(كتاب): هو من المصادر السَّيَالة التي توجد شيئًا فشيئًا، يُقال: "كتبتُ كتابًا وكتبًا وكتابة" وسُمِّي المكتوب به مجازًا، ومعناه لغة: الجمع: من "تكتَّب بنو فلان": إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل "كَتْيبَة" و"الكتابة بالقلم"؛ لاجتماع الكلمات والحروف، والمراد به هنا "المكتوب" أي: هذا مكتوب جامع لمسائل (الطهارة) مما يوجبها، ويُتطهر به ونحو ذلك (^١)، بدأ بها؛ لأنها مفتاح الصلاة التي هي آكد أركان
كتاب الطهارة
حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهَّر بها
وفي ذلك إحدى وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: الكتاب لغة: الجمع والضم، ومنه قولهم: "تكتب بنو فلان" إذا اجتمعوا وانضم بعضهم إلى بعض، ومن ذلك مصطلح "كَتيْبَة" تطلق على جمع من الجنود في الجيش، ومصطلح "الكتابة" أو "الكتاب"؛ لكونه قد جُمع فيه الحروف والكلمات والفوائد، والكتاب إصطلاحًا هو: الجامع لمسائل بينها علاقة مشتركة، وهي مكتوبة فيه فـ "كتاب الطهارة" هو جامع لكل مسألة تخصُّ الطهارة؛ من شروطها، ونواقضها ونحو ذلك، ولفظ "الكتاب" يُعتبر من المصادر السَّيَّالة - والمراد بذلك: التي توجد شيئًا فشيئًا، أي: يوجد مصدر بعد مصدر فيُقال: "كتبتُ كتابًا وكتبًا وكتابة" مثل "الكلام" يُقال: "تكلمتُ كلامًا وكلمًا، وكلمات" ومنها "الصياغة" و"الخياطة" ونحو ذلك؛ للاستعمال اللغوي؛ حيث إن العرب تستعمل ذلك في لسانها -كما في "اللسان" (١/ ٦٩٨) و"المصباح" (٢/ ٥٢٤) - فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بـ "الكتاب" مع أنه مكتوب؛ حيث إنه كتب باليد كالمقتول؟ قلتُ: إن الاستعمال الحقيقي لذلك: أن يُسمَّى "مكتوبًا"، وسُمِّيَ "كتابًا" عن طريق المجاز؛ =
[ ١ / ٢٤ ]
الإسلام -بعد الشهادتين- ومعناها لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار، مصدر: "طهُر" "يطهُر" -بضم الهاء فيهما- وأما "طهر" -بفتح الهاء: فمصدره: "طهرًا": كَحَكَم حكمًا، وفي الاصطلاح: ما ذكره بقوله: (وهي: ارتفاع الحدث) أي: زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها (وما في معناه) أي معنى ارتفاع الحدث: كالحاصل بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبَّين، وما زاد على المرة الأولى في الوضوء ونحوه وغسل يدي القائم من نوم الليل ونحو ذلك، أو بالتيمم عن وضوء أو غسل (وزوال الخبث) أي النجاسة أو حكمها بالاستجمار، أو بالتيمم في الجملة على ما يأتي في بابه، فالطهارة: ما ينشأ عن التطهير، وربما أطلقت على الفعل كالوضوء والغسل، (^٢)
= حيث إنه مصدر، وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر، ونُسِيَت الحقيقة كالغائط -كما سيأتي في الاستنجاء.-
(^٢) مسألة: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار والأدناس حسِّية كانت كالأنجاس، أو معنوية كالعيوب؛ يُقال: "الثوب طاهر" أي: نظيف، ويُقال: "فلان طاهر" أي: خالي عما يُدنسه من العيوب، ولفظ "الطهارة" مصدر "طهر" -بفتح الهاء وضمها- للاستعمال اللغوي؛ حيث إنه ورد عن العرب أنها تستعمل ذلك في لغتها ولسانها -كما في "اللسان" (٤/ ٥٠٤) و"المصباح" (١/ ٣٧٩) - والطهارة في الاصطلاح هي: "ارتفاع الحدث، وما في معناه وزوال الخَبَث" والمراد منه: أن المسلم إذا أحدث -كأن أخرج غائطًا أو بولًا أو ريحًا أو منيًا، أو حاضت امرأة أو نَفَست، وهو الوصف المانع من صحة الصلاة والطواف، وأراد الصلاة أو الطواف أو مسَّ المصحف -مما لا يُفعل إلا بالطهارة- فيجب عليه أن يتطهَّر بشروط وأوصاف سيأتي ذكرها -لأجل أن يرفع ذلك الحدث، وذلك إما بالوضوء، أو بالغسل، أو بالبدل عنهما، وهو التيمم- عند عدم الماء أو العجز =
[ ١ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن استعماله - وكذلك إذا أصابت نجاسة بدنه أو ثوبه أو المكان الذي يُريد أن يُصلي فيه: فإنه لا تصحُّ صلاته إلا إذا أزال تلك النجاسة والخبث، فهذه هي الطهارة الحقيقية، فإن قلتَ: لِمَ قال: "وما في معناه"؟ قلتُ: ليُبيِّن أن هناك صورًا تُطلق عليها الطهارة ولكن هذا الإطلاق مجازي، منها: "غسل الميت" فإنه يُغسل كغسل الجنابة، ولا يرفع حَدَثه، ومنها: "تجديد الوضوء" فإن المسلم يكون على طهارة ولكن أراد أن يُجدد هذا الوضوء، ومنها: "غُسل يوم الجمعة" أو "غُسل الإحرام" فإنه يفعل ذلك مع أنه على طهارة أحيانًا، ومنها: "الغَسْلة الثانية والثالثة للعضو الواحد من أعضاء الوضوء الأربعة فإنه يفعل مع أن طهارته قد تمَّت، ومنها "التيمُّم" فإنه يُفعل أنه لا يرفع الحدث، فما يفعله المسلم في هذه الصور تُسمى طهارة لكن هذه التسمية مجازية؛ لكون التطهر فيها جاء على صورة الطهارة فقط وإن لم ترفع حدثًا؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء استعمال الطهارة: أنها قسمان: أولهما طهارة حدث، وهي تختص بالبدن، وتكون الطهارة منه بالغُسل، أو الوضوء، أو بالبدل عنهما عند تعذُّرهما وهو التيمم، ثانيهما: طهارة حَبَث -وهي النجاسة- وهي التي تكون في البدن، أو الإناء أو الثوب أو المكان، وتكون الطهارة منه: بالغسل، أو المسح، أو النضح، ولا ثالث لهذين القسمين للطهارة الحقيقية، أما غير ذلك فتسمَّى طهارة مجازية كما سبق. فإن قلتَ: لمَ عبَّر الفقهاء عن طهارة الحدث بـ "ارتفاع الحدث" وعن الخبث والنجاسة بـ "زوال الخبث"؟ قلتُ: لأنه يُحكم شرعًا على الحدث -بعد الطهارة- بأنه قد ارتفع وإن لم نر شيئًا؛ حيث إنا قد فعلنا ما أمر به الشارع، أمَّا "الخبث" و"النجس" فإنا نحكم بزواله حِسًّا؛ حيث إنه أمر محسوس؛ لكون الإزالة لا تكون إلا في الأجرام غالبًا -وهي النجاسات التي تكون في الثوب أو البدن أو المكان- فنراها ونرى زوالها، وهذا التفريق جاء من باب التلازم وهو واضح. فائدة: الطهارة في =
[ ١ / ٢٦ ]
(المياه) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع (ثلاثة) (^٣) أحدها: (طهور) أي: مُطهِّر، قال
= الأصل تُطلق على أثر الوضوء والغُسل، وإذا أُطلقت على نفس فعل الوضوء والغُسل: فهو خلاف الأصل؛ للتلازم؛ حيث إن المسلم إذا توضأ أو اغتسل يلزم منه أن يُطلق عليه أنه متطهر؛ بخلاف من كان متلبسًا بالوضوء والغسل، فإن قلتَ: لِمَ يبدأ الفقهاء كتبهم بالطهارة؟ قلتُ: لقاعدتين: الأولى: قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" حيث إن الصلاة أكد وأعظم ركن -بعد الشهادتين- ولا تصح هذه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فقُدمت أحكامها لذلك، وأن تعظيم الله تعالى واجب، ولا يتمُّ إلا بالطهارة من جميع الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية، وأن جميع العبادات والمعاملات وغيرها لا يُمكن أن تتم على الوجه الأكمل إلا بالطهارة الظاهرة -وهي طهارة البدن والثوب والمكان- وبالطهارة الباطنة -وهي: طهارة القلوب من الحقد والحسد والكذب والخيانة والنفاق والبغض ونحو ذلك- الثانية: المصلحة؛ حيث إن غسل الأعضاء خمس مرات في اليوم والليلة، والغُسل من الجنابة والحيض والنفاس يتسبب في وقاية المسلم من الأمراض، ويُعطي الجسم نشاطًا، فيُقبل على عباداته وأعماله بكل قوة، ويُفضي ذلك إلى إيجاد مجتمع خال من الأمراض والأوبئة.
(^٣) مسألة: المياه ثلاثة أنواع: "ماء طهور" و"ماء طاهر" و"ماء نجس"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: في البحر لما سُئل عن التطهر به: "هو الطهور ماؤه" فالسائلون يعلمون أن ماء البحر طاهر؛ حيث إنهم يغسلون أبدانهم وثيابهم منه ولكنهم سألوا: هل يُطهِّر غيره؟ فأجابهم ﷺ بأنه يُطهر غيره، فيلزم من ذلك وجود ماء طاهر، وماء طهور، الثانية: التلازم؛ حيث إن الماء قسمان: أولهما: ما يجوز التطهر به وهو: الماء الطهور، ثانيهما: ما لا يجوز التطهر به وهو نوعان: الأول: "الماء الطاهر" وهو الذي لا يُطهِّر ولا يُنجِّس -كما ذكر القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٧٤)، وهو المستعمل في الشرب =
[ ١ / ٢٧ ]
ثعلب: "طَهور -بفتح الطاء- الطاهر في ذاته المطهر لغيره" أ. هـ، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (لا يرفع الحدث) غيره، والحدث ليس بنجاسة، بل معنى يقوم بالبدن يمنع الصلاة ونحوها، والطاهر: ضدُّ المحدث
= وغسل الأواني والثياب ونحوها، الثاني: "الماء النَّجس" وهو لا يطهر ويُنجِّس غيره، وهو لا يستعمل لشيء، فيلزم من هذا التقسيم: أن هناك "ماء طاهر" و"ماء طهور"، فإن قلتَ: إن الماء قسمان: "طهور" و"نجس" ولا يوجد "طاهر"؛ وهو رأي كثير من علماء الحنابلة وغيرهم؛ للاستصحاب؛ حيث لا يوجد دليل يُثبت "الماء الطاهر" فيبقى على النفي الأصلي. قلتُ: لقد ثبت وجود ماء طاهر بالسنة والتلازم وقد سبقا. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "اختلاف نظر العلماء إلى الماء" فمن قسَّم الماء إلى ثلاثة أقسام نظر إلى الماء من حيث التطهير والتنجيس والنفع العام، وتعدِّي ذلك وعدم ذلك؛ حيث إنهم سَمَّوا الماء الطاهر لغيره بـ "الطهور"، وسَمُّوا الماء الطاهر الذي لا يُنجِّس غيره من الثياب والأمكنة والأبدان بـ "الطاهر"، وسَمُّوا الماء الغير طاهر والذي يُنجس غيره من الثياب والأبدان والأمكنة بـ "النجس" ففرقوا بينها؛ لوجود هذا الفرق، حقيقة، أما من قسَّم الماء إلى قسمين: فإنه نظر إلى الماء الذي يُتطهر به وغيره فسمُّوا الماء الذي يُتطهر به بـ "الطهور" والماء الذي لا يُتطهر به بـ "النجس" وظاهر مثل هذا الخلاف: أنه لفظي، فإن قلتَ: لِمَ يبدأ الفقهاء الطهارة بالمياه؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن كون الماء هو الأصل في التنظيف والتطهير وإزالة النجاسات؛ لما يتميز به من الرقة والدقة واللطافة وسرعة السيلان: يلزم منه أن يُبدأ بمباحثه، فإن عُدم فالتيمم؛ رخصة. فائدة: "المياه": جمع كثرة من "ماء"، وجمع القلة منه: "أمواه" وقد ذكرت التفريق بين جمع القلة والكثرة في كتابي: "أقل الجمع عند الأصوليين" وحاصله: أن جمع الكثرة: ما فوق العشرة، وجمع القلة هو: العشرة وما دونها، فائدة أخرى: "الماء" هو: جوهر سَيَّال بطبعه دقيق رقيق لطيف سريع الجريان والسيلان مُطهر مزيل لسائر النجاسات.
