يقال: وقَّف الشيء، وحبسه، وأحبسه، وسبَّله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة، وهو: مما اختصّ به المسلمون، ومن القرب المندوب إليها (وهو: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) على بر أو قربة، والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وشرطه: أن يكون الواقف جائز التصرُّف (^١) (ويصح) الوقف (بالقول
كتاب الوَقْف
وفيه خمس وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: الوَقْفُ لغة: مصدر قولك: "وقفتُ الدابة" ومنه قولهم: "وقفت الأرض للمساكين وقفًا": حبستها، والمراد: وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، وجمعه: "الوقوف"، وقول بعضهم: "أوقفه" لا يصح؛ لأنها لغة رديئة - كما جاء في اللسان (٩/ ٣٥٩) - وهو في الاصطلاح: "أن يقوم جائز التصرُّف بتحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" وأتي بعبارة "جائز التصرُّف" لاشتراط: أن يكون الواقف جائز التصرف شرعًا، وهو البالغ العاقل الرشيد المالك ملكًا حقيقيًا، فأخرج بذلك: الصبي، والمجنون، والسفيه، والمحجور عليه، والمكاتب، والمراد بقوله: "تحبيس الأصل": توقيف هذا المال الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كأرض ودار ونحوهما. فلا يُتعرَّض له ببيع ولا تأجير، والمراد بقوله: "وتسبيل المنفعة" أن يجعل الواقف ريع هذه العين الموقفة والمسبَّلة ينتفع به الآخرون من أقرباء وغيرهم على جهة بر، أو معروف، أو قربة، والمراد من ذلك كله: أن يحصل الواقف على أجر عظيم بسبب ذلك، ويخرج هذا الموقوف عن ملك الواقف. (فرع) الوقف مستحب، أي: من القرب المندوب إليها؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ و"الخير" عام شامل لكل خير، فيدخل الوقف في ذلك؛ لأن "الخير" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ=
[ ٣ / ٦٤٣ ]
وبالفعل الدال عليه) عرفًا (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه) أو أذَّن فيه وأقام (أو) جعل أرضه (مقبرة وأذن) للناس (في الدفن فيها) أو سقاية
= العموم، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها قائلًا: إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟ قال رسول الله ﷺ: "إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُبتاع ولا يُوهب ولا يُورث" قال: فتصدَّق بها عمر في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها ويطعم صديقًا بالمعروف، غير متموِّل فيه، وهذا صريح في استحباب الوقف على الطريقة هذه؛ لأن النبي ﷺ لا يرشد إلّا على طاعات وهو دال على منع التصرف في الموقوف، ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: "صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، والوقف والسبيل من باب "الصدقة الجارية" إذا جعله في الفقراء المحتاجين له، الثالثة: فعل الصحابي: حيث إن جابرًا قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدرة إلّا وقف"، فإن قلتَ: لِمَ استحب الوقف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر بابًا من أبواب الخير الذي يستمر في الحياة وبعد الممات؛ إذا كان على وجه القربة بأن وقف ذلك للفقراء والمساكين، فإن قلتَ: إن الوقف غير مشروع، وهو قول القاضي شُريح؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "لا حبس عن فرائض الله" فلو كان الوقف جائزًا لأدَّى ذلك إلى أن يحول الواقف بين الورثة وبين أخذ نصيبهم المفروض قلتُ: هذا الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته: فإن المراد به إبطال عادة الجاهلية بقصر الإرث على الذكور والكبار، دون الإناث والصغار. تنبيه: قال النووي: "الوقف مما اختصَّ به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية دارًا ولا أرضًا فيما علمتُ" فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين".
[ ٣ / ٦٤٤ ]
وشرعها لهم؛ لأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف (وصريحه) أي: صريح القول: (وقفتُ، وحبستُ، وسبَّلت) فمتى أتى بصيغة منها صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد (وكنايته: تصدَّقتُ، وحرَّمت وأبَّدتُ)؛ لأنه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي (فتشترط النية مع الكناية، أو اقتران) الكناية بـ (أحد الألفاظ الخمسة) الباقية من الصريح والكناية: كتصدقت بكذا صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبَّلة، أو محرمة، أو مؤبَّدة؛ لأن اللفظ يترجح بذلك لإرادة الوقف (أو) اقترانها بـ (حكم الوقف) كقوله: "تصدَّقتُ بكذا صدقة لا تباع ولا تورث" (^٢) (ويُشترط فيه) أربعة
(^٢) مسألة: الوقف يصح من الواقف بطريقين: الطريق الأول: القول وهو: صريح القول بالوقف، وكنايته، أما صريحه فكقول الواقف: "وقفتُ هذه الدار" و"حبستُها" و"سبَّلتُها"، فإذا تلفَّظ الواقف بذلك صارت الدار وقفًا من غير حاجة إلى أن ينضم إلى هذه الصيغ شيء زائد كنية، أو قرينة، أو فعل، أما كنايته: فكقول الواقف: "تصدَّقتُ بهذه الدار على المحتاجين" أو "حرَّمتُها علي" أو "أبَّدتُها"، وهذا اللفظ يُشترط فيه: أن يقترن هذا القول بنية الوقف، أو يقترن هذا القول بأحد الألفاظ الخمسة الباقية - من ألفاظ الصريح والكناية - كأن يقول الواقف: "تصدَّقت بهذه الدار صدقة موقوفة" أو "صدقة محبسة"، أو "صدقة مسبَّلة" أو "صدقة محرمة" أو "صدقة مؤيَّدة" أو نحو ذلك، أو يقترن هذا اللفظ بحكم الوقف كأن يقول: "تصدقتُ بهذه الدار صدقة لا تُباع ولا تورث" ونحو ذلك، فإن لم تقترن تلك الألفاظ الكنائية بأحد تلك الأمور الثلاثة: فلا يُعتبر وقفًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خلوص "وقفت، وحبست، وسبلت" للوقف، وعدم احتمال غيره: لكونها صريحة فيه لا تحتاج إلى انضمام غيرها يقويها، ويلزم من عدم خلوص: "تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَدتُ" للوقف، واحتمال غيره: كونها كنايات عن الوقف تحتاج إلى انضمام غيرها إليها يقويها كاقتران النية بها، أو أيّ لفظ آخر من الصريح أو الكناية، أو اقتران حكم الوقف بها الطريق الثاني: الفعل،=
[ ٣ / ٦٤٥ ]
شروط: الأول: (المنفعة) أي: أن تكون العين ينتفع بها (دائمًا من معيَّن) فلا يصح وقف شيء في الذمّة كعبد، ودار، ولو وصفه كالهبة (ينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان) ونحوهما من أثاث وسلاح (^٣)، ولا يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى له
= وهو: الفعل الدال على الوقف في عرف وعادة الناس كأن يجعل الواقف أرضه مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيها، أو بناها على هيئة مسجد، أو كتابة لوح بالإذن أو الوقف، أو أذَّن فيه، أو للصلاة أقام للصلاة فيما بناه، أو جعل أرضه على شكل مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها، أو جعل قسمًا من منزله طريقًا يطرقه الناس، أو جعل فيه موضع سقاية، أو موضع تطهير، أو موضع قضاء الحاجة، فكل ذلك يدلّ على الوقف؛ للقياس، وهو من وجوه: أولها: كما أن القول يدل على الوقف - كما سبق - فكذلك الفعل يدل عليه والجامع: الاشتراك في الدلالة على الوقف، ثانيها: كما أن من قدَّم لضيفه طعامًا: فإن هذا يدل على أنه أذن له في أكله فكذلك الفعل يدلّ على الوقف، والجامع: أن الحال يدلّ على المقصود في كل، ثالثها: كما أن البيع ينعقد بدون قول أو لفظ - بل بفعل: وهو: أخذ المثمن، وتسليم الثمن - وهو المسمَّى بالمعاطاة - فكذلك الوقف ينعقد ويتم بالفعل الدال عليه والجامع: أن الحال يدلّ على المقصود في كل فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الوقف بأي أسلوب أراده الواقف.
(^٣) مسألة في الأول - من شروط صحة الوقف - وهو: أن تكون العين الموقوفة يجوز بيعها، ويمكن الانتفاع بها نفعًا مستمرًا مع بقاء تلك العين كالعقارات، والحيوانات، والأثاث، والسلاح ونحو ذلك، وبناء على ذلك: لا يصح الوقف في الذمة، ولا يصح وقف المجهول؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهو حديث ابن عمر الوارد ذكره في الفرع التابع لمسألة (١) وقوله ﷺ: "من احتبس فرسًا في سبيل الله. . ." الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن أم معقل جاءت إلى النبي ﷺ =
[ ٣ / ٦٤٦ ]
بها (^٤)، ولا عين لا يصح بيعها كحر، وأم ولد (^٥)، ولا ما لا ينتفع به مع بقائه
= فقالت: إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، وإني أريد الحج أفأركبه؟ فقال رسول ﷺ: "اركبيه، فإن الحج والعمرة من سبيل الله"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ما جاز بيعه، وأمكن الانتفاع به دائمًا هو الذي يأتيه أجره في حياته وبعد موته، وهو المقصد من مشروعية الوقف، الرابعة: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز هبة المجهول، أو ما في الذمة، فكذلك الوقف مثله والجامع: أن كلًّا منهما نقل ملك على وجه الصدقة والهبة.
