وهو لغة: الخلوص، وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق (^١) (وهو أفضل القُرَب)؛ لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطء في نهار رمضان، والأيمان، وجعله النبي ﷺ فكاكًا لمعتقه من النار (^٢) وأفضل الرقاب: أنفسها عند
كتاب العِتْق
بيان تعريفه، وحكمه، ومن يستحق عتقه، وصريح العتق وكنايته، وسرايته، وحكم التدبير
وفيه ثمان عشرة مسألة:
(^١) مسألة: العتق لغة: مأخوذ من عتق: إذا خلص من أي رابط، أو عائق، ومنه سمي البيت الحرام: البيت العتيق، وذلك لخلوصه من أيدي الجبابرة، والعتق - اصطلاحًا: تحرير الرقبة وتخليصها من العبودية والرِّق، وهو واضح، فإن قلتَ: لِمَ أتي بكتاب العتق هنا وأكثر الفقهاء يذكرونه في آخر مباحث الفقه؟ قلتُ: للمصلحةَ؛ حيث إنه لما ذكر أحكام الهبة والعطية - وهو تمليك الغير بلا عوض - وذكر أسباب تكثير أجر المسلم بعد موته كالوقف والوصية، وذكر ما يؤخذ عنه بعد موته - وهو الإرث - وذكر إرث المبعَّض، والإرث بالولاء ناسب ذكر أحكام العتق؛ لمشاركته لما سبق في بقاء أثر للميت، وفي عظيم الأجر فيه.
(^٢) مسألة: العتق مستحب، وهو يعتبر أفضل ما يتقرَّب به إلى الله تعالى وأفضل التطوّع، لذلك جعله كفارة لقتل الخطأ، وكفارة للظهار، وكفارة للجماع في نهار رمضان وكفارة للأيمان؛ القاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ فعتاقها فداء من النار وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وقال ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، الثانية: السنة القولية: حيث=
[ ٤ / ٢٢٠ ]
أهلها (^٣)، وذكر (^٤)، وتعدُّد أفضل (^٥) (ويستحب عتق من له كسب)؛ لانتفاعه به (^٦)
= قال ﵇: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتقه الله من النار" وقال: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل والفرج بالفرج"، فإن قلتَ: لِمَ كان أفضل أعمال التطوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في العتق تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق، وأن لا يتسلَّط عليه أحد، بحيث يملك نفسه، ومنافعه، وأن يكمِّل منافعه على حسب اختياره وإراداته.
(^٣) مسألة: أفضل الرقاب وأكثرها أجرًا: أنفسها وأكثرها ثمنًا وأعزّها في نفوس أهلها؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ لما سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا" كما قلنا في الأضحية ونحوها من القربات فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأجر على قدر المشقّة.
(^٤) مسألة: إعتاق الذكر من الأرقاء أفضل من إعتاق الإماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "أيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا كان فكاكه منه النار يُجزئ بكل عظم عظامه عظمًا من عظامه، وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ بكل عظم من عظامهما عظمًا من عظامه، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزئ بكل عظم من عظامها عظمًا من عظامها" وهو يدل بمفهوم العدد على أن إعتاق الذكر أفضل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الانتفاع بالذكر - من حيث الصناعات، والجهاد - أعظم من الانتفاع بالمرأة.
(^٥) مسألة: إذا كان ما معه من النقود يستطيع به أن يعتق أكثر من رقيق فهو أفضل من أن يدفعه ليعتق به واحدًا فقط، إذا كانوا متساوين في الفضل والعلم، أما إن كان ثمن ذلك الواحد الفاضل بالعلم والعمل يساوي جماعة لا فضل لهم، فالاولى أن؛ يعتق ذلك الواحد؛ للمصلحة: حيث ينظر المعتق لما تقتضيه المصلحة في ذلك.
(^٦) مسألة: الأفضل عتق العبد الذي له كسب، ودين، وعلم، وعمل؛ للمصلحة:=
[ ٤ / ٢٢١ ]
(وعكسه بعكسه) فيكره عتق من لا كسب له (^٧)، وكذا من يخاف منه زنا أو فساد (^٨)، وإن علم ذلك منه، أو ظن حرم أو ظن: حرم (^٩)، وصريحه نحو: "أنت حر، أو محرَّر، أو عتيق،
= حيث إن ذلك العبد سينفع نفسه بذلك، وسينفع غيره من المسلمين.
