(والنية) لغة القصد (١) ومحلها القلب (٢) فلا يضر سبق لسانه بغير قصده (٣) ويخلصها الله تعالى (٤) (شرط) هو لغة العلامة (٥) واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (٦) .
_________________
(١) ومنه قول أهل الجاهلية: نواك الله بحفظه أي قصدك، وقال الأزهري، من قولك نويت بلدة كذا أي عزمت بقلبي قصدها، ونوى الشيء ينويه نواء ونية قصده وعزم عليه، والعزم والقصد والنية اسم للإرادة الحادثة، لكن العزم المتقدم عن الفعل، والقصد المقترن به، والنية المقترنة به مع دخوله تحت العلم بالمنوي وخصت في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، ففي الوضوء هي القصد إليه بتخصيصه ببعض أحكامه.
(٢) أي محل النية القلب إجماعا، لأنها من عمله.
(٣) وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزئه إجماعا، ولو اقتصر عليه بقلبه أجزأه إجماعا.
(٤) أي يخلص النية لله تعالى لأنها عبادة وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فإخلاصها لله ركنها الأعظم ويأتي حكم المشوب
(٥) أي النية في العبادات شرط، والشرط لغة هو العلامة قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي علاماتها.
(٦) فالأول احتراز من المانع، لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والثاني احتراز من السبب ومن المانع أيضا. أما السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود لذاته، وأما المانع فإنه يلزم من وجوده العدم، وقوله: لذاته احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة الشرط قيام المانع، مثال الأول الطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود صحتها، لجواز عدمها لعدم شرط آخر كعدم دخول الوقت، والذات والحقيقة والماهية بمعنى واحد، والكلام على النية من سبعة أوجه: جمعها بعضهم فقال: حقيقة حكم محل وزمن كيفية شرط ومقصود حسن فحقيقتها لغة القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، كما تقدم، وحكمها الوجوب ومحلها القلب، وزمنها أول الواجبات وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب، وشرطها إسلام الناوي، وتمييزه وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بمنافيها، بأن يستصحبها حكما، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، لتمييز ما هو الله، عما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في نفسها، فالأول كالغسل للعبادة أو التبرد، والثاني كالصلاة الفرض، أو النفل وتنقسم النية إلى فعلية موجودة وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها فهذه نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها وكذا الإيمان والرياء، وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية ثم إذا ذهل عنها، حكم صاحب الشرع ببقاء حكمها لمن اتصف بها.
[ ١ / ١٨٩ ]
(لطهارة الأحداث كلها) (١) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٢) .
_________________
(١) الغسل والوضوء والتيمم قال في المبدع وغيره بغير خلاف نعلمه للآية والأخبار، ولأن الإخلاص من عمل القلب، وهو محض النية، وهو مأمور به بالكتاب والسنة والإجماع، قال الوزير وغيره، أجمعوا على وجوب النية في طهارة الحدث والغسل من الجنابة، إلا أبا حنيفة فيشترطها في التيمم دون طهارة الماء، والآية والحديث وكونها عبادة: حجة واضحة عليه، ولمسلم الطهور شطر الإيمان فهو عبادة، وكل عبادة لا بد لها من نية ويستثنى غسل كتابية ومسلمة ممتنعة من غسل لزوج، فيغسلن قهرا، ولا نية إذ للعذر ويسقط اشتراطها.
(٢) متفق عليه، أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وليس المراد صورة العمل، بل عن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، لنفيه أن يكون له عمل شرعي بدونها، وأكده بقوله: وإنما لكل امرئ ما نوى، وعن علي: لا عمل لمن لا نية له، فالنية سر العبودية وروحها ولبها، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل النية، والعمل الذي لم ينو ليس بعبادة، ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله، وهذا لا يقبل نزاعا، وكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادة والعادات، ولا بين مراتب تلك الوظائف هذا أمر ممتنع عادة وعقلا وشرعا كما قاله الشيخ وغيره.
[ ١ / ١٩٠ ]
فلا يصح وضوء وغسل وتيمم ولو مستحبات إلا بها (١) (فينوي رفع الحدث (٢) أو يقصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها) أي بالطهارة (٣) كالصلاة والطواف ومس المصحف (٤) لأن ذلك يستلزم رفع الحدث (٥) فإن نوى طهارة أو وضوءا أو أطلق أو غسل أعضاءه ليزيل عنها النجاسة، أو ليعلم غيره أو للتبرد لم يجزئه (٦) .