(^٤) مسألة: يصح وقف أيِّ منفعة كأن يوصي زيد بأن عمرًا ينتفع بخدمة عبد له - أي: لزيد -، فيقوم عمر بوقف هذه الخدمة على العاجزين ونحو ذلك، وكأن يوقف منفعة أم ولده في حياته، وكأن يوقف زيد منفعة العين التي استأجرها سنة مثلًا، وكأن يوقف طيبًا يشمه أهل المسجد، ويوقف طيبًا للكعبة، وهو قول الكثير من العلماء، ومنهم ابن تيمية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منفعة للموقوف عليه، ولا أثر لقصر مدة المنفعة أو طولها، فإن قلتَ: إنه لا يصح ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن شرط صحة الوقف: دوام الانتفاع بالموقوف، ويلزم من كون تلك المنفعة لا تدوم: عدم صحة وقفها قلتُ: إن كل منفعة تدوم على حسبها، ولكن الفرق: أن بعضها تدوم دائمًا، وبعضها ينقطع نفعها، وهذا لا أثر له، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل المشترط دوام المنفعة وإن ذهبت العين، أو المشترط دوام منفعة العين ما دامت تلك العين موجودة؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم: الأول.
(^٥) مسألة: لا يصح وقف عين لا يجوز بيعها كأن يوقف زيد الحر نفسه أو ولده، أو يوقف السيد أم ولده بعد مماته، أو يوقف عينًا مرهونة، أو كلبًا أو خنزيرًا أو سباعًا أو طيورًا لا تصلح للصيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز بيع تلك الأشياء فكذلك لا يجوز وقفها والجامع: أن كلًّا من البيع والوقف فيه نقل=
[ ٣ / ٦٤٧ ]
كطعام لأكل (^٦)، ويصحّ وقف المصحف (^٧)، والماء (^٨)، والمشاع (^٩) (و) الشرط الثاني: (أن يكون على بِرٍّ) إذا كان على جهة عامة؛ لأن المقصود منه التقرّب إلى الله تعالى، وإذا لم يكن على بِرٍّ لم يحصل المقصود (كالمساجد، والقناطر، والمساكين) والسقايات، وكتب العلم (^١٠) (والأقارب من مسلم وذمِّي)؛ لأن القريب الذمي
= للملك في الحياة، وهذا لا يصح في تلك الأشياء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لعدم وجود تسبيل منفعة هنا وهو المقصود من مشروعية الوقف.
(^٦) مسألة: لا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائمًا كالأثمان والطعوم: من ذهب، أو فضة، دراهم، أو دنانير، والمأكولات جميعًا؛ للتلازم؛ حيث إن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذه الأشياء لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها فيلزم عدم صحة وقفها، أي: أنه إذا انتفع بالدراهم وصرفت فإنها تتلف بذلك، ولا يبقى منها شيء، وإذا أكل الأكل: فإنه يذهب، ولا تبقى عينه وهكذا ومثل هذا لا يصح وقفه؛ لمخالفته لحقيقة الوقف.
(^٧) مسألة: يصح وقف المصحف ليُقرأ فيه؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الوقف موجودة فيه؛ فيمكن تحبيس ذلك المصحف، وتُسبَّل منفعته.
(^٨) مسألة: يصح وقف الماء؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الوقف قد وجدت فيه، إذ يُمكن تحبيس الآلة التي يخرج منها الماء كالعين والبئر، ونحوهما وتسبيل منفعة ما يخرج منهما من ماء، وهو دائم.
(^٩) مسألة: يصح وقف الملك المشاع بينه وبين غيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن عمر أصاب مائة سهم من خيبر فاستأذن النبي ﷺ فيها فأذن له في وقفها، وهي مملوكه له ولغيره ملكًا مشاعًا، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز بيع المشاع، فكذلك يجوز وقفه والجامع: أن كلًّا منهما عقد يجوز على بعض الجملة.
(^١٠) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الوقف - وهو: أن يكون الوقف على برٍّ عام كالمساجد، والجسور، والمساكين، والغزاة. وكتب العلم: من قرآن، وحديث،=
[ ٣ / ٦٤٨ ]
موضع القربة بدليل: جواز الصدقة عليه، وقفت صفية ﵂ على أخ لها يهودي، فيصح الوقف على كافر معيَّن (^١١) (غير حربي) ومرتد؛ لانتفاء الدوام؛ لأنهما مقتولان عن قرب (^١٢) (و) غير (كنيسة) وبيعة، وبيت نار، وصومعة، فلا
وفقه وأصول والسقايات والمقابر، وسبيل الله، وإصلاح الطرق، والمدارس ونحو ذلك أعمال القرب والبر، والخيرات، التي يُرجى فيها الثواب، وبناء من على ذلك لا يصح الوقف على غيره توددًا، أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه، ويباع في دينه، أو وقفه رياء وسمعه: فهذا لا ثواب فيه، بل منع من أن يأخذ الورثة حقوقهم، وهذا حرام؛ للتلازم؛ حيث إن كون المقصود من الوقف التقرّب إلى الله تعالى، يلزم منه اشتراط كون الوقف على برٍّ؛ لأنه إذا لم يكن على بر: لم يحصل المقصود الذي من أجله فعل الوقف، بل يكون عليه إثم؛ لكونه لم يبتغ فيه وجه الله تعالى، وهو المقصد منه.
(^١١) مسألة يصح أن يوقف الواقف هذا الشيء على مسلم معين، أو كافر ذمي معين، سواء كانا قريبين، أو أجنبيين، ويستمر هذا الوقف على الكافر الذمي بعد إسلامه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ وهذا يدل على جواز البر بالكافر الذمي، وهو الصدقة عليه، والوقف عليه كالصدقة عليه من باب "مفهوم الموافقة"؛ لعدم الفارق كالمسلمين، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن صفية ﵂ قد وقفت على أخ لها يهودي، فإن قلت: لَمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دعوة إلى الله تعالى.
(^١٢) مسألة: لايصح الوقف على كافر حربي، ولا على مرتد عن الإسلام، ولو كان قد وقف عليه، ثم ارتدّ: فإنه يمنع عنه هذا الوقف، ويُسلب منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط دوام الأصل -وهو تحبيسه على الموقف عليه ـ: عدم جواز الوقف على الحربي والمرتد؛ لكونهما غير دائمين؛ حيث إنهما مقتولان عن قرب،
[ ٣ / ٦٤٩ ]
يصحّ الوقف عليها؛ لأنها بُنيت للكفر، والمسلم والذمي في ذلك سواء (^١٣) (و) غير (نسخ التوراة، والإنجيل، وكتب الزندقة) وبدع مُضلَّة، فلا يصح الوقف على ذلك؛ لأنه إعانة على معصية، وقد غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر شيئًا استكتبه من التوراة، وقال: "أفي ذلك شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم أت بها بيضاء نقية؟ ولو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلّا اتباعي" ولا يصح أيضًا على قطَّاع الطرق، أو المغاني، أو فقراء أهل الذمة أو التنوير على قبر، أو تبخيره، أو على من يقيم عنده، أو يخدمه، ولا وقف ستور لغير الكعبة، (وكذا: الوصية) فلا تصح على من لا يصح الوقف عليه (^١٤) (و) كذا (الوقف على نفسه) قال الإمام: "لا أعرف الوقف إلّا ما
ولكون أموالهما مباحة، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على الإسلام والدخول فيه.
(^١٣) مسألة لا يصح للمسلم ولا الذمي أن يوقفا هذا الشيء على كنائس، وبِيَع، وصوامع، وبيوت نار -وهي أماكن متعبَّدات اليهود والنصارى والرهبان والمجوس- ولا على قناديلها، وفرشها؛ للمصلحة: حيث إن الوقف على تلك الأشياء فيه إعانة على إظهار الكفر، وهذا فيه إذلال للإسلام والتقليل من شأنه، فدفعًا لذلك لا يصح، فإن قلت: لِمَ شرع الوقف على الكافر الذمي؟ قلتُ: لا يتعيَّن كون الوقف عليه لأجل دينه، بخلاف ما نحن فيه.