(^٧) مسألة: العبد الذي لا قوة عنده، ولا يكسب رزقه بعمله: فإنه يكره عتقه أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن هذا إذا أعتق، فإن نفقته ستسقط عن سيده، فيؤدي إلى ضياعه، أو يكون كلًّا على الناس، ويسألهم النفقة عليه فدفعًا لذلك: كره إعتاقه.
(^٨) مسألة: إذا شُكَّ في عبد بأنه إذا أُعتق سيرتد عن الإسلام، أو أنه سيفسد بزنا، أو قطع طريق أو سرقة، أو نحو ذلك من أنواع المعاصي: فإنه يكره إعتاقه، أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن الإعتاق قد شرع لمنفعة المعتق، وهذا قد يؤدي إلى ضرره، فكره من أجل الحفاظ على دينه.
(^٩) مسألة: إذا قُطع في عبد، أو غلب على الظن: أنه إذا أُعتق سيفعل نوعًا من أنواع المعاصي: فإنه يحرم إعتاقه أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن هذا سيؤدي إلى الحرام، والوسيلة إلى الحرام حرام، فدفعًا لذلك حرم.
[فرع]: إذا قطع في عبد، أو غلب على الظن أنه إذا أعتق سيفعل المعاصي: فإن عتقه لا يصح ولا يقع؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فنهى الشارع عن التعاون على الإثم والعدوان والنهي مطلق فيقتضي التحريم، والفساد إذا وقع النهي عنه، وهذا عام؛ لأن لفظ "الإثم والعدوان" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن إعتاقه مع العلم أو الظن أنه سيفعل المعاصي من باب التعاون على الإثم والعدوان وأي عدوان وإثم أكثر من ذلك؟!، فإن قلتَ: إن العتق يصح ويقع في هذه الحالة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن من أعتق عبدًا لا نعلم ولا نظن أنه سيفسد أو يُفسد فإنه يصح هذا الإعتاق=
[ ٤ / ٢٢٢ ]
أو معتَق أو حررتك، أو أعتقتك" وكنايته: نحو "خلَّيتك، والحق بأهلك، ولا سبيل أو لا سلطان لي عليك، وأنت لله، أو مولاي وملَّكتك نفسك" (^١٠)، ومن
= فكذلك ويقع يصح ويقع إعتاق من نعلم أو نظن أنه سيفسد ويُفسد والجامع: أن كلًّا منهما قد صدر من أهله في محله قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن عتق من لا نعلم أو نظن أنه سيفسد أو يُفسد بنيناه على الأصل، وهو أن الأصل في المعتَق الصلاح، والنفع للإسلام والمسلمين فهذا الذي وافق محلَّه، أما إعتاق من نعلم أنه سيفسد أو يُفسد فقد خالفنا ذلك الأصل، وغشَّينا المسلمين فيه، فلم يوافق محلَّه وهذا باطل؛ لقوله ﷺ: "من غشَّنا فليس منا"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عموم الكتاب، مع القياس".
(^١٠) مسألة لا يصح العتق من السيد إلّا ممن يصح تصرفه ووصيته بتلفظ وقول، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: صريح، وهو لفظ العتق، أو الحرية كيف صُرِفا، مثل قول السيد لعبده: "أنت عتيق" أو "معتَق" أو "أعتقتك" أو "حرارتك" أو "أنت حر" أو "أنت محرر": فهذه الألفاظ إذا نطق بها السيد: فإن عبده المقصود يعتق: سواء كان السيد أراد عتقه ونواه أو لا، وسواء كان جادًّا أو هازلًا ولا يحصل بالنية المجردة؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والعتاق" الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن للطلاق لفظًا صريحًا، وكناية فكذلك العتق، والجامع: أنه في كل منهما تخليص من تسلُّط الغير، الثالثة: التلازم؛ حيث إن العتق إزالة ملك فيلزم عدم إزالته بمجرَّد النية فقط كما سيأتي في الطلاق القسم الثاني: كناية، وهو: مثل قول السيد لعبده: "خلَّيتك" أو "الحق بأهلك" أو "أطلقتك" أو "لا سبيل لي عليك" أو "لا سلطان لي عليك" أو: أنت لله" أو "أنت مولاي" أو "ملَّكتك نفسك" أو "حبلك على غاربك" أو "اذهب حيث شئت" أو "فككت رقبتك":=
[ ٤ / ٢٢٣ ]
أعتق جزءًا من رقيقه سرى إلى باقيه (^١١). ومن أعتق نصيبه من مشترك: سرى إلى
= فإن قال السيد واحدة من تلك الألفاظ مع نيته بها العتق: فإن عبده يعتق، وإن لم ينو بها العتق فلا يعتق؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ تحتمل العتق وتحتمل غير العتق بصورة متساوية فيلزم منه أن يُرجَّح العتق بالنية والإرادة من السيد، فيُسأل عن مراده ونيته فإن كانت نيته وإرادته العتق عتق، وإن لم يرد ولم ينو العتق: فلا يعتق.