[ ١ / ٢٨ ]
والنجس (ولا يُزيل النجس الطارئ) على محل طاهر فهو النجاسة الحكمية (غيره) أي: غير الماء الطهور، والتيمم مبيح لا رافع، وكذا: الاستجمار (^٤) (وهو)
(^٤) مسألة: الماء الطهور -وهو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره- هو الذي يرفع الحدث ويُزيل الخبث -وهي: النجاسة الطارئة- دون غيره من المائعات الأخرى -كالعصيرات والمشروبات الغازية والشاي والقهوة. القواعد الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دلّ منطوق ذلك على أنه يُتطهر بالماء، فإن لم يكن فالتيمم ولا ثالث لهما، ودلَّ مفهوم التقسيم على أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة؛ لكون المائعات الأخرى لا يُطلق عليها ماء ولا ترابًا لغةً ولا شرعًا، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ حيث أثبت الطهورية للماء فقط؛ لخروج ذلك مخرج الامتنان، فلو شاركه غيره: لبطلت فائدة ذلك الامتنان، ودلَّ بمفهوم الصفة على أن غير الماء لا يُطهر، الثانية السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم تنضحه بماءٍ ثم تصلِّ فيه" وأيضًا: أمر ﷺ بصبِّ ذنوب من ماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد" حيث دل التقييد بالماء على أن الماء الطهور هو المزيل لأي نجاسة سواء كانت دمًا أو بولًا، أو غيرهما، من باب مفهوم الموافقة ودلَّ مفهوم التقييد بالماء هنا على أن غير الماء -من المائعات- لا يُزيل النجاسة الثالثة: الاستعمال العربي؛ حيث إن العرب يستعملون هذا اللفظ -وهو طهور- لشيء يزيد على الطاهر؛ لأن "فَعُول" هي صفة تزيد عن فاعل، وتكون الزيادة هي التعدي إلى تطهير غيره، فإن قلتَ: لمَ بُدي بالماء الطهور؟ قلتُ: لبيان أن الماء الطهور هو الأصل في طهارة وتنقية وتنظيف وإزالة كل القاذورات والأوساخ، وهو الذي يرفع الحدث حقيقة، دون غيره من المائعات، ولكن قد تسامح الشارع بالتيمم عند عدم الماء، والاكتفاء بالاستجمار بالأحجار المنقية؛ رخصة لدفع المشقة والحرج؛ لقلة المياه أو لمشقة استعماله، فهما -أي: التيمم والاستجمار- غير رافعين للحدث أو النجس حقيقة، وسيأتي الكلام عن ذلك، فإن قلتَ: لم قُيدت النجاسة بالطارئة؟ قلتُ: للاحتراز عن النجاسة =
[ ١ / ٢٩ ]
أي: الطهور (الباقي على خِلْقَتهِ) أي: صفته التي خلق عليها: إما حقيقة: بأن يبقى على ما وُجد عليه: من برودةٍ أو حرارةٍ أو ملوحةٍ ونحوها، أو حكمًا كالمتغيِّر بمكث، أو طُحْلُب ونحوه مما يأتي ذكره (^٥) (فإن تغيَّر بغير ممازج) أي: مخالط (كقطع كافور) وعود قماري (أو دهن) طاهر على اختلاف أنواعه، قال في "الشرح" وفي معناه: ما تغير بالقطران، والزفت والشمع؛ لأن فيه دهنية يتغيَّر بها الماء (^٦)
= الأصلية كنجاسة الكلب والخنزير؛ حيث لا يمكن تطهيرهما ولو غُسلا مائة مرة بالماء أو بغيره من المنظفات.
(^٥) مسألة: يُشترط في الماء الطهور: أن يكون باقيًا على صفته التي خُلق عليها، دون تغيير: سواء كان هذا البقاء حقيقة وواقعًا، أو كنا قد حكمنا شرعًا بظهوريته ولو وقع فيه شيء طاهر لا يمكن الاحتراز منه، وتغيَّر به: كطول مكثه أو سقوط أوراق الأشجار فيه ونحو ذلك -أو وجود "طحلب"- وهو شيء أخضر يعلو الماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ فقد وصف الماء بأنه طهور، والطهور -كما سبق- هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره؛ لكون "طهور" من الأسماء المتعدية. الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الماء طهور لا يُنجسه شيء" وقال ﷺ في البحر-: "هو الطهور ماؤه" ويُقال فيه كما قيل في الآية، وهذا لا يخلو من تغيرُّه بسبب طول بقاء أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لم اشترط ذلك؟ قلتُ: لبيان أن الماء الباقي على أصل خِلْقَتهِ هو: الذي تتوفر فيه شروط التطهير والتنظيف، للكونه دقيقًا رقيقًا سريع السيلان مُزيلًا لجميع الأوساخ والأقذار، بخلاف غيره من المائعات -كماء الورد وماء الزعفران ونحوها- فإنه لا يُنظف، بل يزيد الأوساخ والأقذار؛ لما يتميز به من اللزوجة.
(^٦) مسألة: يباح التطهر بماء وقع فيه شيء طاهر لا يختلط فيه، ولا يذوب فيه كقطعة من طيب لا تذوب -كالكافور أو عود قماري ونحوهما- أو أي شيء =
[ ١ / ٣٠ ]
(أو بملحٍ مائي) (^٧)
= فيه مادة دهنية تعلو على سطح الماء: سواء كان دهن حيوان أو أشجار - كالقطران- وهو عصارة الأرز بعد طبخه -والزفت- وهو: القار -والشمع- وهو: ما تنار به المصابيح -ونحو ذلك مما يتسبب في تغيير لون أو طعم أو ريح الماء؛ للقياس، بيانه: كما يباح التطهر بالماء المتغير بسبب وجود جيفة مجاورة له فكذلك يجوز التطهر بالماء المتغير بسبب وجود طيب أو دهن لا يذوب فيه، والجامع: التغيُّر بشيء لا يذوب ولا يختلط في كل، وعدم وجود نجاسة؛ فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ يكثر ما يقع في الماء من هذه الأمور، فلو منع الناس من التطهر به، أو كُره لهم ذلك: لأدَّى إلى الحرج والضيق، فإن قلتَ: يُكره التطهر به، أي: لو تطهر بغيره لكان أولى -وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم النجاسة فيه: جواز التطهر، ويلزم من تغيُّر الماء عن أصل خلقته: كراهة التطهر به، قلتُ: إن هذا التغير غير مؤثِّر في طهورية الماء فلا تلزم منه الكراهة، فإن قلتَ: ما سبب هذا الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل تغير الماء بسبب وجود طاهر فيه مؤثِّر فيه أو لا؟ " فعندنا أنه غير مؤثِّر ما دام أنه طهور، وعندهم: مؤثِّر.
(^٧) مسألة: يجوز التطهر بالماء إذا وضع فيه ملح مائي وغيَّره، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فلم يُجز الشارع التيمم إلا إذا عدم الماء، وهنا الماء موجود، وهو عام للماء الحالي، وللذي كان ماء فتحوَّل إلى ملح؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي وهي من صيغ العموم؛ والاستصحاب دل على ذلك أيضًا لكوننا نستصحب الحالة الأولى لهذا الملح، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس -كما سبق في مسألة (٦) - فإن قلتَ: يُكره التطهر به وغيره أولى؛ للتلازم وقد سبق بيانه والجواب عنه وبيان سبب الخلاف في مسألة (٦).
[ ١ / ٣١ ]
لا معدني فيسلبه الطهورية (^٨) (أو سُخِّن بنجس: كُره) مطلقًا إن لم
(^٨) مسألة: لا يجوز التطهر بماء قد وُضع فيه ملح معدني -وهو الصناعي المستخرج من الأرض- وتغير؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دلَّ منطوقه على أن التطهر الجائز يكون بالماء فإن تعذر: فيكون بالتيمم، ولا ثالث لهما، ودل بمفهوم التقسيم على أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة، وهذا الذي تغير طعمه بسبب وضع المعدني فيه لا يُتطهر به؛ لأن أصل هذا الملح ليس ماء، حيث إنه لا يُطلق عليه ماء، ولا ترابًا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، فإن قلتَ: لم لا يتطهر به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن استعماله يضر ببشرة المسلم؛ لشدة ملوحته، فضلًا عن أنه لا تحصل بسببه الطهارة والنظافة؛ لغلظته؛ فإن قلتَ: لمَ لا يُتطهر بالماء الذي تغير طعمه بسبب وضع الملح المعدني فيه مع أنه يُتطهر بالماء الذي تغير بسبب وضع الملح المائي؟! فهذا تفريق بين متماثلين؛ لذا يُتطهر بهما معًا، لقياس المعدني على المائي، وهو لبعض العلماء كابن تيمية؟ قلتُ: لا يُسلَّم أنهما متماثلان؛ لأن الملح المائي أصله من الماء لذلك نُسب إليه، فيكون حكمه حكم أصله، بخلاف الملح المعدني فليس أصله ماء، بل هو متكون من أشياء خارجية: فلا يكون حكمه حكم الماء؛ ثم إن الملح المعدني مضر بالمسلم كما تقدم بخلاف الملح المائي ومع الفرق: لا قياس. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل الملح المعدني أصله ماء أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم. [فرع]: ماء البحر يُتطهر به مطلقًا، أي: سواء كان عذبًا أو مالحًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في ماء البحر-: "هو الطهور ماؤه" فيشمل جميع أنواع مياه البحور؛ لأن "ماؤه" اسم جنس منكَّر أضيف إلى معرفة -وهو الضمير- وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُتطهر به؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
[ ١ / ٣٢ ]
يحتج إليه: سواء ظُنَّ وصولها إليه، أو كان الحائل حصينًا أو لا، ولو بعد أن يبرد؛ لأنه لا يسلم غالبًا من وصول أجزاء لطيفة إليه (^٩) وكذا ما سُخِّن بمغصوب (^١٠) وماء بئر بمقبرة، وبقلها
(^٩) مسألة: تصح الطهارة بالماء الذي سُخِّن بشيء نجس -كروث حمار مثلًا-: سواء تغير ذلك الماء أو لا، وسواء كان الحائل بين الماء والنار حصينًا أو لا، وسواء برد الماء أو لا، بشرط: أن لا يغلب على ظننا وصول شيء من ذلك النجس إلى الماء؛ للتلازم، حيث إنه يلزم من عدم علمنا -بقطع أو ظن- بوصول بعض النجاسة إلى الماء: طهوريته، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن تسخين الماء بمثل ذلك يقع كثيرًا بين المسلمين، فلو مُنعوا منه أو كُره لهم ذلك: لَلَحق بعضهم الحرج والمشقة، فدفعًا لذلك: جاز، فإن قلتَ: يُكره ذلك، للتلازم، حيث إنه لا يسلم من وصول نجاسة إلى الماء وإن كانت صغيرة فيلزم من ذلك كراهية التطهر به إن وُجد غيره، قلتُ: إن قطعنا بوصول شيء من جزء من النجاسة أو غلب على ظننا ذلك: فإنه لا يُتطهر به، وإن لم يغلب ذلك، أو شككنا فيه فيُتطهر به؛ لعدم جواز العمل بالمرجوح، أو المشكوك فيه. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الشك أو المرجوح تنبني عليهما أحكام أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^١٠) مسألة: تصح الطهارة بالماء المسخَّن بشيء مغصوب أو مسروق إذا لم يجد غيره، أما إن وجد غيره فلا يصح؛ للقياس، بيانه: كما تصح الصلاة في الدار المغصوبة أو المسروقة إذا لم يكن واجدًا، غيرها، ولا تصح إذا كان واجدًا غيرها، فكذلك هنا مثلها، والجامع: أن كلًا من الصلاة والماء قد توفر فيهما شروطهما بدون موانع، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك إذا لم يجد غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الخلق، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك إذا كان واجدًا غيره؟؟ قلتُ: لحفظ حقوق الآخرين من السرقة والغصب والظلم، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه، وهو ما ذكره المصنف - للتلازم؛ حيث يلزم من =
[ ١ / ٣٣ ]
وشوكها، (^١١) واستعمال ماء زمزم في إزالة خَبَث (^١٢)، لا وضوء ولا غُسل (^١٣) (وإن تغيَّر بمكثه) أي: بطول إقامته في مَقرِّه -وهو الأجن-: لم يُكره؛ لأنه ﷺ توضأ بماء آجن، وحكاه ابن المنذر إجماع من يُحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين (^١٤) (أو بما) أي: بطاهر (يشقُّ صون الماء عنه من نابت فيه، وورق
= الغصب والسرقة: كراهية ذلك، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك إلا مراعاة الخلاف وهو ليس بدليل معتبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مراعاة الخلاف" فعندنا ليس بدليل، وعندهم: دليل.