(^١٤) مسألة: لا يصح الوقف على أي كتاب غير شرعي، فلا يصح الوقف على نسخ التوراة، والإنجيل، ولا على كتب فيها زندقة، أو بدع، أو أهواء، ولا يصح على قطاع الطرق، ولا على الأغنياء، ولا على الفسقة، ولا على أماكن الأغاني والموسيقا، ولا على جميع فقراء أهل الذمة، ولا على طائفة منهم، ولا على شيء فيه بدعة وضلالة كأن يوقف على من يقوم بتنوير قبره بعد موته، أو على من يُبخِّره، أو على من يُقيم عنده، أو يخدمه، ولا يوقف على ستائر على غير الكعبة ونحو ذلك من الضلالات والبدع؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى=
[ ٣ / ٦٥٠ ]
أخرجه لله تعالى، أو في سبيله، فإن وقفه عليه حتى يموت: فلا أعرفه"؛ لأن الوقف إما تمليك للرقبة، أو المنفعة، ولا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه (^١٥)، ويُصرف في الحال لمن بعده كمنقطع الابتداء (^١٦)، فإن وقف على غيره، واستثنى كل الغلَّة، أو بعضها، أو الأكل منه مدَّة حياته، أو مدَّة معلومة: صح الوقف والشرط؛ لشرط عمر ﵁ أكل الوالي منها، وكان هو الوالي عليها، وفعله جماعة من الصحابة (^١٧)، والشرط الثالث أشار إليه بقوله: (ويُشترط في غير) الوقف على
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث حرّم التعاون على كل ما فيه إثم وعدوان، لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، والوقف على هذه الأشياء من باب التعاون على الإثم فيُحرَّم، ويؤيده: إنكار النبي الله ﷺ على عمر نظره في التوراة، تنبيه: لا تصح الوصية على من لا يصح الوقف عليه مما سبق في المسائل -كما سيأتي في بابها -.
(^١٥) مسألة: لا يصح أن يوقف على نفسه حتى يموت؛ للتلازم؛ حيث إن الوقف تمليك للرقبة، أو للمنفعة، والوقف على نفسه ليس بأحدهما؛ لأنه لا يمكن أن يُملِّك نفسه من نفسه فيلزم عدم صحته (فرع): لو وقع ووقف على نفسه فقط: فإن هذا الموقوف يُورث بعده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة وقفه على نفسه: ملكه لهذا الوقف بحاله، فإذا مات دخل مع حقوق الورثة.
(^١٦) مسألة: إذا وقَّف على نفسه، ثم من بعده على أولاده قائلًا: "وقفتُ ذلك على نفسي، ثم من بعدي على أولادي": فإن ريع الوقف وثمرته ومنفعته تصرف في الحال لمن بعده -وهم أولاده-، لقاعدتينك الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم صلاحية نفسه للوقف عليها -كما سبق في مسألة (١٥) ـ: عدم اعتبارها؛ حيث إن وجودها كعدمها؛ الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لو وقَّف على فاسق ومن بعده عدل: فإنه يكون للعدل، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما جعل من يجوز الوقف عليه بعد من لا يجوز الوقف عليه.
(^١٧) مسألة: إذا وقَّف على غيره نخلًا مثلًا واشترط الواقف: أن يأخذ كل الغلَّة، أو=
[ ٣ / ٦٥١ ]
(المسجد ونحوه) كالرباط والقنطرة: (أن يكون على معيَّن يملك) ملكًا ثابتًا؛ لأن الوقف تمليك -فلا يصح على مجهول، كرجل ومسجد، ولا على أحد هذين، ولا على عبد ومكاتب، و(لا) على (ملَك) وجني، وميت (وحيوان، وحمل، وقبر) أصالة، ولا على من سيولد (^١٨) ويصح على ولده، ومن يولد له، ويدخل الحمل والمعدوم
بعضها، أو الأكل منه، أو الانتفاع لنفسه، أو لأهله، أو أن ينفع منه صديقه مدة معيّنة، أو مدة حياته: فإن الوقف يصح، وكذلك الشرط؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو وقَّف مسجدًا أو قنطرة كان له الانتفاع بهما بالإجماع فكذلك غيرهما مثلهما والجامع: عدم مخالفة ذلك لحقيقة الوقف، ولا شروطه في كل، الثانية فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد استثنى أكل الوالي منها لما وقَّف وقفه وكان هو الوالي عليه، وكان يلي صدقته، ووقَّف عثمان بئر رومة، وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين.
(^١٨) مسألة في الثالث -من شروط صحة الوقف- وهو أن يكون الوقف - غير المسجد ونحوه- على معيَّن يملك ملكًا ثابتًا: كأن يقول: "وقَّفت هذا على مسجد كذا، أو على فلان الفلاني"؛ وبناء على ذلك: فلا يصح أن يوقف على غير معيَّن كقوله: "وقَّفت هذا على رجل أو مسجد" ولا يصح أن يوقف على مجهول كقوله: "وقَّفت على أحد المسجدين أو على أحد هذين" ولا يصح الوقف على من لا يملك كقوله: "وقَّفت على عبد" أو يقول: "وقَّفتُ على ملك من الملائكة، أو على جني، أو على شخص ميت" أو يقول: "وقَّفت على حيوان، أو على قبر فلان يخصِّصه به" أو يقول: وقَّفتُ على من سيولد لفلان" فلا يصح ذلك أصالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوقف تمليك، ويقتضي الدوام: وجوب الوقف على من يملك ملكًا ثابتًا كالبيع ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة الوقف على من لا يملك أصلًا، أو ملكه غير مستقر ـكما مثَّلنا- (فرع): يصح الوقف على الحمل كقوله: "وقَّفت على ما في بطن هذه المرأة" وهو قول ابن عقيل، وابن تيمية =
[ ٣ / ٦٥٢ ]
تبعًا (^١٩)، الشرط الرابع: أن يقف ناجزًا، فلا يصح مؤقتًا، ولا معلَّقا (^٢٠) إلّا بموت (^٢١)، وإذا شرط: أن يبيعه متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه: بطل الوقف
ويصح الوقف على المكاتب؛ للتلازم؛ حيث إن هذا المولود يملك ملكًا ثابتًا كإرثه وكذلك المكاتب: فلزم صحة الوقف عليه، فإن قلت: لا يصح الوقف على هذين، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^١٩) مسألة: يصح الوقف على ولده، ومن يولد له، ويدخل الحمل والمعدوم عند وقت الوقف تبعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المحمول به، والمعدوم يملكان ملكًا ثابتًا: صحة الوقف عليهما.
(^٢٠) مسألة في الرابع -من شروط صحة الوقف- وهو: أن يقف وقفًا ناجزًا، فلا يصح مؤقتًا بأن يقول الواقف: "وقَّفت هذه الدار على فلان سنة، ثم يرجع إليّ" أو يقول: "وقَّفتها ولي أن أرجع متى شئت"، ولا معلقًا على شرط في الحياة كأن يقول الواقف: "إن قدم زيد فداري هذه وقف" أو يقول: "إذا وُلد لي ولد فهي وقف" وهكذا؛ للقياس؛ بيانه كما أن الهبة يشترط فيها أن تكون ناجزة، فلا تؤقَّت، ولا تعلَّق بشيء فكذلك الوقف مثلها والجامع: أن كلًّا منهما نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الوقف من الطاعات التي يُرجى فيها الثواب، وهذا يكون ناجزًا معزومًا عليه.
(^٢١) مسألة: يصح أن يُعلَّق الوقف بالموت، ويكون هذا الوقف يؤخذ من ثلث مال الواقف بعد موته كالوصايا كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف بعد موتي" فتكون وقفًا بعد موت الواقف ولكن بشرط: ألا تزيد عن الثلث كسائر الوصايا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الهبة والصدقة المطلقة يصحّ أن يُعلقهما الواهب والمتصدِّق بعد الموت فكذلك الوقف مثله، والجامع: أن كلَّا منهما تبرُّع معلَّق بالموت، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر أوصى، فكان في وصيته: "هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا =
[ ٣ / ٦٥٣ ]
والشرط، قاله في "الشرح" (^٢٢) (لا قبوله) أي: قبول الوقف، فلا يُشترط ولو كان على معين (^٢٣) (ولا إخراجه عن يده)؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع، فلم يُعتبر فيه ذلك
صدقة، والعبد الذي فيه، والسهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة وسق الذي أطعمني محمد ﷺ، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهله" فدل قوله: "إن حدث به حدث" أن الوقف يصح معلَّق بالموت، ويكون حكمه حكم الوصية، فإن قلتَ: لا يصح الوقف المعلَّق بالموت، وهو قول كثير من العلماء ومنهم أبو يعلى، تلميذه أبو الخطاب وإذا فعل تكون وصية لا وقف؛ للقياس؛ بيانه كما لا يصح الوقف إذا علَّق على شرط في الحياة - كما سبق في مسألة (٢٠) - فكذلك لا يصح الوقف المعلَّق بالموت، والجامع: أن كلًّا منهما قد عُلِّق على شرط قلتُ: إن الهبة المعلَّقة بالحياة لا تصح، بينما الهبة المعلَّقة بالموت تصح، والوقف مثله، والوصية أوسع من الوقف -كما سيأتي - والحقيقة: أن الخلاف هنا أقرب ما يكون إلى أنه لفظي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قالوا: إن الوقف المعلَّق بالموت يصح، ويكون وصية، ولو تدبَّرت أدلة الفريقين لوجدت هذا.
(^٢٢) مسألة إذا شرط الواقف: أن يبيع الوقف متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه، أو: له الخيار في هذا الوقف: فإنه يبطل الوقف والشرط؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد الوقف أن يكون ناجزًا ناقلًا للملك من الواقف إلى الله تعالى، وهذا الشرط يُنافي هذا المقتضى: فيلزم بطلان الوقف والشرط معًا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن عقد الوقف لا يصلح فيه التردُّد.
