(أو شك في ابتدائه) أي ابتداء المسح هل كان حضرا أو سفرا؟ (فمسح مقيم) أي فيمسح تتمة يوم وليلة فقط، لأنه المتيقن (١) (وإن أحدث) في الحضر (ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) لأنه ابتدأ المسح مسافر (٢) (ولا يمسح قلانس) جمع قلنسوة (٣) .
_________________
(١) وفاقا للشافعي وغيره، لأن الأصل الغسل، وإن شك في بقاء المدة لم يجز المسح مقيما كان أو مسافرا اتفاقا، لأن الأصل الغسل، ولو خالف وفعل فبان بقاؤها صح وضوءه.
(٢) قال غير واحد: لا نعلم فيه خلافا، بين أهل العلم، لقوله: يمسح المسافر إلخ ونقل الإجماع في ذلك النووي وغيره.
(٣) بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء وقد تبدل ألفا وتفتح السين فيقال قلنساة، وقد تحذف النون بعدها هاء تأنيث وفي الاختيارات ويجوز المسح على العمامة الصماء، وهي القلانس، والمحكي عن أحمد الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم ومثل هذا لا يمنع الترخص وتحمل كراهة السلف لغير المحنكة من بعض الوجوه، وعن أحمد يجوز اختاره الخلال وجزم به في الوجيز، وقال: روي عن صحابيين عمر وأبي موسى، وروي عن أنس، ولأنه ملبوس معتاد ساتر للرأس أشبه العمامة المحنكة.
[ ١ / ٢٣١ ]
وهي المبطنات، كدنيات القضاة، والنوميات (١) قال في مجمع البحرين: على هيئة ما تتخذه الصوفية الآن (٢) (و) لا يمسح (لفافة) وهي الخرقة تشد على الرجل تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة لعدم ثبوتها بنفسها (٣) (ولا) يمسح (ما يسقط من القدم (٤) أو) خفا.
_________________
(١) الدنيات قلانس كبار أيضا، كانت القضاة تلبسها قديما، تسميها العامة الشاشية شبهت بالدن، لاستواء صنعته في أسفله: كهيئة القوس، والنوميات قلانس تلبس عند النوم.
(٢) مجمع البحرين لابن عبد القوي على المقنع ولم يتمه، والصوفية نسبة إلى الصوف، قال الشيخ: الصوفي المتبتل للعبادة وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة، قانعا بالكفاية لا لابس خرقة، أو لزوم شكل مخصوص في اللبسة ونحوها.
(٣) قال في الفروع: في الأصح، قال الشيخ: والصواب أنه يمسح على اللفائق، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، ومن ادعى في ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين، وذكر أن علة المسح الحاجة إلى ستر الرأس والمشقة في نزع الساتر في الغسل، وأنه ليس لشكل الساتر ولا لجنسه ولا لثبوته بنفسه أو بغيره دخل في ذلك.
(٤) لفوات شرطه، وهو ثبوته بنفسه.
[ ١ / ٢٣٢ ]
(يرى منه بعضه) أي بعض القدم، أو شيء من محل الفرض (١) لأن ما ظهر فرضه الغسل، ولا يجامع المسح (٢) (فإن لبس خفا على خف قبل الحدث) ولو مع خرق أحد الخفين (فالحكم للـ) خف الـ (فوقاني) لأنه ساتر فأشبه المنفرد (٣) وكذا لو لبسه على لفافة (٤) وإن كانا مخرقين لم يجز المسح ولو سترا (٥) .
_________________
(١) أي فلا يمسح عليه، لعدم ستره محل الفرض.
(٢) إذ لا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد، وكما لو غسل إحدى رجليه فيجب غسل الأخرى، وما بطن فرضه المسح فلا يجامعه، قال الشيخ: وقول القائل إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع، فإن الماسح على الخف لا يستوعبه بالمسح، كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون عقبه، وكذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح، وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم، وباب المسح على الخفين مما جاءت السنة فيه بالرخصة، حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك، فلا يناقض مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق.
