جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته، واصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعده (^١)،
كتاب الوصايا
* بيان تعريفها، وحكمها، ومقدارها ووقت قبولها وملكها والرجوع عنها
وفيه سبع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الوصايا جمع وصية: -بفتح الواو، وكسر الصاد، وفتح الياء- وهي تطلق لغة على جعل المال للغير، تقول: "وصَّيتُ بكذا أو: أوصيت بكذا": جعلته له، وتطلق أيضًا على العهد إلى الغير في القيام بفعل أمر حال حياته أو بعد وفاته، تقول: "أوصيتُ له أو إليه": جعلته وصيًا يقوم على من بعده، وهي في الاصطلاح الشرعي: "الأمر بالتصرُّف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعد الموت" فتشمل الوصية بذلك نوعين: أولهما: الوصية بالتصرُّف فقط في شيء خاص به كأن يوصي زيد بأن يقوم عمرو بتزويج بناته، أو، أن يغسله ويصلي عليه، أو تفرقة وقفه، أو ثلثه أو نحو ذلك، دون أن يتملَّك شيئًا، ثانيهما: الوصية بتملك غيره ما تبرَّع به من المال بعد موته كأن كأن يوصي زيد بأن يتملَّك عمرو، أو يتملَّك عدد من الأشخاص ماله -أي مال زيد- الذي تبرَّع به ويستحق بعد موته، وخرج بعبارة "بعد الموت" التملكات المنجزة لعين كالبيع والهبة، والعطية، والهدية، والمنحة، وكذا: تملُّك المنفعة كالإجارة، فإن قلتَ: لِمَ جُعل كتاب الوصايا بعد باب الهبة والعطية؟ قلتُ: لأن كلًّا منهما يشتركان في تمليك الغير ماله بلا عوض مالي.
[ ٤ / ٤٠ ]
وتصح الوصية من البالغ الرشيد (^٢) ومن الصبي العاقل (^٣)،
(^٢) مسألة تصح الوصية من المكلَّف: سواء كان عدلًا أو فاسقًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، ما لم يصل إلى حدِّ الغرغرة -وهو: وقت خروج الروح، أو بلوغ الروح الحلقوم- بشرط: عدم زوال عقله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هبة هؤلاء صحيحة فكذلك تصح وصيتهم من باب أولى والجامع: أنه في كل منهما تبرُّع بمال ينفعه في الدنيا والآخرة، من غير ضرر على الآخرين.
(^٣) مسألة: لا تصح وصية الصبي إلى أن يبلغ، وهو قول كثير من العلماء وهو رواية عن أحمد، لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح من الصبي الهبة والعتق، فكذلك لا تصح الوصية منه والجامع: أن كلَّا منهما تبرع وتصرف بمال لمن ليس له التصرُّف فيه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد ذهب إلى هذا المذهب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الصبي لا يدرك المقصود من الوصية فكثيرًا ما يُغر ويُخدع؛ نظرًا لعدم إدراكه لحقائق الأمور، فإن قلت: تصح وصية الصبي العاقل، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تصح صلاة الصبي العاقل فكذلك تصح وصيته والجامع: أن كلًّا منهما تصرُّف فيه نفع له، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر أجاز وصية صبي. قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الصبي ليس فيها ضرر على غيره، أما الوصية فيوجد ضرر على غيره. وهم ورثته، أما قول الصحابي: فإنه معارض بقول صحابي آخر، وهو ابن عباس ـكما سبق- وإذا تعارض قولا صحابيين في مسألة واحدة تساقطا ورُجع إلى مُرجِّع لأحدهما من دليل خارجي، وقد وجد عندنا دليل خارجي وهو القياس الذي ذكرناه يُرجِّح عدم صحة وصيته، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: "تعارض القياسين": فنحن ألحقنا الوصية بالهبة؛ لكونها أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوها بالصلاة؛ لكونها أكثر شبهًا بها عندهم، وهو ما يُعرف بقياس "الشبه" أو "غلبة =
[ ٤ / ٤١ ]
والسفيه بالمال (^٤)، ومن الأخرس بإشارة مفهومة (^٥)، وإن وُجدت وصية إنسان بخطه الثابت ببيّنة، أو إقرار ورثته: صحَّت (^٦)، ويُستحب: أن يكتب وصيته، ويُشهد عليها (^٧) و(يسن لمن ترك خيرًا -وهو المال الكثير-) عرفًا (أن يوصي بالخمس) روي
الأشباه".
(^٤) مسألة: إذا حجر على شخص؛ للسفه: فإن وصيته تصح؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الرشيد تصح وصيته فكذلك المحجور عليه لسفهه والجامع: أن كلًّا منهما عاقل مدرك لحقائق الأمور والنيات والمقاصد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن وصيته فيها نفع له من غير ضرر على الآخرين؛ لكونه إن عاش لم يذهب من ماله شيء؛ لأن تنفيذ الوصية بعد الموت، وإن مات فهو محتاج إلى الثواب.
(^٥) مسألة: تصح الوصية من المكلَّف الأخرس بشرط: أن تكون تلك الوصية بإشارة يُفهم منها الوصية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الناطق تصح وصيته فكذلك الأخرس مثله إذا فهمت إشارته والجامع: أن كلًّا منهما قد فهمت منه الوصية.
(^٦) مسألة: إذا أوصى شخص بوصية وكتبها بخطه: فإن ذلك يصح ويُعمل بها بشرط: أن يثبت هذا الخط ببيَّنة على أنه خطُّه، أو يُقرُّ ورثته بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الرسول ﷺ كان يبعث رسله وسعاته بكتب ورسائل، فيقبل منهم المرسل إليهم ذلك، ويعملون به استنادًا إلى الخط الثابت عنه مع أن فيه الأوامر والنواهي الشرعية والناسخ والمنسوخ فكذلك الوصية التي كتبها صاحبها يعمل بها استنادًا إلى الخط الثابت عنه، والجامع: أن كلًّا منهما قد ثبت أنها صادرة من صاحبها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين؟ حيث إنه قد لا يوجد شاهد على ذلك، وقد يكون الإنسان لا يريد أن يطَّلع أحد على أسراره.
