(أو تنجس دهن مائع) (١) أو عجين (٢) .
_________________
(١) لم يطهر بالغسل ولو كثر، وحد المائع بحيث يسيل لو فتح فم الزق، وقيل: بحيث لا تسري فيه النجاسة، وعنه: أن المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير، قال الشيخ: بل أولى بعدم التنجيس من الماء، وهو الأظهر في الأدلة الشرعية بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجيس الأشربة والأطعمة، ولذا لم يأمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الأطعمة والأشربة، وفي تنجيسها من الحرج والضيق ما لا يخفى، والفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، وإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير، فكذلك الصواب في المائعات، ومن تدبر الأصول المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة، وقال وبالجملة فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم يتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله ﷿، وقال ابن القيم: إذا لم تتغير بالنجاسة لم تنجس، وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول، فإن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث، والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم، وخلفه ضده، فهذا هو محض القياس والمعقول، فإذا زال التغير عاد طيبا، والدليل على أنه طيب الحس والشرع.
(٢) أي أو تنجس عجين لم يطهر بالغسل، لأنه لا يمكن غسله، والعجين ما يعجن من الدقيق بالماء، فعيل بمعنى مفعول، من: عجن الدقيق ونحوه يعجنه عجنا اعتمد عليه بجميع كفه يغمزه، وقال الشيخ وغيره: يطهر السمن الجامد والعجين بقلع وجهه، والتمر بالغسل، وذكر أن طائفة من أصحاب الأئمة رأوا غسل الدهن النجس، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة.
[ ١ / ٣٥٣ ]
أو باطن حب (١) أو إناء تشرب النجاسة (٢) أو سكين سقيتها (لم يطهر) (٣) لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه (٤) .
وإن كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر (٥) .
_________________
(١) أي أو تنجس باطن حب تشرب نجاسة من أي أنواع الحبوب لم يطهر بالغسل، لأنه لا يستأصل أجزاء النجاسة مما ذكر، وما لم يتشرب النجاسة يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله.
(٢) أي أو تنجس إناء تشرب النجاسة لم يطهر بالغسل.
(٣) أي أو تنجست سكين سقيت النجاسة وهو بأن تعالج بأدوية وتغمس في الماء النجس وأما إحماؤها في النار، ثم غمسها في ماء نجس ونحوه فإطفاء لها، فتطهر بالغسل، فإن غمست أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما ولم يحتج إلى غسل السكين وإغلاء اللحم مع عصره، وقال الشيخ في سكين القصاب: لا تحتاج إلى غسل، فإن غسل التي يذبح بها بدعة.
(٤) أي أجزاء ما تنجس مما ذكر.
(٥) لحديث أبي هريرة ألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعا فلا تقربوه، رواه أبو داود، والجامد هو القائم اليابس ضد الذائب، أو هو الذي إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي، ما يملأ محلها عن قرب، والمائع بخلافه، قال شيخ الإسلام: عمل بهذا اللفظ بعض العلماء لظنهم صحته، وهو باطل، ولو اطلع الإمام أحمد على العلة القادحة فيه لم يقل به لأنه من رواية معمر، وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم وقوله: «فلا تقربوه» متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين: وقال البخاري وغيره: خطأ وقال ابن القيم: غلط من معمر من عدة وجوه: ويكفي أن الزهري قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر، وسأل عن هذه المسألة فأفتى بأنها يلقى ما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدل بالحديث، فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه، فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما سواه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده اهـ وفي الصحيح وغيره عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوه، قال شيخ الإسلام: إذا وقعت فأرة في دهن مائع ولم يتغير بها ألقيت وما قرب منها، ويؤكل ويباع في أظهر قولي العلماء.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فإن اختلط ولم ينضبط حرم (١) .
(وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة (٢) وأراد الصلاة (غسل) وجوبا (٣) (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن، فلا يزول إلا بيقين الطهارة (٤) .
_________________
(١) أي فإن اختلط النجس بالطاهر، ولم ينضبط النجس حرم الأكل، تغليبا لجانب الحظر، وإن وقع في مائع سنور أو فأرة ونحوهما مما ينضم دبره إذا وقع فخرج حيا فطاهر، وكذا في جامد، وإن مات فيه، أو حصلت منه رطوبة ألقي وما حوله.
