﷽
مُقَدِّمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين: نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإنه من المعلوم قطعًا: أن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات والقُرُبات إلى الله تعالى -بعد الجهاد في سبيل الله- وهو أفضل ما تُنفق فيه نفائس الأوقات، شرَّف الله من اختار العلم بملابس التقوى والوقار، وخصَّهم من المزية أن قرن ذكرهم بذكره، وأكرمهم بالشهادة على وحدانيته، وأورد وصفهم ثالثًا؛ حيث قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، وفضَّلهم على كثير من خلقه، وأرشد بهم عباده إلى سُبُل الحق، وأراد بهم خيرًا، ففقههم في الدِّين؛ حيث قال ﷺ: "من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين" وأمر الخلائق باتباعهم؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والمسؤول مُتَّبع، وأكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه، وجعل كُلَّ مخلوق يستغفر لهم؛ حيث قال ﷺ: "العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة"، وفضَّل الله العلم على النوافل من العبادات؛ حيث قال ﷺ: "العلم أفضل من العبادة، وملاك الدين الورع"، وذلك لأن العلم ينفع صاحبه، وينفع غيره إلى يوم القيامة، بخلاف العبادة -غير العلم- فلا تنفع إلا صاحبها، فإذا عُلِم ذلك: فإن الخسران المبين أن يمرَّ يوم بلا نفع بهذا العلم؛ إما تعلُّم أو تعليم، وخيره: ما كثُر نفعه الجميع طبقات المتعلِّمين؛ وكتاب: "الروض المربع شرح زاد المستقنع" لمنصور بن يونس البهوتي (المولود عام ١٠٠٠ هـ - والمتوفى عام ١٠٥١ هـ) تميَّز بكثرة المسائل والتفريعات التي تهم المسلمين في اليوم والليلة، فاشتغلتُ به مُهتمًا بتيسير عباراته،
[ ١ / ٥ ]
واصلًا كلَّ حكم بقاعدته الأصولية، ومبيِّنًا المقصد الشرعي من كل حكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، ذاكرًا أسباب وأسرار كل ما أذكره من الأحكام على حسب القدرة، وأسميته: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع، وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها".