لغة: مجرد الإمساك، يُقال للساكن: "صائم"؛ لإمساكه عن الكلام، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وفي الشرع: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن مُعيَّن من شخص مخصوص، وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، قال ابن حجر في "شرح الأربعين": "في شعبان" انتهى، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا (^١) (يجب صوم رمضان (^٢) برؤية هلاله)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
كتاب الصوم
حقيقة الصيام وحكمه، وأحكام نيته، ورؤية هلاله
وفيه ستون مسألة:
(^١) مسألة: الصوم لغة: الإمساك والامتناع عن كل شيء: الأكل والشرب، والكلام، والمشي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: سكوتًا عن الكلام، ومنه قولهم: "صام الفرس" إذا أمسك عن أكله للعلف، وقولهم: "صام النهار" إذا وقف سير الشمس وهكذا، وهو في الاصطلاح: "أن يُمسك شخص مخصوص عن أشياء مخصوصة بنية مخصوصة، في وقت مخصوص" وسيأتي بيان تلك الأمور المخصوصة بالتفصيل، فائدة: فرض الصوم في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وبناء عليه: يكون النبي ﷺ قد صام تسع رمضانات.
(^٢) مسألة: يجب صيام شهر رمضان وجوبًا قطعيًا - لذا: هو من أركان الإسلام الخمسة -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ولفظ "الكتب" من صيغ الوجوب، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "بُني الإسلام على خمس … " وذكر منها: "صوم شهر رمضان" حيث دلَّ =
[ ٢ / ٣٤٢ ]
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ولقوله ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (^٣)،
مفهوم العدد على أن من ترك واحدًا من الخمس - ومنها رمضان - فليس بمسلم، فلو لم يكن الصيام من أركان الإسلام: لما خرج تاركه عن الإسلام، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة؛ الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع علماء الأمة على أن صوم رمضان من أركان الإسلام، لا يتم إسلام المرء إلا به، فإن قلتَ: لمَ وجب صيامه؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي من وجوه: أولها: الابتلاء والامتحان من الله لعباده؛ حيث إن العبد يترك ما لذَّ وطاب في الأمور الدنيوية من أجل جنات النعيم الباقية، وهذا مقصد من المقاصد الكلية للإسلام، ثانيها: تكثير الأجر والثواب؛ حيث إن الله هو الذي يُجزئ بالصوم جزاء لا يُعلم مقداره؛ حيث قال ﷺ: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به" ثالثها: طرد الشيطان من أن يجري في العروق، قال ﷺ: "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم" رابعها: إنزال الرحمة للفقراء في قلوب الأغنياء؛ حيث إن الأغنياء يشعرون بصومهم لهذا الشهر بما يشعر به الفقراء طوال السنة، خامسها: الإكثار من شكر الله تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة؛ حيث أباح لهم التَّمتُّع في نهار الشهور كلها - إلا رمضان - وهذا الشكر يتسبَّب في زيادة النعم، ونقصان النقم، سادسها: منع النفس وكسر شهواتها، وفي ذلك الخير كله، فإن قلتَ: لمَ وجب الصوم في شهر رمضان دون غيره من الشهور؟ قلتُ: لأن وقت وجوبه وافق الرَّمض، وهو: شدَّة الحرِّ، ولعلَّ في ذلك مناسبة بينهما؛ حيث إن الصوم يُحرق الذُّنوب كما تُحرق الرَّمضاء من يطأ عليها.
(^٣) مسألة: يبدأ وجوب الصوم برؤية هلال رمضان بالعين المجرَّدة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأوجب الصوم عند شهود ورؤية هلال ذلك الشهر؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي =
[ ٢ / ٣٤٣ ]
والمستحب: قول: "شهر رمضان" كما قال تعالى، ولا يُكره قول: "رمضان" (^٤) (فإن لم يُر) الهلال (مع صحو ليلة الثلاثين) من شعبان: (أصبحوا مفطرين) وكُره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه (^٥) (وإن حال دونه) أي: دون هلال رمضان بأن: كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان (غيم أو قَتَر) بالتحريك، أي: غَبَرة، وكذا: دُخان (فظاهر المذهب يجب صومه) أي: صوم يوم تلك الليلة حكمًا ظنيًا احتياطيًا
الوجوب، وهذا الوجوب مُقيَّد برؤية الهلال، ودل مفهوم الزمان على عدم وجوب الصوم عند عدم رؤية الهلال، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صوموا لرؤيته" ويُقال هنا كما قيل في الآية، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ربط ذلك بشيء محسوس - وهو رؤية هلال رمضان - فيه توسعة على جميع المسلمين على اختلاف طبقاتهم وأماكنهم، وأزمنتهم، لذلك: لا يُصام رمضان بناء على الحسابات الرياضية لمنازل القمر، ولا بناء على النظر في المقرِّبات - المجهر ونحوه - بل لا بدَّ أن يكون بالعين المجرَّدة.
(^٤) مسألة: يُستحب أن يُقال "دخل شهر رمضان"، ولكن لو قيل: "دخل رمضان" لما كُره، للتلازم؛ حيث إن الشارع سمَّاه بـ "شهر رمضان" حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فيلزم استحباب قول ذلك، ولا يلزم كراهية قول: "دخل رمضان" فقط؛ لأن مقصود هذا القول: هو: "شهر رمضان".
(^٥) مسألة: إذا لم ير أحد هلال رمضان في ليلة الثلاثين من شعبان مع وجود صحو، وصفاء السماء: فلا يُصام يوم غدٍ، بل يُصبحون، مُفطرين، ويُكره صوم يوم الثلاثين إن نواه أنه من شعبان؛ للتلازم؛ حيث إن كون السماء صافية ليلة الثلاثين من شعبان وعدم رؤية الهلال يلزم منه: أن يكون اليوم التالي هو المكمِّل لشهر شعبان ثلاثين يومًا، فإن قلتَ: لمَ كره صوم يوم الثلاثين من شعبان؟ قلتُ: لأنه يوم شك، ويوم الشك منهي عن الصيام فيه.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
بنية رمضان، قال في "الإنصاف": "وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنَّفوا فيه التصانيف، وردُّوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدلُّ عليه" انتهى، وهذا قول عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃؛ لقوله ﷺ: "إنما الشهر تسعة وعشرون يومًا، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" قال نافع: "كان عبد الله بن عمر ﵃ إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا يبعث من ينظر له الهلال، فإن رُؤي: فذاك، وإن لم يُر، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر: أصبح مُفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر: أصبح صائمًا" ومعنى: "اقدروا له" أي: ضيقوا بأن يُجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسَّره ابن عمر بفعله، وهو راويه وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره (^٦)، ويُجزئ صوم ذلك
(^٦) مسألة: إذا لم ير أحد هلال رمضان في ليلة الثلاثين من شعبان مع وجود غيم - وهو: السحاب - أو قَتَر - وهو: التراب أو الغَبَرة، أو الدخان - حال دون رؤية السماء ومطلع الهلال: فلا يصام اليوم التالي، بل يحرم صومه، وهو مذهب الجمهور من الحنابلة وغيرهم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهو من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين" وفي رواية: "فأكملوا شعبان ثلاثين" حيث بيَّن الشارع هنا: أن الصوم يجب بأحد سببين: إما رؤية هلال رمضان، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وهنا: لم يوجد أحد السببين؛ - حيث لم يُر الهلال، ولم يكمل شعبان الثلاثين - فيلزم عدم صيام اليوم التالي على أنه من رمضان، ثانيهما: أنه ﷺ "قد نهى عن صوم يوم الشك" على أنه من رمضان، واليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان إذا لم يُر الهلال يُعتبر يوم شك؛ حيث لا يُعلم هل هو المكمِّل لشعبان ثلاثين يومًا، أو هو أول يوم من رمضان؟ ولا يوجد مُرجِّح، =
[ ٢ / ٣٤٥ ]
اليوم إن ظهر منه، وتُصلَّى التراويح تلك الليلة، ويجب إمساكه على من لم يُبيِّت
فتساوى الطرفان - وهذا هو: حدُّ الشك - والنهي عن صيامه مطلق فيقتضي التحريم، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم الصيام؛ لأن اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان الأصل فيه: أن يكون تابعًا لشعبان، فنبقى على هذا الأصل، ونعمل به؛ إذ لا يُوجد مُغيِّر، وبناء على ذلك: لا يُصام ذلك اليوم، فإن قلتَ: يجب صيام ذلك اليوم - كما سبق في المسألة وهو ما ذكره المصنف وهو المحكي عن أحمد، وكثير من أصحابه -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" أي: ضيِّقوا له، والمراد: اجعلوا شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا، يؤيد ذلك تفسير ابن عمر له بذلك بعمله - وهو راوي الحديث - وتفسير الراوي لما رواه حجة الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ذلك قد فعله عمر، وابنه، وأبو هريرة، وأنس، ومعاوية، وعمرو بن العاص ﵃ قلتُ: أما تفسير الحديث السابق بجعل شعبان: تسعة وعشرين يومًا: فلا يُسلَّم؛ لكونه مُخالفًا لما فسَّره به جمهور العلماء - وهو: أن يُقدَّر شعبان بثلاثين يومًا - ومخالفًا لرواية أبي هريرة، وأما تفسير ابن عمر له أو عمل بعض الصحابة بما ذكره فهو اجتهاد من صحابي ولا يُعمل به؛ لأنه عارض نصًا من السنة - كما سبق -، فإن قلتَ: إن ما رُوي عن أبي هريرة وهو: أنه صام ذلك اليوم يُخالف ما رواه - وهو إكمال شعبان ثلاثين يومًا قلتُ: يجب العمل بما رواه، لا بما رآه، وقد فصَّلتُ القول في ذلك في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث"، تنبيه: لم تصح نسبة وجوب صيام ذلك اليوم إلى الإمام أحمد؛ قال ذلك صاحب الفروع، ونبه عليه ابن تيمية فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في تفسير عبارة "فاقدروا له" الواردة في الحديث وأيضًا: "الاختلاف فيما إذا تعارض فعل الراوي مع ما رواه" وقد سبق بيان ذلك.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
نيته، لا عتق، أو طلاق معلَّق برمضان (^٧) (وإن رُؤي) الهلال (نهارًا) ولو قبل الزوال: (فهو للّيلة المقبلة) كما رؤي آخر النهار، وروى البخاري في "تاريخه" مرفوعًا: "من أشراط الساعة: أن يروا الهلال يقولون: هو ابن ليلتين" (^٨) (وإذا رآه
(^٧) مسألة: إذا لم يُر الهلال ليلة الثلاثين من شعبان؛ بسبب وجود غيم أو قتر، وصام الناس ذلك اليوم - وهو: الثلاثين - على مذهب كثير من الحنابلة -: فإن صيامه يُجزئ عن صيام أول يوم من رمضان إن ثبت أنه من رمضان - بسبب ثبوت رؤيته بموضع آخر -، وتثبت سائر أحكامه بذلك كصلاة التراويح في ليلته - أي: ليلة الثلاثين -؛ ويجب إمساكه على من لم يُبيِّت نية الصيام من الليل - ولكن لا يُحسب له -، وتجب على المجامع زوجته فيه الكفارة، لكن لا تثبت فيه الأحكام المعلَّقة على أول يوم من رمضان: فمثلًا: لو قال السيِّد لعبده: "أنت حر في أول يوم من رمضان" أو قال الزوج لزوجته: "أنت طالق في أول يوم من رمضان" أو نحو ذلك، فلا يعتق العبد، ولا تطلق الزوجة في ذلك اليوم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد صامه بنية أنه من رمضان: أن تثبت له أحكامه المتَّصلة بالصوم، ويلزم من كونه لم يُجزم أنه من أيام رمضان أن لا تترتَّب عليه الأحكام المعلَّقة عليه تنبيه: هذه المسألة مبنية على مذهب كثير من الحنابلة، وقد سبق القول: إنه مرجوح في مسألة (٦): فلا يُصام، ولا يترتب عليه أحكام.
