﷽
الحمد لله الذي شرح صدر من أراد هدايته للإسلام، وفقَّه في الدِّين من أراد به خيرًا، وفهمه فيما أحكمه من الأحكام، أحمده أن جَعَلنا من خير أمة أخرجت للناس، وخلع علينا خُلعة الإسلام خير لباس، وشرع لنا من الدِّين، ما وصَّى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، وأوحاه إلى محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وأشكره -وشكر المنعم واجب على الأنام- واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله المبعوث لبيان الحلال والحرام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وتابعيهم الكرام، أمَّا بعد: فهذا شرح لطيف على "مختصر المقنع" للشيخ الإمام العلامة والعمدة القدوة الفَّهامة هو شرف الدِّين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم ابن عيسى المقدسي الحجَّاوي ثم الصالحي الدمشقي، تغمَّده الله برحمته، وأباحه بحبوحة جنته، يُبَيِّن حقائقه، ويوضح معانيه ودقائقه مع ضم قيود يتعين التنبيه عليها، وفوائد يُحتاج إليها، مع العجز وعدم الأهلية لسلوك تلك المسالك، لكن ضرورة كونه لم يُشرح: اقتضت ذلك، والله المسؤول بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله.
وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وزُلفى لديه في جنات النعيم المقيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي بكل اسم للذات الأقدس، المسمَّى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، أو بإرادة ذلك: أؤلّف مستعينًا أو ملابسًا على وجه التَّبرُّك (^١)، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين للمبالغة في الرحمة: إشارة
الافتتاحية والديباجة
وفيها ثنتان وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: يُستحب أن يبدأ المصنفون كتبهم بـ "بسم الله" وكذلك غيرهم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن كتاب الله قد بُديء بالبسملة فكذلك الكتب الأخرى مثله والجامع أن كلًا منهما كتبٌ فيها منافع، فإن قلتَ: لم شُرِع هذا؟ قلتُ: =
[ ١ / ٩ ]
لسبقها، وغَلَبَتِها من حيث ملاصقتها لاسم الذات، وغلبتها من حيث تكرارها على أضدادها وعدم انقطاعها (^٢)، وقُدِّم "الرحمن" لأنه علم في قول، أو كالعَلم: من حيث إنه لا يُوصف به غيره تعالى؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره، وابتدأ بها؛ تأسِّيًا بالكتاب العزيز، وعملًا بحدبث "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" أي: ناقص البركة، وفي رواية: "بالحمد الله" فلذلك جمع بينهما (^٣) فقال: (الحمد الله) أي: جنس
= للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على بركة البداءة بهذا الاسم الأعظم الذي لم يُتَسمَّ به أحد، هذا إن كانت "الباء" للملابسة، وإن كانت للاستعانة: فهو يستعين بهذا الاسم على إنجاز أي عمل يُبدأ به، و"الباء" هنا لهما معًا، والتقدير: "بسم الله حال كوني مستعينًا بذكره متبركًا باسمه"، وقد تكلمت عن هذا بالتفصيل في مقدمة كتاب: "الإتحاف".
(^٢) مسألة: ذكَرَ "الرحمن" و"الرحيم" المشتقَّين من "رحمة واحدة" بعد ذكر اسم الجلالة "الله" للقياس، بيانه: كما أن اسم الذات -وهو: الله- لا ينفكُّ عنه سبحانه فكذلك "الرحمن" و"الرحيم" لا ينفكان عنه سبحانه، والجامع أن كلًا منهما يحتاجه العبد؛ إذ "الله" مشتق من "الوَله" لكون العباد يأهلون إليه في قضاء حوائجهم، ورحمته، تتكرر ولا تنقطع عن أيِّ عبد، حيث إن الله أرحم بالعبد من نفسه، فتكون رحمته غالبة، فالصقت باسم الذات -وهو: الله- فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة وهي: بيان أن رحمة الله وسعت كل شيء وأن العبد لا يمكنه العيش في الدنيا والآخرة بلا رحمة الله، فيجب أن يسألها منه سبحانه.
