(وزوال الخبث) أي النجاسة أو حكمها بالاستجمار أو بالتيمم في الجملة على ما يأتي في بابه (١) فالطهارة ما ينشأ عن التطهير (٢) وربما أطلقت على الفعل كالوضوء والغسل (٣) المياه باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع ثلاثة (٤) .
_________________
(١) أي في باب التيمم، لقيام الاستجمار، أو التيمم مقام الماء، وعبر بالإزالة لأنه قد يكون جرما، وتزول النجاسة بنحو مغصوب، لأن إزالتها من أقسام التروك بخلاف رفع الحدث، و(في الجملة) قيد للثاني فقط، لأن التيمم لا يكون إلا عند التعذر بخلاف الأول والفرق بين قولهم: في الجملة وبالجملة، أن بالجملة يعم ذلك المذكور، وفي الجملة يكون مختصا بشيء منه لا في كل صورة.
(٢) أي: الأثر الذي ينشأ عن التطهير، لا هو نفسه، فالوضوء والغسل ليسا طهارة وإنما يترتب عليهما الطهارة وسمي الوضوء والغسل طهارة لكونه ينقي من الذنوب والآثام كما ورد في الآثار.
(٣) أي وقل إطلاقها على الفعل، وهو التطهير، كما أطلقت الطهارة على الوضوء والغسل فرب للتقليل وتأتي للتكثير، ولهما معا.
(٤) أي تعلم بالاستقراء والمياه جمع ماء، وهو جمع كثرة، وهي ما فوق العشرة لزيادة أنواع الماء عليها، وجمع الماء في القلة أمواه، وهو اسم جنس والألف واللام فيه لبيان حقيقة الجنس، لا للجنس الشامل، لأنه مستحيل فتكون للعهد الذهني والماء جوهر بسيط سيال بطبعه وبدأ بالكلام عليه، لأن الطهارة المائية هي الأصل، ولا تحصل إلا بالماء المطلق فاحتاج إلى تمييزه من غيره وقدمه لشرفه وتقسيمهم الماء إلى ثلاثة، طهور وطاهر ونجس، لكونه عندهم لا يخلو: إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو: إما أن يجوز شربه أو لا فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس، ومرادهم بالطاهر يعني غير المطهر وعليه الأكثر وعنه طهور وفاقا لمالك، ورواية عن أبي حنيفة والشافعي وطوائف من السلف، واختاره الشيخ وابن عقيل وأبو البقاء وغيرهم فإن الماء كله طهور، إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عن اسم الماء، كماء ورد، قال شيخ الإسلام: ينقسم إلى طاهر ونجس، وإثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة.
[ ١ / ٥٨ ]
أحدها (طهور) أي: مطهر قال ثعلب: طهور بفتح الطاء الطاهر في ذاته المطهر لغيره اهـ (١) قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢) (لا يرفع الحدث) غيره (٣) .
_________________
(١) وقال الجوهري: اسم لما تطهرت به، وقال النووي: طهور بفتح الطاء اسم لما يتطهر به، وبالضم اسم للفعل، هذه اللغة المشهورة التي عليها الأكثر من أهل اللغة قال: الشيخ والمفسرون وغيرهم، التحقيق أنه ليس معدولا عن طاهر، ولكنه من أسماء الآلات كوجور وسحور، وثعلب هو: أبو العباس أحمد بن يحيى ابن زيد بن سيار الشيباني مولاهم، الحنبلي، إمام اللغة المشهور قال ابن الجوزي: لا يرد القيامة أعلم بالنحو من ثعلب، مات سنة مائتين وإحدى وتسعين.
(٢) أي: من الأحداث والجنابة وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا *﴾ وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره، وقال ﵊ «اللهم طهرني بالثلج والبرد» والماء البارد، وقال: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» وقال في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وهذا قول أهل العلم قاطبة حكاه غير واحد، إلا ما ذكر عن ابن عمر في ماء البحر، التيمم أعجب إلي منه، ولكن حديث «هو الطهور ماؤه» تلقته الأمة بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار، ورواه الأئمة الكبار، وصححوه وقالوا: إنه أصل من أصول الإسلام، وقد بلغ حد التواتر، حتى قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة.
(٣) أي: غير الماء الطهور إجماعا، حكاه ابن المنذري والغزالي وغيرهما ولم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه الوضوء بغير الماء، وما روي عن عكرمة وأبي حنيفة من جوازه بالنبيذ لما روي عن ابن مسعود فلا يثبت.
[ ١ / ٥٩ ]
والحدث ليس بنجاسة، بل معنى يقوم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها (١) والطاهر ضد المحدث والنجس (٢) ولا يزيل النجس الطاري على محل طاهر فهو النجاسة الحكمية (غيره) أي غير الماء الطهور (٣) والتيمم مبيح لا رافع، وكذا الاستجمار (٤) (وهو) أي الطهور (الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليها (٥) .
_________________
(١) كالطواف ومس المصحف ومعنى يقوم بالبدن أي وصف شرعي يقوم بالأعضاء سببه الحدث نحوه.