(^٢٣) مسألة: لا يُشترط قبول الوقف: سواء كان الوقف على غير معين كالفقراء، والمساكين، أو كان الوقف على من لا يتصوَّر منه القبول كالوقف على المساجد، والقناطر والجسور، أو كان الوقف على آدمي معيَّن، فإن قبل الموقوف عليه ذلك الوقف فحصل القبول، وإن لم يقبله انتقل إلى من بعده ولا يبطل بالرد؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن النوع الثاني - وهي الطبقة الثانية - لا يُشترط له=
[ ٣ / ٦٥٤ ]
كالعتق (^٢٤) وإن وقف على عبده، ثم المساكين: صُرف في الحال لهم (^٢٥) وإن وقف
القبول، فكذلك النوع الأول -وهي الطبقة الأولى من الموقوف عليهم- لا يُشترط له القبول والجامع: أنه في كل منهما المقصود فيه تحصيل الثواب من الله تعالى، ثانيهما: كما أن العبد يعتق ولا يُشترط قبوله، فكذلك الموقوف عليه لا يُشترط قبوله والجامع: أنه في كل منهما إزالة ملك تمنع البيع والهبة والميراث، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الوقف، وعدم إحراج الموقوف عليهم، فإن قلتَ: يشترط القبول إذا كان الوقف على آدمي معين، وهو رأي كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الهبة من شرطها قبول الموهَب فكذلك الوقف على آدمي معيَّن من شرطه قبوله والجامع: أن كلًّا منهما تبرّع لآدمي قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الوقف لا يختص لمعين، بل يتعلق به حق من يأتي بعده في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتَّب فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والهبة لمعين على خلاف ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالطبقة الثانية، والعبد إذا أعتق لأنهما أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالموهَب؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهو المسمى بقياس الشبه.
(^٢٤) مسألة: لا يُشترط في الوقف: إخراجه عن يده بل يبقى تحت يده وتصرُّفه ولا مانع من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الوقف: لزومه وزوال ملكه عن الواقف بمجرَّد اللفظ يمنع البيع، وهذا يلزم منه أن إخراجه عن يده ليس شرطًا لصحته مثل: العتق: الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقَّف وكان وقفه بيده حتى مات، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الواقفين، والاستيثاق.
(^٢٥) مسألة: إذا وقف على من لا يجوز الوقف عليه، ثم على من يجوز الوقف عليه: كأن يوقف على عبده، ثم على المساكين: فإن الوقف يصح، ويُصرف في الحال=
[ ٣ / ٦٥٥ ]
على جهة تنقطع كأولاده، ولم يذكر مآلًا، أو قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: صحّ، وصرف بعد أولاده لورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم وقفًا عليهم؛ لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس ببرِّه، فإن لم يكونوا: فعلى المساكين (^٢٦).
على المساكين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود من لا يصح الوقف عليه: عدم اعتباره، فوجوده كعدمه.
(^٢٦) مسألة: إذا وقف زيد دارًا على جهة تنقطع كأولاده فقط ولم يذكر مآلًا: كأن يقول الواقف - وهو زيد -: "هذه الدار وقف على أولادي" فقط، ولم يقل: "ثم هو من بعدهم وقف على كذا"، أو قال: "هذه الدار وقف، أو صدقة موقوفة" ولم يذكر الجهة الموقوفة عليها: فإن هذا يصح، فإذا مات أولاده -في الصورة الأولى-: فإن ريع هذه الدار الموقفة يُصرف لورثة الواقف ـوهو زيدـ نسبًا - فلا يدخل أولاد الأولاد- يُقسَّم بين أولئك الورثة على قدر إرثهم وقفًا عليهم: غنيهم وفقيرهم سواء، فإن لم يوجد للواقف -وهو زيدـ ورثة: فإنه يصرف على الفقراء والمساكين وقفًا عليهم، والفقراء الذين هم من أقارب الواقف أولى بأن يصرف هذا الريع عليهم من الفقراء الأجانب؛ إلا إذا وُجد فقير أجنبي مضطر فهو أولى من الفقراء الأقارب جميعًا، وكذلك في الصورة الثانية - وهي: إذا قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: فإن ريع الوقف يُصرف على الفقراء والمساكين كما سبق تفصيله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "صدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة" ثانيهما قوله: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" حيث إن هذا يدل على أن ورثة الواقف أولى من غيرهم في هذا الريع، ثم الفقراء من أقاربه، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون مصرف الوقف البر، وكون الأقارب أولى الناس ببره يلزم منه صرف ريع الوقف لأقاربه الفقراء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن أقارب الإنسان هم أرحم به من غيرهم غالبًا، فيكونون أولى الناس بصدقات النوافل والمفروضات.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
فصل: (ويجب العمل بشرط الواقف)؛ لأن عمر ﵁ وقف وقفًا وشرط فيه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه: لم يكن في اشتراطه فائدة (في جمع) بأن يقف على أولاده، وأولاد أولاده، ونسله وعقبه، (وتقديم): بأن يقف على أولاده مثلًا يقدم الأفقه، أو الأدين، أو المريض ونحوه (وضد ذلك): فضد الجمع الإفراد: بأن يقف على ولده زيد، ثم أولاده، وضد التقديم التأخير: بأن يقف على ولد فلان بعد بني فلان (واعتبار وصف وعدمه) بأن يقول: على أولاده الفقهاء، فيختص بهم، أو يطلق فيعمهم وغيرهم (والترتيب) بأن يقول: على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم (ونظر): بأن يقول: "الناظر فلان، فإن مات ففلان"؛ لأن عمر ﵁ جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها (وغير ذلك) كشرط أن لا يؤجَّر، أو قدر مدَّة، الإجارة، أو أن لا ينزل فيه فاسق، أو شرير، أو متجوه ونحوه (^٢٧)، وإن نزل مستحق تنزيلًا شرعيًا: لم يجز صرفه بلا موجب
(^٢٧) مسألة: يجب أن يُعمل بكل ما يقوله الواقف في وقفه من شروط إذا لم يكن فيه مخالفة للشارع: فإن اشترط الواقف أن يجمع الموقوف عليهم كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، وأولاد أولادي، ونسلي وعقبي" فيجب أن يُساوى بين المستحقين فلا فرق بين الأولاد وأولاد الأولاد في النصيب؛ وإن اشترط الواقف تقديم بعض الموقوف عليهم على بعض؛ نظرًا لاعتبار وصف ونحوه: كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي بشرط" أن يقدم الأفقه، أو الأصلح، أو المريض، أو الأفقر، ولو بدون اعتبار وصف كأن يقول: "هذه وقف على أولادي، ثم على زيد بن فلان"، أو اشترط الإفراد كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولدي زيد فقط، ثم أولاده" أو اشترط الترتيب كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولد زيد بعد بني عمرو" أو يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم"، وتضمَّن ذلك اشتراط تقديم وتأخير، أو اشترط تعيين الناظر كأن يقول: "الناظر على هذا الوقف=
[ ٣ / ٦٥٧ ]
شرعي (^٢٨) (فإن أطلق) في الموقوف عليه (ولم يشترط) وصفًا: (استوى الغني والذكر وضدهما)، أي: الفقير والأنثى؛ لعدم ما يقتضي التخصيص (^٢٩) (والنظر) فيما إذا لم
فلان، فإن لم يصلح أو مات: ففلان"، أو اشترط شروطًا أخر كأن يشترط: عدم تأجير الوقف، أو تأجيره مدَّة أو اشترط أن لا ينزل فيه فاسق، أو منافق أو شرير أو صاحب جاه، أو متعال على غيره، أو مبتدع ونحو ذلك من الشروط: فإنه يُعمل بذلك بكل دقة؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقف وقفًا، واشترط فيه شروطًا كثيرة، واشترط أن تقوم عليه حفصة، ثم يليه ذو الرأي من أهله -كما قد سبق ذكره في مسألة (٢١) - واشترط ابن الزبير أن تسكن في وقفه المردودة من بناته، ولم يُنكر عليهما أحد من الصحابة العالمين بذلك، وهذا متضمِّن لموافقة أكثر الصحابة، فلو لم تكن تلك الشروط مُتَّبعة ويُعمل بها: لم يكن فيها فائدة، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الشارع إذا اشترط شرطًا يجب العمل به فكذلك الواقف يُعمل بشروطه، والجامع: أن المشترط في كل يعلم أن المصلحة تكمن في تلك الشروط، وهذا هو المقصد منه. (فرع): لا يجوز لأي فاسق أن ينزل في الأماكن الموضوعة للبر والطاعات كالأعيان الموقوفة، والمدارس ونحو ذلك: سواء كان فسقه ظاهرًا أو باطنًا، وسواء نص على اشترط ذلك الواقف أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث إن الإذن لهؤلاء بالنزول في هذه الأماكن فيه إعانة لهم، وهذا لا يجوز؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم.