(^١١) مسألة: تجوز الطهارة بماء أخذ من بئر في مقبرة، أو سخن بشيء نبت في المقبرة: من بقل أو عشب أو شوك، ولكن هذا مكروه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم القطع بنجاسة الماء، أو غلبة الظن: صحة التطهر به، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يُحتمل وصول دهونات الأموات إلى ذلك الماء فيتضرر المسلم المتطهر به، فلذا كُره؛ حماية له.
(^١٢) مسألة: تصح إزالة النجاسة بماء زمزم مع الكراهة؛ للقياس؛ بيانه: كما يكره الاستنجاء باليد اليُمنى فكذلك هنا والجامع: التكريم في كل؛ حيث إن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم -كما ثبت عنه ﷺ وهذا تكريم له؛ فيُكره استعماله لما تستقذره العقول السليمة، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وهي: عدم تنفير الناس منه.
(^١٣) مسألة: تصح الطهارة بماء زمزم؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد دعا بسجل ماء زمزم فشرب وتوضأ" والغسل مثله، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين خاصة لمن هو داخل الحرم.
(^١٤) مسألة: تصح الطهارة بماء قد تغيَّر بسبب طول مكثه وإقامته في موضعه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد توضأ منه"، فإن قلتَ: لم صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المياه لا تخلو من تغيُّره بسبب ذلك، فلو مُنع المسلم منه أو =
[ ١ / ٣٤ ]
شجر) وسمك، وما تُلقيه الريح، أو السيول: من تبن ونحوه، (^١٥) فإن وُضع قصدًا وتغير به الماء عن ممازجة: سَلَبَه الطهورية (^١٦) (أو) تغيَّر (بمجاورة ميتة)
= كُرِه: للحق أكثر المسلمين الحرج، فإن قلتَ: يُكره التطهر به مع تغيُّره بذلك، وهو محكي عن محمد بن سيرين؟ قلتُ: لا يمكن كراهة التطهر بماء قد تغيَّر بما لا يمكن الاحتراز عنه للمشقة في ذلك، فإن قلتَ: لمَ حكى بعضهم الإجماع مع مخالفة ابن سيرين؟ قلتُ: لعله على مذهب من قال: إن قول الأكثر يُسمَّى إجماعًا، وهذا نسب إلى ابن جرير الطبري، ورواية عن الإمام أحمد، وهذا قد أبطلناه في "المهذب" و"الإتحاف" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التغيَّر بأي شيء مؤثِّر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعند ابن سيرين: نعم.
(^١٥) مسألة: تصح الطهارة بالماء الذي وقع فيه شيء طاهر يشق منعه، وهو لا يذوب فيه: كزروع، وأوراق أشجار، وسمك ونحو ذلك: سواء تغير هذا الماء أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فيشمل ويعم كل هذا كل ما يُطلق عليه ماء، وهذا الذي وقع فيه ذلك يطلق عليه ماء؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لم صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن المسلمين لو مُنعوا من التطهر بذلك، أو كره لهم ذلك: للحِقَ كثيرًا منهم حرج ومشقة؛ إذ أكثر المياه يقع فيها ذلك.
(^١٦) مسألة: لا يصح التطهر بالماء الذي وضع فيه مكلَّف شيئًا طاهرًا -كزروع وأوراق-، وكان قاصدًا لهذا، واختلط هذا الشيء في الماء، وتغيَّر بسببه، إما إن وضعه غير مكلَّف، أو كان مُكلفًا ولكنه وضعه من غير قصد، أو لم يختلط بالماء؛ أو لم يُغيِّره: فيصح التطهر به، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فالذي يطهر هو الماء المطلق، فإن عدم فالتيمم، فيدل مفهوم التقسيم هنا على: أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة، وهذا الذي وضع في الماء قصدًا، وذاب فيه وغيَّره هو ليس من جنس الماء: قد غيَّر اسمه، فلا يسمى بعد ذلك ماء مطلقًا، فلا يُطهر، فإن قلتَ: لمَ لا يصح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن هذه =
[ ١ / ٣٥ ]
أي: بريح ميتة إلى جانبه: فلا يُكره، قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه (^١٧)، (أو سُخِّن بالشمس أو بطاهر) مباح، ولم يشتد حرُّه (لم يُكره)؛ لأن الصحابة دخلوا الحمام، ورخَّصوا فيه، ذكره في "المبدع"، ومن كره الحمام: فعلَّة الكراهة: خوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعُّم بدخوله، لا كون الماء مُسخَّنًا (^١٨) فإن اشتدَّ حرَّه أو بَرْدُه: كُره؛ لمنعه كمال
= الأشياء قد تضرُّ بالمسلم إذا اختلطت بالماء الذي يُتطهر به، فحماية له، وحرصًا على تطهير المسلم: مُنع منه.
(^١٧) مسألة: يصح التطهر بالماء الذي تغيَّرت إحدى صفاته -اللون أو الريح أو الطعم- بسبب وجوده بجوار جيفة ميتة أو عَذَرَة أو أي شيء نتن؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا يشمله إطلاق الماء عليه؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع التطهر به أو كُره: للحق بالمسلمين من ذلك ضيق وحرج؛ لكثرة هذه المياه المتغيرة بسبب ذلك.
(^١٨) مسألة: يصح التطهر بالماء المسخن بالشمس عن قصد، والمسخن بحطب طاهر؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا عام -كما سبق بيانه-، فيطلق على المسخن اسم "الماء" المطلق، بقصد أو لا، بشمس أو حطب أو غيرهما، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم ينكر على ابن الأسلع بن شريك تسخينه للماء بحطب واغتساله به من الجنابة، فلو كان لا أو فيه كراهة لبينه ﷺ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ الثالثة: فعل الصحابي، وهو من وجهين: أولهما: أنه كان لعمر قمقمة يُسخن له فيها الماء، وكان كثير من الصحابة يعلمون ذلك ولا ينكرونه- كما ذكره الماوردي في "الحاوي" (١/ ٤١) -، ثانيهما: أن بعض الصحابة قد دخلوا الحمامات العامة، وهذا يلزم منه: استعمال الماء المسخن فيها، فإن قلتَ: لِمَ =
[ ١ / ٣٦ ]
الطهارة (^١٩) (وإن استُعمل) قليل (في طهارة مستحبَّة كتجديد وضوءُ وغسل جمعة) أو عيد ونحوه (وغَسْلَة ثانية وثالثة) في وضوء أو غسل: (كُره)؛ للخلاف في سلبه الطهورية، فإن لم تكن الطهارة مشروعة كالتَّبرُّد: لم يُكره (^٢٠) (وإن
= صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء قد يكون باردًا جدًا يضر بالمسلم استعماله، فدفعًا لذلك شُرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُكره التطهر بالماء المسخن، وهو محكي عن مجاهد وبعض العلماء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة لم يدخلوا الحمامات، فيلزم من ذلك: كراهتهم لذلك؛ نظرًا لكون الماء فيها مُسخنًا، قلتُ: إن علَّة كراهة السلف -من صحابة وفقهاء- دخول الحمامات العامة هي: الحفاظ على ستر عوراتهم، أو لنبذ التنعم في الدنيا؛ حتى يتحصَّلوا عليه في الجنة -إن شاء الله- والتعلُّم على الخشونة في العيش، وليست العلة كون الماء مسخنًا؛ لأنها بعيدة ولا يصح التعليل بالبعيد؛ تنبيه: قوله: "مباح" قلتُ: فيه تفصيل قد بيناه في مسألة (١٠)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل علة عدم دخول أكثر الصحابة الحمامات هي: تكون الماء مسخنًا أو لا؟ "، فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^١٩) مسألة: تصح الطهارة بماء شديد الحرارة، أو شديد البرودة ولكن مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة إطلاق اسم الماء عليه: صحة التطهر به، ويلزم من صعوبة إكمال التطهر به: كراهة استعماله، فإن قلتَ: لِمَ تصح هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في استعماله توسعة للناس، وفي كراهيته حماية المسلم من الأذى بحرارته أو برودته.
(^٢٠) مسألة: تصح الطهارة بماء قليل قد استعمل للتنظيف والتَّبرُّد بلا كراهة إجماعًا، وكذلك: تصح الطهارة بماء -قليل قد استعمل بطهارة مشروعة مستحبة- كأن يُجدِّد به وضوءًا، أو يغتسل به لجمعة- وهذا بلا كراهة للقياس، =
[ ١ / ٣٧ ]
بلغ) الماء (قُلَّتين) تثنية قُلة، وهي: اسم لكل ما ارتفع وعلا، والمراد هنا: الجرة الكبيرة من قلال "هجر"، وهي قرية كانت قرب المدينة (وهو الكثير) اصطلاحًا (وهما) أي: القلتان (خمسمائة رطل) -بكسر الراء وفتحها- (عراقي تقريبًا) فلا يضرُّ نقص يسير كرطل ورطلين، وأربعمائة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل مصري، ومائة وسبعة وسُبُع رطل دمشقي، وتسعة وثمانون وسُبُعًا رطل حلبي، وثمانون رطلًا وسُبُعان ونصف سبع رطل قدسي؛ فالرطل العراقي: تسعون مثقالًا: سُبُع القدسي وثمن سُبُعه، وسُبُع الحلبي ورُبُع
= بيانه: كما أن الماء المستعمل للتبرد والتنظيف يتطهر به بلا كراهة إجماعًا، فكذلك الماء المستعمل لطهارة مشروعة مستحبة، والجامع: أن كلًا من الاستعمالين لم يُزل به حدثًا -وهو: المانع من الصلاة- فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ لو مُنع من التطهر بهذا الماء أو كُره: للحق كثيرًا منهم الحرج والضيق، فدفعًا لذلك: شُرع هذا؛ فإن قلتَ: إن الماء المستعمل لطهارة مشروعة مُستحبة: يُتطهر به ولكن مع الكراهة -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ لمراعاة الخلاف؛ حيث إن جمهور العلماء قالوا: يُتطهر به مطلقًا وبعض العلماء قال: لا يُتطهر به مطلقًا ولكلٍ دليل، فروعي هذا كله واختير مذهبًا وسطًا وهو صحة التطهر به مع الكراهة، قلتُ: إن هذا الدليل -وهو مراعاة الخلاف- ضعيف عند جمهور العلماء -ومنهم الحنابلة- قال الشاطبي في "الاعتصام" (١/ ٣٢) -"إن مراعاة الخلاف هو مراعاة دليل المخالف في بعض الأحوال، وهو أصل عند مالك وقد ضعَّفه أكثر العلماء"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل مراعاة الخلاف دليل أو لا؟ " فعندنا: ليس بدليل وعندهم: دليل تنبيه: المقصود بالماء القليل: ما هو أقل من قلتين، وهو خمس قرب تقريبًا وسيأتي بيانه.
