(وإن تغير بمكثه) أي بطول إقامته في مقره (١) وهو الآجن لم يكره (٢) لأنه ﵊ توضأ بماء آجن (٣) وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم (٤) .
_________________
(١) من أرض أو آنية من أدم أو نحاس، أو غيرها لمشقة الاحتراز منه.
(٢) حيث إن تغيره من غير مخالطة شيء يغيره فهو باق على طهوريته.
(٣) أي متغير رواه البيهقي. والآجن الدائم الذي لا يجري، ولأنه توضأ من بئر كأن ماءها نقاعة الحناء.
(٤) أي حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم أن الوضوء بالماء الآجن المتغير بمكثه من غير نجاسة حلت فيه جائز، وحكاه الشيخ وغيره، وقال الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم فإنها لا تجتمع على ضلالة، والإجماع هو الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة، ويجب تقديمه على ما يظن من معاني الكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يكون منصوصا، قال وعامة التنازعات إنما هي في أمور مستحبات لا في واجبات ومحرمات اهـ. والإجماع في اللغة الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا، إذا اتفقت عليه ويطلق بإزاء تصميم العزم، وفي الشرع، اتفاق مجتهدي عصر من الأعصار من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين وابن المنذر هو محمد بن إبراهيم الحافظ أبو بكر النيسابوري صاحب التصانيف المفيدة التي يحتاج إليها كل الطوائف توفي سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين قال النووي لا شك في إتقانه، وتحقيقه، وكثرة اطلاعه على السنة ومعرفته بالدلائل الصحيحة وعدم تعصبه.
[ ١ / ٦٥ ]
سوى ابن سيرين (١) (أو بما) أي بطاهر (يشق صون الماء عنه من نابت فيه (٢) وورق شجر) وسمك (٣) وما تلقيه الريح أو السيول من تبن ونحوه (٤) فإن وضع قصدا (٥) وتغير به الماء ممازجة سلبه الطهورية (٦) .
_________________
(١) فإن كره ذلك، ولا يفعل ﷺ ما يكره فعله، ولا يقال ذلك فيه، فلعله ﵀ خفي عليه، وابن سيرين اسمه محمد ابن أبي عمرة وسيرين أبوه نسب إليه وهو مولى لأنس بن مالك، ثقة مشهور زاهد ورع توفي بالبصرة سنة مائة وعشر.
(٢) أي: في الماء، وكذا ما يجري عليه الماء من الكبريت والقار ونحوه، فلا يكره لأجل تغيره بذلك.
(٣) ونحوه، وجراد ونحوه، مما لا نفس له سائلة، فلا يكره واحترز بالورق من الثمار الساقطة فيه، سواء كانت رطبة أو يابسة.
(٤) أي: وإن تغير بما يشق صون الماء عنه مما تلقيه الريح، أو السيول، من تبن ونحوه كحشيش وعيدان، وطحلب ونحو ذلك، فلا يكره، لعدم إمكان التحرز منه.
(٥) بأن كان الواضع مميزًا عاقلًا، لأن من دون التمييز لا عبرة به، وإن لم يكن الطحلب وورق الشجر ونحوهما الموضوعان قصدا متفتتين ولم يتحلل منهما شيء، فهما قياس قطع الكافور.
(٦) أي فإن كان المطروح فيه من جنس قرار الماء، كالتراب والملح، لم يسلبه الطهورية قال الشيخ: ومذهب أبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه أنه لا فرق بين التغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق صون الماء عنه وما لا يشق، فما دام يسمى ماء، ولم يغلب عليه أجزاء غيره، كان طهورا قال: وهو الصواب قال في الفروع: واختار الشيخ وغيره أن تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين أصلي وطارئ يمكن الاحتراز منه.
[ ١ / ٦٦ ]
(أو) تغير (بمجاورة ميتة) أي بريح ميتة إلى جانبه، فلا يكره، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه (١) (أو سخن بالشمس (٢) أو بطاهر) مباح ولم يشتد حره (لم يكره) (٣) .
_________________
(١) وقاله الشارح والنووي وغيرهما، لأنه تغير مجاورة، كإن كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير ومنه لو سد فم الإناء بشجر أو نحوه فتغير منه الماء من غير مخالطة لشيء منه وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والممازج بما لا يمكن فصله، وإن كان مما يسمى مخالطة عند الإطلاق مجاورة في الحقيقة، فالنظر إلى تصرف اللسان، فإن أرباب اللسان قسموا التغير إلى مجاورة ومخالطة، والمبدع شرح المقنع تأليف العلامة إبراهيم ابن محمد الأكمل، بن عبد الله بن محمد بن مفلح، المقدسي الصالحي، أربع مجلدات ممزوج الأصل وله «مرقاة الوصول»، والمقصد الأرشد، وغيرها توفي سنة ثمانمائة وأربع وثمانين.
(٢) لم يكره وفاقا، وما روي أنه قال لعائشة وقد سخنت ماء في الشمس «لا تفعلي فإنه يورث البرص» فقال النووي: ضعيف باتفاق المحدثين ومنهم من يجعله موضوعا وأجمع أهل الطب أنه لا أثر له في البرص.
(٣) قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا إلا عن مجاهد، وقول الجمهور أولى، لخبر رواه الطبراني، والمراد بالمباح غير المغصوب، كحطب ونحوه، وإلا فيكره لاستعمال المغصوب فيه.
[ ١ / ٦٧ ]
لأن الصحابة دخلوا الحمام، ورخصوا فيه، ذكره في المبدع (١) ومن كره الحمام فعلة الكراهة خوف مشاهدة العورة (٢) أو قصد التنعم بدخوله (٣) لا كون الماء مسخنا (٤) فإن اشتد حره أو برده كره، لمنعه كمال الطهارة (٥) (وإن استعمل) قليل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة) أو عيد ونحوه (٦) .
_________________
(١) أي ذكر صاحب المبدع أنهم دخلوه، ورخصوا في دخوله، وذكره عنهم غير واحد قال شيخ الإسلام: وإنما صح فيه عن الصحابة ﵃ قال ابن القيم وغيره، إذا اشتهر قول الصحابي، ولم يخالفه صحابي آخر، فالجماهير على أنه إجماع وحجة، وإن لم يشتهر أو لم يعلم أنه اشتهر أم لا فجمهور الأمة على أنه حجة اهـ. والحمام هو المغتسل المعروف وجمعه حمامات ويأتي.
(٢) هي السوأة وكلما يستحي منه، للنهي عن النظر إليها، وتقدم أن العلة في اللغة المرض الشاغل، قال في المصباح: أعله جعله ذا علة، ومنه إعلالات الفقهاء واعتلالاتهم.
(٣) ففي الأثر «إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» .
(٤) أي ليست علة الكراهة كون الماء مسخنا فإن تسخينه لا يؤثر في كراهته قال في المبدع: هذا إجماع منهم على أن سخونة الماء لا توجب كراهته.
(٥) بسبب شدة الحرارة أو البرودة قال النووي: وذلك متفق عليه عندنا ودليل الكراهة أنه يتعرض للضرر، ولأنه لا يمكنه استيفاء الطهارة به على وجهها اهـ وذلك إذا لم يحتج إليه، وذكر ابن القيم وغيره أن الوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية.
(٦) كبقية الأغسال المستحبة كره، وكذا إن استعمل في غسل كافر كره للاختلاف فيه، والفرق بين الغسل الواجب والمستحب أن ما شرع بسبب ماض كان واجبا، كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس، وما شرع لمعنى مستقبل كان مستحبا كأغسال الحج والجمعة والعيدين.
[ ١ / ٦٨ ]