(^٣) مسألة: قدَّم "الرحمن" على "الرحيم"؛ للتلازم؛ حيث إن معنى "الرحمن" هو ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، ولا يوصف بها غيرُه، ولا يصدق على غيره، فهو صاحب الرحمة الحقيقية، فيلزم من وصول رحمته إلى غاية لا يمكن أن يصل إليها غيرُه: تقديم لفظ "الرحمن" على "الرحيم" لاختصاصها به سبحانه، =
[ ١ / ١٠ ]
الوصف بالجميل، أو كل فرد منه مملوك أو مستحق للمعبود بالحق المتَّصف بكل كمال على الكمال، و"الحمد": الثناء بالصفات الجميلة، والأفعال الحسنة: سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وفي الاصطلاح: فعل يُنبيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره، و"الشكر" لغة: هو الحمد اصطلاحًا، واصطلاحًا: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خُلِق لأجله، قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^٤)، وآثر لفظة الجلالة دون باقي الأسماء كالرحمن والخالق؛
= ولذلك تجد لفظ "الرحمن" لا يُثنَّى ولا يُجمع، بخلاف "الرحيم". تنبيه: استدلال المصنف بما روي عنه ﷺ أنه قال: "كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله" وفي رواية: "بالحمد الله" لا يصح؛ لأن الحديث ضعيف، وقد أطال الألباني في بيان ضعفهما في الإرواء (١/ ١٩ و٢١).
(^٤) مسألة: يُستحب للمصنفين وغيرهم أن يحمدوا الله -بعد البسملة- في بداية أي عمل، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وصُرف عنه إلى الاستحباب بالسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ كان لا يُداوم على الحَمْدَله في كل خطبه، الثانية: القياس، بيانه: كما أن القرآن قد ذكر فيه الحَمْدَله بعد البسملة، فكذلك غيره مثله، والجامع: أن كلًا منها كتب فيها منافع، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الحمد في بداية أيِّ عمل زيادة في نفع هذا العمل وبركة فيه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. [فرع]: يجتمع "الحمدُ" و"الشكرُ" في أنَّ كلًا منهما ثناء في مقابلة نعمة، ويفترقان: بأن "الحمد" يكون ثناء على الله تعالى بسبب كل إنعام سواء كان على الحامد أو على غيره، فهو تصرُّف مشعرٌ بتعظيم المنعم؛ لكونه منعمًا مطلقًا، وهذا يكون بالقلب وهو: اعتقاد كونه موصوفًا بالكمال على الكمال الذي هو عليه، ويكون باللسان، وهو أن يذكر =
[ ١ / ١١ ]
إشارة إلى أنه كما يُحمد لصفاته يُحمد لذاته، ولئلا يُتوهَّم اختصاص استحقاقه الحمد بذلك الوصف دون غيره (حمدًا) مفعول مطلق، مُبيِّن لنوع الحمد؛ لوصفه بقوله: (لا يَنْقَد) بالدال المهملة وفتح الفاء: ماضيه: نَفِدَ بكسرها أي: لا يفرغ (أفضل ما ينبغي) أي: يُطلب (أن يُحمد) أي: يُثنى عليه ويوصف، و"أفضل" منصوب على أنه بدل من "حمدًا" أو صفته، أو حال منه، و"ما" موصول اسمي، أو نكرة موصوفة، أي: أفضل الحَمْد الذي ينبغي، أو أفضل حَمْدٍ ينبغي حمده به (^٥)
= ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الجلال، كقول المكلَّف: "أحمد الله الذي لا إله إلا هو"، ويكون بالجوارح، وهو: أن يأتي بأفعال دالة على ذلك كالتصدُّق، وعمل نوافل وطاعات، وهذا تعريف "الحمد" اصطلاحًا، ويمكن أن يُعرَّف "الشكر" به لغة، أمَّا "الشكر" فهو: ثناءٌ على الله بسبب إنعامه على الحامد فقط: من سَمْعٍ وبَصَر، وغِنى، وصحة ونحوها، لذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فيكون -بناء على ما سبق-: "الحمد" أعم من "الشكر" حيث يكون "الحمد" مع الإنعام عليك وعدمه، أمَّا "الشكر" فلا يكون إلا مع ما أنعم الله عليك فقط، وقد أطال ابن القيم في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٤٦) والتفتازاني في "شرح التلخيص" (٣٢١) الكلام عن ذلك.