[ ١ / ٣٨ ]
سُبُعه، وسُبُع الدمشقي ونصف سُبُعه، ونصف المصري ورُبُعه وسُبُعه (^٢١) (فخالطته نجاسة) قليلة أو كثيرة (غير بول آدمي أو عذرته المائعة) أو الجامدة إذا ذابت فيه (فلم تُغيِّره): فطهور؛ لقوله ﷺ: "إذا بلغ الماء قلتين لم يُنجسه شيء" وفي رواية: "لم يحمل الخبث" رواه أحمد وغيره، قال الحاكم: "على شرط الشيخين" وصححه الطحاوي، وحديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وحديث: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه":
(^٢١) مسألة: يُحدَّد الماء الكثير اصطلاحًا: بما بلغ قُلَّتين من قلال هَجَر، وكل قلة: تسعُ قربتين ونصفًا، وكان مجموع القلتين: خمس قِرب، وكل قربة تسعُ: "مائة رطل عراقي"، فيكون المجموع خمسمائة رطل، ومساحته من الواقع في الأرض: "ذراع وربع طولًا، وذراع وربع عرضًا" وذلك بذراع يد الرجل المتوسط، ويُحدَّد الماء القليل بما دون القلتين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا بلغ الماء قلتين: لم يحمل الخبث"، فدل بمنطوقه على أن الماء الكثير لا يحمل الخبث والنجس إذا وضع فيه، وحُدِّد بما يبلغ قلتين، ودل بمفهوم العدد على أن الماء القليل هو الذي يحمل النجس وهو الذي لم يبلغ قلتين، فإن قلتَ: لم حُدِّد ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث يعرف الناس الماء الذي يتطهر به عند وقوع نجاسة فيه -وهو الكثير- والماء الذي لا يتطهر به عند وقوع تلك النجاسة فيه، فإن قلتَ: لِمَ سميت بالقلة؟ قلتُ: لأن الرجل القوي يحملها ويقلُّها ويرفعها عن الأرض، فإن قلتَ: لِمَ سميت بهذا الاسم مع أن المراد بها الجرَّة؟ قلتُ: لأن العرب لا يعرفون الجرار، ويعرفون القلال وهو: إناؤهم -كما في "الصحاح" (٥/ ١٨٠٤) - تنبيه: ذكر المصنف الأوزان والأرطال المستعملة في عصره في نواحي البلدان الإسلامية.
[ ١ / ٣٩ ]
يُحملان على المقيد السابق (^٢٢)، وإنما خُصَّت "القلتان" بقلال هجر؛ لوروده
(^٢٢) مسألة: تصح الطهارة بالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة وخالطته ولم تُغيِّر إحدى صفاته -اللون أو الرح أو الطعم- كروث حمار ونحوه -غير بول آدمي وعذرته-؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" فأيُّ نجاسة وقعت في ماء كثير -وهو ما بلغ قلتين-: فإنها لا تنجسه سواء كانت كثيرة أو قليلة؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، ودل مفهوم العدد منه على أن النجاسة إذا وقعت في ماء قليل: فلا يُتطهر منه: سواء كانت تلك النجاسة قليلة أو كثيرة، وسواء غيرت صفة من صفات الماء أو لا، وهذا ثبت بعموم مفهوم العدد الثانية: التلازم؛ حيث إن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يغلب على ظننا عدم وصول النجاسة إلى كثير من أجزاء الماء؛ نظرًا لكثرته فيلزم من ذلك صحة التطهر به، أما الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة: فإنه يغلب على ظننا وصول النجاسة إلى أكثر أجزاء الماء؛ نظرًا لقلته وكونه محصورًا فيلزم من ذلك: عدم صحة التطهر به؛ لأن العقول السليمة تستقذر ذلك، ومعروف: أن المحظور إذا اختلط بالكثير: صار حكم الإباحة أغلب كمن اختلطت أخته بنساء بلد كبير: فإنه يحل الزواج بأي واحدة منهن، أما إذا اختلط المحظور بالقليل: فإنه يصير حكم الحظر أغلب كمن اختلطت أخته بعشرة نسوة: فإنه لا يحل الزواج بتلك العشر، فإن قلتَ: لِمَ صح التطهر بالكثير دون القليل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المياه الكثيرة توجد عادة على الطرقات فلا تخلو من نجاسات، فلو مُنع الناس من التطهر بها: لَلَحِقَ كثيرًا من الناس حرج وضيق، فدفعًا لذلك شرع هذا، فإن قلتَ: تصح الطهارة بالماء الكثير والقليل ولو وقعت فيهما نجاسة لم تُغيِّر أحد أوصافه، وهو قول أكثر المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة كابن تيمية وابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الماء طهور لا يُنجسه شيء" وقوله: "الماء لا =
[ ١ / ٤٠ ]
في بعض الفاظ الحديث؛ ولأنها كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار، (^٢٣)
= ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه ولفظ "الماء" اسم جنس محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل الماء القليل والكثير، قلتُ: نسلِّم لكم أن الحديثين عامَّان للكثير والقليل، ولكي خُصِّصا بمنطوق، ومفهوم العدد من حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وهو: تخصيص السنة بالسنة وهو جائز، ويزيد الحديث الأول بأنه مخصَّص بالواقع؛ حيث إنه ورد بسبب سؤال ﷺ عن بئر بضاعة هل يُتوضأ منها مع أنه يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ -كما ورد في حديث أبي سعيد- والواقع: أن بئر بضاعة كان كثير الماء، فخصَّصنا الحديث به، فإن قلتَ: كيف يستدل بحديث القلتين ويُخصص به أنه ضعيف -كما قال كثير من المحدثين إنه مضطرب السَّند-؟ قلتُ: إن نجوم أهل الحديث قد صحَّحوه، وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء، وهم القدوة وعليهم المعوَّل في هذا الباب- نقله النووي في "المجموع" (١/ ١١٢) - عن الخطابي، وإسناده على شرط مسلم- كما قال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الطحاوي وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٤٦)، فإن قلتَ: إن لفظ "الماء" الوارد في حديث القلتين مخصص بالماء الجاري، ولا يعم الراكد؟ قلتُ: إن تحديده بالقلتين يلزم منه بطلان هذا القول؛ لأن الجاري لا يمكن تحديده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث القلتين صحيح أو لا؟ " فعندنا نعم، لذا خصصنا به الحديثين السابقين، وعندهم: لا. فيبقى الحديثان على عمومهما للقليل والكثير عندهم.
(^٢٣) مسألة: يحدد الماء الكثير والقليل بقلال هجر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا" كما أورده الخطابي في "المعالم" (٩) رواية في حديث القلتين، وهذه الزيادة بالتحديد مقبولة؛ لأنها زيادة ثقة، الثانية: التلازم؛ حيث إن قلال هجر مشهورة، =
[ ١ / ٤١ ]
قال ابن جُريج: "رأيتُ قِلال هجر فرأيتُ القلة تسع قربتين وشيئًا"، والقربة: مائة رطل بالعراقي، والاحتياط: أن يُجعل الشيء نصفًا، فكانت القُلَّتان: خمسمائة بالعراقي (^٢٤) (أو خالطه البول أو العَذْرَة) من آدمي (ويشقَّ نزحُه كمصانع طريق مكة: فطهور) ما لم يتغير، قال في الشرح: "لا نعلم فيه خلافًا" (^٢٥) ومفهوم كلامه: أن ما لا يشقُّ نزحه ينجس ببول الآدمي أو عذرته المائعة
= معلومة الصفة والمقدار من قِبل كثير من الناس الساكنين في المدينة وما حولها؛ لأن المقصود بـ "هجر" قرية تقع بقرب المدينة -كما في "معجم البلدان" (٤/ ٩٥٢) -وليست "هجر" البحرين؛ لأن بلد البحرين بعيد فلا يمكن أن يحدد لأهل المدينة ومن حولها بشيء لا يعرفونه، فلزم من ذلك كله: أن تحديد قليل الماء وكثيره يكون بقلال هجر.
(^٢٤) مسألة: تحديد القلتين بخمسمائة رطل -أو خمس قرب- هو: تحديد تقريبي، وبناء عليه: لا يضر نقصٌ يسيرٌ لا يتجاوز الرطل أو الرطلين؛ للتلازم؛ حيث إن التردد الوارد في نقل ابن جُريج حيث قال: "رأيتُ قلال هجر، فرأيتُ القلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا" يلزم منه أن هذا التحديد تقريبي، فإن قلتَ: لِمَ جُعل "الشيء" نصفًا؛ حتى قلتم: إن القلة تسع قربتين ونصفًا؟ قلتُ: إن الشيء خفي التقدير، وهو أقل من النصف ولكن يُجعل نصفًا؛ احتياطًا؛ نظرًا لخفائه، ثم إن القربة الثالثة متبعِّضة: فبعضها من جملة القلة، وبعضها الآخر ليس منها، وليس أحدهما بأولى من الآخر: فوجبت التسوية بين البعضين، فإن قلتَ: لِمَ كان التحديد تقريبيًا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس فلو حُدد ذلك بتحديد دقيق لَلَحِق بعض المسلمين الحرج والضيق من هذه الدِّقة الشديدة، فدفعًا لذلك: كان التحديد تقريبيًا.
(^٢٥) مسألة: يصح التطهر بالماء الكثير الذي وقع فيه بول آدمي أو عذرته، واختلط به بشرطين: أولهما: أن يشقُّ نزح هذه النجاسة، ثانيهما: أن لا تُغيِّر =
[ ١ / ٤٢ ]
أو الجامدة إذا ذابت فيه ولو بلغ قلتين وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين، قال في "المبدع": "ينجس على المذهب وإن لم يتغير"؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" متفق عليه، وروى الخلَّال بإسناده: "أن عليًا ﵁ سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها"، وعنه: أن البول والعذرة كسائر النجاسات: فلا ينجس بهما ما بلغ قلتين إلا بالتَّغيُّر، قال في "التنقيح": "اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر" أ. هـ، ولأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد عن نجاسة بول الكلب (^٢٦) (ولا يرفع حدث رجل) وخنثى (طهور يسير) دون القلتين (خَلَت
= تلك النجاسة واحدًا من أوصاف هذا الماء -كما يقع في المياه التي تُجمع في طرق الحُجاج والمعتمرين-؛ للتلازم؛ حيث إن حاجة الناس لهذه المياه، ومشقة نزح وإزالة النجاسة عنه، وعدم تغيير صفة من صفاته، ووجود غلبة الظن على أن النجاسة لم تصل إلى أكثر جزئيات الماء؛ لكثرته: يلزم منه: صحة التطهر به؛ لعدم المانع، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن مثل هذه المياه تقع فيها تلك النجاسات غالبًا؛ لكثرة ما ينزل الناس حولها، فلو مُنع الناس من التطهر به: للحقهم حرج ومشقة.
