لأن أم حبيبة استحيضت فسألت النبي ﷺ عن ذلك فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة، متفق عليه (١) .
(وأكثر مدة النفاس) وهو دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله (٢) وأصله لغة من التنفس وهو الخروج من الجوف (٣) .
_________________
(١) من حديث عائشة أن أم حبيبة اشتكت إلى رسول الله ﷺ الدم فقال: «امثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» أي غسل الخروج من الحيض فكانت تغتسل لكل صلاة، من غير أمر منه ﷺ لها بذلك، وفي رواية للبخاري: وتوضئي لكل صلاة، فلا يجب عليها الغسل لشيء من الصلوات إلا مرة واحدة، في وقت انقطاع حيضها، قال غير واحد: وهومذهب جمهور السلف والخلف للأخبار، واستحيضت استمر بها الدم كما تقدم، وأم حبيبة هي بنت جحش أخت زينب زوج النبي ﷺ وكانت تحت عثمان ﵁.
(٢) جعله الله غذاء له، وفي التعريفات، النفاس دم يعقب الولد.
(٣) أي خروج النفس من الرئة بعد إدخاله إليها، أو من التنفس الذي هو التشقق والانصداع يقال: تنفست القوس إذا تشققت وسميت ولادة المرأة نفاسا لأنه يصحبها خروج النفس وهو الدم، ثم سمي الدم نفاسا، لأنه خارج بسبب الولادة، تسمية للمسبب باسم السبب، يقال: نفست المرأة، بضم النون لا غير إذا ولدت والمصدر النفاس بالكسر، ويقال للمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء، وضم النون أفصح من فتحها، ومن ضم فسكون، وهي بالمد على اللغات الثلاث، ومثناها نفساوان، ويقال أيضا نفست بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما إذا حاضت.
[ ١ / ٤٠٢ ]
أو من: نفس الله كربته، أي فرجها (١) (أربعون يوما) (٢) وأول مدته من الوضع (٣) وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة، بأمارة فنفاس وتقدم (٤) ويثبت حكمه بشيء فيه خلق الإنسان (٥) .
_________________
(١) ويقال نفسه بمعنى أمهله، أو نفس كربه.
(٢) من ابتداء خروج بعض الولد، حكاه أحمد عن عمر وغيره، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة لحديث أم سلمة: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما، رواه الترمذي وغيره، وأثنى عليه البخاري، ومعناه: كانت تؤمر أن تجلس إذ محال اتفاق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض، واحتج أيضا الجمهور بأحاديث في معناه، وقال الترمذي: أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي، قال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس، وقال إسحاق: هو السنة المجتمع عليها، وقال الشيخ: لا حد لأكثره ولو زاد على السبعين وانقطع، ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب.
(٣) وفاقا: وقال ابن رشد والنووي وغيرهما: لا خلاف أن الدم الذي يهراق بعد الولادة نفاس.
(٤) أي في قوله: إلا أن تراه قبل ولادتها إلخ، وقوله: أمارة، بفتح الهمزة أي علامة على الولادة كالتألم، وإلا فلا تجلسه، ولا تعتد به من الأربعين.
(٥) لا علقة أو مضغة لا تخطيط فيها فليس بنفاس، والمدة التي يتبين فيها غالبا ثلاثة أشهر، وأقله أحد وثمانون يوما، فمتى رأت دما على طلق قبلها لم تلتفت إليه، وبعدها تمسك عن الصلاة والصوم ثم إن تبين فيه خلق الإنسان رجعت فاستدركت وإلا استمر الحكم على الظاهر.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ولا حد لأقله (١) لأنه لم يرد تحديده (٢) وإن جاوز الدم الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد أو زاد وتكرر فحيض إن لم يجاوز أكثره (٣) ولا يدخل حيض واستحاضة في مدة نفاس (٤) (ومتى طهرت قبله) أي قبل انقضاء أكثره (تطهرت) أي اغتسلت (وصلت) وصامت كسائر الطاهرات (٥) .
_________________
(١) أي لا حد لأقل زمنه وفاقا، فيثبت حكمه ولو بقطرة قال أبو الطيب: وهو قول جمهور العلماء.
(٢) فرجع فيه إلى الوجود وقد وجد قليلا وكثيرا، حتى وجد من لم تر نفاسا أصلا، وحكى البخاري في تاريخه أن عائشة قالت لامرأة لم تره: أنت امرأة قد طهرك الله والنقاء زمنه طهر.
(٣) وكذا إن لم يصادف عادة، ولم يجاوز أكثر الحيض، وتكرر فحيض، كما صرح به غير واحد، وإن لم يصادف عادة حيض فهو استحاضة، إن لم يتكرر، لأنه لا يصلح حيضا ولا نفاسا، ولو هجرها الدم ثم أتاها في عادتها فهو حيض، لأنه لا حد لأكثر الطهر، وإن زاد على العادة وجاوز أكثر الحيض فاستحاضة، وقال مالك والشافعي، أكثره ستون، وتقدم أنه لا حد لأكثره، وأن المرجع في ذلك إلى الوجود.
(٤) كما لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى، فلو ولدت المستحاضة واستمر الدم أربعين يوما فإنه نفاس، لا تصوم فيه ولا تصلي.
(٥) لانقطاع دم النفاس، وروي عن أم سلمة مرفوعا، كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ذكره في المبدع.
[ ١ / ٤٠٤ ]
كالحائض إذا انقطع دمها في عادتها (١) (ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد) انقطاع الدم و(التطهير) أي الاغتسال، قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها، على حديث عثمان بن أبي العاص (٢) (فإن عاودها الدم) في الأربعين (٣) (فمشكوك فيه) كما لو لم تره ثم رأته فيها (٤) (تصوم وتصلي) أي تتعبد، لأنها واجبة في ذمتها بيقين، وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه (وتقضي الواجب) من صوم ونحوه احتياطا (٥) .
_________________
(١) تغتسل وتصلي وتصوم ونحوه.
(٢) أنها أتته قبل الأربعين، فقال: لا تقربيني، ولأنها لا تأمن عود الدم في زمن الوطء وعنه: لا أكره وطأها، ذكره الزركشي وغيره، وقال جمهور أهل العلم: لا كراهة في وطئها لأن لها حكم الطاهرات في كل شيء، وليس للكراهة دليل يعتمد عليه، وإن اتصلت به صفرة أو كدرة فنفاس، وقيل: بلا خلاف.
(٣) يعني بعد انقطاعه.
(٤) فمشكوك فيه، يعني كونه نفاسا أو فسادا، لتعارض الأمارتين فيه، وعنه: هو نفاس تدع له الصوم والصلاة، وهو قول كثير من العلماء، واختاره الموفق وغيره.
(٥) تقدم قول الشيخ: إن قولهم: تصوم وتصلي وتقضي الواجب باطل من وجوه، وأن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه، واحتاط الرجل، أخذ في أموره بالحزم، واحتاط لنفسه أخذ بالثقة، واحتاط على الشيء حافظ عليه، افتعال، وهو طلب الأحوط، والأخذ بأوثق الوجوه.
[ ١ / ٤٠٥ ]
ولوجوبه يقينا (١) ولا تقضي الصلاة كما تقدم (٢) (وهو) أي: النفاس (كالحيض (٣) فيما يحل) كالاستمتاع بما دون الفرج (٤) (و) فيما (يحرم) به كالوطء في الفرج والصوم والصلاة (٥) والطلاق بغير سؤالها على عوض (٦) (و) فيما (يجب) به كالغسل (٧) والكفارة بالوطء فيه (٨) (و) فيما (يسقط) به كوجوب الصلاة فلا تقضيها (٩) (غير العدة) فإن المفارقة في الحياة تعتد بالحيض دون النفاس (١٠) .