(^٥) مسألة: قُرن "الحمد" بلفظ الجلالة -وهو: "الله"- حيث يُقال دائما "الحمد لله" ولا يُقرن بغير ذلك الاسم فلا يُقال: "الحمدُ للرحمن" أو "الحمدُ للخالق" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن "الله" أخصُّ أسماء الله تعالى، وهُو الاسم الأعظم من أسمائه؛ لعدم مشاركة غيره له فيه وأن الحمد لذاته سبحانه مستمر له لا ينقطع؛ لعدم انقطاع نعمه وأفضاله التي لا تنْفَد ولا تفرغ فلزم من ذلك إلصاق وقرن الحمد بأخص أسمائه وهو: "الله" فإن قلتَ: لِمَ ورد هذا؟ قلتُ: لأجل أن يعتقد المكلَّف: أن الله تعالى محمود قبل حمد الخلق له، وليس بحاجة إلى حمدهم، =
[ ١ / ١٢ ]
(وصلى الله) قال الأزهري: معنى "الصلاة" من الله تعالى: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: التضرع والدعاء (وسلَّم) من السلام، بمعنى: التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان، والصلاة عليه ﷺ مُستحبة تتأكد يوم الجمعة وليلتها، وكذا كلَّما ذُكر اسمه، وقيل بوجوبها إذًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وروي: "من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (^٦)، وأتى بـ "الحَمْد" بالجملة
= ولكن مصلحتهم اقتضت حمده سبحانه، فإن قلتَ: إذا كان الأمر كذلك فلِمَ ذكر هذا هنا؟ قلتُ: للرَّد على من زعم أنه سبحانه لا يحمد إلا إذا اتصف بالرحمة أو الخلق أو نحوهما، لذا قرَّر أهل السنة والجماعة: وجوب حمد المسلم لربه في جميع الأحوال، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وما يصيب المسلم من مصائب في الظاهر فقط، وهي مصالح، ولكن العبد عجز أن يُدرك تلك المصالح، فيجب أن يحمد المسلم الله على كل شيء، وسيجد الخير بين يديه وهذا التقرير يكون صحيحًا على اختلاف إعراب "حمدًا" و"أفضل" و"ما" كما ذكر المصنف.
(^٦) مسألة: يُستحب للمصنفين وغيرهم ممن يبدأون أعمالًا: أن يُصلُّوا على النبي ويُسلموا عليه قائلين: "وصلى الله وسلم على نبينا محمد" -وذلك بعد البسملة والحمدله- وأن يفعلوا ذلك في كل وقت لكن تتأكد هذه الصلاة والسلام عليه في أوقات ثلاثة هي: "يوم الجمعة" و"ليلة الجمعة" و"كلما ذكر اسم النبي ﷺ"، وتجب الصلاة عليه مرة واحدة في العمر؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهذا أمر بالصلاة على النبي، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار فتكفي المرة الواحدة. الثانية: السنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "من =
[ ١ / ١٣ ]
الاسمية الدالة على الثبوت والدَّوام؛ لثبوت مالكية الحمد واستحقاقه له أزلًا وأبدًا (^٧) وبـ "الصلاة" بالفعلية الدالة على التجدد أي الحدوث؛ لحدوث المسؤول وهو: الصلاة أي: الرحمة من الله (^٨) (على أفضل المصطفين محمد) بلا شك؛ لقوله
= صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا" وهذا عام في الأوقات والأمكنة؛ لأن "مِنْ" الشرطية من صيغ العموم، ثانيها: قوله ﷺ: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة" والليلة تابعة لليوم، وصرفه إلى الاستحباب الحديث الذي قبله؛ حيث لا يلزم منه الوجوب. ثالثها: قوله ﷺ: "فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال ملكان غفر الله له"، فإن قلتَ: لم استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن الصلاة على النبي سبب لحصول البركة في العمل، ولاستجابة الدعاء، ولإزالة الهموم والغموم، ولجلب الرزق، وتكثير الحسنات كما ورد. تنبيه: استدلال المصنف بما روي أنه قال: "من صلى علي في كتاب … " لا يصحُ، لأن الحديث ضعيف وقيل: إنه موضوع: فائدة: المراد بـ "السلام" هو: إلقاء التحية المعروفة أو الدعاء له بالسلامة من النقائص والرذائل، وطلب الأمان من الله له، وإبعاد الخوف كما ورد ذلك في "الصحاح" (٥/ ١٩٥١) وتفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٧).
(^٧) مسألة: ذكَر "الحمد" بالقرآن بالجملة الاسمية دون الفعلية في الفاتحة فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ للتلازم حيث يلزم من كون الحمد حقٌ له سبحانه ثابت على الدوام مستحقه قديمًا وحديثًا، ومستقبلًا لاستمرار النعم على عبيده: فناسب أن يُعبَّر ذلك بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، حيث إنه محمود قبل حمد الحامدين.