(^٧) مسالة: يستحب للمسلم أن يكتب وصيته ويشهد عليها عدلين؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه قطع للنزاع، واحتياط للدِّين، وبُعْد عن التهمة.
[ ٤ / ٤٢ ]
عن أبي بكر وعلي وهو ظاهر قول السلف قال أبو بكر: "رضيت بما رضي الله به لنفسه" يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٨) (ولا تجوز)
(^٨) مسألة: الوصية لغير الوارث ببعض المال مستحبة لمن ترك خيرًا ـوهو المال الكثير عرفًا، والأفضل: أن يكون الموصى به أقل من ثلث ماله، والأفضل أن تكون للفقير القريب؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ حيث أوجب الشارع الوصية؛ لأن لفظ "كتب" من صيغ الوجوب، والتقدير: "كتب عليك ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لأنكر ذلك، فدلّ على استحبابها، وخرج الورثة من هذه الآية بالسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" وهو واضح، وإذا خرج الورثة: بقي سائر الأقم الوصية إن تركتم خيرًا" ولكن فعل الصحابي قد صرف هذا الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن أكثر الصحابة لم يوصوا، ارب على استحباب الوصية لهم، ويلزم منه: "أن الوصية لهم أفضل من الوصية للأجنبي، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" وهذا فيه حث على الوصية، ثانيها قوله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" والمراد به: أنه من الرأي السديد: أن لا يمر زمن قليل على مسلم يملك فيه مالًا كثيرًا يريد أن يوصي ببعضه إلا ويكتب تلك الوصية، ثالثها: أن سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني في عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" قلت: فبالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا" قلت: فبالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس" =
[ ٤ / ٤٣ ]
الوصية (بأكثر من الثلث الأجنبي) لمن له وارث (ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لهما بعد الموت)؛ لقول النبي ﷺ لسعد حين قال: "أوصي بمالي كله؟ قال: "لا"، قال: "بالشطر؟ قال: "لا" قال بالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير" متفق عليه، وقوله ﷺ: "لا وصية لوارث" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه (^٩)، وإن
فأجاز الوصية لغير الوارث بالثلث، ويلزم من وصف الثلث بالكثرة: أن الأفضل: أن يوصي بما دون الثلث قليلًا. الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن العطية والهبة لا تجب في الحياة فكذلك الوصية لا تجب بعد الموت، والجامع: أن كلًّا منهما تُعتبر عطية، فإن قلتَ: لِمَ استحبّت الوصية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة في القربات والحسنات، ويستدرك به بعض ما فرَّط فيه من الأعمال الخيرية، وقد أشار إلى ذلك الحديث الأول بقوله: "زيادة لكم في أعمالكم"، فإن قلتَ: إن الأفضل أن يوصي بخمس ماله وهو ما ذكره المصنف هنا وهو مذهب كثير من العلماء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعليًا قد فعلا ذلك، وقاسه أبو بكر على حق الله من الغنيمة وهو خمسه. قلتُ: هذا اجتهاد منهما مخالف لإطلاق حديث سعد: "الثلث والثلث كثير"، وقد خالفه كثير من الصحابة؛ حيث أوصى عمر بربع ماله، وقال ابن عباس: "وددتُ لو أن الناس غضُّوا من الثلث إلى الربع في الوصية".
[فرع] الوصية واجبة على كل شخص عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب من كفارات ونحو ذلك من الحقوق التي لا مستند لها؛ للإجماع حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن رد الأمانات والحقوق إلى أهلها واجب فيلزم منه وجوب الوصية بردِّها وبيانها بالتفصيل.
(^٩) مسألة: الشخص الذي له ورثة -بفرض أو تعصيب- لا يصح له أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، ولا يصح له أن يوصي لوارث بشيء، فإن فعل: بأن أوصى لغير الوارث بأكثر من الثلث، أو أوصى لوارث بشيء: فتبطل فيما زاد على الثلث، =
[ ٤ / ٤٤ ]
وصَّى لكل وارث بمعيَّن بقدر إرثه: جاز؛ لأن حق الوارث في القدر، لا في العين (^١٠)، والوصية بالثلث فما دون لأجنبي تلزم بلا إجازة (^١١) وإذا أجاز الورثة ما
وتبطل للوارث إلا إذا أذن الورثة في ذلك وسمحوا به بعد موت الموصي فيجوز، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "الثلث والثلث كثير" حيث دلَّ مفهوم العدد على عدم جواز ما زاد عن الثلث، ويلزم منه: أن الذي زاده الموصي على الثلث يبطل بهذا: لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي التحريم والفساد. ثانيهما: قوله ﷺ: "لا وصية لوارث" حيث إن النفي هنا: نهي والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد. الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الورثة قد أسقطوا حقهم بالإذن بالزيادة، أو للوارث: يلزم منه: جوازه، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّمت الزيادة عن الثلث، وحرمت الوصية للوارث؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن الوصية بأكثر من الثلث فيه ظلم للورثة بتنقيص حقهم، والوصية للوارث فيه إيقاع العداوة، والفتنة بين الموصى له وبقية الورثة، فدفعًا لذلك: حرم.
(^١٠) مسألة: إذا وصَّى شخص لكل وارث بشيء معين بقدر نصيبه من الإرث: فإن يصح كأن يكون له داران، وله بنتان وابن، وكل دار تساوي مائة ألف، فجعل دارًا للبنتين، والدار الأخرى للابن: فإن هذا يصح كما قلنا؛ للتلازم؛ حيث إن كون حق الوارث في القدر، لا في العين، وأنه لم يقع ظلم ولا إجحاف على أحد يلزم منه: صحته، وهو المقصد منه.
(^١١) مسألة: إذا وصَّى شخص بالثلث فما دونه لغير الوارث: فإنها تلزم بعد موت ذلك الشخص الموصي بدون إذن أو إجازة من الورثة؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال -في حديث سعد-: "الثلث والثلث كثير" وهذا مطلق، فلم يُقيَّد بشيء من إذن وإجازة ورثة ولا غيرهم، فيبقى على إطلاقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير لإنفاذ الوصية.
