تبدو أهمية كتاب: "المنتهى" أن مؤلفه الفتوحي جمع بين كتابين عظيمين لمؤلفين جليلين لهما الصدارة في تقرير المذهب.
الكتاب الأول: "المقنع" (٣) لشيخ المذهب الموفق ابن قدامة، وقد اجتهد مؤلفه -﵀- في جمعه وترتيبه، وإيجازة، وتقريبه، وسطًا بين القصير والطويل، وجامعًا كثر الأحكام عُرْية عن الدليل، أو التعليل.
وقد أطلق مؤلفه في كثير من مسائله روايتين، ليتمرن الطالب على ترجيح الروايات فيتربى على الميل إلى الدليل.
وقد نال هذا الكتاب اهتمامًا كبيرًا من علماء المذهب لقيمته العلمية، قال المرداوي (٤): "إنه من أعظم الكتب نفعًا، وأكثرها جمعًا"، ولهذا أخذ العلماء في خدمته فشرحوه عدة شروح منها:
_________________
(١) انظر: مقدمة الفتوحي على المنتهى ص (٥) من قسم التحقيق.
(٢) انظر: الدرر الفرائد (٣/ ١٨٥٢)، المدخل لابن بدران ص (٤٤٠).
(٣) المقنع ص (١٠).
(٤) الإنصاف (١/ ٥).
[ مقدمة / ٤٢ ]
١ - الشرح الكبير.
٢ - المبدع.
وخُدِم من جهة بيان الغريب، وتحليل الألفاظ في كتاب "المطلع على أبواب المقنع".
ومن جهة بيان أدلة مسائله كما في: "كفاية المستقنع لأدلة المقنع".
ومن جهة التصحيح، وبيان الراجح من الروايات وأقوال الأصحاب المختلفة في المذهب، كما في: "الإنصاف"، و"التنقيح المشبع".
ومن جهة الاختصار كما في: "زاد المستقنع".
كل هذه الجوانب وغيرها تدل على أهمية هذا الكتاب عند الأصحاب -﵏-.
الكتاب الثاني: "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" الذي هو تصحيح لكتاب: "المقنع"، واختصار لكتاب: "الإنصاف"، وكتاب: "الإنصاف" أهميته عند المتأخرين من الحنابلة لا تخفى، فقد سلك فيه مؤلفه مسلكًا لم يسبق إليه أحد من علماء المذهب.
وطريقته: أنه يذكر في المسألة أقوال الأصحاب، ثم يجعل المختار ما قاله الأكثر منهم، سالكًا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي (١)، فصار كتابه مغنيًا للمقلد عن سائر كتب المذهب، ثم اقتضب منه كتابه المسمى: "بالتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، فصحح فيه الروايات المطلقة في: "المقنع"، وما أطلق فيه من الوجهين أو الأوجه، وقيد ما أخلَّ به من الشروط، وفسر ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب حتى
_________________
(١) المدخل ص (٤٣٦).
[ مقدمة / ٤٣ ]
خصائص النبي -ﷺ-، وقيد ما يحتاج إليه القيد، ويحمل على بعض فروعه ما هو مرتبط بها.
وكذا ما قطع به الموفق، أو قدَّمه، أو صححه وذكر أنه المذهب، والمشهور خلافه، فإنه أتى بمكانه بالصحيح من المذهب، مع الإشارة إلى نص الإمام أحمد -﵀- إن كان في المسألة، إلا أن ما قطع به الموفق، أو قدمه، أو صححه، أو ذكر أنه المذهب، أو كان مفهوم كلامه مخالفًا لمنطوقه، وكان موافقًا للصحيح من المذهب، فإنه لا يتعرض إليه في التنقيح (١).
وزاد مسائل محررة مصححة، فصار كتابه تصحيحًا لغالب كتب المذهب (٢).
قال مؤلفه -﵀-: "فإذا انضم هذا التصحيح إلى بقية ما في الكتاب تحرر المذهب -إن شاء اللَّه تعالى-، وهو في الحقيقة تصحيح، وتنقيح، وتهذيب لكل ما فى معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات، ولا سيما في التتمات، وهذه طريقة لم أر أحدًا ممن يتكلم على التصحيح سلكها، وإنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات، والأوجه، والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جدًّا مع مَسِيس الحاجة إليه كثر مما فعلوه، واللَّه الموفق، وأمشي في ذلك كله على قول واحد، وهو الصحيح من المذهب أو ما اصطلحنا عليه في: "الإنصاف"، و"تصحيح الفروع" فيما إذا اختلف الترجيح" (٣).