(^٢٨) مسألة: إذا نزل شخص من الموقوف عليهم في المكان الموقوف وهو موافق لشروط الواقف: فلا يجوز إخراجه وصرفه عن ذلك بلا بيّنة شرعية؛ للتلازم؛ حيث إن نزول ذلك الشخص من حقه: فيلزم عدم أخذ حقه إلَّا ببيَّنة تقوى على ذلك.
(^٢٩) مسألة: إذا أطلق الواقف في وقفه ولم يشترط وصفًا في الموقوف عليه: فإنه=
[ ٣ / ٦٥٨ ]
يشترط النظر لأحد، أو شرط لإنسان ومات: فالنظر (للموقوف عليه) المعيَّن؛ لأنه ملكه وغلَّته له، فإن كان واحدًا: استقلَّ به مطلقًا، وإن كانوا جماعة: فهو بينهم على قدر حصصهم، وإن كان صغيرًا أو نحوه: قام وليه مقامه فيه (^٣٠)، وإن كان الوقف على مسجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين: فللحاكم، وله أن يستنيب فيه (^٣١) (وإن وقف على ولده) أو أولاده (أو ولد غيره، ثم على المساكين: فهو لولده)
يستوي في ذلك الغني والفقير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، ممن يدخلون تحت عموم لفظ الواقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التخصيص بوصف أو شرط: التساوي في الاستحقاق؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيه، وهو المقصد منه.
(^٣٠) مسألة: إذا لم يشترط الواقف ناظرًا معينًا، أو شرط شخصًا ومات: فإن الذي يقوم بالنظر على الوقف هو الموقوف عليه إن كان آدميًا أو مجموعة يمكن حصرهم: فإن كان الموقوف عليه واحدًا كأن يقول: "هذه الدار وقف على ولدي زيد" فالنظر يكون لزيد، فيكون مستقلًا بهذا الوقف من حيث أخذ ريعه والنظر فيه، وإن كان الوقف على جماعة كأن يقف على أولاده، وأولاد زيد: فإن النظر يكون لهم جميعًا على قدر حصصهم، وإن كان الوقف على صبي، أو مجنون أو سفيه: فإن النظر يكون لوليهم، وهذا الناظر يقوم بما يحتاجه الوقف من حفظ، وتعمير ما انهدم وتحصيل ريع وصرفه في جهاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ريع الوقف وملكه لهذا الموقوف عليه: أن يكون ناظرًا له؛ لكونه أعلم بمصالحه، أكثر اهتمامًا وهو به من غيره، وهذا هو المقصد منه.
(^٣١) مسألة: إذا لم يُعيِّن الواقف ناظرًا، أو عينه فمات وكان الموقوف عليه غير آدمي كالوقف على المساجد، والقناطر، أو لا يمكن حصرهم: كالفقراء والمساكين: فإن الذي يقوم بالنظر هو الحاكم -وهو القاضي-، وله أن يُقيم من يثق به - ديانة- نائبًا عنه في النظر على ذلك الوقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحاكم=
[ ٣ / ٦٥٩ ]
الموجود حين الوقف (الذكور والإناث) والخناثى: لأن اللفظ يشملهم (بالسوية)؛ لأنه شرَّك بينهم، وإطلاقها يقتضي التسوية، كما لو أقرَّ لهم بشيء (^٣٢)، ولا يدخل فيهم الولد المنفى باللعان؛ لأنه لا يُسمَّى ولده (^٣٣) (ثم) بعد أولاده لـ (
_________________
(١) ـولد بنيه) وإن ولي من لا ولي له: أن يقوم بالنظر على مثل ذلك الوقف، أو يقوم نائبه بذلك.
(٢) مسألة إذا وقف على ولده، أو أولاده، أو ولد غيره بأن قال الواقف "هذه الدار وقف على ولدي، أو على أولادي، أو لى ولد عمرو" فإن ريع هذه الدار أو سكناها يكون لأولاده الموجودين حين نطقه بالوقف والمحمول بهم في البطون، ويستوي في ذلك: الذكر والأنثى، والخنثى، فمثلًا لو كان ريع الدار ستمائة وله ولدان ذكران، وبنت: فإن كل واحد يأخذ مائتين؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ يلزم من إطلاق الوقف على أولاده، وتشريكه بينهم في العبارة: أن يقتسموا الريع بالسوية، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما لو أقر بأن عنده لأولاده ستمائة: فإن كل واحد يأخذ مثل نصيب الآخر لا فرق بين ذكر وأنثى فكذلك إذا وقف عليهم والجامع: أن كلًّا منهما يُسمَّى إقرارًا بشيء، دون تمييز، ثانيهما: كما أن ولد الأم في الميراث لا فرق بين ذكورهم وإناثهم؛ حيث قال تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فهم قد تساووا فيه، فكذلك الأولاد الموقوف عليهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، والجامع: أن كلًّا منهم قد شُرِّكوا بالحق (فرع): إذا قال الواقف "هذا وقف على ولدي" أو قال "هذا وقف على أولادي": فالعبارتان سواء؛ للتلازم؛ حيث إن المفرد المنكر المضاف إلى معرفة -وهي ياء المتكلم- من صيغ العموم وكذلك الجمع المنكر المضاف إلى معرفة من صيغ العموم.
(٣) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على أولادي" فإنه لا يدخل معهم الولد المنفي باللعان كأن يتهم الواقف امرأته بالزنا، وأن هذا الولد الذي أتت به ليس بولده، فيتلاعنان عند القاضي وينفيه الواقف، فهذا الولد الذي نفاه الواقف لا=
[ ٣ / ٦٦٠ ]
سفلوا؛ لأنه ولده ويستحقونه مرتبًا: وجدوا حين الوقف أو لا (دون) ولد (بناته) فلا يدخل ولد البنات في الوقف على الأولاد إلَّا بنص أو قرينة؛ لعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (كما لو قال: على ولد ولده، وذريته لصلبه) أو عقبه أو نسله، فيدخل ولد البنين: وجدوا حالة الوقف أو لا، دون ولد البنات إلّا بنص أو قرينة (^٣٤)، والعطف بـ "ثمَّ" للترتيب، فلا يستحق البطن الثاني
يدخل في أولاده أصلًا؛ إذ لا يُنسب إليه، ولا يرثه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم تسميته ولده: عدم دخوله في الأولاد الموقوف عليهم.
(^٣٤) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على أولادي": فإن جميع أولاده: من بنين وبنات يدخلون هنا، ويستحقون حقًا من ريع الوقف بالسوية ـكما سبق في مسألة (٣٢) -، ثم من بعد أولاده هؤلاء: يكون ريع الوقف لأولاد بنيه: وهكذا وإن سفلوا، يستحقون ريع الوقف مرتبًا بعد آبائهم بطنًا بعد بطن، أو الأقرب فالأقرب: سواء وجدوا حين الوقف، أو لم يوجدوا، ولا يدخل هنا: أولاد بنات الواقف، ولا أولاد بنات بنيه، ولا بنات بني بنيه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإن لفظ "الولد" في الآيتين تناول ولد البنين دون ولد البنات، ويُحمل المطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن القرينة على المطلق من كلام الله تعالى، ويُفسَّر بما يُفسَّر به، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الواقف لو قال "وقفتُ هذا على ولد ولدي وذريته لصلبه، أو عقبه أو نسله": فيدخل ولد البنين فقط، دون ولد البنات فكذلك إذا قال: "هذا وقف على أولادي يدخل أولاده، وأولاد بنيه، دون أولاد بناته والجامع: أن الولد حقيقة هو الولد من الصلب، لا الولد الذي من صلب آخر لذلك قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فإن قلت: إن ولد البنات يدخل في لفظ "الأولاد"، وهو قول بعض العلماء؛=
[ ٣ / ٦٦١ ]
شيئًا حتى ينقرض الأول إلّا أن يقول: من مات عن ولد فنصيبه لولده (^٣٥)، والعطف
للتلازم؛ حيث إن البنات أولاده فيلزم أن يكون أولادهن أولاد أولاده حقيقة قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن ولد ابنتك ليس بولدك لا حقيقة ولا مجازًا، بل هو ولد ابنتك، وفرق بينهما من حيث اللغة، والأحكام، أما من حيث اللغة: فاللغوي لا يُطلق على ولد بنته بأنه ولده، بل يقول: إنه ولد بنته، بينما يقول لولد ابنه: إنه ولده، وأما من حيث الأحكام: فإن ولد الولد يحجب الأخوة من الإرث، ويُعدُّ من عاقلة الإنسان، أما ولد البنت فلا يحجب الأخوة، ولا يُعدُّ من العاقلة، وكذا: فإن الجد يزوج بنت ابنته، ولكنه لا يزوج بنت بنته إلّا بتوكيل منها، وهكذا، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ولد البنت هو هل ولد أب البنت أم لا؟ ".
