(والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض) فتجلسهما (١) لا بعد العادة ولو تكررتا (٢) لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا)، رواه أبو داود (٣) .
_________________
(١) الصفرة شيء كالصديد يعلوه صفرة، والكدرة كلون الماء الوسخ الكدر، وليسا على لون من ألوان الدماء، فإذا رأتهما في زمن العادة فحيض، تجلسهما وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وغيرهم، قال ابن رشد: لا خلاف أن الصفرة والكدرة حيض، ما لم تر ذلك عقيب طهرها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهو يتناولهما ولأن النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، يعني الطهر، والدرجة قطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا؟
(٢) أي ليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضا ولو تكررتا، فلا تجلسه واختاره الشيخ وغيره، وروي أحمد وأبو داود وغيرهما: في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر؟ قال: إنما هو عرق أو إنما هو عروق، قال البغوي: وهو قول أكثر الفقهاء.
(٣) واللفظ له: والبخاري ولم يذكر بعد الطهر، وله حكم الرفع عند أهل الحديث وغيرهم، فيكون تقريرا منه ﷺ فما ليس بدم غليظ أسود يعرف فلا يعد حيضها بعد الطهر، ومفهومه أن الصفرة والكدرة قبل الطهر حيض، وهو إجماع، كما تقدم والطهر انقطاع الدم، فالذي يأتي الحائض عقب انقطاع الحيض هو الطهر الصحيح وماتراه الحائض من النشاف في أيام الحيض طهر، وإن لم تر معه بياضا، فعليها أن تغتسل وتصلي، والحاصل أن الطهر بجفوف أو قصة، فإن كانت ممن ترى القصة البيضاء اغتسلت حين تراها، وقال: مالك: هو أمر معلوم عندهن، وإن كانت ممن لا تراها، فحين ترى الجفوف تغتسل وتصلي، والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة ليس عليها شيء من الدم ولا من الصفرة ولا من الكدرة، لأن فرج المرأة لا يخلو من الرطوبة غالبا، والقصة بفتح القاف ماء أبيض يتبع الحيض، يشبه ماء الحص شبهت الرطوبة النقية لبياضها بالجص، وقال بعضهم: يشبه ماء العجين، وقيل يشبه المني، ويحتمل أنه يختلف باعتبار النساء وأسنانهن، وباختلاف الفصول والبلدان والطباع، وغالب ما يذكره النساء شبه المني، وقال بعض السلف: لا يلزم المرأة أن تتفقد طهرها بالليل، ولا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح كما قالته عائشة وغيرها: وإنما يلزمها ذلك إذا أرادت النوم، أو قامت لصلاة الصبح، وعليهن أن ينظرن في أوقات الصلوات، وليس تفقد طهراها بالليل من عمل الناس، وقال ابن رشد: كان القياس يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر، إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت، فسقط ذلك عنها من ناحية المشقة، فإن استيقظت بعد الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من الليل حملت تلك الصلاة على ما فات عليه، ولم يجب عليها صلاة الليل حتى توقن أنها طهرت قبل الفجر، وأم عطية هي نسيبة بنت الحارث الأنصارية، غزت مع النبي ﷺ سبع غزوات.
[ ١ / ٣٩٦ ]
(ومن رأت يوما) أو أقل أو أكثر (دما ويوما) أو أقل أو أكثر (نقاء (١) فالدم حيض) حيث بلغ مجموعه أقل الحيض (٢) .
_________________
(١) متخللا لتلك الدماء، لا يبلغ أقل الطهر، والنقاء بالفتح والمد مصدر نقي كتعب بمعنى، نظف.
(٢) ويسمى التلفيق، أي ضم الدماء بعضها إلى بعض، وجعلها حيضة واحدة إن تخللها طهر، وصلح زمانه، كما لو لم يفصل بينهما طهر، قال ابن رشد: لا تخلو الأيام إما أن تكون أيام حيض، أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم إذا كان قد تخللها طهر.
[ ١ / ٣٩٧ ]
(والنقاء طهر) تغتسل فيه وتصوم وتصلي (١) ويكره وطؤها فيه (٢) (ما لم يعبر) أي يجاوز مجموعهما (أكثره) أي أكثر الحيض (٣) فيكون استحاضة (٤) .