[فرع]: إن قال سيد لأمته: "أنتِ طالق" أو "أنتِ عليّ حرام" أو قال سيده لعبده الذي هو أكبر منه: "أنت ابني" فهذا من باب الكناية: فإن نوى العتق: وقع العتق، ولم ينوه فلا يقع؛ للتلازم؛ وهو ما ذكرناه في القسم الثاني السابق.
(^١١) مسألة: إذا أعتق سيد جزءًا وبعضًا من رقيقه معينًا كراسه ورجله أو مشاعًا: فإن العتق يسري ويعم، باقيه فيعتق كله؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أعتق شركًا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل، وعتق عليه جميع العبد" فيدل هذا بمفهوم الموافقة على أن الشخص إذا أعتق بعض عبده: فإنه يعتق عليه جميعه؛ لأن العبد ملك له الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو طلق بعض امرأته: فإنها تطلق كلها، فكذلك إذا أعتق بعض عبده أو أمته: فإنه يعتق جميعه، والجامع أنه في كل منهما إزالة ملك عن بعض ما ملكه من الآدمي فزال عنه جميعه، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت ذلك عن عمر، وابنه: عبد الله، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على إعتاق العبيد، ووقف تسلُّط الأسياد عليهم، فإن قلتَ: إنه إذا أعتق بعضه، فلا يعتق كله، بل يكون بعضه حرًا، والبعض الآخر عبدًا - وهو المبعَّض -، وهو قول أبي حنيفة، وهو رأي لمالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو باع نصف دار معينًا، أو مشاعًا: فإن البيع يقع على نصفها فقط، ويبقى الآخر غير مباع، =
[ ٤ / ٢٢٤ ]
الباقي إن كان موسرًا مضمونًا بقيمته (^١٢). ومن ملك ذا رحم محرم: عتق عليه
= فكذلك العبد مثل ذلك والجامع: أنه في كل منهما تصرُّف في بعض ما يملك. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق لأن البيع لا يحتاج إلى السعاية، ولا يبنى على التغليب والسراية، ويمكن الانتفاع ببعضه دون الآخر، بخلاف العبد في ذلك، ومع هذا الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الموافقة من السنة" و"تعارض القياسين".
[فرع]: ذلك الحكم السابق يكون: سواء أعتق بعضًا كثيرًا كثلثيه، ونصفه، وثلثه أو أعتق بعضًا قليلًا كربعه وعشره أو عشر عشره؛ للسنة القولية: وهي ما ذكرناها؛ لأن هذا لازم من لفظ "شرك" الوارد في الحديث: لكونه يصدق على الكثير والقليل.
(^١٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية عبد، فأعتق زيد نصيبه منه: فإن العتق يسري إلى باقيه فيعتق كله بشرط: أن يكون زيد موسرًا، فيضمن ثمن باقيه ويعطيه لعمرو بدون اختياره ويكون الولاء لزيد دون عمرو؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "من أعتق شركًا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل وعتق عليه جميع العبد" وهو واضح الدلالة ويلزم من عبارة: "فكان معه ما يبلغ ثمنه" اشتراط كون المعتق موسرًا، ويلزم من عبارة: "قوِّم عليه. . ." عدم جعل الخيرة له ولا لغيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا حثٌّ على إعتاق العبيد وبيان أن الأَصل الحرية وكان الولاء لزيد، لأن الولاء لمن أعتق كما قال النبي ﷺ. فإن قلتَ: إنه إذا أعتق نصيبه فإن العتق يختص بنصيبه فقط، أما نصيب شريكه فيبقى على ما هو عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن رجلًا أعتق شقصًا له في عبد فلم يضمنه النبي ﵇، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو باع نصيبه من دار فإن البيع يختص بنصيبه، دون نصيب شريكه، فكذلك العبد، قلتُ: أما الحديث: فإنه يحمل على أن الرجل الذي أعتق =
[ ٤ / ٢٢٥ ]
بالملك (^١٣) ويصح معلَّقًا بشرط، فيعتق إذا وجد (^١٤) (ويصح تعليق العتق بموت،
= شقصًا له في عبد: كان معسرًا، وهذا نقول به، وهو جمع بين حديثنا. وحديثهم، أما القياس، فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله، له والعتق يسري: فلو باع نصف عبده: فإنه لا يسري، ولو أعتق بعضه لعتق كله، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" و"تعارض القياس مع السنة القولية".