[ ٤ / ٤٥ ]
زاد على الثلث، أو لوارث (فـ) إنها (تصح تنفيذًا)؛ لأنها إمضاء لقول المورِّث بلفظ: "أجزتُ" أو "أمضيتُ" أو "أنفذتُ" ولا تُعتبر لها أحكام الهبة (^١٢) (وتكره وصية فقير) عرفًا (وارثه محتاج)؛ لأنه عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب (^١٣) (وتجوز) الوصية (بالكل لمن لا وارث له) روي عن ابن مسعود؛ لأن المنع فيما زاد على الثلث لحق الورثة، فإذا عدموا زال المانع (^١٤) (وإن لم يف الثلث بالوصايا) أو لم تجز الورثة:
(^١٢) مسألة: إذا وصَّى شخص بشيء زائد على الثلث، أو وصَّى لوارث بشيء، وأجازه كل واحد من الورثة بلفظ يدل على إذنه وسماحه بذلك كقوله: "أجزتُ ما زاد على الثلث، أو ما وصي لهذا الوارث" أو بقوله: "أمضيته" أو بقوله: "أنفذته" أو بقوله: "رضيتُ بذلك" ونحو ذلك: فإن تلك الوصية تصح تنفيذًا لما وصَّى به الموصي، ولا يكون ذلك هبة من الوارث؛ فلا يُشترط لها شروط الهبة ولا أحكامها، ولا منة للوارث في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إجازتهم لذلك وإسقاط حقهم بسبب إمضاء قول الموصي وتنفيذ ما وصَّى به: أن تصح تلك الوصية، وأن لا تكون هبة.
(^١٣) مسألة: تكره وصية فقير وارثه فقير مثله؛ للمصلحة: حيث إن تركه وارثه المحتاج ووصيته لغير الوارث فيه ترك للأفضل وفعله للمفضول.
(^١٤) مسألة: إذا وُجد شخص لا وارث له: فإنه يصح أن يوصي بجميع ماله ويُصرف في الأعمال الخيرية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ -في حديث سعد-: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" حيث دلّ منطوقه على أن المنع من الزيادة عن الثلث كان بسبب حق الورثة، فدل مفهوم العلّة على جواز الوصية بكل المال إذا كان الشخص لا وارث له؛ لعدم تعلُّق حق لوارث ولا لغريم. الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن هذا قد روي عن ابن مسعود، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للموصي، وهو عمل للبر بهذا المال الذي حققه خلال حياته،
[ ٤ / ٤٦ ]
(فالنقص) على الجميع (بالقسط) فيتحاصون، ولا فرق بين متقدمها ومتأخرها والعتق وغيره؛ لأنهم تساووا في الأصل، وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المحاصة كمسائل العول (^١٥) (وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث) كأخٍ حُجب بابن تجدَّد:
في حين أنه لا ضرر على الآخرين. فإن قلتَ: إن هذا الشخص ليس له إلا الوصية بالثلث فقط، دون أن يزيد عليه والثلثان يكونان لبيت المال، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي وكثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ترك وارثًا ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث فكذلك من لا وارث له والجامع: أن في كل منهما له من يأخذ ويعقل عنه؛ لأن المسلمين هم الوارثون له من بيت المال. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق لأن من له ورثة يتضرَّرون إذا أوصى بأكثر من الثلث ضررًا مباشرًا، أما بيت المال: فلا يتضرر إذا أوصى بأكثر منه؛ لأن له مصادر أخرى غير ذلك، ولو تضرر: فإن ضرره غير مباشر، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم العدد، ومع قول الصحابي".
(^١٥) مسألة: إذا كثرت الوصايا ولم يف الثلث بها، ولم تجز الورثة الزيادة على الثلث: فإن الثلث فقط يُقسَّم بين الموصى لهم على قدر ونسب وصاياهم ويتحاصون، ويدخل النقص على كل واحد منهم بقدر نسبته في الوصية سواء كان فيه عتق أو لا، فمثلًا: لو أوصى شخص لزيد بثلث ماله، ولعمرو بمائة، ولبكر بدكان قيمته خمسون، ولمحمد بخمس وعشرين، ولصالح بخمس وعشرين، فبلغت الوصايا ثلاثمائة، وكان ثلث ماله مائة فقط: فإن زيدًا يُعطى ثلث المائة، وكذلك عمرو، ويُعطى بكر سدس المائة، ويُعطى كل من محمد وصالح عشرة وثلثان، وقس على ذلك بقية الأمثلة، للقياس؛ بيانه: كما يفعل ذلك بمسائل العول ـفي الفرائض وهي زيادة الفروض عن المال المقسَّم- فكذلك يفعل في هذه الحالة والجامع: أن أصحاب الحقوق في كل منهما قد تساووا في الأصل وتفاوتوا في المقدار فوجبت =
[ ٤ / ٤٧ ]
(صحَّت) الوصية؛ اعتبارًا بحال الموت؛ لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصى له (^١٦) (والعكس بالعكس) فمن أوصى لأخيه مع وجود ابنه، فمات ابنه: بطلت الوصية إن لم تجز باقي الورثة (^١٧) (ويُعتبر) لملك الموصى له المعيَّن الموصى به (القبول) بالقول، أو ما قام مقامه كالهبة (بعد الموت)؛ لأنه وقت ثبوت حقه (^١٨)،
المحاصّة.
(^١٦) مسألة: إذا أوصى شخص لأخيه الوارث، فصار عند الموت ليس بوارث بأن حُجب بابن ولد للموصي بعد موته: فإن الوصية تصحّ؛ للتلازم؛ حيث إن حدوث الموت للموصي هو الحال الذي يحصل به انتقال الميراث إلى الورثة، وانتقال الموصى به إلى الموصى له، والموصى له -وهو الأخ- في هذه الحالة لم يكن وارثًا فلزم منه صحة تلك الوصية لأخيه؛ لكونه غير وارث، والوصية لغير الوارث تصح.