(٢) المحدث من قام به الحدث، والنجس بالكسر: الشيء المتنجس وبالفتح عين النجاسة، محمول على الوصف بالمصدر، وهو في اللغة: المستقذر وفي الشرع: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة، كالبول والدم، والخمر فالطاهر الخالي منها.
(٣) أي لا يزيل النجس الطاري على محل طاهر كالثوب وهو النجاسة الحكمية التي يمكن تطهيرها غير الماء الطهور وأخرج بالحكمية العينية التي لا يمكن تطهيرها بحال، وهي كل عين يابسة كانت أو رطبة يمنع منها الشرع بلا ضرورة لا لأذى فيها طبعا، ولا لحق الله أو غيره شرعا، كالبول والعذرة.
(٤) أي التيمم مبيح مزيل للحكم فقط ويأتي أنه مطهر، وأن الاستجمار مطهر لحديث وجعلت تربتها لنا طهورا، وحديث إنهما يعني: الروث والعظم لا يطهران المفيد لرفع النجاسة.
(٥) وبقي عليها سواء كان من الماء النازل من السماء كالمطر وذوب الثلج والبرد، أو ماء الأنهار والعيون والآبار والبحار، ولو تصاعد ثم قطر، كبخارات الحمامات، وما يستخرج بالكنداسات ونحوها، وأو استهلك فيه يسير مستعمل أو مائع طاهر لم يغيره، بل بقي على صفته التي خلق عليها، فلم يقيد بوصف دون آخر، ولم يضف إلى اسم شيء غيره، كماء البقول والحمص والعصفر ونحو ذلك، ولو كان شريفا كماء زمزم، والخلقة الفطرة، وفطرة الشيء أول وجوده، والمراد استمراره على الصفة التي كان عليها وقت ظهوره إلينا.
[ ١ / ٦٠ ]
إما حقيقة بأن يبقى على ما وجد عليه، من برودة أو حرارة أو ملوحة ونحوها (١) أو حكما كالمتغير بمكث (٢) أو طحلب ونحوه مما يأتي ذكره (٣) (فإن تغير بغير ممازج) أي مخالط (كقطع كافور) (٤) وعود قماري (٥) .
_________________
(١) كعذوبة أو بياض وغير ذلك.
(٢) أي أو كان باقيا على صفته في الحكم، بأن جعل كالأول في الحكم ولم يلتفت إلى التغير بالمكث بتثليث الميم، أي بسب طول اللبث، مصدر مكث بفتح الكاف وضمها.
(٣) في قوله: من نابت فيه وورق شجر وطحلب بضم اللام وفتحها وهو الأخضر الذي يخرج من أسفل الماء حتى يعلوه، ويقال له العرمض وثور الماء.
(٤) طيب معروف يستخرج من شجر كبار من جبال بحر الهند والصين وغيرهما، أبيض شفاف قليل الذوبان في الماء، ومفهومه أنه إذا سحق ووقع في الماء أنه يسلبه الطهورية، لتغيره تغير ممازجة ومخالطة لتحلل أجزائه فيه.
(٥) صفة لعود. بفتح القاف، نسبة إلى قامر بلدة بالهند، شجره يشبه شجر الخوخ تأكل منه الأرض رديئة إذا وقفت التغذية عنه، ويحتقن بمادة دهنية عطرية، فيضوع منه رائحة ذكية، وفي الصحيح «عليكم بالعود الهندي»، وقال ابن القيم: العود نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية، وهو الكست ويقال له القسط، والثاني يستعمل في الطيب ويقال له الألوة وهو أنواع: أجودها الهندي، ثم الصيني ثم القماري، ثم المندلي، وقيل هو أجوده وأجوده الأسود ثم الأزرق الصلب الرزين الدسم، وأقله جودة ما خف وطفى على الماء.
[ ١ / ٦١ ]
(أو دهن) طاهر على اختلاف أنواعه (١) قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران (٢) والزفت والشمع (٣) لأن فيه دهنية يتغير بها الماء (٤) .
_________________
(١) سواء دهن الحيوانات أو الأشجار كزيت وشيرج وسمسم.
(٢) بفتح القاف وكسر الطاء، عصارة الأبهل والأرز ونحوهما، يطبخ فيتحلل منه، والمراد به ما لا يمازج، وأما الذي يمازج فيسلبه الطهورية، وأما المتغير بمحل تطهير، كزعفران وعجين على عضو طاهر تغير به الماء وقت غسله، فلا يمنع حصول الطهارة به، والمراد بالشرح هو الشرح الكبير المشهور على المقنع، للإمام أبي الفرج شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن أحمد بن قدامة، المقدسي ثم الصالحي سمع من أبيه وعمه الموفق، وقرأ عليه المقنع، وشرحه في عشر مجلدات مستمدا من المغني انتهت إليه رئاسة المذهب، بل العلم في عصره، أخذ عنه جماعة منهم شيخ الإسلام، توفي سنة ستمائة واثنتين وثمانين.
(٣) الزفت بكسر الزاي القار، والمزفت المطلي به، والشمع هو الذي يستصبح به، أوموم العسل.
(٤) لا عن ممازجة بل عن مجاورة فيكره للاختلاف في سلبه الطهورية وذكر غير واحد استحباب الخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد، لكن إذا كان الخلاف مخالفا سنة صحيحة فلاحرمة له، ولا يستحب الخروج منه لأن صاحبه لم تبلغه وإن بلغته وخالفها فمحجوج بها.
[ ١ / ٦٢ ]
(أو بملح مائي) (١) لا معدني فيسلبه الطهورية (٢) (أو سخن بنجس كره) مطلقا (٣) إن لم يحتج إليه (٤) سواء ظن وصولها إليه، أو كان الحائل حصينا أو لا، ولو بعد أن يبرد (٥) .
_________________
(١) كره وهو الماء الذي يرسل على السباخ، فيصير ملحا، أضيف إليه لأنه منعقد من الماء، فلا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وقيل كالملح البحري، لأن أصله لماء، واختاره الشيخ وحكم التراب إذا تغير به الماء كالملح البحري، لكن إن ثخن الماء بوضع التراب فيه بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به.
(٢) يعني إن تغير به، والمعدني نسبة إلى المعدن، كالجبلي، فإنه يضر التغير الكثير به، إن لم يكن بمقر الماء، أو ممره، وقال شيخ الإسلام: منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره، وبين الملح المائي والجبلي، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل لا من نص ولا قياس ولا إجماع وصوب النووي جواز الطهارة بالماء الذي ينعقد منه ملح ما دام جاريا.
(٣) صوبه في الإنصاف، للاختلاف في طهوريته ومذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين لا كراهة فيه، والمكروه ضد المحبوب، وهو ما يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله، والإطلاق لا يكون إلا في مقابلة تقييد سابق، أو لاحق ومعناه هنا ما ذكره المصنف بقوله: سواء ظن وصولها إليه إلخ.
(٤) أي حاجة غير شديدة، بأن كان عنده غيره، إلا أن في استعماله رفقا به، فتزول الكراهة قال الشيخ: فإن احتيج إليه زالت الكراهة، وكذا المشمس، قال: وليس بنجس باتفاق الأئمة، إذا لم يحصل له ما ينجسه.
(٥) أي المسخن بنجس، فإن علم وصول النجاسة إليه، وكان يسيرا، فنجس على ما سيأتي.
[ ١ / ٦٣ ]
لأنه لا يسلم غالبا من وصول أجزاء لطيفة إليه (١) وكذا ما سخن بمغصوب (٢) وماء بئر بمقبرة (٣) وبقلها وشوكها (٤) واستعمال ماء زمزم في إزالة خبث (٥) لا وضوء ولا غسل (٦) .
_________________
(١) أو لكون استعمال النجاسة مكروها،، أن السخونة حصلت بفعل مكروه وما لم يعلم وصول شيء من أجزاء النجاسة إليه فطهوريته باقية بلا خلاف.
(٢) فيكره لاستعمال المغصوب فيه.
(٣) بتثليث الباء مع فتح الميم، وبكسر الباء مع كسر الميم، وظاهره في أكل وشرب وطهارة وغيرها، فيكره نص عليه ويكره أيضا ماء بئر حفرها غصب أو أجرتها غصب وكذا ما ظنت نجاسته، وماء بئر ذروان التي ألقي فيها سحر النبي ﷺ وماء بئر برهوت التي بحضرموت قال ابن الأثير: تجتمع فيها أرواح الفجار، ولا يباح غير بئر الناقة من آبار ديار ثمود، لأمره ﵊ أن يهريقوا ما استقوا من آبارها، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، متفق عليه، وبئر الناقة هي البئر الكبيرة التي تردها الحاج اليوم، استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن، وهي طوية محكمة البناء، واسعة الأرجاء، ولا يحكم بنجاسة غيرها من تلك الآبار لأن الشارع لم يتعرض لنجاستها.
(٤) فيكره لكونها عندهم مظنة النجاسة والبقل ما نبت في بزره وقيل البقل ما ينبت الربيع من العشب، والشوك مصدر، وهو ما يخرج من النبات ما يدق ويصلب منه، شبيها بالإبر معروف الواحدة شوكة.
(٥) يكره تكريما له، وقال ﵊: إنها طعام طعم وشفاء سقم.
(٦) أي فلا يكره وهو قول جمهور العلماء لقول علي: ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء فشرب منه وتوضأ رواه عبد الله ابن الإمام أحمد بإسناد صحيح، وللنصوص الصحيحة الصريحة المطلقة في المياه بلا فرق ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار، وما يقال عن العباس من النهي عن الاغتسال به فغير صحيح قاله النووي وغيره، وعن أحمد يكره الغسل وحده اختاره الشيخ، وعلل بأنه يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، ولهذا يعم البدن ولأن حدثها أغلظ، وظاهر كلامهم لا يكره الغسل ولا الوضوء بما جرى على الكعبة.
[ ١ / ٦٤ ]