(^٨) مسألة: إذا رؤي الهلال في النهار: فإنه يكون للَّيلة المقبلة، ولا يكون للماضية، سواء كانت تلك الرؤية قبل الزوال - أي: قبل الظهر - أو بعد ذلك، وسواء في آخر شعبان، أو في آخر رمضان، فلا يُعتدُّ بالرؤية إلا بعد الغروب، وعليه: فلا يجب برؤية الهلال نهارًا صوم؛ ولا يُباح بها فطر؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، =
[ ٢ / ٣٤٧ ]
أهل بلد) أي: متى ثبتت رؤيته ببلد: (لزم الناس كلهم الصوم)؛ لقوله ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وهو خطاب للأمة كافة (^٩)، فإن رآه جماعة ببلد،
بيانه: كما أنه لو رؤي ذلك الهلال بعد زوال الشمس فإنه يكون للَّيلة المقبلة، فكذلك إذا رؤي قبل الزوال مثل ذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد رؤي الهلال بعد انتهاء الليلة الماضية، فلا يلحقها، الثانية: قول الصحابي؛ حيث أرسل عمر ﵁ إلى بعض ولاته قائلًا: "إن الأهلَّة بعضها أقرب من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تُمسوا، أو يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية" وثبت ذلك أيضًا عن ابن عمر، وأنس، وابن مسعود ﵃ فإن قلتَ: لمَ كان للَّيلة المقبلة؟ قلتُ: لعدم حصول الظن الغالب أنه للَّيلة الماضية؛ نظرًا لانتهائها، تنبه: قال بعض العلماء: إن رؤي الهلال قبل الزوال فهو للَّيلة الماضية، وإن رؤي بعد الزوال: فهو للَّيلة المقبلة، وهو رواية عن أحمد، وقد بيَّنا أن الحكم واحد في الحالتين، تنبيه آخر: ذكر المصنف الحديث الذي هو من أشراط الساعة، ليُبيِّن بطلان زعمهم وهو: وصف الهلال بأنه ابن ليلتين، وأن الأهلَّة تكبر -؛ حيث إن ذلك من الغرائب والعجائب.
(^٩) مسألة: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان لأهل بلد: فيجب على جميع المكلَّفين في هذا البلد والبلدان القريبة منه والمشتركين في مطلع الهلال أن يصوموا - كمكة والمدينة، أو بغداد والبصرة - أما البلدان البعيدة: فلا يجب عليهم الصوم إلا إذا رأوا الهلال بأنفسهم من مطلعه عندهم، هذا ما صحَّحه النووي، وابن تيمية وغيرهما من محققي العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأوجب الشارع الصوم على من شهد هلال رمضان وعلى من هم في منزلتهم ممن يُساويهم في مطلع الهلال وهذا من اللوازم، أما أهل البلدان البعيدة فلا يجب عليهم الصوم حتى يُشاهدوه بأنفسهم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صوموا لرؤيته" فأوجب =
[ ٢ / ٣٤٨ ]
ثم سافروا لبلد بعيد فلم يُر الهلال به في آخر الشهر: أفطروا (^١٠) (ويُصام) وجوبًا (برؤية عدل) مُكلَّف، ويكفي خبره بذلك؛ لقول ابن عمر: "ترائى الناس الهلال، فأخبرتُ رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود (ولو) كان (أنثى) أو عبدًا، أو بدون لفظ "الشهادة" ولا يختص بحاكم، فيلزم الصوم من سمع عدلًا يُخبر برؤيته (^١١)، وتثبت بقية
الصوم عند وجود سببه وهو: رؤية الهلال، أما من لم يره فلا صوم عليه؛ لعدم وجود سببه؛ فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لاختلاف التوقيت والمنازل؛ حيث إن هذا قد أجمع العلماء عليه - كما ذكر النووي: أنه كلما تحركت الشمس درجة فذلك طلوع فجر عند قوم، وطلوع شمس عند آخرين، وغروبها عند فريق ثالث، ونصف ليل عند فريق رابع وهكذا، تنبيه: قوله: إن خطاب "صوموا" للأمة كاملة لا يُسلَّم؛ إذ الراجح ما فصَّلناه.
(^١٠) مسألة: إذا رأى شخص هلال رمضان في العراق مثلًا، ثم سافر أثناء الشهر إلى مكة مثلًا فلم ير هلال شوال في آخر رمضان في مكة مع أنه رؤي في بلده - وهي: العراق - أو أكمل ثلاثين يومًا صائمًا: فإنه يُفطر؛ للتلازم؛ حيث إن الحكم قد تعلَّق به فيلزمه أن يفعل ما ثبت له من رؤية أو عدمها.
(^١١) مسألة: إذا أخبر مُكلَّف عدل أنه رأى هلال رمضان: فيجب الصيام على من سمعه: سواء كان المخبر ذكرًا، أو أنثى أو خنثى، حرًا أو عبدًا، وسواء قال ذلك بلفظ "الشهادة" أو لا، وسواء صدَّقه الحاكم أو لا، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ابن عمر لما رأى الهلال أخبر النبي ﷺ "فأمر الناس بصيام رمضان" وابن عمر كان مُكلَّفًا عدلًا، فلزم اشتراطهما، الثانية: القياس: بيانه: كما أن رواية العدل تقبل مطلقًا فكذلك إخباره عن رؤيته للهلال تقبل مُطلقًا والجامع: أن كلًا منهما قد أخبر عن شيء يشترك فيه المخبر والمخبَر غير متَّهم في ذلك فيستوي فيه من ذكرنا، فإن قلتَ: يُقبل خبر مجهول =
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الأحكام (^١٢)، ولا يُقبل في شوال وسائر الشهور إلا ذكران بلفظ "الشهادة" (^١٣)،
الحال في رؤية هلال رمضان؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قبل خبر الأعرابي لما أخبر بأنه رأى هلال رمضان، وهو: لا يعرف عنه إلا الإسلام قلتُ: لا يُسلَّم أنه ﷺ لا يعرف عن ذلك الأعرابي العدالة؛ حيث إن الظاهر من تصرُّفات النبي ﷺ: أنه لا يتعامل في أي شيء من أمور الشريعة إلا مع من ظهرت عدالته، وهذه القاعدة يلزم منها: أنه لم يقبل من ذلك الإعرابي ذلك الخبر إلا لمعرفته به بالعدالة، وقد بينتُ ذلك في كتابي: "المهذَّب في علم أصول الفقه".
(^١٢) مسألة: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان بخبر مكلَّف عدل - كما سبق في مسألة (١١) -: فإن جميع بقية أحكام رمضان المتعلِّقة بدخوله تثبت: من تراويح، واعتكاف، وكذا: تثبت الأحكام المعلَّقة على دخوله كأن يقول السيد لعبده: "أنت حرٌّ بدخول رمضان" أو يقول الرجل لزوجته: "أنت طالق بدخول رمضان" أو يقول: "سأعطيك دينك بدخول رمضان": ففي أول يوم يصومه: يعتق العبد، وتطلق الزوجة، ويحل الوفاء بالدَّين، للتلازم؛ حيث إن تلك الأحكام قد تعلَّقت بدخول رمضان، وقد ثبت دخوله فيلزم ثبوت جميع الأحكام المتعلِّقة والمعلَّقة على دخوله.