(^٣٥) مسألة إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده بطنًا بعد بطن: فإن ريع الوقف يكون لأولاده الموجودين حين الوقف وهم مثلًا زيد وعمرو وبكر ـوهو البطن الأول-، فإذا مات زيد مثلًا: فإن نصيبه يكون لولده محمد مثلًا، وإن لم يمت عمر وبكر -وهما عما محمد-، أي: وإن لم ينقرض البطن الأول، وهذه رواية عن أحمد رجَّحها ابن تيمية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أيسر وأسهل، وأكثر أجرًا من اشتراط انقراض البطن الأول بكامله؛ حيث يؤدِّي إلى أن يستحوذ واحد على جميع ريع الوقف، وقد يطول عمره، وفي ذلك حرمان ورثة زيد من الاستفادة من ريع ذلك الوقف، وهذا مخالف للمقصد من مشروعية الوقف وهو: الحصول على أكثر ما يُقدر عليه من الأجر، فإن قلتَ: إنه إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده بطنًا بعد بطن: فإن ريع الوقف يكون للبطن الأول فقط حتى ينقرض، ولا يستحق البطن الثاني إلا بعد انقراض الأول، إلا أن يُصرِّح الواقف قائلًا: "من مات عن ولد فنصيبه لولده"؛ للتلازم؛ حيث إن "ثم" تفيد العطف مع الترتيب؛ فيلزم منه: أن يكون البطن الثاني بعد انقراض كل=
[ ٣ / ٦٦٢ ]
بـ"الواو" للتشريك (^٣٦) (ولو قال: على بنيه، أو بني فلان: اختصَّ بذكورهم)؛ لأن لفظ "البنين" وضع لذلك حقيقة قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (^٣٧) (إلا أن يكونوا قبيلة) كبني هاشم، وتميم، وقضاعة (فيدخل فيه النساء)؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها (دون أولادهن من غيرهم)؛ لأنهم لا ينتسبون إلى القبيلة الموقوف عليها (^٣٨) (والقرابة) إذا وقف على قرابته، أو قرابة زيد (وأهل بيته وقومه)،
البطن الأول ويلزم من التصريح بغير ذلك: حكمه، قلتُ: هذا التفريق مخالف للمصلحة التي ذكرناها فيما سبق، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة".
(^٣٦) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على زيد وعمرو" فإن ريع الوقف يُقسم بينهما بالسوية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون "الواو" لمطلق الجمع والتشريك: أن يشتركا في ريع الوقف بالسوية.
(^٣٧) مسألة: إذا وقف شخص على بنيه، أو على بني زيد من الناس: فإن ريع الوقف يختص بالبنين فقط دون البنات والخناثى، وإذا وقف على بناته أو على بنات زيد من الناس: فإن ريع الوقف يختص بتلك البنات، دون الذكور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظ "البنين" يختص بالذكور: عدم دخول الإناث، ويلزم من كون لفظ "البنات" يختص بالإناث: عدم دخول الذكور؛ لأن الله تعالى فرّق بينهما قائلًا: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾.
(^٣٨) مسألة إذا وقف شخص على قبيلته، أو على قبيلة بني تميم، أو بني هاشم ونحوهم: فإن أبناء وبنات وذكور وإناث ونساء وخناثى تلك القبيلة يدخلون في هذا الوقف بأن يأخذ كل واحد نصيبًا كما أخذ الآخر، ولكن لا يدخل أولاد النساء الذين آباؤهم من غير تلك القبيلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون اسم "القبيلة" شاملًا للذكر وللأنثى: أن يدخل جميع من ينتسب إلى تلك القبيلة من الذكور والإناث، والخناثى، ويلزم من كون أولاد بنات تلك القبيلة لا ينتسبون =
[ ٣ / ٦٦٣ ]
ونسباؤه (يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه و) أولاد (جده و) أولاد (جد أبيه) فقط؛ لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى، ولم يعط قرابة أمه، وهم بنو زهرة شيئًا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، والغني والفقير؛ لشمول اللفظ لهم، ولا يدخل فيهم من يخالف دينه (^٣٩)،
إلى تلك القبيلة الموقوف عليها: عدم دخولهم في الوقف.
(^٣٩) مسألة: إذا وقف زيد على قرابته، أو وقف على قرابة عمرو، أو وقف على أهل بيته، أو وقف على قومه، أو وقف على نسبائه، أو وقف على آله: فإنه يُعطى من ريع الوقف جميع من يُعرف بأنه قريب لزيد -وهو الواقف-: سواء كان قريبًا من جهة أبيه، أو جهة أمه، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الشافعي، ويستوي في ذلك: الذكر، والأنثى، والكبير والصغير، والقريب للواقف والبعيد عنه، والغني والفقير، يُقسم ريع الوقف على الجميع بالتساوي على حسب ذلك الريع، وعلى ما يراه الناظر لذلك الوقف إلّا من يُخالف الواقف في دينه: فلا يُعطى من وقفه: فإن كان الواقف مسلمًا: لم يدخل في قرابته كافرهم، وإن كان الواقف كافرًا: لم يدخل في قرابته المسلم منهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ حيث إن النبي ﷺ لما نزل هذا امتثل للأمر قائلًا: "يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرَّة" ففعله هذا يدل على أن هؤلاء يُطلق عليهم لفظ "الأقربين" وإن كانوا بعيدين، الثانية: التلازم؛ حيث إن اسم "القرابة" يشمل كل قريب، ويتناوله في عمومه فيلزم دخول هؤلاء، ويلزم عدم دخول الكافر؛ لكونه لا يقصد في الوقف الثالثة فعل الصحابي؛ حيث إن أبا طلحة وقف على أقربائه فدخل فيه حسَّان وأُبي، ومعلوم: أن بين "أُبي" و"أبي طلحة" ستة أجداد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من الوقف هو صنع المعروف للآخرين؛ طمعًا في الحصول على الأجر والثواب، وهذا يُحصِّله كل قريب، فإن قلتَ: إنه إذا وقف بتلك العبارات: فإنه يدخل الأقرباء القريبون=
[ ٣ / ٦٦٤ ]
وإن وقف على ذوي رحمه: شمل كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات والأولاد؛ لأن "الرحم" يشملهم (^٤٠)، والموالي يتناول المولى من فوق وأسفل (^٤١) (وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو) تقتضي حرمانهن: عمل بها) أي: بالقرينة؛ لأن دلالتها كدلالة اللفظ (^٤٢) (وإذا وقف على جماعة يمكن حصرهم) كأولاده، أو أولاد
وهم: أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه فقط، فلا يُعطى من ريع الوقف غير هؤلاء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بهم ذوي القربى، ولم يعط قرابة أُمِّه، وهم بنو زهرة شيئًا منه، فكذلك لا يُعطون من الوقف، قلتُ: إن إعطاء النبي ﷺ بعض قرابته في سهم الغنيمة لا يمنع تعميم عطاء الواقف جميع قرابته من الوقف؛ لكون المقصد من الوقف هو: أن يتحصَّل الواقف على الأجر، وهذا لا يختلف فيه القريب في القرابة والبعيد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما إذا خصَّص الشارع أناسًا بالعطاء هل يمنع من تعميم العطاء في غير هذا الموضع" فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٤٠) مسألة: إذا وقف زيد على ذوي رحمه: بأن قال: "هذا وقف على ذوي رحمي": فإنه يُعطى من ريع الوقف جميع قرابة زيد من جهة آبائه، وأمهاته، وأولاده باتفاق، ولو كانوا متجاوزين أربعة بطون؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "الرحم": شمول ذلك لكل قريب؛ لأنه يشملهم جميعًا.
(^٤١) مسألة: إذا وقف زيد على مواليه كأن يقول: "هذا وقف على مواليي": فإن جميع الموالي يُعطون من ريع ذلك الوقف: سواء كانوا موالٍ من فوق -وهم الذين أعتقوه - أو موال من أسفل -وهو الذي أعتقهم-، ويُعطى كل واحد منهم نصيبًا مثل نصيب الآخر، لا فرق بين الذكر والأنثى والخنثى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظ "الموالي" عامًا شموله لجميع من يُطلق عليه مولى.
(^٤٢) مسألة: إذا وُجدت قرينة تدل على أن الواقف أراد إدخال الإناث كأن يقول: =
[ ٣ / ٦٦٥ ]
زيد، وليسوا قبيلة: (وجب تعميمهم والتساوي) بينهم؛ لأن اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به، فوجب العمل بمقتضاه (^٤٣)، فإن كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه، فصار ممن لا يمكن استيعابه كوقف علي ﵁: وجب تعميم من أمكن منهم، والتسوية بينهم (وإلا) يمكن حصرهم واستيعابهم كبني هاشم، وتميم: لم يجب تعميمهم؛ لأنه غير ممكن و(جاز التفضيل) لبعضهم على بعض؛ لأنه إذا جاز حرمانه: جاز تفضيل غيره عليه (والاقتصار على أحدهم)؛ لأن مقصود الواقف: برُّ ذلك الجنس، وذلك يحصل بالدفع إلى واحد منهم (^٤٤)، وإن وقف
"هذا وقف على أولادي -وفيهم بنات- ومن مات منهم فنصيبه لولده" فإنه يعمل بالقرينة، ويدخل الإناث، وكذلك إذا وجدت قرينة دالة على أن الواقف أراد حرمانهن: كأن يقول: "هذا وقف على أولادي وأولادهم من صلبي" أو "على من ينتسب إلي": فإنه يُعمل بتلك القرينة، فلا يدخل الإناث هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر لفظ الواقف في الصورة الأولى: دخول الإناث، ويلزم من ظاهره في الصورة الثانية: إخراج الإناث وهذا يُعتبر من لوازم الألفاظ، والعمل بالظاهر، ولا فرق بين دلالة القرينة ودلالة اللفظ.