(^٨) مسألة: ذُكِرت "الصلاة على النبي" بالقرآن بالجملة الفعلية دون الاسمية، حيث قال تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حدوث =
[ ١ / ١٤ ]
ﷺ: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، وخص ببعثه إلى الناس كافة، وبالشفاعة والأنبياء تحت لوائه، و"المصطفون" جمع مصطفى، وهو: المختار: من "الصفوة" و"طاؤه" منقلبة عن "تاء" (^٩)، و"محمَّد"، من أسمائه ﷺ، سمي به؛ لكثرة خصاله الحميدة، سمِّي به قبله سبعة عشر شخصًا على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، بخلاف "أحمد" فإنه لم يُسمَّ به قبله (^١٠) وعلى آله) أي: أتباعه على دينه،
= الشيء المدعو والمطلوب تجدُّده وهو: "الصلاة" التي هي: الرحمة من الله المقرونة بالتعظيم: أن يُعبِّر عنه بالجملة الفعلية؛ لكون الفعل يدلُّ على حدوث شيء لم يكن من قبل.
(^٩) مسألة: النبي ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين المصطفين والمختارين من قبل الله تعالى؛ للتلازم؛ حيث إن إرساله إلى جميع الناس، واختصاصه بالشفاعة العُظمى، وهو: المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وكون الأنبياء جميعًا تحت لوائه: يلزم منه: أن يكون أفضل الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، وقال ﷺ: "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثت إلى الناس كافَّة" وقال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ. آدم ومن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، فإن قلتَ: لم عَبَّر بالمصطفى؟ قلتُ: لأن هذا الاسم أدلّ لفظ على الاختيار، والخلاصة: مأخوذ من الصفوة، والاصطفاء: الاختيار -كما في "اللسان" (١٤/ ٤١٣) - فإن قلتَ: لم قُلِبت "التاء": طاء، حيث أن الأصل: "مصتفى"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن "الصاد" من حروف الإطباق -وهو: إطباق اللسان على اللهاة- فلا يستطيع الناطق أن ينتقل بسرعة من "الصاد" إلى "التاء" فقُلِبت "طاء"؛ تسهيلًا للنطق.
(^١٠) مسألة: ألهم الله ﷿ عبد المطلب جدَّ النبي ﷺ: بأن يُسمّيه "محمَّدًا"؛ للتلازم؛ حيث إنَّ وَصْفَه بكونه محمودًا حمدًا أكمل من غيره، وأن حمده لربه كان قبل =
[ ١ / ١٥ ]
نصَّ عليه "أحمد"، وعليه أكثر الأصحاب، ذكره في "شرح التحرير" وقدَّمهم؛ للأمر بالصلاة عليهم (^١١) وإضافته إلى الضمير جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومَنَعه جمعٌ: منهم: الكسائي، والنحاس، والزُّبيدي (^١٢)
= حمد الناس له وأنه مستغرق لجميع المحامد، يلزم منه أن يُسمَّى بهذا -كما في "الصحاح" (٢/ ٤٦٦)، وتفسير البغوي (١/ ٣٥٨) - فائدة: ذكر ابن الهائم: أنه تسمَّى بهذا الاسم قبل النبي ﷺ سبعة عشر شخصًا، وذكر منهم السَّخاوي في "القول البديع" (ص ١٠٩) أربعة عشر أما "أحمد" فلم يتسمَّ به أحدٌ قبله ﷺ لكمال حمده الله تعالى.
(^١١) مسألة: يُستحب لمن صلى على النبي: أن يُصلي على آله -وهم: أتباع النبي ﷺ من أهل دينه إلى قيام الساعة؛ - للقياس، بيانه: كما أنه يُصلى عليهم في التشهد الأخير؛ حيث قال ﷺ: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد" -فكذلك يُستحبُّ هنا، والجامع: الدعاء لهم وإكرامهم؛ نظرًا لصبرهم على القيام بهذا الدِّين خير قيام؛ وهذا هو المقصد منه فإن قلتَ: لِمَ فُسِّر "الآل" بأنهم الأتباع هنا؟ قلتُ: للاستعمال اللغوي؛ حيث إن لفظ "الآل" يُستعمل عند العرب في الأتباع جميعًا - كما في "المصباح" (٢٩)، و"الإعلام" (١/ ١١٢).