(^١٣) مسألة: لا يُقبل في رؤية هلال غير رمضان - كشوال وغيره من شهور السنة - إلا شهادة ذكرين عدلين بلفظ الشهادة بأن يقول كل واحد منهما: "أشهد أني رأيت هلال شوال" وهكذا؛ للسنة الفعلية، حيث كان ﷺ لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين، وبقية الشهور مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" واشترط فيهما العدالة؛ قياسًا على الشهادة، فإن قلتَ: لمَ لا يُقبل هنا إلا اثنان، بينما يُقبل في رمضان واحد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن رؤية هلال رمضان يُقبل الواحد فيه، لكونه لا تهمة فيه؛ إذ سيشترك المخبِر والمخبَر فيما =
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ولو صاموا ثمانية وعشرين يومًا ثم رأوه: قضوا يومًا فقط (^١٤) (وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يُر الهلال): لم يفطروا؛ لقوله ﷺ: "وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" (^١٥) (أو صاموا لأجل غيم) ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال: (لم يُفطروا)؛ لأن
أخبر به، بخلاف غيره من الشهور فيُحتمل وقوع الاتهام؛ لكون الشخص قد يشهد بدخول شهر من الشهور - غير رمضان - لمصلحته كعتق عبد موعود بدخول شهر "ما" لذا: منع قبول الواحد فيه، بل لا بدَّ من اثنين ذكرين بلفظ الشهادة؛ احتياطًا.
(^١٤) مسألة: إذا أخبر العدل برؤيته لهلال رمضان، ثم صام الناس، فلما مضى ثمانية وعشرون يومًا شهد ذكران عدلان أنهما رأيا هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من رمضان: فيجب أن يُفطر الناس، ويقضوا يومًا واحدًا فقط؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الشهر تسع وعشرون، الشهر ثلاثون" وأشار بإصبعيه، أي: يكون كذا وكذا، ولكن لا يكون ثمانية وعشرين، ولا واحدًا وثلاثين يومًا فيُقتصر على أقل ما يُطلق عليه الشهر وهو: تسعة وعشرون يومًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن علي ﵁، فإن قلتَ: لِمَ لا يقضِ الناس يومين؟ قلتُ: للعادة والعرف؛ حيث يبعد عادة أن يُخطئ الناس بيومين.
(^١٥) مسألة: إذا صام الناس بشهادة عدل مُكلَّف، واستمروا حتى أكملوا ثلاثين يومًا، ولم ير اثنان هلال شوال: فلا يجوز لهم الفطر، ولو صاموا واحدًا وثلاثين يومًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" حيث إن مفهوم العدد قد دلَّ على أنه إذا شهد واحد برؤية هلال رمضان: فإنهم لا يُفطرون حتى يرى هلال شوال اثنان ولو زادت الأيام فإن قلتَ: لمَ لا يُفطرون هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل خطأ الواحد في رؤيته لهلال رمضان، =
[ ٢ / ٣٥١ ]
الصوم إنما كان احتياطًا؛ والأصل: بقاء رمضان (^١٦)، وعُلِم منه: أنهم لو صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا ولم يروه: أفطروا: صحوًا كان أو غيمًا؛ لما تقدَّم (^١٧) (ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قوله): لزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر من طلاق وغيره معلَّق به؛ لعلمه أنه من رمضان (^١٨) (أو رأى) وحده (هلال شوال: صام) ولم
ولأن الأصل بقاء رمضان، ولا يُمكن أن يزول هذا الأصل المتيقَّن بسبب يحتمل الخطأ فيه.
(^١٦) مسألة: إذا صام الناس يوم الثلاثين من شعبان بسبب عدم رؤية هلال رمضان لغيم أو قتر أو دخان في ليلته، واستمر صيامهم حتى أكملوا ثلاثين يومًا أو أزيد من ذلك، ولم يرَ اثنان هلال شوال: فلا يُفطرون؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وقد سبق بيانها، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: بقاء رمضان، فنعمل على ذلك الأصل حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة ولم يرد شيء من ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن يكونوا قد أخطئوا في ذلك اليوم الذي صاموه أول رمضان بسبب الغيم؛ لأنهم صاموه؛ احتياطًا فشرع عدم إفطارهم لهذا.
(^١٧) مسألة: إذا صام الناس بشهادة عدلين مُكلَّفين، واستمروا حتى أكملوا ثلاثين يومًا ولم يرَ اثنان هلال شوال: فإن الناس يُفطرون: سواء كان الجو صحوًا أو غيمًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" حيث دل منطوقه على أن الناس يصومون بشهادة الاثنين، ويلزم منه: أن يُفطر الناس إذا أكملوا الثلاثين يومًا؛ لكون شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء تبعًا لثبوت الصوم بها، فإن قلتَ: لمَ يُفطروا هنا؟ قلتُ: لأنه يبعد احتمال الخطأ عن الاثنين.
(^١٨) مسألة: إذا رأى شخص وحده هلال رمضان، وأخبر الناس بذلك، ولكنهم لم يقبلوا خبره؛ لأي سبب فيجب عليه أن يصوم، ويُطبق على نفسه جميع =
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يُفطر؛ لقوله ﷺ: "الفطر يوم يُفطر الناس، والأضحى يوم يُضحِّي الناس" رواه الترمذي وصَحَّحه (^١٩)، وإن اشتبهت الأشهر على نحو مأسور:
أحكام الصيام من: تراويح واعتكاف وكفارة إن جامع في نهاره، ويُطبِّق الأحكام التي علَّقها على دخول شهر رمضان كأن يقول لعبده "أنت حر في أول يوم من رمضان" ونحو ذلك: فيعتق عبده بصومه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا قد شهد هلال رمضان، فيجب أن يصومه؛ لأنه إذا تحقَّق الشرط يجب أن يتحقَّق المشروط، ويلزمه أن يُطبق جميع أحكامه، وجميع ما علَّقه على دخوله؛ لتحقق الشرط بالنسبة له، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد علم بدخول رمضان أو غلب على ظنه ذلك، وهذا كالمجتهد الذي توصَّل باجتهاده إلى حكم معيَّن فيجب أن يعمل بذلك، وإن لم يقبله الناس، فإن قلتَ: لا يجب عليه الصوم، ولا الأحكام المعلَّقة على ذلك، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الحسن البصري، وابن سيرين، ونصره ابن تيمية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" حيث إنه قد دلَّ بمنطوقه على أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة، ودل بمفهوم الصفة على أن الفرد لا يصوم لوحده ولو رأى هلال رمضان قلتُ: إن دلالة الآية على أنه يصوم إذا رأى الهلال أقوى من دلالة الحديث على خلافه؛ لأن الآية قد دلَّت بمنطوقها على ما قلناه، والحديث قد دل بمفهومه على ما قالوه، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المنطوق مع المفهوم".
(^١٩) مسألة: إذا رأى شخص وحده هلال شوال: فلا يجوز له الفطر، بل يستمر في الصوم مع المسلمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الفطر يوم يُفطر الناس والأضحى يوم يُضحِّي الناس" فبيَّن الشارع أنه كما أن =
[ ٢ / ٣٥٣ ]
تحرَّى، وصام (^٢٠) وأجزأه إن لم يعلم أنه تقدَّمه (^٢١)، ويقضي ما وافق
الشخص لا يُضحِّي إلا مع المسلمين يوم عيد الأضحى، فكذلك لا يُفطر يوم عيد الفطر إلا مع المسلمين جميعًا الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عمر وعائشة ﵃ فإن قلتَ: لمَ فرَّق الشارع بين هذا وبين ما إذا رأى هلال رمضان لوحده؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم؛ حيث إنه إذا أخطأ في رؤية هلال رمضان لن يلحقه ضرر في ذلك، أما إذا أخطأ في رؤية هلال شوال فأفطر: فسيلحقه ضرر؛ لكونه سيصوم يومًا عنه.