(^٢٦) مسألة: لا تصح الطهارة بالماء إذا وقعت فيه نجاسة اختلطت فيه، ولم يشق نزحها وإخراجها منه: سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وسواء تغيَّر بهذه النجاسة أو لا؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" حيث نهى الشارع عن البول في هذا الماء، ويلزم من هذا النهي: أن الماء يفسد بالبول؛ لكونه مستقذرًا، ويُراد من الاغتسال التطهر، فيتناقضان، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه مطلق؛ إذ لو لم يكن البول مفسدًا للماء: لما نهي عن الاغتسال فيه، وهذا عام للقليل والكثير، المتغير وغيره؛ لأن "الماء" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم =
[ ١ / ٤٣ ]
به) كخلوة نكاح (امرأة) مكلَّفة ولو كافرة (لطهارة كاملة عن حَدَث)؛ "لنهي النبي
= الثانية: القياس الأولى، بيانه: كما أن هذا الحكم ورد في البول والاغتسال فكذلك يكون في العَذْرَة؛ لأنها نجاسة مغلَّظة، ويكون في الوضوء من باب أولى، والجامع: النجاسة في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث "إن عليًا قد سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها" ولم يسأل هل تغيَّر الماء أو لا؟، وهل الماء قليل أو كثير؟ مما يدل على أن النجاسة تبطل التطهر بالماء مطلقًا، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الطهارة بهذا الماء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء إذا وقع فيه بول أو عذرة الآدمي تستقذره النفوس السليمة، وقد يُصيب المسلم بعض الأمراض المعدية بسبب استعمالهِ، فإكرامًا لأنفس المسلمين، وحماية لهم من الأمراض: شرع هذا الحكم، وأبدل بالتيمم، فإن قلتَ: يصح التطهر بالماء الكثير -وهو ما بلغ قلتين- إذا وقع فيه بول أو عذرة ولم تتغير إحدى صفاته -اللون أو الطعم أو الرائحة-، وهذا رواية عن أحمد، وقول أكثر متأخري الحنابلة؛ للقياس، بيانه: كما أن سائر النجاسات -كروث حمار أو بول كلب- إذا وقعت في ماء كثير وتغيَّرت إحدى صفاته بسببه: فلا تصح الطهارة به، وإذا لم تتغير إحدى صفاته: فيُتطهر به -كما سبق- فكذلك بول الآدمي وعذرته مثلها، والجامع: النجاسة في كل، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأمرين: أولهما: أنه قياس مع النص -وهو قوله ﷺ: "لا يبولنَّ أحدكم … " وقد بيناه، ثانيهما: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إن بول وعذرة الآدمي نجاسة مغلظة تستقذره النفوس والطباع السليمة عادة، ولا تتحمل وقوعه على بدن أو ثوب أو مكان، بخلاف غيرها مما يخرج من أيِّ حيوان فلا يوجد فيه هذا الاستقذار الشديد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص"، فعندنا: يعمل بالنص، وعندهم: يعمل بالقياس، وكذا: "هل النجاسات متماثلة في الحكم أو لا؟ " فعندنا: لا، لأن بعضها أغلظ وأقذر من بعضها الآخر، وعندهم: لا فرق بينها.
[ ١ / ٤٤ ]
ﷺ: أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، قال أحمد -في رواية أبي طالب- كثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك"، وهو تعبُّدي، وعُلِم مما تقدم: أنه يزيل النجس مطلقًا، وأنه يرفع حَدَث المرأة والصبي، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب، ولا بالماء الكثير، ولا بالقليل إذا كان عندها من يُشاهدها، أو كانت صغيرة، أو لم تستعمله في طهارة كاملة، ولا لما خَلَت به لطهارة خَبَث، فإن لم يجد الرجل غير ما خَلَت به لطهارة الحدث: استعمله، ثم تيمم وجوبًا (^٢٧)، النوع الثاني -من المياه-: الطاهر غير المطهر، وقد أشار إليه بقوله: (وإن
(^٢٧) مسألة: تصح طهارة الرجل بالماء الذي خلت به امرأة أو خنثى وتطهرت به عن حَدَث إذا لم تتغير صفة من صفاته ولو كان قليلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الماء ليس عليه جنابة" -لما أراد أن يغتسل من جفنة قد اغتسلت ميمونة بما فيها من ماء- وهذا يلزم منه أن الماء إذا لم يتغيَّر: فإنه يبقى على طهوريته وإن اغتسلت به امرأة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يغتسل بفضل ميمونة" ولفظ "كان" تدل على الدوام؛ لأنها من صيغ العموم في الأزمان، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يخلو بيت من وجود امرأة فيه، ولا يخلو أيُّ ماء من أن تخلو امرأة لترفع حدثها به، ومعروف شُحِّ المياه المستعملة في أكثر بلدان الإسلام، فلو مُنع التطهر بالماء الذي خلت به امرأة: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة: فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُحتمل أن ميمونة لم تخلُ بالماء، فلذا استعمله النبي ﷺ، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فلا يصح الاستدلال بحديث ميمونة، -كما نقل في "المغني" (١/ ٢٨٤) - قلتُ: هذا الاحتمال بعيد جدًا- للعرف والعادة؛ حيث إن العادة أن الإنسان إذا أراد غسل بدنه أنه يقصد الخلوة، فإذا كان الاغتسال عن جنابة والمغتسلة امرأة، وهي من أمهات =
[ ١ / ٤٥ ]
تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه) أو كثير من صفة من تلك الصفات، لا يسير منها (بطبخ) طاهر فيه (^٢٨) (أو) بطاهر من غير جنس الماء لا يشق صونه عنه (ساقط
= المؤمنين، وزوجها النبي ﷺ: فهو آكد أن تخلو بنفسها، فإذا كان الاحتمال بعيدًا فلا يجوز تأويل فعله ﷺ؛ لأن المعنى المأوَّل إليه إذا كان بعيدًا فالحمل عليه مكابرة ومعاندة، فإن قلتَ: لا تصح طهارة الرجل بماء قليل قد خلت به امرأة وتطهرت به تطهرًا كاملًا عن حدث، وهذا مطلق -وهو الذي ذهب إليه أكثر الحنابلة- وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث: "نهى ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة"- كما روى ذلك الحكم بن عمرو القفاري -والنهي هنا، مطلق فيقتضي الفساد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث نقل عن ابن عمر وعبد الله بن سرجس أنهما كانا ينهيان عن ذلك، ونقله الإمام أحمد عن أكثر الصحابة، قلتُ: أما حديث الحكم بن عمرو فضعيف -كما ذكر ذلك الخطابي في "المعالم" (١/ ٤٦) - وعلى فرض صحته: فإن حديث ميمونة يُرجّح عليه؛ لأنه اجتمع فيه القول والفعل، بخلاف حديث الحكم فهو قول فقط، أما قول الصحابي: فلا يُعمل به؛ لمعارضته السنة القولية والفعلية، تنبيه: قوله: "وعُلم مما تقدم" إلى قوله: " … لطهارة خبث" قلتُ: هذا تفريع على مذهب أكثر الحنابلة المرجوح هنا، تنبيه آخر: قوله: "فإن لم يجد الرجل" إلى قوله: "وجوبًا" يُقصد أن يجمع الرجل بين وضوئه أو غسله وبين التيمم، قلت: هذا فيه جمع بين مطهرين، وهذا لا يجوز؛ لمخالفته للقاعدة وهي: "عدم جواز الجمع بين مطهرين" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث الحكم صحيح أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: صحيح.
(^٢٨) مسألة: لا تصح الطهارة بالماء الطاهر -وهو: الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره- وهو: الذي امتزج فيه شيء مطبوخ فيه غيَّر إحدى صفاته: -اللون أو =
[ ١ / ٤٦ ]
فيه) كزعفران، لا تراب ولو قصدًا، ولا ما لا يُمازجه مما تقدَّم: فطاهر؛ لأنه ليس بماء مطلق (^٢٩) (أو رفع بقليله حَدَث) مكلَّف، أو صغير: فطاهر؛ لحديث
= الطعم أو الرائحة -كأن يُطبخ فيه لحمًا أو حمُصًا، أو قهوة أو شايًا، فصار مرقًا، أو صبغًا؛ للكتاب، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فالذي يُستعمل في الطهارة الماء، فإن تعذَّر فالتيمم، ولا ثالث لهما، وهذا الذي طَبخ فيه شيء طاهر فغيَّر اسمه من "ماء" إلى مَرَق، أو خلِّ، أو قهوة أو شاي: لا يُسمى "ماء" فلا يُتطهر به؛ نظرًا لمفهوم التقسيم حيث إن ذلك ليس ماءً ولا ترابًا، فإن قلتَ: لِمَ لا يُطهِّر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الماء قد فقد صفات الماء المطهر وهي: الدقة والرقة والجريان السريع -أو أكثر تلك الصفات- حيث إنه بعد طبخ هذه الأمور فيه: صار لزجًا غليظًا، فلا يحصل الغرض الذي من أجله شُرعت الطهارة له، بل قد يؤدي إلى بعض الأمراض؛ حيث إنه قد يكون سببًا في تجمع كثير من الأتربة والأوساخ فيه.
(^٢٩) مسألة: تصح الطهارة بماء قد سقط فيه شيء طاهر كتمر أو حبوب أو زعفران، أو تراب ولم تطبخ هذه الأشياء فيه سواء تغيَّرت بعض صفاته أو لا؛ وسواء شق صون الماء منها أو لا؛ وسواء كان من جنس الماء أو لا؛: للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دل هذا على صحة التطهر بكل شيء يُطلق عليه ماء؛ لأن "ماء" نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، وهذا الذي سقط فيه من تلك الأمور الطاهرة ولم تطبخ فيه: يُطلق عليه اسم "الماء"؛ إذ لم يسلبه ذلك رقته ولا دقته ولا سرعة سيلانه فيُتطهر منه، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع المسلمون من التطهر بهذا الماء: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة لكثرة ما يقع في الماء من هذه الأشياء، فإن قلتَ: لا تصح الطهارة في هذا الماء -كما قال أكثر =
[ ١ / ٤٧ ]
أبي هريرة: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب" رواه مسلم، وعلم منه: أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبَّين طهور -كما تقدم-، وأن المستعمل في رفع الحدث إذا كان كثيرًا: طهور، لكن يكره الغُسل في الماء الراكد (^٣٠)
= الحنابلة ومنهم المصنف؛ حيث إنه طاهر غير مطهر؛ للتلازم؛ حيث إن الماء الذي يُتطهر به هو: الماء المطلق، وعدم كون هذا الماء مطلقًا؛ حيث يقال مثلًا: "هذا ماء زعفران" يلزم منه: عدم صحة التطهر منه إذا كان الساقط من غير جنس الماء، أو لا يشق صون الماء منه، أو مازجه، أو قصد وضعه، قلتُ: هذا لا يلزم، بل يُطلق عليه اسم "الماء" نظرًا لكونه لم يُطبخ فيه فلم يمازجه. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل هذا الماء مطلق أو لا؟ ". فعندنا مطلق، وعندهم لا.