(^١٢) مسألة: يجوز أن يُضاف "الآل" إلى الضمير، فيقال: "وآله" وهو مذهب أكثر أهل اللغة والشريعة؛ للقياس، بيانه: كما يجوز أن يُضاف إلى العَلَم فيُقال: "وآلُ محمد" فكذلك يجوز أن يُضاف إلى ضميره، والجامع: أن كلًا منهما لا يُخِلُّ بالمراد، فإن قلتَ: لا يجوز ذلك، وهو مذهب كثير من أهل اللغة فلا يقال: "وآله"؛ للتلازم؛ حيث إن "آل" متوغِّل في الإبهام، فيلزم منه: ألا يصح له الضمير، قلتُ: لا نسلم توغُّله في ذلك، بل هو واضح المرجع والمراد. فإن قلتَ =
[ ١ / ١٦ ]
(وأصحابه): جمع صاحب بمعنى الصحابي، وهو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا، ومات على ذلك، وعطفهم على "الآل" من عطف الخاص على العام (^١٣)، وفي الجمع بين "الصَّحب" و"الآل" مخالفة للمبتدعة؛ لأنهم يوالون "الآل" دون "الصحب" (ومن تعبَّد) أي: عبدَ الله تعالى، والعبادة: ما أُمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي (^١٤) (أما بعد) أي: بعد ما ذكر: من حمد الله، والصلاة
= ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الآل هل هو متوغِّل في الإبهام؟ " فعندنا: لا. وعندهم: نعم.
(^١٣) مسألة: يُستحب لمن صلى على النبي وآله أن يصلي على الصحابة وهم: كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، هذا عند المحدثين؛ للمصلحة؛ حيث إن الصحابة أفضل هذه الأمة -بعد الأنبياء والرسل- وأبرُّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأكثرها إقامة للدين، وأعلمها بمقاصد الشريعة، فمن جلب المصالح الدعاء لهم بهذا، وقد فرَّقتُ بين تعريف الأصوليين للصحابي، وتعريف المحدثين في كتاب "مخالفة الصحابي للحديث النبوي"، فإن قلتَ: لم يذكر "الصحابة" مع أنهم داخلين في عموم لفظ "الآل"؟ قلتُ: للاهتمام بهم، وتعظيم شأنهم، وهو من باب: عطف الخاص -وهم الصحابة- على العام -وهم الأتباع-، وهذا الأسلوب تستعمله العرب للاهتمام بما ذكر ثانيًا لذا ورد في القرآن في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ مع أن جبريل ﵇ داخل ضمن الملائكة، ولكنه خصصه بالذكر للاهتمام به كما قال المفسرون.
(^١٤) مسألة: أهل السنة والجماعة من المصنفين وغيرهم يجمعون بين ذكرهم "الآل" و"الصحب" فيقولون: "وآله وصحبه"؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "إن الله اختارني واختار لي أصحابًا وأصهارًا"، حيث إنه نكرةُ في سياق إثبات، فيكون مطلقًا، وهذا في جميع الصحابة، فيشمل قرابته كعلي وفاطمة وأولادهما وزوجاته، =
[ ١ / ١٧ ]
والسلام على رسوله، وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات؛ اقتداء به ﷺ؛ فإنه كان يأتي بها في خطبه وشبهها حتى رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي في "الأربعين" التي له عن أربعين صحابيًا، ذكره ابن قندس في "حواشي المحرَّر"، وقيل: إنها فصل الخطاب المشار إليه في الآية، والصحيح: أنه: الفصل بين الحق والباطل، والمعروف: بناء: "بعدُ" على الضم، وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة، ومنصوبة، والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه (^١٥) (فهذا) إشارة إلى ما تصوُّره في الذهن، وأقامه مقام
= وغير هؤلاء من بقية الصحابة، أما غير أهل السنة والجماعة: فهم يذكرون "الآل" فقط قاصدين بهم: علي وفاطمة وأولادهما، دون غيرهم، فيوالونهم، ويتشيعون لهم، ولا يذكرون الصحابة. وهذا مخالف للصحيح كما قلنا، فإن قلتَ: لم شرع الجمع؟ قلتُ: لبيان أن الصحابة في رتبة واحدة في فضل الصحبة. [فرع]: لا يُصلَّى ولا يُسلَّم على غير الأنبياء إلا تَبَعًا، فيقال: "اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه" أما المنفرد -من غير الأنبياء- فلا يُصلى عليه" فلا يُقال: فلان ﵊؛ لقول الصحابي، حيث قال ابن عباس: "لا تنبغي الصلاة على أحد إلا على الأنبياء" فإن قلتَ: لم لا يُصلى على المنفرد؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه سدُّ للذرائع، وفيه إغلاق باب المبالغة في المدح أو إعطاء أحد أكثر من حقه. فائدة: العابد: هو الذي يمتثل أوامر الله ويترك ما نهى عنه من الأفعال والأقوال الثابتة بالأدلة المعتبرة، ولا يكون مصدر ذلك: العرف والعادة عند الناس، ولا العقل وما يقتضيه.