(^٢٠) مسألة: إذا التبس على شخص معرفة شهر رمضان من غيره من الشهور: كأن يكون أسيرًا عند قوم، أو كان في صحراء: فيجب عليه أن يتحرَّى ويجتهد، فإذا غلب على ظنه دخول رمضان: وجب أن ينويه ويصومه، ويصحُّ ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص يجتهد في دخول وقت الصلاة، فإذا غلب على ظنه دخوله: صلى وصحَّت، فكذلك يفعل في الصيام، والجامع: أن كلًا منهما عبادة يُشترط لها الوقت فيجتهد من اشتبه عليه ذلك فيه، فإن قلتَ: لمَ صح صيامه؟ قلتُ: لأن هذا آخر قدرته واستطاعته، أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
(^٢١) مسألة: إذا اجتهد فعلم دخول رمضان، فصام: فإن علم بعد ذلك أنه صام في شعبان: فصيامه لا يُجزئ، وإن لم يعلم ذلك: فصيامه يُجزئ؛ للقياس: بيانه: كما أنه لو صلَّى في غيم بعد الاجتهاد وشكَّ بعد ذلك: هل صلَّى قبل الوقت أو بعده: فصلاته صحيحة إذا لم يعلم أنه صلى قبل الوقت، أما إذا علم أنه صلى قبله: فلا تصح فكذلك الصوم مثلها: والجامع: أن كلًا منهما عبادة اشترط لها الوقت فتصحُّ فيه، لا قبله، وهو المقصد الشرعي. [فرع]: إذا غلب على ظنه أن شهر رمضان لم يدخل، ومع ذلك صام، وعلم بعد ذلك أن تلك =
[ ٢ / ٣٥٤ ]
عيدًا أو أيام تشريق (^٢٢) (ويلزم الصوم) في شهر رمضان (لكل مسلم) لا كافر (^٢٣)،
الأيام التي صامها هي من أيام رمضان: فصومه تلك الأيام لا يصح، فيجب أن يقضيها؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو صلَّى قبل دخول وقت الصلاة، وكان عالمًا بعدم دخول وقتها، ثم بعد ذلك علم أنه صلى بعد دخوله: فصلاته لا تصح، فكذلك الصوم مثلها، والجامع: أن كلًا منهما وقع من غير نية وقوعه في وقته، فافتقد شرطين: "النية" و"الوقت" فلم يصح.
(^٢٢) مسألة: إذا اجتهد من التبس عليه دخول رمضان، فصام يوم العيد ظنًا منه أنه من رمضان: فلا يصح صومه فيجب أن يقضي ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن صيام يومي العيدين" وهذا النهي مُطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد فلو صام هذين اليومين: فلا يصح صومه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنها أيام ضيافة الله لعباده، فلا يجوز الانصراف عن ذلك [فرع]: يصح صوم أيام التشريق بعد عيد الأضحى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمرو وعائشة: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن: إلا لمن لم يجد الهدي" ويُقاس على ذلك كل مفروض؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلت: إنه لا يصح صيام أيام التشريق وهو ما ذكره المصنف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇ "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وهو في محل النهي عن صيامها قلتُ: هذا لا يدل على تحريم صومها، ولا فساد صوم من صامها، وإنما يدل على استحباب ترك الصوم فيها فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية الأخرى".
(^٢٣) مسألة: في الأول - من شروط مَنْ يلزمه الصوم - وهو: أن يكون مسلمًا، فلا يجب على كافر، سواء أصليًا أو مُرتدًّا؛ للكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فاشترط الإيمان والإسلام؛ =
[ ٢ / ٣٥٥ ]
ولو أسلم في أثنائه: قضى الباقي فقط (^٢٤) (مكلَّف) لا صغير ومجنون (^٢٥) (قادر) لا
لوجوب ذلك؛ حيث إن لفظ "الكتب" من صيغ الوجوب الصريحة، ثانيهما: قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ حيث دلَّ هذا بمنطوقه على عدم وجوب الصوم وغيره من الفروع على الكافر في حال كفره؛ لعدم صحتها منهم وهم في تلك الحالة، ولم يُؤمروا بقضائها إذا أسلموا؛ حيث أسلم الكثير من الكفار على يد النبي ﷺ ولم يأمرهم بقضاء ما تركوه من الفروع أثناء كفرهم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: لأن النية لا تصح إلا من المسلم، والكافر لا نية له شرعًا، وإنما لم يُؤمروا بقضاء ما تركوه أثناء كفرهم إذا أسلموا؛ دفعًا للمشقة والكلفة وتحسينًا للإسلام في نفوسهم، وقد فصَّلتُ هذا في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
(^٢٤) مسألة: إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان - كأن يُسلم في اليوم العاشر منه: فيجب عليه أن يصوم الباقي - وهي عشرون يومًا -، ولا يجب عليه أن يقضي ما مضى وهي: عشرة أيام؛ للسنة القولية؛ حيث إن وفد ثقيف قدموا في رمضان فأسلموا في أثنائه "فأمرهم النبي ﷺ بصيام ما بقي من الشهر" وهذا يلزم منه عدم وجوب قضاء ما فات، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لعدم وجوب الأيام التي مضت قبل إسلامه.
(^٢٥) مسألة: في الثاني - من شروط مَنْ يلزمه الصوم - وهو: أن يكون مُكلَّفًا - وهو: البالغ العاقل -، فلا يجب على الصبي، والمجنون؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ"؛ حيث دل منطوقه على أن التكاليف الشرعية ومنها الصوم قد رُفعت عن الصبي والمجنون، ودل بمفهوم الغاية على أن المكلف تجب عليه التكاليف الشرعية ومنها الصوم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: لأن =
[ ٢ / ٣٥٦ ]
مريض يعجز عنه؛ للآية (^٢٦)، وعلى ولي صغير مُطيق أمره به، وضربه عليه؛ ليعتاده (^٢٧) (وإذا قامت البينة في أثناء النهار) برؤية الهلال تلك الليلة: (وجب الإمساك والقضاء) لذلك اليوم الذي أفطره (على كل من صار في أثنائه أهلًا
المكلَّف تصحُّ منه النية والقصد؛ لكونه يعرف تفاصيل الطالب والمطلوب في التكاليف، بخلاف الصبي والمجنون فلا يُدركان ذلك، فلا تصح منهما نية أصلًا وقد بينتُ ذلك في كتابي "الإتحاف" و"المهذَّب".
(^٢٦) مسألة: في الثالث - من شروط مَنْ يلزمه الصوم - وهو: أن يكون قادرًا على الصيام، فلا يجب الصيام على عاجز عنه كالكبير، والمريض؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فجعل الشارع الفدية بإطعام مسكين تُعادل الصوم للقادر، لكن هذا منسوخ عن القادر بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فيجب على القادر الصوم أما غير القادر على الصوم، كالكبير فلم يُنسخ عنه شيء، إذ يسقط عنه الصوم ويُطعم عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من بر أو أرز، وهذا تفسير ابن عباس، وتفسير الصحابي يُقدَّم على تفسير غيره، والمريض كالكبير في ذلك؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة ودفع مشقة عن المسلمين.
(^٢٧) مسألة: يجب على ولي صبي مُطيق للصوم أن يأمره به، ويضربه إذا عصى ضرب تأديب إن بلغ العاشرة؛ للقياس، بيانه: كما يفعل الولي بالصبي ذلك في الصلاة فكذلك الصوم مثلها، والجامع: أن كلًا منهما عبادة واجبة عليه عند البلوغ، فيجب أن يعتاد عليها.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
لوجوبه) أي: وجوب الصوم (^٢٨)، وإن لم يكن حال الفطر من أهل وجوبه (^٢٩) (وكذا: حائض ونفساء طهرتا) في أثناء النهار فيُمسكان ويقضيان (و) كذا: (مسافر قدم مُفطرًا) يُمسك ويقضي، وكذا: لو برئ مريض مُفطرًا، أو بلغ صغير في أثنائه مُفطرًا: أمسك وقضى (^٣٠)،
(^٢٨) مسألة: إذا رأى عدل هلال رمضان مساء الجمعة ليلة السبت مثلًا ولكنه لم يتمكَّن من إخبار الناس إلا في منتصف يوم السبت: فيجب على جميع من يلزمه الصوم أن يُمسكوا عن جميع المفطِّرات في آخر يوم السبت، ويجب عليهم أيضًا أن يقضوا ذلك اليوم بعد رمضان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك اليوم - وهو: السبت - من رمضان: أن يُمسكوا عن المفطِّرات؛ نظرًا لحرمته، ويلزم من كون ما أمسكوه بعض يوم: وجوب قضائه، ولكونه لم يُنو قبل طلوع الفجر.