(^٤٣) مسألة: إذا وقف زيد وقفًا على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم بالوقف كأن يوقف على أولاده، أو أولاد عمرو فقط، أو مواليه، أو موالي عمرو -من ليسوا بقبيلة-: فإنه يجب على الناظر أن يُعمِّم عليهم ريع ذلك الوقف، وأن يقسمه بينهم بالتساوي: الأنثى كالذكر، والصغير كالكبير -كما سبق بيانه-؛ للتلازم؛ حيث إن إمكان استيعابهم، والوفاء بذلك: يلزم منه: أن يُعمل عليه، لوجوب العمل بمقتضى لفظ الواقف فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيصال البر إلى أهله بدون مشقة.
(^٤٤) مسألة: إذا وقف زيد وقفًا على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم، وبعد ذلك صاروا لا يمكن حصرهم واستيعابهم، أو وقف وقفًا على قبيلة ابتداء كبني تميم =
[ ٣ / ٦٦٦ ]
مدرسة، أو رباطًا ونحوهما على طائفة: اختصَّت بهم، وإن عيَّن إمامًا ونحوه: تعيَّن والوصية في ذلك كالوقف (^٤٥).
فصل: (والوقف عقد لازم) بمجرَّد القول، وإن لم يحكم به حاكم كالعتق؛ لقوله ﵇: "لا يُباع أصلها، ولا يوهب ولا يورث" قال الترمذي: "العمل على هذا الحديث عند أهل العلم" (^٤٦) فـ (
_________________
(١) لا يجوز فسخه) بإقالة ولا غيرها؛ لأنه أو على بلد أو منطقة، أو على المساكين، والفقراء: فإنه لا يجب على الناظر: أن يُعمِّم ريع الوقف عليهم جميمًا، بل يُعطى منه من يمكن عطاؤه بدون مشقة، فيُفضّل، ويُقتصر في العطاء من الوقف على من يمكن عطاؤه، دون من يشق عطاؤه، ويُراعى في ذلك الأحق منهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن هذا عام لكل شيء شق العمل به: فإنه يُعمل بما يقدر عليه؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، الثالثة: التلازم؛ حيث إن مقصود الواقف هو بر جنس تلك المجموعة من القبيلة، أو البلد أو المساكين، أو الفقراء فيلزم إجزاء ذلك بإعطاء بعض منهم؛ لحصول الدفع، والأجر في ذلك، وهذا هو المقصد منه.
(٢) مسألة إذا وقف شخص مدرسة، أو رباطًا على طائفة الناس، أو وقف من مسجدًا وعيّن له إمامًا، أو مؤذنًا، أو اشترط أيّ شرط لا يُخالف أحكام الشريعة: فإن كل ذلك يُعمل به: فتكون المدرسة والرباط خاصين بتلك الطائفة، ويتعيَّن الإمام والمؤذن على حسب شرط الواقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تخصيصه المدرسة، والرباط لهؤلاء الناس، أو الإمام والمؤذن: أن يُعمل به؛ لأنه من شروط الواقف، وشرط الواقف يجب العمل به ـكما سبق- (تنبيه): يجب أن يُعمل على ألفاظ الموصي كما يُعمل على ألفاظ الواقف، وسيأتي بيانه في كتاب "الوصايا".
(٣) مسألة: الوقف عقد لازم يقع بمجرَّد أحد الطريقين اللَّذين يصح الوقف من =
[ ٣ / ٦٦٧ ]
مؤبَّد (^٤٧)، (ولا يُباع) ولا يُناقل به (^٤٨) (إلا أن تتعطَّل منافعه) بالكلية كدار انهدمت،
الواقف بهما، وهما: القول الصريح، والكناية أو الفعل الصادر من الواقف -كما سبق في مسألة (٢) - وإن لم يحكم به حاكم -وهو القاضي- ويكتبه في صكٍ، فلا يحتاج إلى ذلك كله، بل يكفي كتابة ذلك بيده، أو يمليه على غيره بشهادة عدل أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعمر لما أوقف أرضًا له بخيبر: "إن شئتَ حبستً أصلها وتصدَّقتَ بها، غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُبتاع ولا يُوهب، ولا يُورث" وهذا يلزم منه لزوم عقد الوقف، بمجرَّد قول الواقف أو فعله الدال على أنه وقف، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أعتق عبدًا له: فإنه يقع عتقه، ويكون ذلك العبد حرًا بمجرد العتق بلا إذن حاكم، فكذلك الوقف يقع بمجرَّد القول بلا إذن حاكم، والجامع: أن كلًّا منهما تبرُّع أخرجه المالك لا دخل لأحد به، وهو يمنع الهبة والبيع وأيَّ تصرُّف فيهما فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسيع على فاعلي الطاعات.
(^٤٧) مسألة: لا يجوز للواقف، ولا الغيره: أن يفسخ الوقف، أو ينقضه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون عقد الوقف عقدًا لازمًا مؤيَّدًا: عدم جواز فسخه أو نقضه لا من الواقف ولا من غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع التلاعب والعبث بالطاعات، وأبواب الخير والبر.
(^٤٨) مسألة: لا يجوز للواقف ولا لغيره أن يبيع العين الموقوفة، ولا يُبدله بغيره ولا يهبه لغيره، ولو وقع ذلك: فلا يصح؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يُوهب" فنهى عن بيع الوقف، وهبته، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد وتبديله بغيره كبيعه فلا يصح مثل بيعه؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتَ: للمصلحة؛ وهي ما ذكرناها في مسألة (٤٧). (فرع): إذا وقف زيد وقفًا على الفقراء والمساكين، أو =
[ ٣ / ٦٦٨ ]
أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، فيُباع؛ لما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد - لمّا بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نُقب -: "أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل" وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع، ولو شرط الواقف: أن لا يُباع إذًا: ففاسد (ويُصرف ثمنه في مثله)؛ لأنه أقرب إلى غرض الواقف، فإن تعذَّر مثله: ففي بعض مثله، ويصير وقفًا بمجرَّد الشراء، وكذا: فرس حبيس لا يصلح لغزو (ولو أنه) أي: الوقف (مسجد) ولم ينتفع به في موضعه، فيُباع إذا خربت محلَّته (وآلته) أي: ويجوز بيع بعض آلته، وصرفها في عمارته (^٤٩) (وما فضل عن
على أولاده أو غيرهم، ثم أعسر زيد -وهو الواقف- فإنه يأخذ من ريع وقفه بالمعروف، وهو أولى به؛ للمصلحة: حيث إن المقصود بالوقف هو: البر بالآخرين من أجل تحصيل الثواب، وهو أولى بذلك إذا افتقر؛ سدًا لحاجته، وإكرامًا له من تكفف الناس؛ عملًا بقوله ﷺ: "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول".