(^١٥) مسألة: يُستحب لمن أراد أن يتكلم: أن يقول: "أمَّا بَعْدُ" -بعد البسملة والحمدله والصلاة على النبي وآله وصحبه- وبعدها يذكر ما يريده؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يستعمل هذا الأسلوب في خطبه ومكاتباته؛ فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن المتكلم يُعلِم السامع أنه سينتقل =
[ ١ / ١٨ ]
المكتوب المقروء الموجود بالعيان (^١٦)، (مختصر) أي موجز، وهو: ما قلَّ لفظه وكثُر معناه، قال علي ﵁: "خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، ولم يُطل فيُملَّ": (^١٧) (في
= من مقَدِّمة كلامه والافتتاحية إلى قول مقصوده الأساسي من خطابه، فينتبه السامع لذلك ويستعد لفهم ما سيُقال بعدها، فإن قلتَ: إن "أَمَّا بَعْدُ" هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇ الوارد في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ حيث إن داود أول من قال: "أمَّا بعدُ" -كما في تفسير الطبري (٢٣/ ٧٩) - قلتُ: هذا بعيد؛ لأن فصل الخطاب المذكور في الآية هو: الفصل بين الحق والباطل كما قال كثير من العلماء المحققين؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لازم من لفظ "فصل الخطاب"، فإن قلتَ: لم تُضمُّ الدال من "بعدُ" دائمًا بدون تنوين مع أنه ورد تنوينها أو بالفتح بدون تنوين عن بعض أهل اللغة كما في "المحكم" (٢/ ٢٥) و"همع الهوامع" (٣/ ١٩٣)؟ قلتُ: إن الدال تُضم في غالب ذكرها؛ لأن "بعدُ" من الظروف المبنية على الضم، وهي منقطعة عن الإضافة، والعامل فيها "أمَّا" لنيابتها عن الفعل، وأصله: مهما يكن من شيء بعد الحمد والثناء كما في "الصحاح" (٢/ ١٤٨).
(^١٦) مسألة: يجوز أن يُشير المصنف في مقدمة كتابه قائلًا: "فهذا" مع أنه لم يكتبه، ولكنه عزم على فعله؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّ المصنِّف يُشير إلى كتابه الموجود -وهو ما فرغ منه- فكذلك يجوز أن يفعل ذلك في الكتاب الذي عزم على فعله ولم يكتبه، والجامع: الوجود في كل؛ حيث إن الوجود نوعان: وجود عيني، ووجود تصورُّي ذهني، من باب معاملة المعدوم معاملة الموجود، وعادة المصنفين إذا فرغوا من تصنيفهم: كتبوا المقدمة، فتكون الإشارة عينية.