(^١٧) مسألة: إذا أوصى شخص لأخيه غير الوارث؛ نظرًا لوجود ابنه -أي: ابن الموصي- فصار عند الموت وارثًا بسبب موت ابنه: فإن الوصية لا تصح؛ إلّا إذا أذن الورثة؛ للتلازم؛ حيث إن حدوث الموت للموصي هو الحال الذي ينتقل بسببه الميراث إلى الورثة، وينتقل الموصى به إلى الموصى له، والموصى له -وهو: الاخ هنا- في هذه الحالة كان وارثًا: فلزم منه عدم صحة الوصية لأخيه، لكونه وارثًا، والوصية للوارث لا تصح، ولذلك لو أوصت امرأة لرجل أجنبي عنها: صحَّت الوصية لكونه غير وارث، لكن لو تزوجها ذلك الأجنبي بعد الوصية: لبطلت لكونه وارثًا وإن أوصى أحد الزوجين للآخر، ثم طلقها زوجها: صحَّت؛ لكون كل واحد منهما أجنبيًا عن الآخر، وعلى هذا فقس.
(^١٨) مسألة: إذا كان الموصى له شخصًا معينًا، أو جمعًا يمكن حصرهم: فيُشترط لملك الموصى به: أن يقبله بالقول بعد موت الموصي فيقول "قبلتها" أو نحو ذلك من الأخذ، والفعل مما يقوم مقامه؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في ملكية الهبة قبولها =
[ ٤ / ٤٨ ]
وهو على التراخي، فيصح (وإن طال) الزمن بين القبول والموت (^١٩)، و(لا) يصح القبول (قبله) أي: قبل الموت؛ لأنه لم يثبت له حق (^٢٠)، وإن كانت الوصية لغير معيَّن كالفقراء، أو من لا يمكن حصرهم كبني تميم، أو مصلحة مسجد ونحوه، أو حج: لم تفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرَّد الموت (^٢١) (ويثبت الملك به) أي: بالقبول (عقب الموت) قدَّمه في "الرعاية" والصحيح" أن الملك حين القبول كسائر العقود؛ لأن القبول سبب، والحكم لا يتقدَّم سببه، فما حدث قبل القبول: من نماء منفصل:
بالقول ونحوه فكذلك الوصية مثلها والجامع: أن كلًّا منهما تمليك مال لمعين هو أهل للملك، فلا يكون إلَّا بالقبول بالقول، أو الفعل.
(^١٩) مسألة: لا تُشترط في قبول الموصى له للموصى به الفورية بل يجوز أن يقبله الموصى له بعد موت الموصي مباشرة، ويجوز أن يقبله بعد موت الموصي بمدَّة طويلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك لا يُشترط في الميراث فكذلك الوصية والجامع: أن كلًّا منهما حق لا يبطل بمضي وقت طويل على موت الموصي والمورِّث.
(^٢٠) مسألة: لا يصح من الموصى له قبولٌ ولا ردٌّ للموصى به قبل موت الموصي؛ للتلازم؛ حيث إنه لم يثبت للموصى له ملك قبل موت الموصي فيلزم عدم اعتبار قوله في القبول أو الرد.
(^٢١) مسألة: إذا كان الموصى له غير معين كأن يوصي شخص بذلك الشيء للفقراء، أو للعلماء، أو للغزاة، أو كانت الوصية لأناس لا يمكن حصرهم كبني هاشم، أو بني تميم، أو كانت لمصلحة مسجد، أو رباط، أو حجج: فإن القبول لا يُشترط، وتلزم الوصية بمجرَّد موت الموصي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أوقف ريع هذا على الفقراء ونحوهم مما ذكر: فإنه لا يُشترط القبول فكذلك الوصية مثله والجامع: تعذُّر القبول في كل.
[ ٤ / ٤٩ ]
فهو للورثة، والمتصل يتبعها (^٢٢) (ومن قبلها) أي: الوصية (ثم ردَّها) ولو قبل القبض (لم يصح الرَّد) لأن ملكه قد استقرّ عليها بالقبول إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبة منه لهم تُعتبر شروطها (^٢٣) (ويجوز الرجوع في الوصية)؛ لقول عمر: "يُغيّر الرجل ما شاء في وصيته" فإذا قال: "رجعت في وصيتي، أو أبطلتها" ونحوه: بطلت، وكذا: إن وجد منه ما يدل على الرجوع (^٢٤)، (وإن قال) الموصي: (إن قدم زيد: فله ما
(^٢٢) مسألة يثبت ملك الموصى له للموصى به بالقبول عقب الموت، وعليه: فإذا حصل نماء منفصل كثمرة للموصى به قبل ذلك القبول: فإنه يكون للورثة، والنماء المتصل للموصى به كتعلُّم صنعة يتبع الموصى به فيكون للموصى له: إذا قبله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر العقود لا يتم الملك فيها إلا بعد قبول المشتري فكذلك الحال هنا: لا يملك الموصى له الوصية إلا بعد القبول الواقع بعد الموت، والجامع: أن القبول في كل منها سبب للحكم -وهو الملك- والحكم لا يتقدَّم سببه.
(^٢٣) مسألة: إذا قبل الموصى له الوصية ثم ردَّها: فلا يصح منه ذلك الرَّد، سواء كان قد قبضها أو لا، وسواء كانت في مكيل أو موزون أو لا، وسواء كانت في عتق أو لا، إلا أن يرضى ويأذن الورثة بذلك الرَّد فيقبلونها منه فتكون بذلك هبة من الموصى له للورثة، لها أحكام الهبة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر أملاكه لا يصح منه ردُّها إلا بهبتها لغيره فكذلك الوصية مثلها والجامع: أن كلًّا منها قد استقرّ عليها ملكه بالقبول.
