ولأنه وقت ينام الناس فيه غالبا (١) ويكره في غير أذان الفجر (٢) وبين الأذان والإقامة (٣) (وهي) أي الإقامة (إحدى عشرة) جملة بلا تثنية (٤) .
_________________
(١) فسن تنبيههم بقول (الصلاة خير من النوم) .
(٢) لقول بلال: ونهاني أن أثوب في العشاء، رواه أحمد وغيره، وهو مذهب جمهور العلماء، وعمل المسلمين عليه، والعمدة ما في الصحيحين من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(٣) لقول عمر لأبي محذورة: ويحك أمجنون؟ أما كان في دعائك الذي دعوتنا وكذا بالنداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، ومثل أن يقول: الصلاة أو الإقامة، قال الشيخ: هذا إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول، وإلا فلا ينبغي أن يكره، فإن تأخر الإمام أو أماثل الجيران فلا بأس أن يمضي إليه منبه يقول قد حضرت الصلاة ويكره قوله قبل الأذان (وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية، وكذا إن وصله بعده بذكر، لأنه محدث وكذلك قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك، وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد والدعاء مما يفعله بعض المؤذنين، يرفعون أصواتهم به ليس مسنونا عند أحد من العلماء، بل من البدع المكروهة.
(٤) أي الإقامة المختارة لا تكرر ألفاظها مرتين مرتين، بخلاف الأذان لحديث عبد الله بن زيد وكان بلال يؤذن بذلك، ويقيم حضرا وسفرا، وعليه عمر أهل المدينة، وفي الصحيحين: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، قال الترمذي: وهو قول بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال البغوي: هو قول أكثر العلماء، وعن ابن عمر: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة وغيره، وشفع الأذان وإيتار الإقامة قد بلغ حد التواتر في الجملة، ولا يخفى أن كلمة التوحيد في آخر الأذان مفردة بالاتفاق، فهو خارج عن الحكم بشفع الأذان، والحكمة في تكرير الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير، كما شرع فيه رفع الصوت والمحل، بخلاف الإقامة فإنها لإعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى تكرار ألفاظها، وقوله: بلا تثنية يعني في الجملة وإلا فهو يثني قوله: قد قامت الصلاة، وقال غير واحد: الثانية منهما تأكيد للأولى.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وتباح تثنيتها (١) (يحدرها) أي يسرع فيها (٢) ويقف عند كل جملة كالأذان (٣) .
_________________
(١) لأنه فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة، وعن أبي محذورة أنه ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة صححه الترمذي، قال الشيخ: فسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن واتبع السنة وبأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام، ومن قال: إن إفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ، فقد أمر رسول الله ﷺ بلالا بإفراد الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، والضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبي ﷺ وأما اختيار أحدهما فمن مسائل الاجتهاد.
(٢) بلا نزاع وأصل الحدر في الشيء الإسراع، قال الجوهري وغيره: حدر في أذانه يحدر حدرا إذا أسرع، وقد روى الترمذي عن بلال وإذا أقمت فاحدر ولأبي عبيدة عن عمر نحوه، ولأن الإقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة فيها إلى الترسل.
(٣) أي كما يقف عند كل جملة منه، وتقدم قول النخعي: شيئان مجزومان، الأذان والإقامة.
[ ١ / ٤٤٤ ]
(ويقيم من أذن) استحبابا (١) فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة (٢) فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، قاله في المبدع (٣) (في مكانه) أي يسن أن يقيم في مكانه أذانه (إن سهل) (٤) لأنه أبلغ في الإعلام (٥) فإن شق كأن أذن في منارة أو مكان بعيد عن المسجد أقام في المسجد لئلا يفوته بعض الصلاة (٦) .
_________________
(١) لقوله من أذن فهو يقيم رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال: وفيه ضعف، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، ولا يؤذن غير الراتب إلا بإذنه إلا إن خيف فوت وقت التأذين، كما أذن زياد حين غاب بلال فأما مع حضوره فلا يجوز فإن مؤذني رسول الله ﷺ لم يكن أحد ليسبقهم بالأذان كالإمام وجزم بتحريمه أبو المعالي، لأن الأذان منوط بنظر المؤذن.
(٢) يعني لكان أولى، فروى عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة، فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام، رواه الأثرم وغيره، قال في الإنصاف: ومتى جاء وقد أذن قبله استحب أن يعيده.
(٣) أي فإن أقام المؤذن من غير إعادة الأذان، لحديث عبد الله بن زيد لما أذن بلال قال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال: فأقم أنت فلا فرق بينه وبين غيره قال الوزير: واتفقوا في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز.
(٤) أي يقيم الصلاة في الموضع الذي يؤذن فيه إن لم يشق عليه قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء.
(٥) أي إعلام المصلين بالقيام إلى الصلاة.
(٦) وقال في النصيحة، السنة أن يؤذن بالمنارة، ويقيم أسفل، قال في الإنصاف: وهو الصواب، والعمل عليه في جميع الأمصار والأعصار.
[ ١ / ٤٤٥ ]