(^٣٠) مسألة: لا تصح الطهارة بماء قليل استعمله رجل في رفع حدثه؛ لكونه طاهرًا غير مطهر لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب" حيث دلّ منطوقه على تحريم الاغتسال عن الجنابة بالماء الراكد، وأنه لو اغتسل به لأفسده على غيره؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد؛ حيث إنه لو لم يُفد منعه سلب الطهورية عن ذلك الماء: لما نهى عنه؛ إذ لا فائدة منه إلا ذلك، وهو من باب مفهوم الصفة، أو التلازم، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث إن الصحابة كانوا إذا أزالوا حدثهم بماء: أراقوه، أو استعملوه لغير الطهارة، فلو صح التطهر به -بعد استعماله- لما فعلوا ذلك، ولحرصوا على استعماله مرة أخرى لا سيما في الأسفار؛ إذ المياه تقل فيها، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الطهارة به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الرجل قد أزال حدثه به، وانتقلت نجاسته إليه، وغلب على الظن وصولها إلى أجزاء الماء؛ لأنه قليل يحويه إناء، والنفوس تستقذر الماء الذي صفته كذلك، وما تستقذره النفوس لا يمكن أن يُتعبد الله به؛ ويكون أثره منعكس على نفسية ذلك المتطهر بالسوء والكراهية، وقد يتأدَّى بذلك؛ حيث سينتقل ما في الأول من الأوساخِ والأقذار والأمراض إلى المستعمل الثاني، فدفعًا لذلك شرع هذا، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد الماء بالقليل؟ قلتُ: لكونه =
[ ١ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يغلب على الظن نجاسته، ووصول تلك النجاسة إلى جميع أجزاء الماء، بخلاف الماء الكثير فإنه يكون طهورًا وإن تطهر به رجل؛ لكونه يغلب على الظن عدم وصول النجاسة أو الوسخ إلى جميع أجزاء الماء، وللاحتراز عن الأضرار: كُره استعماله -وإن كان كثيرًا- بعد ما استعمله رجل في رفع حدثه، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك برفع الحدث؟ قلتُ: لإخراج الماء القليل الذي استعمله الرجل في طهارة مستحبة لتجديد وضوء أو غسل الجمعة -كما سبق ذكره- أو الماء القليل الذي غسل به الرجل عضوًا واحدًا ولم يُرفع به حدثًا فهذا يصح التطهر به، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك باستعمال الرجل دون المرأة؟ قلتُ: لأن الرجل يصح أن يتطهر بماء قليل قد رفعت امرأة حدثها به - وهو حكم مستثنى- للسنة القولية والفعلية الوارد في حديث ميمونة -كما سبق بيانه في مسألة (٢٧) - فإن قلت: لِمَ جعلتم هذا الماء طاهرًا ولم يكن نجسًا؟ قلتُ: لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد توضأ بماء، ثم صبَّه على جابر -وهو مغمى عليه- فلو كان الماء المستعمل في طهارة رجل نجسًا: لما جاز ذلك، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث إنهم كانوا يتوضأون ويتقاطر من الماء الذي يتوضأون به بعض القطرات على ثيابهم وأبدانهم ولم يكونوا يغسلون ذلك: فلو كان نجسًا: لغسلوا ما سقط عليه، فإن قلتَ: تصح الطهارة من هذا الماء وإن رُفع به حدث رجل؛، وهو قول قد حُكي عن بعض الحنفية ورواية عن أحمد، للقياس، بيانه: كما أن الماء المستعمل في طهارة مستحبة تصح الطهارة منه فكذلك الحال هنا، والجامع: الاستعمال في كل، قلتُ: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الماء المستعمل في رفع حدث قد أزيل به مانع من الصلاة، أما الماء المستعمل لطهارة مستحبة: فلم يرفع به حدث، فتصح الصلاة بدونه، ولا قياس مع الفارق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة والإجماع" فعندنا: يُقدَّمان على القياس، وعندهم: يقدم القياس عليهما هنا، وكذا: "هل رفع الحدث بالماء مؤثر فيه أو لا؟ " فعندنا نعم، وعندهم: لا.
[ ١ / ٤٩ ]
ولا يضرُّ اغتراف المتوضيء؛ لمشقة تكرره (^٣١)، بخلاف من عليه حَدَث أكبر، فإن نوى وانغمس هو، أو بعضه في قليل: لم يرتفع حَدَثه، وصار الماء مستعملًا (^٣٢)، ويصير الماء مستعملًا في الطهارتين بانفصاله، لا قبله ما دام مُترددًا على الأعضاء (^٣٣) (أو غُمس فيه) أي: في الماء القليل كل (يد) مسلم مكلَّف (قائم من
(^٣١) مسألة: يباح للمتوضيء أن يغترف بيده من ماء قليل في إناء، ويستحب: أن يغسل كفه الذي يريد أن يغترف فيه بإمالة الإناء عليه، ثم يبدأ يغترف به ليغسل جميع الأعضاء؛ للمصلحة؛ حيث إن إمالة الإناء ليصب الماء على اليد في كل مرة يغسل بها عضو يشقُّ، نظرًا لكثرة تكراره في اليوم والليلة، فدفعًا لذلك شُرع هذا الحكم.
(^٣٢) مسألة: لا يجوز للمتطهر من حدث أكبر كجنابة: أن يعترف بيده من ماء قليل، فإن اغترف بها: فإن هذا يضرُّ الماء، ويكون مستعملًا، وحدثه لا يرتفع باستعماله؛ للقياس، بيانه: كما لو استعمل هذا الماء شخص آخر: فإنه يكون مستعملًا، فكذلك لو أدخل يده فقط في هذا الماء فإنه يكون مستعملًا، والجامع: أن كلًا منهما نوى إزالة حَدَثه بهذا الماء وأدخل عضوًا نجسًا فيه، فالمستعمل له نوى باستعماله رفع حدثه، والمغترف نوى بإدخال يده إزالة حدثه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا في الماء القليل؟ قلتُ: لأنه يغلب على ظننا وصول النجاسة إلى جميع أجزاء الماء القليل؛ بخلاف الكثير -وهو البالغ قلتين- فإنه يرتفع حدثه ولو انغمس كله فيه؛ لأنه لا يحمل الخبث، أي: يغلب على ظننا عدم وصول النجاسة إلى جميع أجزائه.
(^٣٣) مسألة: يكون الماء مستعملًا -لا يصلح للتطهر به- إذا انفصل عن بدنه في طهارة الحدث الأصغر والأكبر، أما قبل انفصاله عن أيِّ عضو، أو كان مترددًا بين الأعضاء: فإنه لا يكون مستعملًا فيجوز التطهر بذلك، للتلازم؛ حيث إن =
[ ١ / ٥٠ ]
نوم ليل ناقض لوضوء) قبل غسلها ثلاثًا: فطاهر: نوى الغسل بذلك الغمس أولا، وكذا: إذا حصل الماء في كلها، ولو باتت مكتوفة أو في جراب ونحوه؛ لحديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يُدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده؟ " رواه مسلم، ولا أثر لغمس يد كافر وصغير ومجنون، وقائم من نوم نهار، أو ليل إذا كان نومه يسيرًا لا ينقض الوضوء، والمراد بـ "اليد" هنا: إلى الكوع، ويستعمل هذا الماء إن لم يجد غيره، ثم يتيمم، (^٣٤)
= الفراغ من استعمال الماء وانحطاطه في إناء -مثلًا- يصدق عليه اسم المنفصل عن البدن، فيلزم إطلاق اسم الماء المستعمل عليه، ويلزم من عدم الفراغ منه، وعدم انعزاله عن الأعضاء: أنه لازال في الاستعمال، فلا يصدق عليه اسم الماء المستعمل، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد الماء المستعمل بهذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ حيث إن الشخص لو فرغ من الغسل من الجنابة، ورأى بُقعة لم يُصبها الماء، فإنه يجوز له أن يعصر عليها بعض شعر رأسه أو لحيته، ويغسل تلك البقعة؛ لكونه غير منفصل، وهذا بلا شك أيسر له من العودة للاغتسال مرة أخرى.
(^٣٤) مسألة: تصح الطهارة بماء قد غُمست فيه يد شخص: سواء كان مُكلَّفًا أو لا، مسلمًا أو لا، وسواء كان قائمًا من نوم ليل أو نهار، وسواء كان هذا النوم ينقض الوضوء أو لا، وسواء كان هذا الماء قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت اليدان مطلقتين أو لا، وهو قول الجمهور لقواعد: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله: أغسل وجهك وذراعيك .. " حيث أمر الشارع من أراد الوضوء في هذين النصين" أن يبدأ وجوبًا بغسل الوجه فلم يقدم عليه وجوب غسل الكف، وهذا عام فيمن قام من نوم أو غيره؛ لأن "واو الجمع" من صيغ العموم، ولأن الخطاب لواحد من الأمة هو خطاب لجميع الأمة إذا لم يرد ما =
[ ١ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يخصصه ولأن هذا مطلق في الزمان، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجب غسل الكف قبل إدخاله في الإناء عند وضوء غير القائم من النوم، فكذلك لا يجب غسل الكف عند وضوء القائم من النوم والجامع: أن النجاسة لم يغلب على الظن وجودها في الحالين، فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة بهذا الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء؟ قلتُ: لأن نجاسة اليد مشكوك فيها، والشك لا تُبنى عليه أحكام، فإن قلتَ: لا تصح الطهارة بماء قليل قد غُمست فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء، وهو مسلم مكلف؛ لكونه طاهرًا غير مطهر، وإذا لم يجد غيره: فإنه يستعمله، ثم يتيمم -وهو ما ذكره المصنف هنا- للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يُدخلهما في الإناء ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده"؛ حيث أوجب غسل اليدين هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولا فائدة لهذا الأمر إلا لأن إدخالهما بدون غسلهما يسلب طهورية الماء، قلتُ: إن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأنه أمر بغسل اليد للشك في النجاسة ودلَّ على هذا قوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده؟ " قال الماوردي في "الحاوي" (١/ ١٠٢): "لأن القوم كانوا يستعملون الأحجار وينامون فيعرقون، وربما وقعت أيديهم على موضع النجاسة فنجست، وهذا متوهَّم، فتكون نجاستها مشكوكًا فيها، وما وقع الشك في تنجيسه: لم يجب غسله، وإنما يُستحب؛ لأن الشك لا يثبت أحكامًا" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الأمر في الحديث الأخير للوجوب فيخصص الآية والحديث الأول أو لا؟ "، فعندنا: لا، وعندهم: نعم. فإن قلتَ: لِمَ قال هنا: "فإن لم يجد غيره يستعمله ثم يتيمم"؟ قلتُ: لأن الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل صار طاهرًا غير مطهر عند أكثر الحنابلة، فلا ينجس استعماله، ويُتيمم احتياطًا، ولكن أقول: لا فائدة من استعماله إذا لم يكن مُطهرًا، ولا يُجمع بين طهورين - كما سبق بيانه- تنبيه" قوله "وكذا إذا حصل الماء" إلى قوله: "إلى الكوع" هذا تفريع على المذهب المرجوح، وهو مذهب بعض الحنابلة ومنهم المصنف هنا.
[ ١ / ٥٢ ]
وكذا: ما غُسل به الذكر والأنثيان؛ لخروج مذي، دونه؛ لأنه في معناه (^٣٥)، وأما ما غُسل به المذي: فعلى ما يأتي (^٣٦) (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) وانفصل غيرُ متغيِّر: (فطاهر)؛ لأن المنفصل بعض المتصل، والمتصل طاهر (^٣٧)، النوع الثالث: "النَّجس" وهو: ما أشار إليه بقوله: (والنّجس: ما تغيَّر بنجاسة) قليلًا كان أو كثيرًا، وحكى
(^٣٥) مسألة: تصح الطهارة بماء قليل غُسل فيه الذكر والخصيتان بعد أن أخرج مذيًا -وهو: ما خرج لزجًا عند الشهوة-، للقياس، بيانه: كما أن الماء القليل إذا غُمست فيه يد قائم من النوم تصح الطهارة به -كما سبق في مسألة (٣٤) - فكذلك هنا، والجامع: أن النجاسة مشكوك فيها، ولا تُبنى على الشك أحكام، فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة منه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، تنبيه: عند المصنف: "لا تصح الطهارة بذلك، فإن لم يجد غيره: استعمله مع التيمم، وهذا مرجوح كما سبق في مسألة (٣٤) ".