(^٢٤) مسألة: يجوز أن يرجع الموصي عن وصيته، ويغيِّرها بأي لفظ أو تصرُّف يفيد الرجوع عنها وإبطالها كأن يقول: "رجعت عنها" أو "أبطلتها" أو "رددتها"، أو يبيع ما وصى به، أو يوقفه، أو يهبه، أو يرهنه، أو يزرعه أو يخلطه بما لا يتميز منه، أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في عتق أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الوصية عطية تنفذ بعد الموت فيلزم جواز رجوع الموصي عنها قبل تنفيذها، =
[ ٤ / ٥٠ ]
وصَّيتُ به لعمرو، فقدم) زيد (في حياته) أي: حياة الموصي: (فله) أي: فالوصية لزيد؛ لرجوعه عن الأول، وصرفه إلى الثاني معلَّقًا بشرط، وقد وُجد (و) إن قدم زيد (بعدها) أي: بعد حياة الموصي: فالوصية (لعمرو)؛ لأنه لما مات قبل قدومه: استقرَّت له؛ لعدم الشرط في زيد؛ لأن قدومه إنما كان بعد ملك الأول، وانقطاع حق الموصي منه (^٢٥). (ويخرج) وصي، فوارث، فحاكم (الواجب كله من دين وحج وغيره) كزكاة، ونذر وكفارة (من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ولقول علي: "قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية" رواه الترمذي (^٢٦) (فإن قال: أدُّوا الواجب من ثلثي: بدئ به) أي: بالواجب (فإن بقي منه) أي من الثلث (شيء: أخذه صاحب التبرُّع)؛ لتعيين الموصي
الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد قال: "يُغيّر الرجل ما شاء في وصيته" والمقصد منه: التوسعة على المسلمين.
(^٢٥) مسألة: إن قال الموصي: إن قدم زيد من سفره فله ما وصَّيت به لعمرو: فقدم زيد في حياة الموصي: فإن الوصية تكون لزيد إن قبلها، ويكون ذلك رجوعًا عن عمرو، أما إن قدم زيد بعد وفاة الموصي: فإن الوصية تكون لعمرو؛ للتلازم؛ حيث إن قدوم زيد في حياة الموصي لزم منه: أن تكون الوصية لزيد؛ لتحقق الشرط فيه وهو قدومه أشبه: ما لو قال: "رجعت عن وصيتي لفلان وأوصيتُ بها لفلان"، ويلزم من عدم قدوم زيد في حياة الموصي: وقدومه بعد موته: أن تكون الوصية لعمرو؛ لثبوت ملكية عمرو على الوصية بقبولها بعد موت الموصي؛ لأن زيدًا قد قدم بعد ملك عمرو لها، وانقطاع حق الموصي بموته.
(^٢٦) مسألة: إذا مات الميت فيجب على الوصي، أو الوارث، أو الحاكم: أن يخرج الواجبات كقضاء الدين، والحج، والزكاة، ونذر، وكفارة من رأس ماله: سواء أوصى بذلك أو لا؛ ثم يُخرج الوصية بالثلث فمثلًا: لو كانت تركة ميت ستون =
[ ٤ / ٥١ ]
(وإلا) يفضل شيء: (سقط) التبرُّع؛ لأنه لم يوص له بشيء، إلا أن يجيز الورثة، فيُعطى ما أوصى له به، وإن بقي من الواجب شيء: تُّم من رأس المال (^٢٧).
وعليه دين قدره عشرة، أو نذر قدره عشرون، ووصّى بثلث ماله: فإنه يبدأ بالدين فيخرج من رأس ماله -وهو عشرة-، ثم يخرج النذر وهو: عشرون، فيبقى ثلاثون، فتخرج الوصية منها -وهي ثلث ما بقي فتكون عشرة، والباقي- وهو: عشرون -توزع على الورثة لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ حيث أثبت الشارع أن حق الورثة يكون بعد قضاء الدَّين وإخراج الوصية، والواجبات الأخرى مما ذكر كالدين؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي: "قضى رسول الله ﷺ بالدَّين قبل الوصية" فيقدَّم قضاء الدين وما شابهه من الواجبات قبل إخراج الوصية لذلك، وهذا مفسِّر للآية، فإن قلتَ: إذا كان الدَّين مقدَّم في القضاء على إخراج الوصية فلِمَ قُدِّمت الوصية بالذكر في الآية؟ قلت: للمصلحة: حيث إن إخراج الوصية فيه مشقة على الوارث؛ لأن هذا الأجنبي ـغير الوارث- سيشاركهم في مال مورِّثهم فيشقُّ عليهم ذلك فقُدِّمت؛ اهتمامًا بها وحثًا على إخراجها، بخلاف الدَّين فلا يشق قضاؤه على الوارث؛ نظرًا لرحمتهم للميت من العذاب، وهذا على حسب العادة.
(^٢٧) مسألة: إذا قال شخص عليه واجبات من دين، ونذر أو نحوهما: "أدُّوا تلك الواجبات من ثلث مالي" فإنه يبدأ بذلك الثلث ويُقضى الدَّين، والنذر ونحوهما منه، فإن بقي شيء من الثلث: فإنه يأخذه صاحب التبرُّع، وهو المخاطب بذلك، وإن لم يبق شيء من الثلث: فإن التبرع له بالوصية يسقط، إلّا إذا أذن الورثة وأعطوه شيئًا زائدًا على الثلث فيجوز، أما إن بقي من الواجبات شيء لم يُقض، ولم يف الثلث بقضائه: فإنه يُقضى من رأس مال الميت وإن لم يوص به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب البدائة بالواجب من دين ونحوه قبل الميراث والتبرع:
[ ٤ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجوب أخذ ذلك من الثلث الذي عينه، وما فضل للتبرع؛ ويلزم من عدم بقاء شيء من الثلث الذي نصَّ عليه: سقوط التبرع، لعدم الوصية به، ويلزم من بقاء شيء من الواجبات لم يف الثلث به: أن يُتمَّم ويُقضى من رأس مال الميت؛ لأن الواجب لا يتقيَّد بالثلث.