(^١٧) مسألة: المختصر لغة: هو خلاصة الشيء، والموجز منه -كما في "الصحاح" (٢/ ١١٧٣)،- وهو في الاصطلاح: إقلال الألفاظ تأدية المعنى مع مراعاة =
[ ١ / ١٩ ]
الفقه) وهو لغة: الفهم، واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل، أو بالقوة القريبة (^١٨) (من مُقنع) أي: من الكتاب المسمَّى بـ
= لفظ الأصل الذي اختصر، وما هذا وصفه فهو خير الكلام كما قال علي وغيره من أهل اللغة والشريعة؛ للمصلحة؛ حيث إن الكلام المختصر يسهل حفظه، وحمله، والرجوع إليه بيُسر، وعدم تركه إلى غيره، فإن قلتَ: إن هذا فيه معنى الإيجاز والتهذيب. قلتُ: يوجد فرق بينها: فالاختصار كما سبق بيانه و"الإيجاز": إيجاز المعنى من غير رعاية للفظ الأصل الذي اختُصر، بخلاف الاختصار فلا بدَّ من مراعاة ذلك، أما "التهذيب" فهو: أعم منهما؛ حيث إنه تنظيم المعلومات وترتيبها مطلقًا، أي: سواء صاحبه اختصار، أو لا، وسواء راعى لفظ الأصل أو لا، فيكون -على هذا- "الاختصار" أدقها وأصعبها؛ لاجتماع إيجاز اللفظ مع مراعاة لفظ الأصل ومعناه، ثم يليه "الإيجاز"؛ لعدم مراعاة اللفظ؛ ثم التهذيب؛ لعدم مراعاة اللفظ والمعنى. وقد تكلمتُ عن هذا في مقدمة كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه المقارن".
(^١٨) مسألة: الفقه لغة: الفهم مطلقًا، أي: سواء كان الفاهم عالمًا أو لا، وسواء فهم المقصود من الفعل أو الكلام أولا: للاستقراء؛ حيث ثبت بعد تتبع النصوص: أن المراد بالفقه: إذا ورد في النصوص: الفهم كقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ وقوله ﷺ: "فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" والمراد من ذلك: الفهم، والفقه في اصطلاح الأصوليين والمجتهدين هو: "معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل، أو بالقوة القريبة" والمراد بـ "المعرفة" العلم الذي هو مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن، ولا يخصّ ذلك القطع؛ لكون أكثر الأحكام الفقهية ظنية لثبوتها بأدلة ظنية، و"الأحكام الشرعية": جمع حكم، والمراد: الحكم الشرعي الثابت بدليل شرعي معتبر، والمراد بـ =
[ ١ / ٢٠ ]
"المقنع" تأليف (الإمام) المقتدى به شيخ المذهب (الموفق أبي محمد) عبد الله بن أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسي، تغمده الله برحمته، وأعاد علينا من بركته (على قول واحد) وكذلك صنعتُ في شرحه، فلم أتعرض للخلاف؛ طلبًا للاختصار (وهو) أي: ذلك القول الواحد الذي يذكره ويحذف ما سواه من الأقوال -إن كانت- هو: القول (الراجح) أي: المعتمد (في مذهب) إمام الأئمة وناصر السنة أبي عبد الله: (أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني، نسبة لجده "شيبان" بن ذهل بن ثعلبة، والمذهب في الأصل: الذهاب أو زمانه أو مكانه، ثم أُطلق على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، وكذا: ما جرى مجرى قوله من فعل أو إيماء ونحوه (^١٩) (وربما حذفتُ منه
= " الفرعية": العملية، وهي: أحكام الفقه، وهذا شامل للقواعد الأصولية؛ لأنها وسيلة إلى العمل؛ إذ لا يُراد منها العلم فقط، بل العلم والعمل بالقاعدة، وتكون هذه المعرفة أو هذا العلم ثابت لذلك الشخص بواسطة الاستدلال والنظر بالفعل والمباشرة منه حال سؤال السائل عن المسألة، أو يكون ذلك بالقوة القريبة: بأن يكون عنده التهيؤ والاستعداد الذهني والقدرة على استنباط حكم المسألة بنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود تلك الشروط في تعريف الفقه: أن يكون من توفرت فيه فقيهًا يستطيع استنباط الأحكام للحوادث المتجددة، بخلاف من حفظ الأحكام، وقد فصَّلتُ القول في ذلك في كتابي: "المهذب" و"الإتحاف".