(والمستحاضة ونحوها) ممن به سلس البول أو مذي أو ريح أو جرح لا يرقأ دمه (٥) أو رعاف دائم (٦) .
_________________
(١) لأنه طهر حقيقة، واختاره الشيخ وغيره وفاقا لمالك، وتقدم قول ابن عباس: أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل.
(٢) قدمه في الرعاية، وعنه يجوز، وهو قول أكثر الفقهاء.
(٣) كأن ترى يوما دما ويوما نقاء إلى ثمانية عشر مثلا.
(٤) فترد إلى عادتها إن علمتها، وإلا فبالتمييز، وإلا فمتحيرة على ما تقدم، لا إن كانت مبتدأة فلها حكم المبتدأة.
(٥) أي لا يسكن، وهو مهموز، يقال: رقأ الدم رقوءا سكن، والسلس بفتح اللام، وهو الذي لا يمكنه إمساكه وكذا من به استطلاق بطن، وذكر ابن الصلاح وغيره أن ما ذكر مع الاستحاضة فهو بفتح اللام، وهو عبارة عن المصدر، وما ذكر مع المستحاضة، فهو بكسر اللام وهو الشخص الذي يكون به ذلك.
(٦) الرعاف هو الدم الذي يسبق من الأنف، على وزن البزاق، سمي به لسبقه إلى الأنف، وكل سابق راعف، وفعله رعف بفتح العين، وهو فصحاها، وبضمها وحكي كسرها، وهو يطلق على خروج الدم من الأنف، وعلى الدم نفسه والمراد أن نحو المستحاضة في الجملة من حدثه دائم، قياسا عليها، لتساويهم معنى وهو عدم القدرة على التحرز، فوجب تساويهما حكما، قال في الإنصاف: بلا نزاع، فحكمه غسل محل الملوث بالحدث، لإزالته عنه والوضوء مع القدرة، لا غسل ثوبه ونحوه لكل فرض، وإلا فالتيمم وعمر صلى وجرحه يثعب، وكان زيد بن ثابت إذا غلبه يصلي ولا يبالي ما أصاب ثوبه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
(تغسل فرجها) لإزالة ما عليه من الخبث (١) (وتعصبه) عصبا يمنع الخارج حسب الإمكان (٢) فإن لم يمكن عصبه كالباسور صلى على حسب حاله (٣) ولا يلزم إعادتهما لكل صلاة ما لم يفرط (٤) .
_________________
(١) وتحتشي بقطن أو ما يقوم مقامه، ليمنع خروج الخارج.
(٢) ويكون ما تعصبه به شيئا طاهرا، كأن تجعل خرقة كالتبان تتلجم بها، وتوثق طرفيها في شيء آخر شدتها على وسطها، لقوله ﵊ أنعت لك الكرسف تحشين به المكان، قالت: إنه أكثر من نذلك، قال تلجمي فإن غلب الدم وقطر لم تبطل طهارتها، ولا يلزمها إذا إعادة الشد، وإن قصرت فخرج وجب التجديد بلا خلاف، حكاه إمام الحرمين وغيره، وذلك ما لم تتأذ بالشد ويحرقها اجتماع الدم فلا، لما فيه من الضرر.
(٣) لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والباسور ورم تدفعه الطبيعة بإذن الله إلى كل موضع من البدن يقبل الرطوبة من المقعدة والأنثيين والأشفار وداخل الأنف والشفة جمعه بواسير، وقيل: عجمي وكذا الناسور.
(٤) أي لا يلزم إعادة الغسل والعصب عند فعل كل صلاة، لأن الحدث مع غلبته لا يمكنه التحرز منه، وفي الصحيح أن إحدى أزواج النبي ﷺ اعتكفت معه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي، وكذا حكم الجرح الذي لا يمكن شده، فإن فرط أعادهما.