هذه آخر مسائل "تعريف الوصايا، وحكمها، ومقدارها،، ووقت قبولها وملكها، والرجوع عنها، ويليه باب "الموصى له"
[ ٤ / ٥٣ ]
باب الموصى له
(تصح) الوصية (لمن يصح تملكه) من، مسلم وكافر؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال محمد بن الحنفية هو وصية المسلم لليهودي والنصراني (^١)،
باب الموصى له
وفيه سبع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: تصح الوصية لكل شخص يصح أن يتملَّك، ويشمل ذلك المسلم والكافر الذمي، وتصح وصية الكافر الذمي للمسلم؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ حيث دلَّت تلك الآية بعمومها على جواز بر جميع الناس: سواء كانوا مسلمين، أو كفارًا، والوصية له من البر، لأن "أوليائكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو ضمير المخاطب وهذا من صيغ العموم؛ الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما تصح الهبة للذمي، فكذلك تصح الوصية له، والجامع: أنه أريد في كل منهما بره، ثانيهما: كما تصح الوصية من المسلم للذمي فمن باب أولى أن تصح وصية الذمي للمسلم؛ لكون المسلم أحق بالمنفعة.
[فرع]: لا تصح وصية المسلم للكافر الحربي، وهو قول أبي حنيفة وكثير من العلماء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ حيث إنها دلَّت على جواز برِّ من لم يُقاتل المسلمين، وعدم جواز بر من قاتل وحارب المسلمين، وهذه الآية مخصِّصة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ وجعلتها خاصة بالذمي فقط، فإن قلتَ: تصح وصية =
[ ٤ / ٥٤ ]
وتصح لمكاتبه (^٢)، ومدبَّره، وأم ولده (^٣) (ولعبده بمشاع كثلثه)؛ لأنها وصية تضمَّنت
المسلم للكافر الحربي، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رأي جمهور العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه؛ كما تصح الوصية للذمي فكذلك تصح للحربي، والجامع: أن كلًّا منهما تصح هديته وهبته؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر كسا أخًا له حلَّة وهو بمكة، مشرك، وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام، وصفية أوصت بثلثها لأخ لها يهودي. قلتُ: أما القياس: ففاسد؛ لأنَّه قياس مع النص - وهي الآية التي ذكرناها - ثم لا نسلم صحة الهبة للحربي، وأما فعل الصحابي فيُحمل على أن هؤلاء الذين برَّوهم بعض الصحابة لم يكونوا محاربين، وعلى فرض ذلك: فإنه اجتهاد من صحابة لا يلزمنا؛ لكونه معارضًا للنص، ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض القياس وفعل الصحابي مع النص".
(^٢) مسألة: تصح الوصية لمكاتب الموصى - وهو: عبده الذي اشترى نفسه على أقساط ويُسدَّد له، فإذا أكمل سداد قيمته: عتق ذلك العبد -؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الوصية للأجنبي عن الموصى فكذلك تصح الوصية لعبده المكاتب له، والجامع: أن كلًّا منهما أجنبي عن الموصى في المعاملات، وأيضًا لا يملك الورثة المكاتب ولا، ماله فلو قال: "ضعوا عن مكاتبي بعض أقساطه أو بقيتها": فإنهم يفعلون ذلك من الثلث.
(^٣) مسألة: تصح الوصية لأم ولد الموصى -وهي الأمة التي تلد من سيدها وهو الموصى فإنها تكون حرة بعد موت ذلك السيد - وتصح الوصية لمدبر الموصى - وهو العبد الذي يقول له سيده - الموصى -: "أنت حر بعد موتي"؛ لقواعد؛ الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون أم الولد حرَّة حين لزوم الوصية: صحة الوصية لها، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن أم الولد تصح الوصية لها فكذلك المدبَّر=
[ ٤ / ٥٥ ]
العتق بثلث ماله (ويعتق منه بقدره) أي بقدر، الثلث فإن كان ثلثه مائة، وقيمة العبد مائة فأقل: عتق كله؛ لأنَّه يملك من كل جزء من المال ثلثه المال ثلثه مشاعًا، ومن جملته نفسه فيملك ثلثها، فيعتق ويسري إلى بقيته (ويأخذ الفاضل) من الثلث؛ لأنَّه صار حرًا، وإن لم يخرج من الثلث: عتق منه بقدر الثلث (^٤) (و) إن أوصى (بمائة أو بمعيَّن) كدار وثوب (لا تصح) هذه الوصية (له) أي: لعبده؛ لأنَّه يصير ملكًا للورثة، فما وصَّى له به فهو لهم، فكأنه وصَّى لورثته بما يرثونه، فلا فائدة فيه (^٥)،
مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما يصير حرًا حين لزوم الوصية - وهو - بعد موت الموصى -.
[فرع]: إذا كان ثلث مال السيد لا يكفي لإخراج وصيته وعتق المدبَّر: فإنه يُقدَّم عتقه على وصيته؛ للمصلحة: حيث إن عتقه أنفع له مما يحصل له من مال الوصية.
(^٤) مسألة تصح وصية السيد لعبده أو أمته بمشاع: كثلث ماله أو ربعه. فإن كان هذا الثلث - أو الربع - موافقًا لقيمة العبد: عتق العبد كله، وإن كان أزيد من قيمته عتق كله، وأعطي العبد - الذي عتق - الزيادة، وإن كان أنقص من قيمته عتق بقدره منه فمثلًا: لو كان ثلث مال السيد يساوي مائة، وقيمة العبد مائة: فإن العبد يعتق كله ولا يُعطى شيئًا، ولو كانت قيمة العبد سبعين: عتق كله وأُعطي الثلاثين الباقية، ولو كانت قيمة العبد مائة وخمسين: فيعتق ثلثا العبد وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إن الجزء الشائع يتناول نفسه، أو بعضها؛ نظرًا لكون العبد من جملة الثلث الشائع فيلزم صحة الوصية له بذلك، فيعتق لأنها وصية تضمّنت العتق بثلث ماله فكأنه قال: "اعتقوا عبدي من ثلثي" ويلزم من صيرورته حرًا: تملُّكه للوصية، وما بقي منها.