(^١٣) مسألة: إذا اشترى شخص ذا الرحم القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلًا والآخر امرأة كالوالدين وإن علوا من قبل الأب والأم والولد وإن سفل: من ولد البنين والبنات والأخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا دون أولادهم: فلو ملك هذا الشخص واحدًا من هؤلاء بالشراء: فإنه يعتق عليه وإن لم يرضَ؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من ملك ذا رحم محرم: فهو حر" وهو واضح الدلالة الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن عمر وابن مسعود فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام الأقرباء، وتوثيق الصلة بينهم.
(^١٤) مسألة: يصح العتق معلَّقًا على شرط: كأن يقول السيد لعبده: "إذا قدم الحاج فأنت حر" أو: "إن فعلت كذا فأنت حر" أو نحو ذلك، فإذا قدم أول حاج من مكة، أو فعل العبد المطلوب منه بتمامه: فإنه يكون حرًا ولا يملك إبطاله؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "المسلمون على شروطهم" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يصح الطلاق المعلِّق على شرط، فكذلك يصح العتق المعلَّق على شرط والجامع: أنه تعليق فك شيء على صفة.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
وهو: التدبير) سمِّي بذلك؛ لأن الموت دبر الحياة (^١٥)، ولا يبطل بإبطال ولا رجوع (^١٦)، ويصح وقف المدبر، وهبته، وبيعه، ورهنه (^١٧)، وإن مات السيد قبل بيعه: عتق إن خرج من ثلثه وإلا فبقدره (^١٨).
(^١٥) مسألة: يصح التدبير، وهو تعليق العتق بالموت: فيقول سيد مالك غير محجور عليه وغير مدين لعبده: "أنت مدبر" أو يقول: "أنت حر عن دبر مني" وهو لفظ التدبير، فإذا مات السيد: كان ذلك العبد المدبَّر حرًا ولو لم يرضَ الورثة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من دبَّر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات: فإنه يعتق، فإن قلتَ: لِمَ سمِّي بذلك الاسم؟ قلتُ: لكونه مشتق من دبر الحياة والدنيا، وهو آخرها، وهو الموت.
(^١٦) مسألة: لا يبطل التدبير بإبطال، ولا رجوع، أي: إذا قال السيد: قد رجعتُ في تدبيري، أو أبطلته: فلا يبطل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشرط لا يبطل بإبطاله بأن يقول السيد لعبده: "إن دخلتَ الدار فأنتَ حر": فلا يبطل ذلك الشرط بإبطاله في الحياة، فكذلك التدبير لا يبطل بالإبطال، والجامع: أن كلًّا منهما فيه تعليق بصفة فلا يملك إبطاله.
(^١٧) مسألة: يصح أن يوقف السيد المدبَّر، ويهبه لغيره، ويبيعه على غيره، ويرهنه: ويبطل بذلك التدبير؛ للسنة القولية؛ حيث إن رجلًا أعتق مملوكًا له عن دبر، فاحتاج فقال النبي ﷺ: "من يشتريه مني" فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: "أنت أحوج منه" والوقف، والهبة، والرهن كالبيع، لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة".
(^١٨) مسألة: إذا مات السيد المدبَّر قبل بيع المدبَّر، أو وقفه، أو هبته، أو رهنه: فإن المدبَّر يكون حرًا بشرط: أن يخرج ذلك المدبَّر من ثلث مال المدبِّر، أو يجيزه الورثة، فإن لم يخرج: فإنه يعتق من المدبِّر بقدر الثلث؛ لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الوصية لا تزيد عن الثلث، فكذلك المدبَّر والجامع: أن كلًّا منهما=
[ ٤ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تبرُّع بعد الموت الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت هذا عن علي، وابن عمر.
[فرع]: إن قتل المدبَّر سيده الذي دبَّره: بطل تدبيره؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوارث إذا قتل مورِّثه: فإنه لا يرث وكما أن الموصى له إذا قتل الموصي: فلا يعطى الوصية فكذلك الحال هنا مثل تلك الحالتين والجامع: أن كلًّا منهما قد استعجل أمرًا قبل أوانه فعوقب بحرمانه، وهو نقيض قصده.
هذه آخر مسائل: "بيان تعريف العتق، وحكمه، ومن يستحق العتق، وصريح العتق وكنايته، وسرايته، وحكم التدبير" ويليه باب: "الكتابة".
[ ٤ / ٢٢٨ ]