(^٢٩) مسألة: إذا لم يعلم الناس بدخول رمضان إلا في منتصف يوم السبت مثلًا، وفي أثناء ذلك اليوم أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صبي: فإنه يلزم هؤلاء الثلاثة، إمساك آخر يوم السبت، ولا يلزمهم قضاؤه؛ وهو قول كثير من العلماء كابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك اليوم من رمضان: أن يُمسكوا آخره؛ لحرمته، ويلزم من مجيء أول ذلك اليوم وهو في حال كفره، أو جنونه، أو صباه: أن لا يجب قضاؤه؛ لكونه وجب ذلك اليوم قبل تكليفه، فإن قلتَ: إنه يلزم هؤلاء الثلاثة القضاء أيضًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم، وقد سبق بيانه في مسألة (٢٨)، قلتُ: لا يُسلَّم ذلك التلازم في هؤلاء الثلاثة؛ لعدم تكليفهم أصلًا قبل طلوع فجر ذلك اليوم بخلاف بقية المكلَّفين فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^٣٠) مسألة: إذا طهرت حائض ونفساء، أو قدم مسافر، أو شُفي مريض في أثناء يوم من أيام رمضان - وهم مُفطرون -: فيجب عليهم أن يُمسكوا بقية ذلك =
[ ٢ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليوم، ويجب عليهم قضاؤه؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأوجب الشارع قضاء اليوم الذي أفطر فيه المريض والمسافر أثناء رمضان؛ حيث إن التقدير: "فأفطر فعدة من أيام آخر" حيث أوجبت ذلك التقدير دلالة الاقتضاء الثانية: السنة القولية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كنا نحيض في عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" فأوجب الشارع قضاء الصوم على الحائض هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، والآمر هو النبي ﷺ؛ لأن الأمر أُضيف إلى عهده، والنُّفاس كالحيض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الناس إذا لم يعلموا برمضان إلا في منتصف اليوم فإنهم يُمسكون باقيه، ويقضونه فيما بعد فكذلك هؤلاء الأربعة يفعلون ذلك والجامع: أن كلًا منهم قد وُجد فيه معنى لو وُجد قبل الفجر لأوجب الصوم، فإذا طرأ أثناء النهار أوجب الإمساك، فإن قلتَ: لمَ وجب إمساك آخر النهار؟ قلتُ: لزوال المانع من الصوم - وهو الحيض، والنفاس، والمرض والسفر - ولحرمة رمضان، فإن قلتَ: لمَ وجب قضاء ذلك اليوم؟ قلتُ: لأن هؤلاء الأربعة من أهل الوجوب أصلًا، ولم ينووا الصيام قبل الفجر، فبقي هذا الواجب في ذمتهم، ولا تبرأ تلك الذمة إلا بالقضاء، فإن قلتَ: لم حُرِّم الصوم على الحائض والنفساء دون المستحاضة ومن ذرعه القيء والرعاف مع خروج الدم من الكل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدم الخارج من الحائض والنفساء يكون كثيرًا عادة، فيحتاجان إلى الأكل والشرب؛ لتقويتهما، فدفعًا للضَّرر عنهما حرَّم الشارع عليهما الصوم، بخلاف غيرهما فإن الدَّم الخارج منه لا يؤثِّر على بدنه عادة، ولم يكن للخارج وقت محدَّد، فلا يمكن الاحتراز منه، فإن قلتَ: إن هؤلاء الأربعة يقضون ذلك اليوم فقط، ولا يُمسكون باقيه، وهو قول مالك والشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن =
[ ٢ / ٣٥٩ ]
فإن كانوا صائمين: أجزأهم (^٣١)، وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا:
عثيمين؛ لقول الصحابي، حيث قال ابن مسعود ﵁: "من أكل أول النهار فليأكل آخره" قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لكونه مبنيًا على قياس آخر النهار على أوله، وهذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في أول النهار قد أكل أثناء وجود عُذره - وهو: الحيض والنفاس، والسفر والمرض - وهو مُجوَّز له ذلك رخصة، بخلاف آخر النهار فلا عذر عنده يُجوِّز له ذلك؛ نظرًا لزواله، فعاد إليه خطاب الأداء والإلزام فعليه الإمساك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالناس إذا لم يعلموا الصوم إلا في منتصف النهار؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوا آخر النهار بأوله؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهو قياس الشبه، تنبيه: قوله: "أو بلغ صغير .. " إلى آخره يشير به إلى أن الصبي كالحائض إذا بلغ في أثناء اليوم: فعليه الإمساك، والقضاء قلتُ: قد سبق بيان أن الراجح: أنه يمسك ولا يقضي في مسألة (٢٩).
(^٣١) مسألة: إذا نوى مسافر، ومريض الصوم من اللَّيل، وصاما وهما في حال السفر والمرض: فإنه يصح صومهما؛ للتلازم؛ حيث إن كونهما من أهل الوجوب، والتكليف، وحصول النية في وقتها منهما، وعدم وجود مانع: يلزم منه صحَّة صومهما كالمقيم؛ إذ لا فرق، وهذا هو المقصد منه تنبيه: الحائض والنفساء لا يصح صومهما أصلًا وقد سبق بيانه في مسألتي (٩ و٤٣) من باب "الحيض والنفاس" من كتاب الطهارة. [فرع]: إذا نوى صبي الصوم قبل فجر السبت مثلًا، فصام فبلغ في نصف ذلك اليوم: فيجب أن يُمسك باقيه، ولا يكون له صوم فرض، ولا يقضيه؛ للتلازم؛ حيث إن كون نيته نية ندب؛ لأن كونه في بداية اليوم ليس من أهل الوجوب: يلزم منه: أن لا يكون له صوم فرض؛ لأن نية الندب لا تصلح للوجوب، فإن قلتَ: إنه يُجزئه عن الفرض - وهو ما أشار إليه المصنف هنا -؛ لقياسه على المسافر =
[ ٢ / ٣٦٠ ]
لزمه الصوم (^٣٢)، لا صغير علم أنه يبلغ غدًا؛ لعدم تكليفه (^٣٣) (ومن أفطر؛ لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه: أطعم لكل يوم مسكينًا) ما يُجزئ في كفارة: مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره؛ لقول ابن عباس ﵃ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ -: "ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم" رواه البخاري، والمريض الذي لا يُرجى برؤه في حكم الكبير (^٣٤)، لكن إذا كان الكبير أو
والمريض - في مسألة (٣٠) - قلتُ: إن المسافر والمريض قد أدركا محل النية وهما من أهل وجوب الصيام؛ لبلوغهما، بخلاف الصبي فقد أدرك محل وجوب الصوم وهو لم يبلغ، فافترقا ولا يصح قياس مع وجود فرق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(^٣٢) مسألة: إذا غلب على ظن مسافر أنه سيصل غدًا إلى بلده: فيجب عليه أن ينوي الصوم قبل طلوع فجره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال عُذره - وهو السفر على حسب ما غلب ظنه -: أن يعود خطاب الأداء إليه الذي يُوجب الصوم؛ لتحريم الإفطار بلا عذر شرعي، وهو المقصد منه.
(^٣٣) مسألة: إذا غلب على ظن صبي سيبلغ غدًا: فلا يجب عليه أن ينوي الصوم قبل طلوع فجره وهو: في حالة صغره، ولكن يُستحب له ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تكليفه في أثناء محل نية وجوب الصوم - وهو قبل طلوع الفجر -: عدم وجوب تلك النية عليه.
(^٣٤) مسألة: إذا لم يستطع الشيخ الكبير، والمريض مرضًا لا يُرجى برؤه: أن يصوما: فإنه يسقط الصوم عنهما، ويُطعمان عن كل يوم ربع صاع بُرٍّ - وهو: المدُّ منه - أو من الأرز يُعطيانه مسكينًا، - وهو ما يُعادل ثلاثة أرباع كيلو جرام - أو يُعطيانه نصف صاع من غير البر والأرز كالتمر، والزبيب، والشعير، والأقط - وهو ما يعادل كيلو ونصف منه -، ولا يقضيان؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث =
[ ٢ / ٣٦١ ]
المريض الذي لا يُرجى بُرؤه مسافرًا: فلا فدية؛ لفطره بعذر مُعتاد، ولا قضاء؛ لعجزه عنه (^٣٥) (وسُنَّ) الفطر (لمريض يضرُّه) الصوم (ولمسافر يقصر) ولو بلا
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حيث خُيِّر في أول الإسلام المسلم بين أن يصوم أو يُطعم ويُفطر، فنسخ ذلك، وأوجب الشارع الصوم على القادر، ولكن بقي حكم تلك الآية على غير القادر لم يُنسخ كما قال ابن عباس: "ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم" وتفسير الصحابي حجة يجب العمل به؛ الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن الكبير العاجز عن الصيام يسقط عنه ويُطعم ولا يقضي فكذلك المريض مرضًا لا يُرجى بُرؤه والجامع: العجز الدائم عن الصيام في كل؛ ثانيهما: كما أنه يجب في كفارة اليمين مثلًا إطعام مساكين يُعطى كل واحد مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره فكذلك هنا يُعطى كل مسكين هذا عن كل يوم يفطره، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث ثبت عن زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃ أنهم كانوا يجعلون في الإطعام المدَّ من البر يُعادل نصف الصاع من غيره، فإن قلتَ: لمَ سقط الصوم عن هذين، ولا قضاء عليهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة ومضرَّة مشقة الصيام عنهما، أصله قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فإن قلتَ: لمَ وجبت الفدية؟ قلتُ: لانتهاك حرمة نهار رمضان.
(^٣٥) مسألة: إذا كان الكبير، والمريض الذي لا يُرجى برؤه مسافرين: فيسقط عنهما الصوم، ولا يقضيان - كما سبق في مسألة (٣٤) - وتسقط عنهما الفدية - وهي: إطعام مسكين عن كل يوم -؛ للتلازم؛ حيث إن الفدية قد وجبت عليهما لإفطارهما في نهار رمضان وانتهاكهما حرمته وهما في الحضر، فيلزم من إفطارهما بعذر مُعتاد - ولو لغير عاجز وهو السفر -: عدم وجوب الفدية عليهما؛ ويلزم من العجز الدائم: عدم القضاء.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
مشقة: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ويُكره لهما الصوم (^٣٦)، ويجوز وطء لمن به مرض ينتفع به فيه، أو به شَبَق، ولم تندفع شهوته بدون وطء، ويخاف تشقُّق أنثييه، ولا كفارة، ويقضي ما لم يتعذَّر؛ لشبق، فيُطعم كالكبير (^٣٧)، وإن سافر ليُفطر:
(^٣٦) مسألة: يُستحب للمريض الذي يضرُّه الصوم، وللمسافر سفر قصر - (٨٢) كم - أن يُفطرا، ويُكره لهما الصوم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ حيث دلَّ هذا على جواز الفطر للمريض، والمسافر، وهو مطلق: أي: يُفطر من وُصف بالمرض والسفر سواء شقَّ عليهما الصوم أو لا، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فنفى وجود الضَّرر في أيِّ حكم من الأحكام التكليفية؛ لأنه عام؛ حيث إنه نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم - والصوم منها -، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الإنسان الصحيح إذا خاف الضَّرر من استعمال الماء البارد أو الحار: فإنه يتركه ويتيمَّم استحبابًا ويُكره له استعمالهما فكذلك الحال هنا والجامع: دفع الضرر في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصوم يشقُّ على المريض والمسافر؛ لأنهما في مظنَّة المشقة، فدفعًا لذلك عنهما: استحب الإفطار لهما، وكُره لهما الصوم.