(^٤٩) مسألة: إذا تعطَّلت منافع الوقف بالكلية، كأن وقف دارًا فانهمدت، أو أرضًا فماتت، أو وقف فرسًا فصار لا يصلح للغزو، أو وقف مسجدًا فانهدم، أو خربت محلَّته وانتقل من كانوا حوله، ولم يُصل فيه إلّا نادرًا، أو كانت آلة المسجد لا تنفع لشيء: فإنه يجوز لناظر الوقف، أو للحاكم: أن يبيع ذلك الوقف من دار، وأرض، وفرس، ومسجد، وآلته، ويجوز بيع بعض ذلك لعمارة البعض الآخر،، ويجوز مناقلته ويشتري بثمنه في مثل العين الموقوفة كدار أو أرض أخرى، أو فرس، أو مسجد آخر ونحو ذلك وهذا مطلق، أي: سواء اشترط الواقف عدم بيعه أو لا؛ لقواعد: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد أمر بنقل مسجد في الكوفة إلى مكان آخر، ولم ينكر ذلك أكثر الصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بيعه وشراء شيء ينفع الواقف، ويتحصَّل على الأجر الذي قصده من وقفه، أو استبداله بشيء آخر منه مصلحة للواقف والموقوف عليهم، وهذا لا =
[ ٣ / ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يخفى على أحد، الثالثة التلازم؛ حيث يلزم من النهي عن إضاعة المال: لزوم بيعه وشراء غيره يُحصِّل مقصود الواقف؛ لكون ذلك أحفظ له، ويلزم من الحرص على تنفيد لفظ الواقف: أن يُشترى بثمن الوقف ما هو مثله؛ أو بعض مثله؛ لتحصيل غرض الواقف أو ما يقرب منه على حسب الإمكان، الرابعة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشخص لو اشترى أضحية بثمن أضحية قد عيّنها: فإن الشاة المشتراة الثانية تكون أضحية بمجرّد شرائها، فكذلك لو اشترى الناظر شيئًا بدلًا عن الوقف الذي تعطّلت منافعه: فإنه يكون وقفًا بمجرَّد الشراء والجامع: أن المشتري هو وكيل في الشراء فقط، وللاحتياط؛ لئلا ينقضه بعد ذلك لا من يرى وقفه، ثانيهما: كما يجوز بيع جميع الوقف عند الحاجة إلى بيعه: فإنه من باب أولى بيع بعضه مع بقاء البعض الآخر من الوقف، والجامع: مصلحة الوقف في كل، والمقصد من ذلك واضح كما سبق. (فرع): إذا لم تتعطَّل منافع الوقف بالكلية، ولكنها قلَّت، وكان غيره أنفع وأكثر ريعًا على أهل الوقف: فيجوز أيضًا بيع الوقف وشراء ما هو أنفع منه وأكثر ريعًا ومناقلته بما هو أنفع منه بشرط: أن الذي يفعل ذلك هو ناظر الوقف المعيَّن من جهة الواقف، أو من جهة الحاكم، وهو قول كثير من العلماء، واختيار ابن تيمية وابن القيم؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع ومناقلة الوقف إذا تعطَّلت منافعه بالكلية فكذلك يجوز فعل ذلك إذا قلَّت تلك المنافع، والجامع: مصلحة الواقف والموقوف عليهم وهذه المصلحة هي المقصد منه، فإن قلتَ: لا يجوز ذلك، للاستصحاب؛ حيث إن الأصل تحريم البيع فيُعمل بذلك، حتى يرد ما يُغيِّر الحالة، وكون الريع قليلًا لا يصلح أن تكون قرينة تغيِّر ذلك الأصل؛ لكونه قد أمكن تحصيل الانتفاع قلتُ: هذا بعيد؛ لأن مقصود الواقف هو تحصيل الأجر والثواب من هذا الوقف فكلَّما كان الأجر أكثر كلَّما كان هو مقصود الواقف، ولا شكَّ أن=
[ ٣ / ٦٧٠ ]
حاجته) من حصره، وزيته، ونفقته، ونحوها: (جاز صرفه إلى مسجد آخر)؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وُقَّف له (والصدقة به على فقراء المسلمين)؛ لأن شيبة بن عثمان الحجبي كان يتصدَّق بخُلقان الكعبة، وروى الخلَّال بإسناده أن عائشة أمرته بذلك، ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصُرف إلى المساكين (^٥٠)، وفضل موقوف على معيَّن استحقاقه مقدَّر يتعيَّن إرصاده ونصَّ فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء: يُرصد؛ لعله يرجع (^٥١)، وإن وقف على ثغر فاختل: صرف في ثغر مثله، وعلى قياسه
كامل المنافع أحب إلى الواقف من ناقصها؛ نظرًا لكثرة الأجر والثواب في الكامل، دون الناقص، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ الواقف ومقصده فأيُّهما المقدم؟ " فعندنا: يُقدَّم مقصده، وعندهم: يُقدَّم لفظه. (فرع ثان) يجب على الحكّام والقضاة وولاة الأمر أن يتصرَّفوا بتلك الأوقاف المعطَّله، وهي كثيرة جدًا في أنحاء البلاد، فيبيعوها، ويجعلوا أثمانها فيما ينفع فقراء المسلمين، وبذلك تعمر الأراضي والدور الخربة، وينتفع فقراء المسلمين.
(^٥٠) مسألة: إذا وقف شخص مسجدًا، وفضل عن حاجته من فرشه، أو زيته، أو نفقته، أو خشبه، أو شيء من بنائه: فإنه يُصرف إلى مسجد آخر محتاج إلى مثل هذه الأمور، أو تباع ويُتصدَّق بثمنها على الفقراء والمساكين؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي، حيث إن عائشة قد أمرت من اختصّ بحجابة الكعبة بأن يبيع ما فضل من ثياب الكعبة، ويتصدَّق بثمنها في سبيل الله والمساكين، الثانية: التلازم، حيث يلزم من عدم وجود المصرف الذي نصَّ عليه الواقف: أن يُصرف فيما ماثله، أو غيره مما يُحصِّل الأجر والثواب؛ لأنه مال قصد به وجه الله تعالى، كالوقف المنقطع المنافع، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة للواقف وللمسلمين جميعًا.
(^٥١) مسألة: إذا وقف زيد دارًا على عمرو وعين مقدار ما يُعطى من ريع تلك الدار كل سنة وفضل شيء من ذلك الريع: بأن قال الواقف ـوهو زيد-: "هذه الدار=
[ ٣ / ٦٧١ ]
مسجد، ورباط، ونحوهما (^٥٢)، ولا يجوز غرس شجرة، ولا حفر بئر بالمسجد (^٥٣)،
وقف على عمرو، ويُعطى من ريعها كل سنة مائة درهم" وكان ريع الدار مائة وخمسين: فإنه يجب على الناظر أن يصرف ما زاد عن المائة إلى الفقراء والمساكين، ووجوه الخير مما يقرب من مصرف ما نص عليه الواقف؛ للمصلحة حيث إن مقصد الواقف هو تكثير الأجر والثواب في الوقف، وهذا يحققه لا سيما إذا عرفنا أن بقاء ما بقي من الريع -وهو الخمسون في كل عام - يُفسد ذلك الريع بسبب تراكمه مع أن الواقف محتاج إليه، فإن قلتَ: إن ما فضل وزاد على المعين -وهو في المثال خمسون- يُرصد ويحفظ، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أحوط، فقد يحتاج الوقف إلى إصلاح فيُصرف على إصلاحه من هذا المرصود والمحفوظ، قلتُ: هذه مصلحة محتملة فقد لا تتحقق فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين" فقدمنا المصلحة الغالبة والمحققة لغرض الواقف، وقدموا المصلحة المحتملة احتمالًا بعيدًا.
(^٥٢) مسألة: إذا وقف على شيء فاختلّ وفسد: فإن ريع هذا الوقف يُصرف على ما يماثله فمثلًا: لو قال الواقف: "وقفت هذه الدار يُصرف ريعها وأجرتها على الثغر الفلاني -وهو حراسة حدود المسلمين-" أو قال: "يُصرف ريعها وأجرتها على المسجد الفلاني، أو على الرباط الفلاني، أو على السقاية الفلانية، فاختل وفسد الموقوف عليه: فإن ذلك الرَّيع والأجرة تُصرف على ما يُماثل الموقوف، فيُصرف في تلك الأمثلة على ثغر آخر، وعلى مسجد آخر، أو على رباط آخر، أو على سقاية أخرى على حسب القدرة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُحصِّل غرض الواقف تقريبًا: فلزم ووجب فعله؛ لمصلحة الواقف، وهذا هو المقصد منه.
(^٥٣) مسألة: إذا وقف شخص مسجدًا: فلا يجوز له ولا لغيره أن يغرس شجرة، أو أن يحفر بئرًا في ذلك المسجد إذا لم يكن في هذا الغرس أو الحفر مصلحة، وفيه تضييق على المصلين، أما إن اقتضت المصلحة غرس شجرة أو حفر بئر، ولم =
[ ٣ / ٦٧٢ ]
وإذا غرس الناظر، أو بنى في الوقف (^٥٤) من مال الوقف أو من ماله، ونواه للوقف: فللوقف، قال في "الفروع": ويتوجَّه في غرس أجنبى أنه للوقف بنيته (^٥٥).
يوجد تضييق: فيجوز فعل ذلك؛ للمصلحة: حيث إن غرس الغرس والحفر فيه مفسدة تضييق على المصلِّين: فلم يجز لذلك، وإذا كان فيه مصلحة، ولم يكن فيه تضييق: فيجوز؛ تحقيقًا لتلك المصلحة.
(^٥٤) مسألة: إذا قال الواقف: "هذه الدار وقف يُصرف ريعها على كذا وكذا" وجعل الناظر عليها زيدًا، ثم غرس أو بنى ذلك الناظر -وهو زيدـ في تلك الدار الموقوفة من مال الوقف -وهو ريع الدار-: فإن ذلك الغرس والبناء للوقف وأجره وثوابه للواقف: وهذا مطلق، أي: سواء نواه الناظر، أو لم ينوه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون المال مال الواقف: أن يكون الغرس والبناء تابعًا للوقف، وأجره للواقف؛ لكونه من ماله وريعه.
(^٥٥) مسألة: إذا وقف شخص دارًا يُصرف ريعها على كذا وكذا، ثم بنى أو غرس ناظرها في تلك الدار الموقوفة من غير مال الوقف، أو فعل ذلك أجنبي: فإن ذلك البناء والغرس لفاعله إن نواه له، وإن لم ينوه له: فهو للوقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيّته: أن يكون تابعًا له؛ عملًا بالنية، ويلزم من عدم نيته: أن يكون ذلك البناء للوقف؛ لأنه صاحب الأصل، فيتبعه ما وضع فيه بعد ذلك.
هذه آخر مسائل كتاب: "الوقف"، وهو آخر المجلد الثالث من كتاب: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع، وتنزيل الأحكام على قواعدهما الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها، وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع الله به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الرابع وأوله باب: "الهبة والعطية والهدية".
[ ٣ / ٦٧٣ ]