(٢) كمصلى صغير أو بيت صغير.
(٣) يعني ما احتمل أن النجاسة أصابته.
(٤) ولأنه اشتبه الطاهر بالنجس فوجب عليه اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة بالغسل ولا يكفي الظن، وعند الشيخ يكفي الظن في غسل المذي وغيره من سائر النجاسات، وفي القواعد الأصولية: يحتمل أن تخرج رواية في بقية النجاسات، من الرواية التي في المذي، وفي النكت: وعنه ما يدل على جواز التحري في غير صحراء.
[ ١ / ٣٥٥ ]
فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله، وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما (١) ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحر (٢) (ويطهر بول) وقيء (غلام لم يأكل الطعام) لشهوة (بنضحه) أي غمره بالماء (٣) .
_________________
(١) أو علمها في أحدهما ونسيه غسلهما، وإن علمها فيما يدركه بصره من بدنه أو ثوبه غسل ما يدركه منها، وما لا يدركها أي لا يشاهدها بالعين لقلتها بحيث لو كانت مخالفة للون ثوب ونحوه، ووقعت عليه لم تر لقلتها، وتعبير بعضهم بما لا يدركه الطرف فيه نظر، والأحاديث الصحيحة صريحة فيما يظهر من القذر، واختار ابن عقيل وابن المنا وصاحب الفائق والشيخ وغيرهم أنه لا ينجس.
(٢) ولا غسل كصحراء وحوش واسع خفي موضع النجاسة فيه، لأنه يفضي إلى الحرج والمشقة، ولحديث كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ وتقدم.
(٣) قال صاحب الإنصاف وغيره: بلا نزاع، وإن لم يقطر منه شيء، والنضح في الأصل الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره وفي الكافي: أن يغمره بالماء وإن لم ينزل عنه، وهو نجس، صرح به الجمهور، هذا إذا لم يأكل الطعام لشهوة أو اختيار، فإنه قد يلعق العسل ساعة يولد ويناول السفوف ونحوه، والنبي ﷺ حنك بالتمر، قال شيخنا وغيره: ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيع أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام اهـ فإن أكله لشهوة واختيار غسل والغلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه، وفي لفظ بول الغلام الرضيع.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ولا يحتاج لمرس وعصر (١) فإن أكل الطعام غسل كغائطه وكبول الأنثى والخنثى، فيغسل كسائر النجاسات (٢) قال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما وذكر بعضهم أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية أصلها من اللحم والدم.
وقد أفاده ابن ماجه، وهو غريب قاله في المبدع (٣) ولعابهما طاهر (٤) (ويعفى في غير مائع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) (٥) .
_________________
(١) لحديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله متفق عليه، ونضح بول الغلام، وغسل بول الجارية متواتر لا شيء يدفعه.
(٢) لقول علي يرفعه: يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر، قال قتادة: إذا لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا.
(٣) والحكمة والله أعلم أن بول الغلام يخرج بقوة فينتشر أو أنه يكثر حمله فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فبولها أنتن وأخبث لرطوبتها، فتكون هذه المعاني مؤثرة في الفرق.
(٤) أي لعاب الذكر والأنثى طاهر ولو بعد قيء.
(٥) من حيوان طاهر في الحياة، وفاقا، واليسير ما لا ينقض الوضوء خروج قدره من البدن، وظاهره أنه لا يعفى عنه في المائع والمطعوم ولو كثر وهو المذهب ومذهب مالك والشافعي، وعنه: يعفى عنه وفاقا لأبي حنيفة وغيره من السلف، وهو نص القرآن واختاره الناظم والشيخ وغيرهما، واختار العفو عن يسير النجاسات مطلقا في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وقال: إذا استهلكت فيه واستحالت فلا وجه لإفساده، ولا دليل على نجاسته، لا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله ﷺ وفي مجمع البحرين: الأولى العفو عنه لعظم المشقة ولا يرتاب ذو عقل في عموم البلوى به، والدم مخفف الميم على اللغة الفصيحة المشهورة، وتشدد في لغية وأصله دمي، وجمعه دماء ودمي، وقيل أصله دمو أو دمو بالتحريك.
[ ١ / ٣٥٧ ]