(^٣٧) مسألة: إذا خاف مسلم على نفسه الضَّرر إن لم يُجامع زوجته في نهار رمضان؛ ولا يندفع ذلك إلا بالجماع - وهو من به شَبَق -: فيجوز له أن يُجامعها، ولا كفارة عليهما، ويجب عليهما أن يقضيا ذلك، إلا إن كان هو لا يستطيع القضاء؛ نظرًا لقوة شهوته: فلا يقض، بل يجب عليه أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا مُدَّ بر، أو نصف صاع من غيره؛ للقياس، بيانه: كما أن الكبير والمريض اللَّذين لا يستطيعان الصيام يُفطران، ولا يقضيان، ويُطعمان عن كل =
[ ٢ / ٣٦٣ ]
حَرُما (^٣٨) (وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه: فله الفطر) إذا فارق بيوت قريته ونحوها؛ لظاهر الآية، والأخبار الصحيحة، والأفضل: عَدَمُه (^٣٩) (وإن أفطرت حامل، أو) أفطرت (مرضع؛ خوفًا على أنفسهما) فقط، أو مع الولد؛ (قَضَتاه) أي: قضتا الصوم (فقط) من غير فدية؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على
يوم مسكينًا فكذلك هذا الشخص مثلهما، والجامع: المرض واستمراره في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع مشقة وضرر عنه، ولا كفارة عليه ولا على زوجته؛ نظرًا لاستمرار ذلك فيه، ولأن مرض زوجها لا يندفع إلا بوطئها هي كمن أفطر لإنقاذ غريق فليس عليهما شيء.
(^٣٨) مسألة: إذا سافر مسلم قاصدًا الفطر في رمضان: فيحرم الفطر، والسفر معًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته ترك أداء الصوم في وقته لغير قصدٍ صحيح: تحريم فطره وسَفَره؛ لكونه استُعمل لمحرم، وهو ذلك القصد، ولئلا يتَّخذ ذلك ذريعة للإفطار، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^٣٩) مسألة: إذا سافر مُقيم في أثناء يوم صام فيه من رمضان: فيُباح له أن يُفطر بشرط: أن يُفارق بيوت بلدته، ولكن الأفضل: أن يستمر في الصوم إلى آخر ذلك اليوم؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ حيث أباح الشارع الإفطار لمن يوصف بالسفر، وهو مطلق في الأزمان فيشمل من سافر أثناء اليوم، فله الفطر لذلك، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سافر وهو صائم، فأفطر، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل أن يستمر في الصوم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا أفطره فسيقضيه كاملًا، وكونه يستمر في صيامه أرفق به؛ لأن الباقي من اليوم أقلُّ مشقة من اليوم الكامل عادة وعرفًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح الفطر في السفر هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السفر مظنة المشقة، وهذا يتساوى فيه أول السفر وآخره.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
نفسه (^٤٠) (و) إن أفطرتا؛ خوفًا (على ولديهما) فقط: (قضتا) عدد الأيام (وأطعمتا) أي: وجب على من يمون الولد أن يُطعم عنهما (لكل يوم مسكينًا) ما يُجزئ في كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يُطيقان الصيام: أن يُفطرا ويُطعما مكان كل يوم مسكينًا، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما: أفطرتا وأطعمتا" رواه أبو داود، وروي عن ابن عمر ﵃ (^٤١):
(^٤٠) مسألة: إذا خافت الحامل والمرضع الضرر على نفسيهما من الصوم، أو عليهما مع ولديهما: فيُباح لهما الفطر، ويجب عليهما قضاء الأيام التي أفطرتا بها بعد رمضان بلا فدية - وهي: الإطعام -؛ للقياس، بيانه: كما أن المريض مرضًا يُرجى برؤه يُفطر إذا خاف على نفسه من الصوم، ويقضي ذلك إذا شُفي ولا يفدي بإطعام، فكذلك الحامل والمرضع مثله والجامع: دفع الضَّرر عن النفس في كل، وهو المقصد الشرعي منه.
(^٤١) مسألة: إذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما الضرر - دون نفسيهما -: فيُباح لهما الفطر، ويجب أن يقضيا ما أفطرتاه بعد رمضان، مع الفدية - وهي: إطعام عن كل يوم مسكينًا ربع صاع من بر، أو نصف صاع من غيره - يدفعها ولي الولدين؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر ﵃ كانا يقولان ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون ولي الولدين منفقًا عليهما: أن يدفع ذلك الولي تلك الفدية؛ لكونها تابعة للنفقة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإفطار؛ لأجل دفع الضرر عن ولديهما، ودفع الولي تلك الفدية؛ لئلا يجتمع على الحامل والمرضع القضاء والفدية.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وتُجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة (^٤٢)، ومتى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأجر له: لم تفطر (^٤٣)، وظئر
(^٤٢) مسألة: يُباح أن تُعطى الكفارة - وهي: الفدية وهي: ربع صاع من بر، أو نصفه من غيره - إلى مسكين واحد، بأن يجمع جميع الطعام وكفارات الأيام التي أفطرها المعذورون كالكبير والمريض، والحامل والمرضع - كما سبق في مسائل (٣٤ و٣٧ و٤١) - ويُعطي لمسكين واحد، ويُباح أن تُفرَّق؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حيث إن الشارع أطلق، فمن أعطاها لمسكين واحد: صحَّ ذلك، وهو: فإن قلتَ: لمَ أُبيح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة توزيعها. [فرع]: إخراج الكفارة وهي: إطعام المسكين يجب أن يكون على الفور بأن يكون بعد إفطار الكبير والمريض، والحامل والمرضع مباشرة، ولا يؤخر ذلك إلى وقت القضاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حيث أمر الشارع بإطعام المسكين، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب والفورية، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لوجوبه بالذِّمة، وهو يستطيع فعله، فتأخيره يُعتبر من التساهل بأوامر الشرع. [فرع آخر]: يُكره صوم الكبير والمريض، والحامل والمرضع إذا خافوا على أنفسهم، أو خافتا على ولديهما الضرر، ويحرم إذا خافوا على أنفسهم الهلاك، أو خافتا على ولديهما الهلاك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة راجحة، أو متحقِّقة، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح.
(^٤٣) مسألة: لا يجوز للمرضع أن تفطر في رمضان بشرطين: أولهما: أن يقبل الرضيع ثدي غيرها من النساء الأخريات، ثانيهما: أن يقدر ولي الرضيع على دفع أجرة الرضاعة للمرأة التي سترضع له ولده؛ للتلازم؛ حيث إن إباحة الفطر للمرضعة بسبب وجود الرضيع وعدم قدرة ولي الرضيع على استئجار غيرها، =
[ ٢ / ٣٦٦ ]
كأم (^٤٤)، ويجب الفطر على من احتاجه؛ لإنقاذ معصوم من هلكة
فإذا وُجد غيرها تقوم بذلك مع قدرة الولي: يلزم عدم جواز الإفطار لها؛ لعدم الحاجة إليها، فانتفى سبب الإفطار، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الإفطار وانتهاك حرمة رمضان لا يجوز إلا لعذر، ولم يوجد.
(^٤٤) مسألة: إذا استأجر ولي الرضيع امرأة لترضع ذلك الولد - وهي المسمَّاة بـ "الظئر" - فإن أحكام هذه المرأة المستأجرة للإرضاع كأحكام الأمِّ تمامًا، فيجوز أن تفطر إذا خافت على نفسها وعلى الرَّضيع، وتقضي تلك الأيام، ولا فدية كالأم - كما سبق في مسألة (٤٠) -، ويجوز لها أن تفطر إذا خافت على الرضيع، وتقضي تلك الأيام، وتجب الفدية كالأم - كما سبق في مسألة (٤١) -، ويُكره لها الصوم إذا خافت على نفسها أو الرضيع، ويحرم صومها إذا خافت على نفسها والرضيع الهلاك كالأم - كما سبق في مسألة (٤٢) -، والإطعام على ولي الرضيع - كما سبق في الفرع الآخر التابع لمسألة (٤٢) -، والإطعام على ولي الولد - كما سبق في مسألة (٤١) - فإن لم تُفطر تلك المستأجرة أو تغيَّر لبنها أو نقص: فللمستأجر الفسخ كما يفعل بالأم إن أصرَّت على الصوم؛ للقياس، بيانه: كما أن ذلك كله يُفعل بالأم فكذلك المستأجرة للإرضاع مثلها، والجامع: دفع الضَّرر عن ذلك الرضيع، وهو المقصد الشرعي. [فرع]: يجب على الحاكم أن يُجبر حاملًا أو مُرضعة على الإفطار إن خشي على الجنين، أو الرضيع من الهلاك، أو الضَّرر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضِرار" نكرة في سياق النفي، وهو من صيغ العموم، والحاكم هو الذي له الحق بإجبار الناس بفعل ما يجلب المصالح، ويدفع المفاسد العامَّة، والنفي هنا نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، فيجب عليه فعل ذلك لتحقيق =
[ ٢ / ٣٦٧ ]
كغرق (^٤٥)، وليس لمن أُبيح له فطر رمضان صوم غيره فيه (^٤٦) (ومن نوى الصوم،
تلك المصالح، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا مع أنه يلزم منه انتهاك حرمة رمضان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث تعارضت مفسدة انتهاك حرمة رمضان مع مفسدة مضرَّة الرضيع فيما لو صامت المرضعة فقدَّمت أخفَّهما، وهي الفطر والإجبار عليه؛ لكون الصوم يُمكن تداركه بالقضاء، بخلاف الضَّرر إذا حلَّ فقد لا يزول.