(^٣٦) مسألة: لا تصح الطهارة بماء قليل غُسل فيه مذي لاصق على البشرة أو الثوب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المذي نجسًا، فإن الماء الذي غُسل فيه يكون نجسًا مثله، كما يُغسل البول، وسيأتي بيانه في باب "إزالة النجاسة".
(^٣٧) مسألة: إذا وقعت نجاسة كبول على ثوب أو بدن، فغُسلت عدة مرات، وفي آخر مرة -وهي التي زالت بها النجاسة- استعمل ماء قليل، ثم انفصل هذا الماء المغسول به تلك النجاسة: فإن الماء يكون طاهرًا غير مطهر وإن لم تتغير بعض صفاته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الماء المنفصل هو بعض من الماء المتصل بالبقعة التي وقعت فيها النجاسة، والمتصل طاهر؛ نظرًا للصوقه بمحل النجاسة فيلزم أن يكون المنفصل مثله، ويمكن أن يثبت ذلك بالقياس، وهو: قياس المنفصل على المتصل، فإن قلتَ: لِمَ لا يتطهر بهذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الغسلة الأخيرة للنجاسة متأثرة بتلك النجاسة، ولا يبعد أن يلصق شيء منها في ذلك الماء، فيتأثر مستعمله، فدفعًا لذلك: منع من التطهر به.
[ ١ / ٥٣ ]
ابن المنذر الإجماع عليه (^٣٨) (أو لاقاها) أي لاقى النجاسة (وهو يسير) أي: دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة ولو جاريًا؛ لمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يُنجسه شيء" (^٣٩) (أو انفصل عن محل نجاسة) متغيرًا، أو (قبل زوالها) فنجس: فما انفصل قبل السابعة: نجس، وكذا: ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها، أو
(^٣٨) مسألة: الماء النجس هو: الذي تقع فيه نجاسة وغيَّرت إحدى صفاته -اللون أو الطعم أو الرائحة- كأن يقع فيه روث حمار، فإذا توفر هذان الشرطان: "وجود النجاسة فيه" و"تغيُّر إحدى صفاته": فإنه يكون نجسًا لا يستعمل لشيء، سواء كان هذا الماء قليلًا أو كثيرًا؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كان نجسًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا اجتمع هذان الشرطان: فإن النفوس تستقذر ذلك الماء، ولا يُتعبد الله بشيء تستقذره النفوس، ثم إن هذا الماء لا يُحصِّل الغرض الذي من أجله شرعت الطهارة، وهي: التنظيف والتطهير، بل بالعكس، فقد يؤثر على جسم المستعمل له بأنواع الأمراض، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٣٩) مسألة: إذا وقعت نجاسة -كروث حمار- في ماء قليل، أو لاقى ذلك الماء تلك النجاسة -بأن صُبَّ عليها-: فإنه يكون نجسًا، سواء كان هذا الماء راكدًا أو جاريًا، وسواء تغيَّر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وفي رواية: "لم يُنجِّسه شيء" حيث إن مفهوم العدد منه قد دلّ على أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه ينجس -إذ هذا حد القليل منه- وهذا المفهوم عام، أي: يشمل المتغير وغير المتغير، ويشمل الراكد والجاري، ويشمل الملاقي للنجاسة وغيره، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك نجسًا في الماء القليل دون الكثير؟ قلتُ: لأنه يغلب على الظن وصول النجاسة إلى جميع أجزاء الماء، بخلاف الماء الكثير فلا يغلب على الظن ذلك كما سبق.
[ ١ / ٥٤ ]
متغيرًا (^٤٠) (فإن أضيف إلى الماء النجس) قليلًا كان أو كثيرًا (طهور كثير) بصب أو إجراء ساقية إليه ونحو ذلك: طَهُر؛ لأن هذا القدر المضاف يدفع النجاسة عن نفسه وعما اتصل به (غير تراب ونحوه) فلا يُطهَّر به نجس (أو زال تغيُّر) الماء (النجس الكثير بنفسه) من غير إضافة، ولا نزح (أو نزح منه) أي: من النجس الكثير (فبقى بعده) أي: بعد المنزوح (كثير غير متغيِّر: طهر)؛ لزوال علَّة تنجسه، وهي: "التغير"، والمنزوح الذي زال مع نزحه التغير: طهور إن لم تكن عين النجاسة فيه، وإن كان النجس قليلًا أو كثيرًا مجتمعًا من متنجس يسير: فتطهيره بإضافة كثير مع زوال تغيُّره إن كان (^٤١)، ولا يجب غسل جوانب بئر نُزحت؛ للمشقة، تنبيه: محلُّ ما
(^٤٠) مسألة: إذا وقعت نجاسة -كبول أو غائط- على ثوب، ثم غسل محل النجاسة، فانفصل ماء متغيِّر الصفة -قبل الغسلة الأخيرة، أو قبل زوال النجاسة، أو بعدها، وقبل الغسلة السابعة- من غسل الإناء من ولوغ الكلب-: فإن هذا الماء في تلك الأحوال نجس؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول عين النجاسة فيه، ومخالطة الماء لهذه العين أن يكون ما انفصل من ماء نجسًا؛ لكونه متأثرًا تأثرًا حقيقيًا، فإن قلتَ: لِمَ كان نجسًا؟ قلتُ: لما ذكرناه في المسألة السابقة.
(^٤١) مسألة: طرق تطهير الماء النجس بسائر النجاسات، هي: أولًا: أن يُضاف إلى الماء النجس -قليلًا أو كثيرًا- ماء طهور كثير -وهو البالغ قلتين- وتسمى بـ "المكاثرة"، ويكون ذلك عن طريق ماء نبع فيه، أو ماء يُصبُّ عليه، أو يجري عليه من ساقية نحوه ويفعل حتى يزول التغير؛ فلا يطهر إذا أضيف إليه شيء غير الماء كالتراب والصابون ونحوهما؛ وإن زال التغير؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا بلغ الماء قلتين: لم يحمل الخبث" حيث دل لفظ "لم يحمل" أن القلتين وما فوقهما من الماء تدفعان عن نفسيهما النجاسة، وعما اتصل بهما، =
[ ١ / ٥٥ ]
ذُكر: إن لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته: فتطهير ما تنجس بهما من الماء: إضافة ما يشقُّ نزحه إليه، أو نزح يبقى بعده ما يشق نزحه، أو زوال تغيّرُ ما يشقُّ نزحه بنفسه على قول أكثر المتقدمين ومن تابعهم على ما تقدم (^٤٢)
= ودل مفهوم الشرط منه: على أن التراب وغيره لا يطهر الماء النجس إذا أضيف إليه؛ لكونه لا يرفع النجاسة عن نفسه، فمن باب أولى: أن لا يدفع النجاسة عن غيره، ثانيًا: أن يُترك الماء النجس حتى يزول تغيُّره بنفسه بسبب طول مكثه، من غير إضافة ولا نزح؛ للقياس، بيانه: كما أن الخمرة لو انقلبت بنفسها خلَّا: لجاز شربها، فكذلك الماء النجس لو زالت النجاسة بنفسها لصحت الطهارة به، والجامع: زوال علة المنع من الأمرين؛ ثالثًا: أن يُنزح من الماء الكثير المتغيِّر بالنجاسة حتى يزول التغير بشرط: أن يبقى -بعد النزح- ماء كثير -وهو البالغ قلتين-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال عِلَّة التنجيس وهي: التغيُّر: زوال نجاسته، فإن قلتَ: الماء المنزوح هل يكون طهورًا أو نجسًا؟ قلتُ: إن كانت عين النجاسة موجودة في هذا الماء المنزوح: فهو نجس، وإن كانت غير موجودة ولم يوجد تغيُّر فيه: فهو طهور؛ للتلازم؛ حيث إن التغيُّر علة التنجيس: فإن وجدت العين أو أثرها وهو التغيُّر، فيلزم أن يكون الماء نجسًا، وإن عدمت وأثرها: فيلزم أن يكون الماء طهورًا، فإن قلتَ: لِمَ شرعت هذه الطرق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثيرًا من المياه تتنجس بأي سبب، فلو تركه لَلَحِق أكثر الناس الضرر؛ لقلة المياه، فشُرعت هذه الطرق؛ دفعًا لهذا الضرر.
(^٤٢) مسألة: لا يجب غسل جوانب بئر -أو حوض كبير- نُزح منه الماء، أو كُوثِر بماء؛ لأجل تطهيره، ويجب غسل الآلة التي نزح بها الماء النجس كالدلو ونحوه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشق غسل جوانب البئر ونحوه، فلم يجب؛ لأن المشقة =
[ ١ / ٥٦ ]
(وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) من الطاهرات (أو) شك في (طهارته) أي: طهارة شيء علمت نجاسته قبل الشك: (بنى على اليقين) الذي عَلِمه قبل الشك، ولو مع سقوط عظم أو روث شك في نجاسته؛ لأن الأصل: بقاؤه على ما كان عليه (^٤٣)،
= تجلب التيسير، أما الآلة فوجب غسلها، لعدم المشقة في ذلك، فالأصل هو: الغسل في الأمرين، ولكن سقط غسل جوانب البئر للمشقة كما سقط الصيام في السفر، تنبيه: طرق تطهير الماء النجس ببول آدمي أو عذرته هي نفس طرق تطهير الماء النجس بسائر النجاسات عند أكثر العلماء المحققِّين -وقد بينا ذلك في مسألة (٤١) - ولا علة لذكر ذلك منفردًا إلا ذكر الخاص بعد العام؛ للاهتمام به.
(^٤٣) مسألة: إذا تيقن من طهارة ماء، ثم طرأ عليه شك فيه فقال في نفسه: يُحتمل أنه تنجس بعد ذلك، ويُحتمل أنه لم يتنجس، ولم يُرجح أحد الاحتمالين: فإنه يبني على ما تيقن منه قبل شكَّه هذا، وهو أنه طهور، فيتطهر به، ولو سقط فيه عظم أو روث شك فيهما وغيَّر بعض صفاته، وكذا: إن تيقن من نجاسة ماء، ثم طرأ عليه شك في طهارته، فقال في نفسه: يُحتمل أنه تطهر بإحدى طرق التطهير السابقة الذكر في مسألة (٤١)، ويُحتمل أنه لم يتطهر به فإنه يبني على ما تيقن منه قبل شكه، وهو أنه نجس، فلا يتطهر به؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء ما تُيقِّن منه، ونفي ما شُك فيه، فنستصحب هذا الأصل، ونعمل به، ولا نعمل بالشك؛ لأن الشك لا تُبنى عليه أحكام، فإن قلتَ: لِمَ لا يُعمل بالشك مع تغيُّر الماء أحيانًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو عمل كل مسلم بكل ما يشكُّ به: لَلَحِقه ضيق وضرر وأذى؛ لكثرة ما يقع من الشكوك في حياته، فأما تغيُّره: فقد يكون بسبب آخر غير النجاسة كطول مكثه، أو وقوع شيء طاهر فيه يصعب التحرز منه، ومع الاحتمال: لا يمكن الجزم فيكون مشكوكًا فيه، ونبقى على العمل بما تيقنا منه.