[ ١ / ٣٩٩ ]
(وتتوضأ لـ) دخول (وقت كل صلاة) إن خرج شيء (١) (وتصلي) ما دام الوقت (فروضا ونوافل) (٢) فإن لم يخرج شيء لم يجب الوضوء (٣) وإن اعتيد انقطاعه زمنا زمنا يتسع للوضوء والصلاة تعين (٤) لأنه أمكن الإتيان بها كاملة (٥) .
_________________
(١) بعد الوضوء لقوله: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، وفي لفظ لوقت كل صلاة صححه الترمذي، وكذا حكم من حدثه دائم، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وجمهور أهل العلم، ولما تقدم من الأدلة على وجوب الطهارة من الخارج من السبيلين، واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة إلا أن يؤذيه البرد.
(٢) لبقاء وضوئها إلى خروج الوقت، وكالمتيميم وأولى.
(٣) قد يقال: إنه مخالف لمقتضى ما تقدم من قوله: وتتعين نية الاستباحة لمن حدثه دائم لفرضه، وقولهم في شروط الوضوء، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه، فإن قضيته أن يتوضأ لوقت كل صلاة دائما، ويجاب بأن ما تقدم مخصوص بما إذا لم يمكنه تعصيب المحل، كمن به باسور ونحوه، وهنا فيما إذا أمكنه ولم يخرج شيء.
(٤) يعني زمن انقطاع دم الاستحاضة ونحوه.
(٥) يعني الإتيان بالعبادة كاملة، على وجه لا عذر معه ولا ضرورة فتعين، كمن لا عذر له، وإن وجد قبل الدخول في الصلاة لم يجز الشروع فيها، وإن عرض هنا الانقطاع لمن عادته الاتصال بطل وضوءه، وعنه لا عبرة بانقطاعه اختاره المجد وصاحب الفائق وجماعة، وقالوا: ولو كثر الانقطاع، واختلف بتقدم وتأخر، وقلة وكثرة، ووجد مرة وعدم أخرى، قال ابن تميم: وهو أصح.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ومن يلحقه السلس قائما صلى قاعدا (١) أو راكعا أو ساجدا يركع ويسجد (٢) (ولا توطأ) المستحاضة (إلا مع خوف العنت) منه أو منها (٣) ولا كفارة فيه (٤) (ويستحب غسلها) أي غسل المستحاضة (لكل صلاة) (٥) .
_________________
(١) وكذا من تمتنع قراءته قائما.
(٢) نص عليه فيمن يلحقه السلس راكعا أو ساجدا، كالمكان النجس، ولا يكفيه الإيماء لأنه لا نظير له في حالة الاختيار.
(٣) لقول عائشة في المستحاضة، لا يغشاها زوجها، فإن خافه أو خافته أبيح، وكذا إن كان به شبق، وعنه يباح وطؤها مطلقا وفاقا، وهو قول أكثر الفقهاء لأن حمنة تستحاض، وكان زوجها طلحة يطؤها، وأم حبيبة كذلك، رواه أبو داود، وليست المستحاضة كالحائض من كل وجه، فتنقاس عليها، بل فرق الشارع بينهما، لأن دم الحيض أعظم وأدوم وأضر من دم الاستحاضة، ودم الاستحاضة، دم عرق، وهو في الفرج بمنزلة الرعاف في الأنف، وخروجه مضر وانقطاعه دليل الصحة، ودم الحيض عكس ذلك، ولا يستوي الدمان حقيقة ولا حكما ولا سببا، قال النووي: يجوز في الزمن المحكوم بأنه طهر، ولا كراهة في ذلك، وإن كان الدم جاريا، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، ولا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف، ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن، وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر، وحكى نحو ذلك غيرهما، لأنها كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذلك في الجماع، ولا يكره إلا عن دليل، وقال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم، والعنت الفجور والزنا والوقوف في أمر شاق.
(٤) إجماعا.
(٥) وليس بواجب عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم لأن النبي ﷺ لم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة، وإنما أمرها بالغسل مطلقا، فكانت هي تغتسل لكل صلاة، بل الواجب الوضوء لكل صلاة عند الجمهور، لأمره ﷺ المستحاضة بالوضوء عند كل صلاة، ورواه البخاري والترمذي وغيرهما.
[ ١ / ٤٠١ ]