(^١٩) مسألة: لقد اهتم علماء الحنابلة بكتاب: "المقنع في الفقه" لابن قدامة، ومنهم أبو النجا الحجَّاوي؛ حيث اختصره بكتاب سمَّاه: "زاد المستقنع باختصار المقنع"، ثم شرح البهوتي "الزاد" شرحًا موجزًا جدًا بكتاب سمَّاه: "الروض المربع"، وهو هذا الكتاب الذي أقوم بشرحه وتنزيل فروعه على قواعد الأصول. فإن قلتَ: لم اهتم أكثر الحنابلة بالمقنع؟ قلتُ: لأنه أكثر الكتب جمعًا للفروع، والمسائل مع اختصار غير مخل -كما قال المرداوي في "الإنصاف"- وهو على رأي قد رجحه =
[ ١ / ٢١ ]
مسائل): جمع مسألة: من السؤال، وهي: ما يبرهن عنه في العلم (نادرة) أي: قليلة (الوقوع)؛ لعدم شدة الحاجة إليها (وزدتُ) على ما في "المقنع" من الفوائد (ما على مثله يُعتمد) أي: يُعوَّل؛ لموافقته الصحيح (^٢٠)؛ (إذ الهمم قد قصُرت) تعليل لاختصاره "المقنع" و"الهمم": جمع هِمَّة -بفتح الهاء وكسرها- يُقال: "هممتُ بالشيء": إذا أردته (والأسباب) جمع سبب، وهو: ما يُتوصل به إلى المقصود (المثبِّطة) أي: الشاغلة (عن نيل) أي: إدراك (المراد) أي: المقصود (قد كثُرت)؛ لسبق القضاء بأنه "لا يأتي عليكم زمان إلا وما بعده شرُّ منه حتى تلقوا ربَّكم" (و) هذا المختصر (مع صِغَر حجمه حوى) أي: جمع (ما يُغني عن التطويل)؛ لاشتماله على جُلّ المهمّات التي يكثر وقوعها ولو بمفهومه (^٢١) (ولا
= الإمام أحمد بدليل ومات على ذلك: سواء كان نصًا منه أو إشارة، أو إيماء، أو تخريجًا، أو قياسًا على مذهبه، وهذا هو المذهب في عرف العلماء، حيث إنه مِنَ. الذهاب. تنبيه: قوله: "وأعاد علينا من بركته" أو قول غيره: "ببركة الشيخ": لا يصح؛ سدًا للذرائع؛ حيث إن إطلاق مثل هذه العبارات قد تؤدي إلى التبرك بالشيوخ والأولياء ونحوهم حتى بعد مماتهم، وهذا قد يُفضي إلى الشرك بالله تعالى. فائدة: المذهب يطلق على الزمان ومنه قولهم: "هذا اليوم مذهب فلان إلى السوق" أي: زمن ذهابه إليه، ويطلق على المكان ومنه قولهم: "هذا الطريق مذهب فلان" أي مكان ذهابه كما في "اللسان" (١/ ٣٩٤).
(^٢٠) مسألة: منهج الحجاوي في اختصار كتاب المقنع كالتالي: أولًا: أنه اقتصر على ذكر مذهب واحد فقط، وهو الراجح عند الإمام أحمد، ثانيًا: أنه زاد مسائل يحتاج إليها أكثر الناس. ثالثًا: أنه حذف من "المقنع" ما لا يحتاجه الناس من المسائل.
(^٢١) مسألة: سبب اختصار الحجاوي للمقنع يرجع إلى أمرين: أولهما: ضعف همم وعزائم الناس في وقته وانشغالهم عن طلب العلم والصبر عليه ثانيهما: =
[ ١ / ٢٢ ]
حول ولا قوة إلا بالله) أي: لا تحوُّل من حال إلى حال ولا قوة على ذلك إلا بالله، وقيل: "لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله"، والمعنى الأول أجمع وأشمل (وهو حسبنا) أي: كافينا (ونعم الوكيل) ﷻ أي: المفوض إليه تدبير خلقه والقائم بمصالحهم، أو الحافظ، و"نعم الوكيل" إما معطوف على "وهو حسبنا" والمخصوص محذوف، أو على "حسبنا" والمخصوص هو الضمير المتقدم. (^٢٢)
= أن كتاب الزاد مع اختصارهُ يغنيهم عن غيره من كثير من المطولات؛ لاشتماله على أكثر المسائل التي تهم المكلّفين سواء كان ذلك بمنطوق المسائل، أو بمفهومها.
(^٢٢) مسألة: يُستحب لأيِّ متكلّم في كتاب أو غيره أن يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ويقول: "وهو حسبُنا ونعم الوكيل"؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أخبر أن كلمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز الجنة من كرَّرها في شؤونه فاز وأُعين في أموره، ثانيهما: أنه ﷺ قال: "حسبُنا الله ونعم الوكيل" حينما أخبر بأن الناس قد جمعوا له، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة للمكلف إذا قالهما بإذن الله. هذه آخر مسائل الافتتاحية والديباجة ويلي ذلك كتاب الطهارة وأوله: "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها".
[ ١ / ٢٣ ]