لأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدا (١) وأما من ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه (٢) أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها وتيمم وصلى فلا إعادة عليه (٣) لأنه حال تيمم لم يكن واجدا للماء (٤) (وإن نوى بتيممه أحداثا) متنوعة توجب وضوءا أو غسلا أجزأه عن الجميع (٥) .
_________________
(١) ولأن شرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولأن الطهارة تجب مع العلم والذكر، فلا تسقط بالنسيان والجهل، وعنه: لا إعادة عليه وفاقا لأبي حنيفة وأحد القولين لمالك والشافعي، لقوله عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما في معناه من الكتاب والسنة، ولأنه مع النسيان غير قادر أشبه العادم، ومثله الجاهل وأولى، وصحح في المغني والشرح أنه لا إعادة، لأنه ليس بواجد وغير مفرط، وقال النووي، وغيره: إن كان في رحله ونسيه فالصحيح أنه لا يعيد، وفاقا لأبي حنيفة، ورواية عن مالك، لحديث إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، ولأنه صلى على الوجه الذي يلزمه ذلك الوقت، فلم تلزمه الإعادة، ولأن النسيان عذر حال بينه وبين الماء وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ولأنه صلى ولم يعلم معه ماء، فلم تلزمه الإعادة.
(٢) أي طلب رحله فلم يجده فتيمم أجزأه.
(٣) في ثلاث صور: ضل عن موضع بئر كان يعرفها، أو أعلامها خفية، ولم يكن يعرفها، أو كانت خفية وكان عارفا بها وضل عنها، فيجزئه التيمم في الثلاث بلا إعادة.
(٤) فدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولأنه غير مفرط، والله تعالى لم يوجب على العبد الصلاة مرتين، إلا إذا حصل منه إخلال بواجب، أو فعل محرم، ولم يأمر أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها.
(٥) أي نوى ما تسبب عنه وجوبهما، أو أحدهما أجزأه التيمم عنهما لأن كل واحد يدخل في العموم فيكون منويا.
[ ١ / ٣١٦ ]
وكذا لو نوى أحدها أو نوى بتيممه الحدثين (١) ولا يكفي أحدهما عن الآخر (٢) (أو) نوى بتيممه (نجاسة على بدنه تضره إزالتها (٣) أو عدم ما يزيلها) به (٤) .
_________________
(١) أي نوى بتيممه أحد أسباب الحدث أجزأه أو نوى بتيممه الحدث الأصغر والأكبر أجزأ عنهما، والحاصل أنه لو نوى أحد أسباب الحدثين بتيممه، أو الحدث الأكبر والأصغر أجزأ كأن يوجد منه نوم وخروج خارج، فينوي بتيممه النوم مثلا لا بشرط عدم نية غيره أجزأ عن خروج الخارج، وهكذا، وقال الموفق وغيره: يجوز التيمم للحدث الأصغر إذا وجدت الشروط بغير خلاف، وللجنابة، إلا ما روي عن عمر وابن مسعود، لما تقدم من الأخبار.
(٢) أي الأكبر عن الأصغر وعكسه وفاقا لمالك، وعنه: يجزئ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ومقتضى القواعد الشرعية، وقال الشيخ: يجزئه عند جمهور العلماء.
(٣) أو يضره الماء الذي يزيلها به، فإذا عجز سقط وجوب إزالتها.
(٤) من ماء أو غيره أجزأه التيمم، وعنه لا يتيمم لها لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه، واختاره ابن حامد وابن عقيل وغيرهما. والشيخ وقال: هو قول جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأبي حنيفة لأن التيمم إنما جاء في طهارة الحدث، دون طهارة الخبث، وهذا أصح، لأنه لو شرع التيمم لذلك لشرع للمستحاضة ونحوها، وعمر صلى وجرحه يثعب بل إذا عجز عن إزالة النجاسة سقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم، وأما التميم للنجاسة على الثوب فلا نعلم به قائلا من العلماء، بل كلهم متفقون على أن النجاسة في الثوب والأرض لا يتيمم لها اهـ، وقال غير واحد: لا يصح تيممه عن نجاسة على بدنه، عند جمهور العلماء، إلا أحمد في قول لم يتابع عليه.
[ ١ / ٣١٧ ]
(أو خاف بردا) (١) ولو حضرا مع عدم ما يسخن به الماء بعد تخفيفها ما أمكن وجوبا، أجزأه التيمم لها (٢) لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٣) (أو حبس في مصر) فلم يصل الماء (٤) .
_________________
(١) تيمم وصلى ولا إعادة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وابن المنذر وغيرهم لقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ولحديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا، لفظ أحمد، وأخرجه أهل السنن والبخاري تعليقا، ولم يعد، قال الشيخ: وهذا هو الصحيح لأنه فعل ما قدر عليه فلا إعادة عليه والنبي ﷺ لم يأمره بالإعادة وقال ابن القيم: وألحقت الأمة من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل.
(٢) أي لكل حدث وغيره مما مر، بعد تخفيف النجاسة عن بدنه مهما أمكن، بمسح رطبة وحك يابس، إذا خشي برد الماء وجوبا، لأنه قادر على إزالتها في الجملة قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإن أمكنه تسخينه والاغتسال به لزمه ذلك فإن خاف الضرر باستعمال البعض غسل ما لا يتضرر به وتيمم للباقي، ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريط ولا عدوان.
(٣) متفق عليه، وهذا من خصائصه ﷺ التي اختص بها دون سائر الأنبياء.
(٤) فتيمم أجزأه.
[ ١ / ٣١٨ ]
أو حبس عنه الماء (فتيمم) أجزأه (١) .
(أو عدم الماء والتراب) كمن حبس بمحل لا ماء به ولا تراب (٢) وكذا من به قروح لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب (٣) .
(صلى) الفرض فقط على حسب حاله (٤) .
(ولم يعد) لأنه أتى بماء أمر به فخرج عن عهدته (٥) .
_________________
(١) أي حبس عنه بوضعه في مكان لا يصل إليه الماء، أو قطع العدو النهر عن أهل بلد ونحو ذلك فتيمم أجزأه لأنه غير قادر على الماء.
(٢) زاد بعضهم، ولا طينا يجففه إن أمكنه، صلى على حسب حاله ولم يعد، وكل من صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه، وهو مذهب مالك، ورواية عن أبي حنيفة والشافعي.
(٣) أو جراحات ونحوها، وكذا مريض عجز عن الماء والتراب، وعمن يطهره بأحدهما، وإن وجد ثلجا وتعذر تذويبه مسح أعضاء وضوئه في المنصوص، ولا إعادة عليه، ولو لم يجر معه.
(٤) أي على قدر طاقته وجوبا قال الشيخ: مقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها اهـ.
(٥) بالضم أي دركه لقوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم) ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة، وفي الصحيحين عن عائشة في قصة القلادة، فبعث ﷺ رجالا في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء ولم يأمرهم بالإعادة، وهذا مذهب جمهور السلف وعامة الفقهاء، قال الشيخ: وهذا الصحيح من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب استطاعته وقال النووي: وهذا الأقوى دليلا أما وجوبها فلقوله (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه.
[ ١ / ٣١٩ ]