هذا جانب من أهمية هذين الكتابين الجليلين، ومدى الارتباط الوثيق بينهما.
فجاء كتاب: "منتهى الإرادات" ليحيط بهما، وليجمع شملهما في كتاب
_________________
(١) التنقيح ص (١٨).
(٢) المدخل ص (٤٣٦).
(٣) التنقيح ص (١٩ - ٢٠).
[ مقدمة / ٤٤ ]
واحد، فحقق بذلك ما كان محتاجًا إليه في المذهب، ويسر أمرًا كان يتشوق إليه، فنال ما يستحقه من العناية والاهتمام، وحظي بالقبول والانتشار، فكان والده يقرؤه للطلاب ويثني عليه، واشتغل به عامة الحنابلة واقتصروا عليه، فقدموه فى الحفظ، والتدريس، والإفتاء، والقضاء، وكتبوا عليه عدة شروح، وحَوَاشٍ، وتعليقات.
قال والد المصنف في تقريضه لكتاب المنتهى: "وبعد: فقد وقفت على مواضع من هذا الموَلَّف الفريد، والجمع الحسن المفيد، المُنبي عن نباهة مؤلفه بلا ترديد، فرأيت ألفاظه كالسحر الحلال، ومعانيه مطابقة لمقتضى الحال، وتأملت ما فيه من الدُّرَر والجواهر، فتذكرت حينئذ المثل السائر: كم ترك الأول للآخر، ووجدت مؤلفه قد أحسن ما صنع، وحرر ما قرر وجمع، فليُتَلَقَّ بالقبول، وليرجع إلى ما فيه من النقول. . . " (١).
وقال الشيخ منصور في مقدمة شرحه للمنتهى (٢): "أما بعد: فإن كتاب: "المنتهى" لعَلَم الفضائل، وأوحد العلماء الأماثل محمد تقي الدين، ابن شيخ الاسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفتوحي. . .، كتاب وحيد في بابه، فريد في ترتيبه واستيعابه، سلك فيه منهجًا بديعًا، ورَضَعَه ببدائع الفوائد ترصيعًا، حتى عُدَّ ذلك الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب".
وقال ابن بدران (٣): "واعلم أن لأصحابنا ثلاثة متون حازت اشتهارًا أيَّما اشتهار:
أولها: "مختصر الخرقي" فإن شهرته عن المتقدمين سارت مشرقًا ومغربًا إلى
_________________
(١) منتهى الإرادات (٢/ ٧٣٠).
(٢) شرح منصور (١/ ٣).
(٣) المدخل ص (٤٣٤).
[ مقدمة / ٤٥ ]
أن ألف الموفق كتابه: "المقنع"، فاشتهر عند علماء المذهب قريبًا من اشتهار "الخرقي" إلى عصر التسعمئة، حيث ألف القاضي علاء الدين المرداوي "التنقيح المشبع"، ثم جاء بعده تقي الدين محمد بن أحمد ابن النجار الشهير بالفتوحي، فجمع المقنع من التنقيح في كتاب سماه: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح، وزيادات"، فعكف الناس عليه، وهجروا ما سواه من كتب المتقدمين".
ومن مظاهر ذلك جعله أهم المصادر الفقهية التي يعتمد عليها القاضي في المملكة العربية السعودية؛ حيث جاء في قرار الهيئة القضائية - عدد (٣) بتاريخ ٧/ ١/ ١٣٤٧ هـ، المقترن بالتصديق العالي بتاريخ (٢٤/ ٣/ ١٣٤٧ هـ) فقرة (ب) - تحديد الكتب المعتمدة في القضاء في المملكة العربية السعودية، حيث اعتمد فيها كتابان هما:
١ - "شرح المنتهى" للفتوحي.
٢ - "كشاف القناع شرح الإقناع" للبهوتي.
وقد نص القرار على أن ذلك فيما اتفق عليه الكتابان، وأما ما اختلفا فيه فالعمل يكون بما في "المنتهى" (١).
* * *