[ ١ / ٥٧ ]
وإن أخبره عدل بنجاسته وعيَّن السَّبب: لزمه قبول خبره (^٤٤) (وإن اشتبه طهور بنجس: حُرِّم استعمالهما) إن لم يمكن تطهير النجس بالطهور، فإن أمكن: بأن كان الطهور قلتين فأكثر، وكان عنده إناء يسعهما: وجب خلطهما واستعمالهما (ولم يتحرَّ) أي: لم ينظر أيهما يغلب على ظنه أنه الطهور فيستعمله، ولو زاد عدد الطهور، ويعدل إلى التيمم إن لم يجد غيرهما (ولا يُشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)؛ لأنه غير قادر على استعمال الطهور؛ أشبه ما لو كان الماء في بئر لا يمكنه الوصول إليه (^٤٥)، وكذا: لو اشتبه مباح بمحرم
(^٤٤) مسألة: إذا أخبر زيد المكلَّف العدل عمرًا بأن هذا الماء طهور، أو أنه نجس: فيجب على عمرو قبول خبره بشرط: أن يُعيِّن زيد سبب كون الماء طهورًا، أو كونه نجسًا بأن يقول: "إنه طهور؛ لإنه لم يرد عليه ما يُنجِّسه" أو يقول: "إنه نجس؛ لأنه وقع فيه روث حمار أو بول أو وقع فيه كلب" أما إذا أخبره صبي أو مجنون، أو فاسق، أو مكلف عدل ولم يُبيِّن سبب طهوريته أو نجاسته: فلا يجب على عمرو قبول خبره؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقبل خبر المخبر بالحديث، أو بالشهادة، إذا كان مكلَّفًا عدلًا، فكذلك هنا، والجامع: أن كلًا منهما خبر بشيء سيُعمل به، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس متشدِّد فيظنُّ كل شيء يُنجِّس الماء، وبعضهم متساهل فيظن كل شيء لا يُنجِّس، فاشترط ذلك ليحتاط المخبَرُ لنفسه.
(^٤٥) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء طهور، وإناء آخر فيه ماء نجس، ولا يعلم أيهما الطهور أو النجس؟: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن أمكن تطهير النجس: بأن كان عنده ماء طهور كثير -وهو ما بلغ قلتين- وكان عنده إناء يسع الطهور والنجس: فإنه يطهر النجس بأن يُضيف الماء الكثير هذا إلى "مجموع =
[ ١ / ٥٨ ]
فيتيمم إن لم يجد غيرهما (^٤٦)، ويلزم مَن عَلِم النَّجس: إعلام مَنْ أراد أن
= النجس مع الطهور الذي شك فيهما" -كما قلنا في طرق تطهير الماء- ثم يتطهر به، ولا يتيمم، ثانيًا: إن لم يمكن التطهير: فإنه يتحرى ويجتهد: فإن غلب على ظنه أن أحدهما هو الطهور: تطهر به، وإن لم يغلب على ظنه شيء: تركهما معًا وتيمم سواء كثُر عدد الطهور أو لا، وسواء خلطهما أو أراقهما أو لا؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث يلزم من التطهير بطرقه -كما سبق في مسألة (٤١) -صحة التطهر بالماء المطهَّر، ويلزم من عدم رجحان الإناء الطهور: عدم صحة التطهر بهما معًا؛ لوجود الشك؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فيعمل بالبدل وهو التيمم، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه إذا اشتبهت عليه القبلة، أو اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يجتهد ويتحرى فكذلك هنا يتحرَّى ويجتهد، والجامع: أن كلًا منها محتمل لأن يصلح شرعًا أو لا، والاجتهاد هو الذي يُبيِّن ذلك، وكلًا منها يخص شرطًا من شروط الصلاة، ثانيهما: كما أنه يجوز التيمم مع وجود بئر فيه ماء لا يقدر على الوصول إليه، فكذلك يجوز التيمم مع وجود الإناءين -الطهور والنجس- بدون خلطهما أو إراقتهما، والجامع: عدم القدرة على استعمال الماء الطهور، فإن قلت: لِمَ وجب التحري والاجتهاد؟ قلتُ: للاحتياط في أمر الدين؛ فإن قلتَ: لِمَ جاز التيمم بدون إراقتهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس ينتفع بالماء المشتبه به غير التطهر به، فإن قلتَ: لِمَ ذكر المصنف عدم اشتراط إراقتها؟ قلتُ: للتنبيه على قول بعض العلماء: "إنه يُشترط إراقتهما أو خلطهما؛ حتى يتحقق شرط التيمم"، وهو: عدم وجود الماء الطهور، فذكر المصنف ذلك ردًا عليه. تنبيه: قوله: "ولم يتحرَّ" قلتُ: كونه لا يتحرى ولا يجتهد في أيهما الطهور من النجس هذا فيه بُعد، وقد بينا بالقياس: أنه يجب عليه أن يتحرى.
(^٤٦) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء مباح، وإناء فيه ماء محرم -بأن كان مغصوبًا أو مسروقًا-: فإنه يتحرى ويجتهد، فإن غلب على ظنه أن أحدهما هو =
[ ١ / ٥٩ ]
يستعمله (^٤٧) (وإن اشتبه) طهور (بطاهر) أمكن جعله طهورًا به أم لا (توضأ منهما وضوءًا واحدًا) ولو مع طهور بيقين (من هذا غرفة، ومن هذا غرفة) ويعمَّ بكل واحدة من الغرفتين المحلَّ (وصلَّى صلاة واحدة)، قال في "المغني" و"الشرح": "بغير خلاف نعلمه" (^٤٨)، فإن احتاج أحدهما للشرب تحرى، وتوضأ بالطهور وتيمم؛
= الماء المباح: تطهر به، وإن لم يغلب على ظنه شيء: تركهما وتيمم، ولا يُشترط إراقتهما ولا خلطهما؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم، حيث يلزم من غلبة الظن بأن هذا مباح: صحة التطهر به، ويلزم من العدم: العدم، الثانية: القياس، وهو من وجهين قد سبق ذكرهما في المسألة السابقة (٤٥).
(^٤٧) مسألة: إذا علم شخص أن الماء الذي في هذا الإناء هو النجس، أو هو المحرم، أو غلب على ظنه ذلك: فيجب عليه أن يُخبر كل من استعمله بذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن الإخبار بذلك من البر" و"البر" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، والأمر هنا مطلق وهو يقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من غشنا فليس منَّا" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن عدم إخبار الآخرين بذلك من الغش، وورد فيه اسم الشرط، وهو من صيغ العموم، ونفي كون الغاش ليس من الأمة الإسلامية عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة التطهر بذلك النجس أو المحرم.
(^٤٨) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء طهور، وإناء فيه ماء طاهر: فإنه يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا: يأخذ من الأول غرفة بيده فيغسل بها وجهه، ويأخذ من الثاني =
[ ١ / ٦٠ ]
ليحصل له اليقين (^٤٩) (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بـ) ثياب (نجسة) يُعلم عددها (أو) اشتبهت ثياب مباحة بثياب (محرمة) يعلم عددها: (صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس) من الثياب (أو المحرم) منها ينوي بها الفرض احتياطًا، كمن نسي صلاة من يوم (وزاد) على العدد (صلاة) ليؤدي فرضه بيقين (^٥٠)، فإن لم يعلم عدد النجسة أو
= غرفة فيغسل بها وجهه مرة ثانية، وهكذا في كل عضو من أعضاء الوضوء، فيُغمِّم بكل غرفة المحلَّ المغسول، ويفعل ذلك ولو كان عنده طهور، فإذا فرغ من ذلك: يصلي صلاة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا الفعل: أن يكون قد توضأ بالماء الطهور وضوءًا كاملًا بيقين، فصحت صلاته، فإن قلتَ: لِمَ يُفعل ذلك في الماء الطهور إذا اشتبه بطاهر، ولا يُفعل ذلك في الماء الطهور إذا اشتبه بنجس كما سبق في مسألة (٤٥)؟ قلتُ: لأن الماء الطاهر إذا لاقى أيَّ عضو لا يُنجسه، بخلاف النجس: فإنه إذا لاقاه يُنجسه؛ حيث قد يكون النجس بعد الطهور، أما الطاهر فلو كان بعد الطهور فلا يؤثر، ولما افترقت المسألتان: افترق الحكم.
(^٤٩) مسألة: إذا اشتبه إناء فيه ماء طهور، وإناء فيه ماء طاهر، واحتاج إلى أحدهما ليشربه: فإنه يتحرى ويجتهد؛ فإن غلب على ظنه أن هذا الإناء هو الطهور: تطهَّر به، وشرب الآخر؛ للمصلحة، حيث إن مصلحة الدِّين مقدمة على مصلحة النفس عند التعارض؛ لعدم وجود مفسدة من شرب الماء الطاهر بخلاف الماء النجس فلا يشربه بأي حال، تنبيه: قوله: "وتيمم" قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأنه غلب على ظننا طهورية أحدهما، فلا داعي للتيمم، ولا يصح الجمع بين البدل والمبدل كما سبق بيانه …
(^٥٠) مسألة: إذا كان عنده خمسة ثياب طاهرة، وخمسة ثياب نجسة، أو عنده خمسة ثياب مباحة، وخمسة ثياب محرمة -كأن تكون مغصوبة أو مسروقة- ولا يعلم =
[ ١ / ٦١ ]
المحرمة: لزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة؛ حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر ولو كثُرت، ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا، وكذا حكم أمكنة ضيقةً، ويصلي في واسعة حيث شاء بلا تحر (^٥١).
= النجس من الطاهر، ولا المباح من المحرم، وأراد صلاة الظهر -مثلًا-: فيجب عليه أن يصلي الظهر بعدد الثياب النجسة، أو بعدد الثياب المحرمة، ثم يزيد صلاة، ناويًا بكل صلاة، الفرض، فيصلي ست مرات؛ للقياس؛ بيانه: كما أن من نسي صلاة من يوم ولا يدري أي الصلوات: فإنه يصليها جميعًا، فكذلك هنا، والجامع: التحقق من أنه فعل المأمور به، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن هذا الفعل لا يتم الواجب إلا به فوجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(^٥١) مسألة: إذا كان عنده ثياب طاهرة، ونجسة، ولا يعلم عددها، أو عنده ثياب مباحة ومحرمة، ولا يعلم عددها، أو شك في أمكنة هل هي نجسة أو طاهرة، أو مباحة أو محرمة؟، وقد اشتبهت عليه فلا يعلم النجس من الطاهر، ولا المباح من المحرم، وأراد صلاة الظهر مثلًا: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولا: إن كانت تلك الثياب قليلة أو المكان ضيق -كأقل من عشرة ثياب والمكان أقل من عشرة أمتار، وهو جمع القلة- فيجب أن يصلي في كل ثوب صلاة، ويصلي في كل متر صلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله هذا -وهو غير شاق عليه-: أنه صلى بثوب ومكان طاهر بيقين فتصح صلاته، لتوفر شرطها. ثانيًا: إن كانت تلك الثياب كثيرة، والمكان واسعًا -كعشرة فأكثر-: فإنه يتحرى ويجتهد، فإن غلب على ظنه طهارة ثوب، أو طهارة مكان: صلى فيه وإن لم يغلب على ظنه شيء: فإنه يصلي بأي ثوب وبأي مكان وتبرأ ذمته إن شاء الله؛ للمصلحة؛ =
[ ١ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حيث إنه يشق عليه أن يصلي بكل ثوب من تلك الثياب الكثيرة، وأن يصلي بكل موضع من ذلك المكان الواسع، فدفعًا لذلك: شرع هذا؛ لأن "المشقة تجلب التيسير" و"إذا ضاق الأمر اتسع" تنبيه: قوله: "ولو كثرت" قلتُ: يقصد: أنه يصلي بكل ثوب ولو كثرت، وهذا مخالف للقواعد الكلية الواردة في تيسير الشريعة وسماحتها؛ حيث إن الله لم يكلِّف عباده بتلك العبادات ليُعذَّبهم بها، تنبيه آخر: قوله: "ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا" قلتُ: يريد أنه إذا وجد ثوبًا قد تيقن من طهارته فيجب أن يصلي فيه ولا يصلي بالمشكوك فيه من الثياب والأمكنة، وهل هي طاهرة أم نجسة، وهل هي مباحة أم محرَّمة.؟ وهذا واضح من دليل الاستصحاب، حيث إن الأصل: أن يصلي بالمتيقن منه، دون المشكوك فيه.
"هذه آخر مسائل "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها ويليه باب الآنية"
[ ١ / ٦٣ ]