لم يرد في كتب التراجم والأعلام التي وقفت عليها ما يوضح أو يشير إلى عقيدة ابن الفتوحي -﵀-.
لكن يمكن معرفة جوانب من عقيدته من خلال بعض العقائد التي ذكرها في كتابه: "شرح الكوكب المنير".
١ - قوله في الإيمان: "وعن أحمد -﵁- في المعرفة الحاصلة في القلب -هل تقبل التزايد والنقص؟ - روايتان، والصحيح من مذهبنا ومذهب جمهور أهل السنة
_________________
(١) النعت الأكمل ص (١٤١، ١٤٢)، السحب الوابلة (٢/ ٨٥٨).
(٢) السحب الوابلة (٢/ ٨٥٥).
[ مقدمة / ٢٥ ]
إمكان الزيادة في جميع ذلك" (١).
فأثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب أهل السنة.
وأثبت أن الإيمان: "عقد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان" (٢).
وقال أيضًا -﵀-: "ويجوز الاستثناء فيه؟ أيْ: في الإيمان، بأن تقول: أنا مؤمن -إن شاء اللَّه-، نص على ذلك الإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه" (٣).
٢ - وأثبت أن مرتكب الكبيرة إن تاب منها غُفرت، وإلا فهو تحت المشيئة، وأنه لا يخلد في النار، ثم قال: "وخالف المعتزلة، فقالوا: بخلود أهل الكبائر في النار، ولو عملوا حسنات كثيرة، وهذا يصادم القرآن والأحاديث الصحيحة" (٤).
وقال أيضًا: "أجمعنا على أن القرآن كلام اللَّه، كما أخبر به، نحو قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] " (٥)
وقال -﵀- بعد أن ذكر خلاف السلف والخلف في إثبات الحرف والصوت في كلام اللَّه -﷿-، والرد على من قال بعدم الإثبات: "ورأينا هؤلاء الأئمة -أئمة الإسلام الذين اعتمد أهل الإسلام على أقوالهم، وعملوا بها، ودونوها، ودانوا اللَّه بها- صرحوا بأن اللَّه يتكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت مخلوق ولا حرفه بوجهٍ البتة، معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم
_________________
(١) شرح الكوكب المنير (١/ ٦٣).
(٢) شرح الكوكب المنير (١/ ١٥٠).
(٣) شرح الكوكب المنير (١/ ١٥١).
(٤) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٨٩).
(٥) شرح الكوكب المنير (٢/ ٥٩).
[ مقدمة / ٢٦ ]
في أقواله، وأفعاله، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، مع اعتقادهم -الجازمين به الذي لا يعتريه شك، ولا وهم، ولا خيال- نفي التشبيه، والتمثيل، والتعطيل، والتكييف، وأنهم قائلون في صفة الكلام، كما يقولون في سائر الصفات -للَّه تعالى- من النزول، والاستواء، والمجيء، والسمع، والبصر، واليد، والقدم، والوجه، والعين، وغيرها، كما قاله سلف الأمة مع إثباتهم لها ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] " (١).
٤ - وأثبت الصفات الفعلية: كالنزول، والاستواء، والمجيء، وغيرها (٢)، والصفات الخبرية: كاليد، والقدم، والوجه، والعين، والذاتية: كالسمع، والبصر، وغيرها (٣).
وقال أيضًا -﵀-: "وهي؛ أيْ: مشيئة اللَّه -﷾-، وإرادته ليستا بمعنى محبته ورضاه، وسخطه وبغضه (٤)، فيحب ويرضى ما أمر به فقط، وخلق كل شيء بمشيئته -تعالى-، فيكون ما يشاء لمشيئته، وإن كان قد لا يحبه، وهذا مذهب السلف من أئمة الفقهاء من السلف والمحدثين" (٥).
ثم بين أنواع الإرادة فقال: "ثم اعلم أن إرادة اللَّه ﷾ في كتابه نوعان: نوع بمعنى المشيئة لما خلق نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في
_________________
(١) شرح الكوكب المنير (٢/ ٨٠).
(٢) كالمحبة والرضا، شرح الكوكب المنير (٢/ ١١٤).
(٣) كالعلم، شرح الكوكب المنير (١/ ٣١٨، ٣١٩).
(٤) هذا الإطلاق فيه نظر فإن الإرادة الكونية بمعنى المشيئة، وليست بمعنى الأمر والنهي، والبغض، والسخط.
(٥) شرح الكوكب المنير (١/ ٣١٨، ٣١٩).
[ مقدمة / ٢٧ ]
السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ونوع بمعنى محبته ورضاه لما أمر به، وإن لم يخلقه، نحو قوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (١).
فتبين من النصوص السابقة التي نقلناها عن الفتوحي -﵀- أنه اعتقد فيها اعتقاد السلف، المبني على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ويدل ذلك كثرة نقله لكلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، عند تعرضه لمسائل العقيدة.
ولكن يُؤخذ عليه أنه بعد أن أثبت: أن القرآن كلام اللَّه -تعالى- حرفُه ومعناه وأنه غير مخلوق، أنه قال: "وإنما أطلنا لأن غالب الناس في زماننا يزعمون أن القائل بأن اللَّه يتكلم بصوت وحرف قديمين غير متعاقبين، من فوق السماء بقدرته ومشيئته إذا شاء، وكيف شاء -كما قرر-، يكون كافرًا، فهذا أحمد والبخاري وغيرهم -ممن ذكرنا- صرحوا بذلك، وقد سمَّوا مخالِفه مبتدِعًا" (٢).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "أن اللَّه متكلم بحرف وصوت، وأن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد، وبين بطلان من وصف الصوت والحرف بالقدم" (٣).
* * *