(^٤٥) مسألة: يجب على صائم أن يُفطر في نهار رمضان إذا خاف على آخر من هلكة كأن يكون غريقًا، أو أصابه حرق، أو نحو ذلك، ولا منُقذ له غيره، فإن لم ينقذه: أثم، ويقضي ما أفطره، ويُطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا - كما سبق -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجب على المرضع أن تفطر إذا خافت على ولدها وتقضي وتطعم، فكذلك الحال هنا والجامع: دفع الضَّرر في كل، وهو المقصد من ذلك. [فرع]: يُباح للصائم أن يُفطر في نهار رمضان إذا خاف أن تلحقه مشقة في طلب رزقه كالرعاة، والحطَّابين، والمزارعين، أو من كان يطلب ماله كعبد، أو ولد تائه، أو مغصوب أو نحو ذلك، ولا يُمكنه الجمع بين هذا العمل والصوم، ويقضي الأيام التي أفطرها، ويُطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا - كما سبق -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحامل والمرضع الخائفتين على ولديهما الشاعرتين بالمشقة بسبب الصوم: يجوز لهما الفطر، ويقضيان مع الفدية - وهو الإطعام كما سبق - فكذلك الحال هنا والجامع: دفع المشقة في كل.
(^٤٦) مسألة: إذا أُبيح لشخص أن يُفطر في نهار رمضان لعذر - كمرض أو كِبَر، أو سفر، أو حمل، أو رضاع أو خوف -: فيحرم عليه أن يصوم ذلك النهار صومًا غير رمضان؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل هو: صوم رمضان، وإنما أُبيح تركه العذر؛ تخفيفًا ورُخصة، فإذا لم يعمل بتلك الرخصة وأراد الصوم فإنه يصوم الأصل؛ حيث إنه مأمور به أداءً وفورًا، ولا يجوز غيره.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
ثم جُنَّ، أو أغمي عليه جميع النهار، ولم يُفق جُزءًا منه: لم يصح صومه)؛ لأن الصوم الشرعي: الإمساك مع النية، فلا يُضاف للمجنون، ولا للمغمى عليه، فإن أفاق جُزءًا من النهار: صحَّ الصوم: سواء كان من أول النهار أو آخره (^٤٧) (إلا إن نام جميع النهار) فلا يمنع صحة صومه؛ لأن النوم عادة، ولا يزول الإحساس بالكلِّية (^٤٨) (ويلزم المغمى عليه القضاء) أي: قضاء الصوم الواجب زمن الإغماء؛ لأن مُدَّته لا تطول غالبًا، فلم يزل به التكليف (فقط) بخلاف المجنون فلا قضاء
(^٤٧) مسألة: إذا نوى شخص الصوم من اللَّيل، ثم جُنَّ، أو أغمي عليه طوال النهار، فلم يفق أيَّ جزء منه: فصومه لذلك اليوم لا يصحُّ، أما إن أفاق جزءًا من النهار - أوَّله أو وسطه أو آخره -: فإنه يصح صومه؛ للتلازم؛ حيث إن شرط الصوم الصحيح: أن يتوفَّر فيه الإمساك مع وجود النية، ومن أُغمي عليه، أو جُنَّ طوال اليوم لم يتوفَّر فيه الإمساك والشعور به: فيلزم عدم صحَّة صومه، ومن أفاق جُزءًا من اليوم قد توفَّر فيه الإمساك والشعور به مع النية فيلزم صحَّة صومه؛ لتوفر شرط الصوم: فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بينهما؟ قلتُ: أما الأول: فلم يشعر بشيء، ولا يصدق عليه أنه ترك طعامه وشرابه: فلم يصح صومه، وأما الثاني: فقد شعر وأحسَّ بالصوم ولو لفترة قليلة، وصدق عليه كونه قد ترك طعامه وشرابه: فصح صومه.
(^٤٨) مسألة: إذا نوى شخص الصوم من الليل، ثم نام من قبل طلوع الفجر، إلى بعد غروب الشمس: فصومه صحيح؛ للقياس، بيانه كما أن صوم الساهي يصح فكذلك النائم مثله والجامع: أن كلًا منهما لم يزل الإحساس عنه بالكلية، بل يتنبَّه إذا نُبِّه، فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بين النائم، والمجنون والمغمى عليه في هذا؟ قلتُ: لأن النوم عادي، ويتنبَّه إذا نُبِّه، بخلاف المجنون والمغمى عليه فليس بعادي، ولا يتنبَّهان إذا نُبِّها، فلم يوجد منهما الإحساس بالإمساك.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
عليه؛ لزوال تكليفه (^٤٩) (ويجب تعيين النية) بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان، أو قضائه، أو نذر، أو كفارة، لقوله ﷺ: "وإنما لكل امرئ ما نوى" (من اللَّيل)؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "من لم يُبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر: فلا صيام له وقال: إسناده كلهم ثقات، ولا فرق بين أول الليل ووسطه وآخره، ولو أتى بعدها ليلًا بمنافٍ للصوم من نحو أكل ووطء (^٥٠) (الصوم
(^٤٩) مسألة: إذا نوى شخص الصوم من الليل، ثم جُنَّ أو أغمي عليه طوال النهار: فلا يصح صومه - كما سبق في مسألة (٤٧) - ولكن يجب على المغمى عليه قضاء ذلك اليوم الذي لم يصح، بخلاف المجنون فلا يقضيه؛ للتلازم؛ حيث إن تكليف المغمى عليه إجماعًا، وعدم ثبوت الولاية عليه، وعدم طول مُدَّته غالبًا، وجوازه على الأنبياء: يلزم منها وجوب قضاء ذلك اليوم الذي أغمي عليه فيه، بخلاف المجنون فنظرًا لكونه غير مكلَّف بالإجماع، وثبوت الولاية عليه، وطول مُدَّته غالبًا، وعدم جوازه على الأنبياء لزم: عدم وجوب قضاء الأيام التي جُنَّ فيها، ونظرًا لهذا الفرق بينهما: افترق الحكم.
(^٥٠) مسألة: إذا أراد شخص أن يصوم صوم واجب -كصوم رمضان، أو قضائه، أو وفاء بنذر أو كفارة عن يمين أو عن جماع في نهار رمضان، أو عن قتل خطأ-: فيجب أن ينوي ذلك قبل أذان فجر ذلك اليوم الذي سيصومه: سواء أوقع تلك النية في أول الليل أو وسطه أو آخره، وسواء فعل ما يُضاد الصوم بعد نيته -كأكل أو شرب أو وطء- أو لم يفعل ذلك، فإن لم ينو، أو نوى وشكَّ وتردَّد في نيته: فلا صحّة لصيامه؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ حيث دلَّت الآية على جواز الأكل والشرب إلى أذان الفجر وهذا مطلق في الأزمان، فيشمل الأكل أو الشرب قبل النية أو بعدها، وهذا لا يُنافي النية للصوم، =
[ ٢ / ٣٧٠ ]
كل يوم واجب)؛ لأن كل يوم عبادة مُفردة لا يفسد صومه بفساد صوم (^٥١)
ومثلهما: الوطء؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" حيث حصر الأعمال الصحيحة شرعًا بأنها التي تُنوى ويُقصد بها وجه الله، والصوم عمل، فيشمله عموم هذا الحديث؛ لأن لفظ "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ومعروف أن المتردَّد والشَّاك بالنية كمن لم ينو شيئًا؛ لكونه أبطلها بذلك الشك، ثانيهما: قوله ﷺ: "من لم يُبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له" حيث دلَّ هذا على أن من لم ينو الصيام من الليل وصام فلا صحّة لصيامه، ودل بمفهوم الشرط على صحَّة صيام من نوى من الليل وهذا عام لأول الليل ووسطه وآخره؛ لأن "الليل" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم في الأزمان، ولفظ "الصيام" اسم جنس معرف بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل جميع أنواع الصيام: الفرض، والنفل، ولكن خُصِّص صوم النفل وأجيز بلا نية بالسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نوى صوم النفل في النهار، فإن قلتَ: لِمَ وجبت النية هنا؟ قلتُ: لأن كل يوم عبادة مستقلة فيجب أن تفرد بالنية.
(^٥١) مسألة: يجب أن يُعيِّن لكل يوم نية خاصة به كأن ينوي في الليل أنه سيصوم غدًا السبت مثلًا، فإذا أفطر ينوي أنه سيصوم غدًا الأحد وهكذا، ويكفي في ذلك أن يخطر بباله أنه صائم غدًا بأي جزء من أجزاء الليل؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون صوم كل يوم عبادة منفردة: أن يجعل له نية منفردة، فإن قلتَ: تكفي نية واحدة تجزئ عن جميع الشهر إذا لم يقطعها، وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أن الصلاة تكفي عنها نية واحدة فكذلك شهر =
[ ٢ / ٣٧١ ]
(لا نية الفرضية) أي: لا يُشترط أن ينوي كون الصيام فرضًا؛ لأن التعيين يُجزئ عنه، (^٥٢) ومن قال: "أنا صائم غدًا إن شاء الله" مُتردِّدًا: فسدت نيته، لا مُتبرِّكًا، كما لا يفسد إيمانه بقوله: "أنا مؤمن إن شاء الله غير مُتردِّد في الحال (^٥٣) ويكفي في النية
الصوم مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما عبادة مكونة من أجزاء تُشترط لها النية قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة عبادة ذات أجزاء غير منفردة عن بعضها، بخلاف شهر الصوم فهو يتكون من أيام، كل يوم منفرد عن الآخر، بدليل: أنه لو فسد صوم يوم لا يؤثر على صحة صوم اليوم الذي بعده أو الذي قبله، فيقضيه لوحده، فلو حاضت امرأة: فإنها تقضي الأيام التي أفسدتها بالحيض فقط دون غيرها، أما الصلاة فلو فسد ركن واحد منها: فإن الصلاة كلها تفسد، ويجب إعادتها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم والقياس" فعندنا: يُعمل بالتلازم؛ لضعف قياس الصوم على الصلاة وعندهم: يعمل بالقياس؛ لعدم الفارق بين الصلاة والصوم في ذلك.
(^٥٢) مسألة: لا يُشترط في نية الصيام أن ينوي أنه يصوم فرضًا، بل المشترط: أن أنه سيصوم غدًا السبت، أو الأحد من رمضان وهكذا؛ للقياس، بيانه: كما أنه ينوي أنه سيصلي العصر مثلًا، ويجزئ عن نية أنه سيصلي الفرض، فكذلك هنا في الصوم مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما عبادة تشترط فيها النية، وهذا للتيسير على العباد، وهو المقصد.
(^٥٣) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقول: "أنا صائم غدًا" بدون عبارة: "إن شاء الله" التي يقولها العوام كثيرًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ حيث إن قول "إن شاء الله" قد يفتح الباب لأن يقولها بعضهم قاصدين أمورًا في نفوسهم، فدفعًا لذلك استُحب عدم قولها، فإن قلتَ: إن قال: "أنا صائم غدًا إن شاء الله" وهو متردد في النية: فإنها تفسد، ولا يصح صومه، أما إن قال ذلك =
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الأكل والشرب بنية الصوم (^٥٤) (ويصح) صوم (النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)؛ لقول معاذ وابن مسعود، وحذيفة، وحديث عائشة ﵂: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء؟ " فقلنا: لا، قال: "فإني إذًا صائم" رواه الجماعة إلّا البخاري، وأمر بصوم يوم عاشوراء في أثنائه، ويُحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقتها (^٥٥) (ولو نوى: إن كان غدًا من رمضان: فهو فرضي: لم
قاصدًا التبُّرك بذكر الله فقط: فلا تفسد، ويصح صومه؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا قال: "أنا مؤمن إن شاء الله" يريد التبرك فلا يفسد إيمانه وإذا قال ذلك وهو مُتردَّد في إيمانه: فإنه يفسد فكذلك الصوم مثله -وهو ما ذكره المصنف هنا- قلتُ: المصلحة وهي سدُّ الذرائع يقتضي عدم قولها، وكل تقلُّبات المسلم تحت مشيئة الله تعالى وتوفيقه ولو لم يُصرِّح بها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالمصلحة، وعندهم بالقياس.
(^٥٤) مسألة: يكفي في نية الصوم أن يأكل أو يشرب ليلًا بطريقة تختلف عن عادته طوال السنة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الطريقة المختلفة: أنه ناوي الصيام غدًا.
(^٥٥) مسألة: لا يُشترط في صوم النفل تبييت النية من الليل، فمثلًا: لو أصبح وهو لم يفعل شيئًا من المفطِّرات من أذان الفجر، ثم نوى الصوم في أول النهار أو آخره: فيصح صومه، ويُحسب أجره من وقت نيته؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه في أثناء نهاره، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صام لما لم يجد شيئًا يأكله عند عائشة ﵂ الثالثة: قول الصحابي وفعله؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن بعض الصحابة كمعاذ، وابن مسعود، وحذيفة ﵁، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك هنا، واشتُرط في الفرض؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل لكسب الخيرات بأدنى عمل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط في صحة ذلك: أن لا =
[ ٢ / ٣٧٣ ]
يُجزئه)، لعدم جزمه بالنية (^٥٦)، وإن قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان وقال: "وإلا فأنا مفطر" فبان من رمضان: أجزاء، لأنه بنى على أصل لم يثبت زواله (^٥٧) (ومن نوى الإفطار: أفطر) أي: صار كمن لم ينو؛ لقطعه النية، وليس كمن أكل أو
يكون قد فعل شيئًا من المفطرات من أذان الفجر؟ قلتُ: لأنه لو فعل شيئًا من المفطرات بعد أذان الفجر فإنه لا يوصف بأنه صام يومًا كاملًا، فإن قلتَ: لِمَ لا يُحسب صومه إلّا بعد نيته؟ قلتُ: لكونه قبل النية لم يكن متعبدًا، والأجر على التَّعبُّد.
(^٥٦) مسألة: يجب أن يجزم المسلم في نيته أنه سيصوم غدًا يومًا من رمضان، وبناء على ذلك: لو قال ليلة الثلاثين من شعبان: "أنا سأصوم غدًا، فإن كان من رمضان فهو فرضي، وإن لم يكن منه فعن واجب غيره ككفارة أو نذر أو نحو ذلك "فصار من رمضان، أو علم به بعد طلوع الشمس: فإنه يجب أن يُتمَّ صومه، ولا يُجزئه عن الفرض، فيجب قضاؤه؛ للتلازم؛ حيث إن نية الصوم من الليل يُشترط فيها العزم والجزم، وهذا القول فيه تردُّد فيلزم منه: عدم صحتها، ويلزم من عدم صحة النية: عدم صحة المنوي وهو هنا الصوم، ويلزم من عدم صحة الصوم: وجوب قضائه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل الفطر؛ لأن الثلاثين من شعبان تابع له، ووقع التردُّد في نية الصوم، ولا يصح صوم وقع التردُّد في نيته.
(^٥٧) مسألة إذا قال في ليلة الثلاثين من رمضان: "أنا سأصوم غدًا إن كان من رمضان، وإن لم يكن منه فأنا سأفطر" فصار من رمضان: فإنه يُجزئه صومه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو أنه من رمضان، فيستصحب ذلك؛ لتيقُنه، ويُعمل به، ولا تقوى تلك النية المتردَّد فيها: أن تُزيل ذلك المتيقن منه، وهو الصوم، فصح.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
شرب (^٥٨) فيصح أن ينويه نفلًا بغير رمضان، (^٥٩) ومن قطع نية نذر، أو كفَّارة، ثم نواه نفلًا، أو قلب نيتهما إلى نفل: صح، كما لو انتقل من فرض صلاة إلى نقلها. (^٦٠)
(^٥٨) مسألة: إذا نوى الإفطار وهو صائم يومًا من رمضان، أو قال: "إن وجدتُ أكلًا أكلتُ، وإن لم أجد فأنا سأستمر في صومي": فإن صيامه يبطل في الحالتين: سواء أكل فعلًا أو لا، ويجب أن يقضيه، أما إن أكل أو شرب ناسيًا: فصومه صحيح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو نوى قطع صلاته الفرض فإنها تبطل، ويجب إعادتها فكذلك الصوم مثله، والتردُّد في النية -أيضًا مثل ذلك- والجامع: أن كلًّا منهما عبادة يُشترط فيها الجزم بالنية، واستمرار ذلك إلى فراغ تلك العبادة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن العبادة تنقطع بسبب قطع نيتها، أو التردُّد فيها، وإذا قطعها: فإنه خرج منها، والخروج عن العبادة مبطل لها، فإن قلتَ: لِمَ لا يفسد الصوم إذا أكل أو شرب ناسيًا؟ قلتُ: لكونه معذورًا بذلك النسيان؛ لأنه ليس من فعله ولا قصد، وسيأتي.
(^٥٩) مسألة إذا نوى الإفطار في يوم من نهار رمضان، ثم عاد فنوى أنه سيستمر في الصوم على أنه نفل: فلا يصحُّ صوم ذلك اليوم من رمضان على أنه فرض ولا على أنه نفل، ويجب إمساكه؛ للتلازم؛ حيث إن كون اليوم من رمضان واجبًا مُضيَّقًا يسعه ولا يسع غيره يلزم منه عدم صحَّة قلب نيته التي هي فرض إلى نية نفل؛ لكونه إذا فعل ذلك أصبح مستهترًا بزمن العبادة الواجبة، وبناء عليه لا يصح فرضًا ولا نفلًا.
(^٦٠) مسألة: إذا صام يومًا واجبًا عليه في غير وقت شهر رمضان؛ كأن يصوم يومًا قضاء، أو عن نذر نذره، أو كفارة، ثم نواه نفلًا: صح صومه نفلًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجوز أن يقلب نية صلاته الفرض إلى صلاة نفل، فكذلك يجوز =
[ ٢ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك في صيام غير رمضان والجامع: أن كلًّا منهما عبادة محضة، وقتها موسَّع، أي: يُمكن إيقاع كل منهما في وقته دون أن يضيق عليه وقته، وقد فصَّلت ذلك في كتابي: "الواجب الموسَّع عند الأصوليين"
هذه آخر مسائل "حقيقة الصيام وحكمه، وأحكام نيته ورؤية هلاله" ويليه: باب "ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة"
[ ٢ / ٣٧٦ ]