(^٥) مسألة: إذا أوصى السيد لعبده بمائة، أو دار، أو ثوب أو فرس وعينها: فإن هذه الوصية لا تصح للعبد؛ للقياس؛ بيانه كما أن الشخص لو أوصى للورثة بما =
[ ٤ / ٥٦ ]
ولا تصح لعبد غيره (^٦) (وتصح) الوصية (بحمل) تحقق وجوده قبلها: لجريانها مجرى
يرثونه: فلا يصح؛ لعدم الفائدة، فكذلك لو أوصى لعبده بشيء معين لا يصح والجامع: أن كلًّا من ذلك سيصير ملكًا للورثة؛ إذ ما أوصى للعبد: فسيكون للورثة؛ لأن العبد موروث كغيره من الأموال، فما أوصي له به فهو تابع له، فإن قلتَ: تصح الوصية للعبد هنا وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح وصية السيد لعبده بمشاع كثلث أو ربع ماله - كما سبق في مسألة (٤) - فكذلك تصح إذا أوصى له بمعيَّن ويفعل بذلك كما فعل في مسألة (٤) قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن الوصية بمعين لا يتناول شيئًا من العبد، بخلاف مسألة (٤)؛ حيث إن الجزء المشاع يتناول شيئًا من العبد، أو كله ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح مما سبق.
(^٦) مسألة: تصح الوصية لعبد غيره، ويصح قبوله لها، ولا يحتاج إلى إذن سيد في هذا القبول، ويملكها سيده؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح هبة الشخص لعبد غيره فكذلك تصح وصيته له والجامع: أنه في كل منهما تمليك للغير، فإن قلتَ: لَمِ صح قبوله لها؟ قلتُ: لأن العقد مضاف إليه كالهبة، فإن قلتَ: لَمِ يملكها سيده؟ قلتُ: لأن العبد وما كسبه لسيده، فإن قلتَ: لَمِ لا يحتاج إلى إذن سيده في ذلك؟ قلتُ: لأنَّه تحصيل مال بغير عوض، فلم يفتقر إلى إذنه كتحصيل المباحات، فإن قلتَ: لا تصح الوصية لعبد غيره وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ملكية تلك الوصية ستؤول إلى سيد العبد: عدم صحتها، قلتُ: هذا غير مسلَّم؛ لكون مجرَّد الوصية صحيحة، وأما كون ملكيتها للسيد لا يؤثِّر في صحة الوصية؛ إذ يعرف الموصى أن العبد لا يملك شيئًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس".
[ ٤ / ٥٧ ]
الإرث (^٧) (و) تصح أيضًا (الحمل تحقق وجوده قبلها) أي: قبل الوصية: بأن تضعه لأقل من ستة أشهر من الوصية إن كانت فراشًا، أو لأقل من أربع سنين إن لم تكن كذلك (^٨)، ولا تصح لمن تحمل به هذه المرأة (^٩) (وإذا أوصى من لا حج عليه: أن يُحج
(^٧) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي بأن ما تحمله هذه الدابة لزيد": فإن الوصية تصح بشرط: تحقق وجود هذا الحمل قبل الوصية للقياس؛ بيانه كما أن ما تحمله تلك الدابة يورث بعد موت الموصى فكذلك يصح أن يوصى به، والجامع: أن كلًّا منهما فيه انتقال المال من إنسان بعد موته إلى آخر بغير عوض.
(^٨) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي بأن ثلث مالي، أو ربعه، أو خمسه، لحمل فاطمة من زيد مثلًا": فإن ذلك يصح بشرط: أن يعلم وجود ذلك قبل الوصية بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر إن كانت المرأة الحامل فراشًا لزوج أو سيد يطؤها؛ أو تأتي لأقل من أربع سنين إن لم تكن فراشًا، ويُعتبر ذلك من حين الوصية، فإن أتت به لأكثر من ستة أشهر أو أكثر من أربع سنين: لم تصح الوصية؛ للقياس؛ بيانه كما أن الحمل يرث فكذلك يوصى له والجامع: أنه يملك المال بالقوة في كل.
[فرع] إن انفصل الحمل ميتًا: بطلت الوصية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الحمل إذا انفصل ميتًا لا يرث، فكذلك تبطل الوصية له إذا انفصل ميتًا والجامع: أن الميت لا يملك شيئًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال كونه حيًا واحتمال موته حين الوصية عدم ثبوت الوصية له؛ لأن الوصية لا تثبت بالشك، فإن قلتَ: لِمَ لَمْ تصح الوصية إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر أو لأكثر من أربع سنين؟ قلتُ: لاحتمال حدوثه بعد الوصية.
(^٩) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي لما تحمل به هذه المرأة" ولم يتحقق من وجود هذا الحمل قبل الوصية: فلا تصح تلك الوصية؛ للتلازم؛ حيث إن الوصية تمليك، وما يغلب على الظن عدمه لا يصح أن يُملَّك شيئًا فيلزم عدم صحتها.
[ ٤ / ٥٨ ]
عنه بألف صرف من ثلثه مؤنة حجة بعد أخرى حتى ينفذ) الألف: راكبًا أو راجلًا؛ لأنَّه وصى في جهة قربة، فوجب صرفها فيها، فلو لم يكف الألف، أو البقية: حج به من حيث يبلغ (^١٠)، وإن قال: "حجة بألف": دفع لمن يحج به واحدة؛ عملًا بالوصية؛ حيث خرج من الثلث وإلا فبقدره، وما فضل منها: فهو لمن يحج؛ لأنَّه قصد إرفاقه (^١١) (ولا تصح) الوصية (لملك) وجني (وبهيمة وميت) كالهبة لهم؛ لعدم
(^١٠) مسألة: إذا أوصى شخص بأن يُحج عنه بألف دينار: فإن ذلك يُصرف من ثلث ماله، ويحج عنه عدَّة مرات حتى ينتهي ذلك الألف، وإن لم يكف الألف لحجة واحدة، أو حج عنه واحدة وبقي من الألف شيئًا لا يكفي لحجة أخرى: فإنه يحج عنه بما بقي من حيث يبلغ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين الموصى صرف ذلك في الحج، وهو قربة إلى الله تعالى: أن يُصرف ذلك فيما عيَّنه على حسب الإمكان؛ تنفيذًا لقول الموصى، وتحقيقًا لمقصده.