_________________
(١) لا يقال إنها لا تقضي الصوم قياسا على الناسية إذا صامت في الدم الزائد على غالب الحيض، لأنه يتكرر فيشق بخلاف النفاس.
(٢) يعني في قولهما: وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة إجماعا.
(٣) بلا خلاف في الجملة، لأنه حيض مجتمع، احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض، ونقل ابن جريج إجماع المسلمين عليه إلا ما استثني.
(٤) وله أن يستمتع منها كما يستمتع من الحائض.
(٥) أي النفساء كالحائض في ذلك اتفاقا.
(٦) ظاهره إن سألته بلا عوض، أو سأله غيرها لم يبح، وبذلك العوض يدل على إرادته حقيقة.
(٧) إجماعا.
(٨) قياسا على الحائض على القول بها.
(٩) إجماعا.
(١٠) لأنه ليس بقرء، ولأن العدة تنقضي بوضع الحمل.
[ ١ / ٤٠٦ ]
(و) غير (البلوغ) فيثبت بالحيض دون النفاس لحصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل (١) ولا يحتسب بمدة النفاس على المولي (٢) بخلاف مدة الحيض (٣) (وإن ولدت) امرأة (توأمين) أي ولدين في بطن واحد (٤) (فأول النفاس وآخره من أولهما) كالحمل الواحد (٥) فلو كان بينهما أربعون فأكثر فلا نفاس للثاني (٦) .
_________________
(١) لأن الحمل ينعقد من مائها، والبلوغ في الأصل الوصول، وبلغ الغلام أو الجارية: أدركا بلوغ حد التكليف، ويأتي في الحجر.
(٢) في مدة الإيلاء لأنه ليس بمعتاد.
(٣) لاعتياده، ولا يحصل بالنفاس استبراء، ولا فصل بين طلاقي السنة والبدعة.
(٤) فأكثر من ولدين، يقال: أتأمت المرأة، إذا ولدت اثنين في بطن واحد، فهي متئم، فإذا كان ذلك عادة لها فهي متآم، وهذا الولد تؤم لهذا.
(٥) وفاقا لمالك وأبي حنيفة، والوجه الثاني للشافعية، لأنه دم خرج عقب الولادة فكان نفاسا واحدا.
(٦) من التوأمين نص عليه، لأن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله، فما خرج مع الولد الثاني بعد الأربعين على القول بها دم فساد، لأنه لا يصلح حيضا ولا نفاسا، وعنه: من الثاني لأنها قبل وضعه حامل، ولا يضرب لها مدة النفاس، كما قبل الأول، ولهذا لا تنقضي العدة إلا بوضعهما، واختاره أبو المعالي وغيره، وقال: لا يختلف المذهب فيه، وقال بعض الشافعية، اتفق أئمتنا على استئناف نفاس، فإن الذي تقدمه نفاس كامل، ويستحيل أن تلد الثاني وترى الدم عقيبه ولا يكون نفاسا اهـ وللاتفاق على أن الدم المهراق بعد الولادة نفاس.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ومن صارت نفساء بتعديها بضرب بطنها أو بشرب دواء لم تقض (١) .
_________________
(١) أي الصلاة لأنه دم فساد، ولأن وجود الدم ليس معصية من جهتها وكذا حيض، كما لو كان التعدي من غيرها، وقيل: يجوز شرب دواء مباح لإلقاء نطفة، وقال الشيخ: الأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل، وقال القاضي وغيره: لا يباح شرب دواء مباح لقطع الحيض إلا بإذن الزوج كالعزل، قال في الإنصاف: وهو الصواب، وقال في الفروع: وفعل ذلك بها من غير علم يتوجه تحريمه، لإسقاط حقها مطلقا من النسل المقصود، وقال: ويتوجه في الكافور ونحوه له كقطع الحيض، قال في الإنصاف، وهو الصواب فيهما الذي لا شك فيه، وأما إسقاط الحمل فقال الشيخ: حرام باتفاق المسلمين.
[ ١ / ٤٠٨ ]