سبق تهاونًا وبُخلًا؟ قلتُ: لثبوتها بأدلة قطعية، ومن ترك شيئًا ثبت وجوب فعله بدليل قطعي فقد كفر، ولأن ترك فعلها يؤدي إلى أن لا يبقى في الإسلام إلا اسمه، فإن قلت: لا يكفر بسبب تركه للزكاة والصوم والحج تهاونًا وبُخلًا؛ - وهو قول كثير من العلماء وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "بين الرَّجل وبين الكفر ترك الصلاة" حيث جعل الفارق بين المسلم والكافر هو: فعل الصلاة أو تركها، فالفاعل لها مسلم، والتارك لها كافر؛ نظرًا لتخصيص الصلاة بالذكر، ودل مفهوم الصفة هنا على أن ترك غيرها من صيام وزكاة وحج لا يؤدي إلى الكفر، قلتُ: يُرجح ما قلناه من أنه يكفر تارك الأركان؛ لكثرة الأدلة المثبتة لذلك من كتاب وسنة وإجماع وقياس، ومعلوم: أنه يرجح بكثرة الأدلة ولا يقوى مفهوم الصفة على معارضة تلك الأدلة، فإن قلتَ: لم اهتم الشارع بالصلاة وأن تركها يؤدي إلى الكفر؟ قلتُ: للتأكيد عليها؛ لكونها أول ما يُحاسب عليه المسلم يوم القيامة، ولكونها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأن المحافظة عليها فيه جلب مصالح، ودرء مفاسد؛ حيث إنها خمس في العمل، وخمسون في الثواب والأجر، فمن تركها أو تهاون فيها: فقد ترك الإسلام، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يُرجح بكثرة الأدلة أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا، وأيضًا: "معارضة مفهوم الصفة من السنة لما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس" فعندنا: تقدم تلك الأدلة، وعندهم: يقدم مفهوم السنة.
هذه آخر مسائل: "حقيقة الصلاة وحكمها" ويليه باب "الأذان والإقامة".
[ ١ / ٣٢٦ ]