(^١١) مسألة إذا أوصى شخص بأن يُحج عنه حجةً بألف، أو قال: "حجوا عني بألف" فإنه يُدفع لمن يحج عنه حجة واحدة فقط إذا لم يزد عن الثلث، وإلا: يكون الحج على قدر الثلث فقط أما إن فضل من الثلث: فإنه يكون للورثة، الألف أما إن فضل من شيء: فإنه يكون للشخص الذي قام بالحج عنه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة فقط: أن لا يحج له إلّا مرة واحدة؛ لأنَّه يحصل بها تنفيذ الأمر ويلزم من عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث أن يكون الحج على قدر الثلث، والفاضل يكون للورثة بعد تنفيذ أمر الموصى، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لو قال: "حجوا عني حجة واحدة بألف، وما فضل منها: فهو لمن يحج": فإن باقي الألف يكون للحاج عنه، فكذلك إذا أوصى بأن يحج عنه حجة بألف، أو قال: "حجّوا عني بألف" مثل ذلك والجامع: أنه في كل منها قصد إرفاق الحاج عنه ومنفعته بذلك.
[ ٤ / ٥٩ ]
صحة تمليكهم (^١٢) (فإن وصَّى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي)؛ لأنَّه لما أوصى بذلك مع علمه بموته فكأنه قصد الوصية للحي وحده، (وإن جهل) موته (ف) ـللحي (النصف) من الموصى به، لأنَّه أضاف الوصية إليهما، ولا قرينة تدل على عدم إرادة الآخر (^١٣)، ولا تصح الوصية لكنيسة وبيت نار، أو عمارتهما، ولا لكتب التوراة والإنجيل ونحوهما (^١٤)، (وإن أوصى بماله لابنيه وأجنبي فردا) وصيته: (فله التسع)؛
(^١٢) مسألة: لا تصح الوصية لملَك، وجني، وبهيمة، وميت؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تصح الهبة لهؤلاء فكذلك لا تصح الوصية لهم والجامع: أن كلًّا منهم لا يصح تمليكهم، ولا يقع القبول منهم.
(^١٣) مسألة: إذا أوصى شخص بمائة لحي وميت يعلم هذا الشخص موته: فإن الكل - وهو المائة - للحي، أما إن كان هذا الموصى جاهلًا لموت الميت: فإن الحي يستحق النصف فقط - وهو خمسون -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علم الموصى بأن أحدهما ميت ومع ذلك أوصى لهما معًا: استحقاق الحي كامل الموصى به - وهو المائة-، لكونه قاصدًا بالوصية الحي وحده، ويلزم من جهل الموصى بأن أحدهما ميت: استحقاق الحي نصف الموصى به - وهو خمسون -؛ لكونه قصد بالوصية الاثنين معًا لإضافة الوصية إليهما معًا، فيُعمل على ذلك ويستصحب حتى يرد دليل يدل على كونه لم يرد الآخر، ولم يدل شيء على ذلك، فنبقى على الأصل.
(^١٤) مسألة: لا تصح الوصية لكنيسة - وهو معبد النصارى-، ولا لبيت نار - وهو معبد المجوس-، ولا لبيع، ولا لصوامع ولا لدير، ولا لشيء فيه إعانة أو عمارة لتلك الأماكن، ولا لشراء خمر، أو خنزير، للكفار، ولا لكتب التوراة والإنجيل والزبور ولا لصحف إبراهيم أو نحو ذلك؛ لقاعدتين الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث حرّم التعاون على الإثم والعدوان؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، والوصية لهذه الأمور من باب التعاون على الإثم والعدوان فيشمله عموم هذه الآية؛ لأن الإثم=
[ ٤ / ٦٠ ]
لأنَّه بالرد رجعت الوصية إلى الثلث والموصى له ابنان والأجنبي، فله ثلث الثلث وهو: تسع (^١٥)، وإن أوصى لزيد، والفقراء والمساكين بثلثه: فلزيد التسع، ولا يدفع له شيء بالفقر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة (^١٦) ولو أوصى بثلثه للمساكين، وله أقارب محاويج غير وارثين لم يوص لهم فهم أحق به (^١٧).
والعدوان" اسم جنس محلى بأل، وهو من صيغ العموم وهذا هو المقصد منه؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اشتراط القرب في الوصية: عدم صحة الوصية لهذه الأشياء.
(^١٥) مسألة: إذا أوصى شخص بماله لابنيه وأجنبي، فرد الابنان تلك الوصية: فإن للأجنبي تسع مال الموصى؛ للتلازم؛ حيث إن الوصية لا تكون بالثلث فقط، وهو أوصى لثلاثة: ابن، وابن، وأجنبي - فيكون الثلث مقسَّم على ثلاثة: فيلزم أن يكون لذلك الأجنبي ثلث الثلث، وهو التسع: فإذا كان مال الموصى تسعون: فإن ثلث ثلثه عشرة، وتسع ماله عشرة، فيكون للأجنبي.
(^١٦) مسألة: إذا أوصى شخص بثلثه لزيد، وللفقراء وللمساكين: فإن زيدًا يأخذ تسع مال الموصى، وإذا كان فقيرًا فلا يأخذ من حق الفقراء شيئًا، للتلازم: حيث إن الثلث مقسَّم على ثلاثة - زيد والفقراء والمساكين - وكل واحد منهم له ثلث الثلث، وهو التسع فيلزم أن يكون لزيد تسع مال الموصى: فإذا كان مال الموصى تسعون: فإن ثلث ثلثه: عشرة، وتسع كل ماله عشرة فيكون لزيد، ويلزم من تغاير المعطوف والمعطوف عليه: عدم جواز أخذ زيد من حق الفقراء إذا كان فقيرًا مثلهم.
(^١٧) مسألة: إذا أوصى شخص بثلثه للمساكين فقط، فلما مات تبيَّن أن له أقارب فقراء، ومحاويج غير وارثين، وهو لم يوص لهم بشيء فإن هؤلاء الأقرباء أحق بتلك الوصية؛ للمصلحة: حيث إن الوصية لهم أفضل؛ لقوله ﷺ: "اجعلها في القربى".
هذه آخر مسائل باب: "الموصى له" ويليه باب "الموصَى به".
[ ٤ / ٦١ ]