_________________
(١) أي بالنية لأنها طهارة عن حدث فلا تصح بغير نية، ولأن النية للتمييز والنص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعا.
(٢) أي يقصد بطهارته زوال الوصف القائم بالأعضاء، قيام الأوصاف الحسية المانع من الصلاة ونحوها، قال ابن رشد وغيره، نية رفع الحدث من فرائض الوضوء اتفاقا.
(٣) أو يقصد بطهارته أمرا تتوقف استباحته بها، أو امتثال أمرا الله تعالى بأداء ما افترض عليه والثلاثة متلازمة متى خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها.
(٤) وكقصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد ونحو ذلك. فإذا نوى ذلك صحت طهارته بلا خلاف عند القائلين باشتراطها ولو نوى مع رفع الحدث إزالة النجاسة، أو التبرد أو التنظيف أو التعليم صحت طهارته، لأنه نوى الطهارة وضم إليها ما لا ينافيها كمن نوى مع الحج رؤية البلاد النائية لكن ينقص الثواب، لحديث إنما الأعمال بالنيات إنما لكل امرئ ما نوى وإن نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالأكل والبيع ولم ينو الطهارة الشرعية لم يرتفع.
(٥) أي لأن نية الصلاة ونحوها لما لا يباح إلا بها يستلزم رفعه ضرورة.
(٦) لعدم إتيانه بالنية المعتبرة.
[ ١ / ١٩١ ]
وإن نوى صلاة معينة لا غيرها ارتفع مطلقا (١) وينوي من حدثه دائم استباحة الصلاة ويرتفع حدثه (٢) ولا يحتاج إلى تعيين النية للفرض (٣) فلو نوى رفع الحدث لم يرتفع في الأقيس قاله في المبدع (٤) ويستحب نطقه بالنية سرا (٥) .
_________________
(١) وأجزأ لتلك الصلاة وغيرها، وكفى التعيين ولغى التخصيص.
(٢) أي ينوي من به حدث دائم كالمستحاضة ومن به سلس البول وقروح سيالة ونحو ذلك استباحة الصلاة دون رفع الحدث، ويرتفع جعلا للدائم بمنزلة المنقطع على الصحيح، وقيل: لا يرتفع قال في الإنصاف، والنفس تميل إليه وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع.
(٣) لأن طهارته ترفع الحدث.
(٤) قاس الشيء بغيره قدره على مثاله، وقايست بين الأمرين قدرت، أي قال في المبدع: الأقيس أنه لا يرتفع لو نواه لمنافاته وجود نية رفعه.
(٥) كذا استحبه كثير من المتأخرين من الأصحاب وغيرهم، ولفظ الفروع والتنقيح وغيرهما يسن ومنصوص أحمد وغيره من الأئمة المتبعين وجميع المحققين خلاف ذلك، وصوبه في الإنصاف وغيره. وقال في الإقناع، والتلفظ بها بدعة وذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولم ينقل مسلم عنه ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل الوضوء ولا غيره من العبادات بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك، فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وحنيئذ فترك التلفظ بها هو السنة. وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ويأتي وأنه لم يستحبه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وإنما استحبه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وغيرهم، ورد عليهم محققوا مذهبه كالنووي وابن كثير وغيرهما، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ يقول في أول الوضوء: نويت ارتفاع الحدث، ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد بسند صحيح ولا ضعيف اهـ وكثيرا ما يطلقون الاستحباب على ما ليس بمستحب والسنة على ما ليس بسنة، وقال الشيخ: إذا أطلق الإنسان السنة على شيء ليس في السنة يصدق عليه قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار اهـ والسنة إنما تطلق على ما سنه رسول الله ﷺ، ومن العجب أن تجعل البدعة سنة وعبارة يستحب أهون من يسن عند أكثر أهل العلم: إذ الاستحباب يطلق على الاستحسان وعلى الأول، وعلى المندوب والسنة إنما تطلق على سنة رسول الله ﷺ عند الجمهور.
[ ١ / ١٩٢ ]