(٣) قال عثمان: ويدخل في هذه العبارة أربع صور: لأنهما إما أن يكونا صحيحين أو مخرقين، أو الأعلى صحيحا، والأسفل مخرقا، أو عكسه، ففي الأولى يصح على أيهما شاء، وفي الثانية لا يصح على شيء منهما ولو سترا، وفي الثالثة يصح على الأعلى فقط، وفي الرابعة على أيهما شاء.
(٤) أي جاز المسح عليه لأنه خف ساتر لمحل الفرض أشبه ما لو انفرد.
(٥) لأن كل واحد منهما غير صالح للمسح على انفراده، ومسح كل من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل من الغسل على الصحيح من المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين لمالك والشافعي.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وإن أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز (١) وإن أحدث ثم لبس الفوقاني قبل مسح التحتاني أو بعده لم يمسح الفوقاني، بل ما تحته (٢) ولو نزع الفوقاني بعد مسحه لزم نزع ما تحته (٣) (ويمسح) وجوبا (أكثر العمامة) (٤) ويختص ذلك بدوائرها (٥) (و) يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) والجرموق والجورب (٦) .
_________________
(١) لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه، فإن كان أحدهما صحيحا جاز المسح على الفوقاني ولا يجوز على التحتاني، إلا أن يكون هو الصحيح.
(٢) لأنه لبس الفوقاني على غير طهارة.
(٣) وإعادة الوضوء، لأن محل المسح قد زال، ومفهومه أنه إذا كان قبل مسحه لم ينزع الثاني، وأنه إذا كان الممسوح الثاني فكذلك وعنه: لا يلزمه نزعه فيتوضأ، أو يمسح التحتاني منفردا، وأطلقهما في الفروع.
(٤) لأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف.
(٥) وهي أكوارها دون وسطها، وإن كان تحت العمامة قلنسوة يظهر بعضها استحب المسح عليها، لأنهما صارا كالعمامة الواحدة، وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب أن يمسح عليه من العمامة، لأنه ثبت أنه مسح بناصيته وعمامته، ولا يجب مسح الأذنين معها، قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لأنه لم ينقل.
(٦) جعلا للأكثر كالكل، على الصحيح من المذهب، ولا يسن استيعابه، قال الوزير: أجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر الخف.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وسن أن يمسح بأصابع يده (من أصابعه) أي أصابع رجليه (إلى ساقه) يمسح رجله اليمنى بيده اليمني ورجله اليسرى بيده اليسرى، ويفرج أصابعه إذا مسح (١) وكيف مسح أجزأ (٢) ويكره غسله، وتكرار مسحه (٣) (دون أسفله) أي أسفل الخف (وعقبه) فلا يسن مسحهما (٤) .
_________________
(١) هذه صفة المسح المسنون، لحديث المغيرة، رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين، رواه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي، وقال البخاري: هو أصح من حديث رجاء بن حيوة، ولفظه مسح أعلى الخف وأسفله، وقال هو وأبو زرعة: ليس بصحيح، ولفظ البيهقي: مسح على خفيه، وضع يده اليمنى على خفه الأيمن، واليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة، وحكى ابن المنذر وغيره أنه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهر الخف بلا خلاف.
(٢) فإن بدأ من ساقه إلى أصابعه أجزأ، ولم يرد في كيفية المسح ولا الكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي في بيان محل المسح، فحيث فعل المكلف ما يسمى مسحا لغة أجزأ، وقال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز.
(٣) أي يكره غسل الخف ونحوه، لعدوله عن السنة المأمور بها، ولإفساده الخف ونحوه، قال النووي: بلا خلاف، ويكره تكرار مسحه، لأنه لم يثبت فيه شيء، فلا يصار إليه، ولأنه في معنى غسله، ولا يسن إجماعا، وقال الشيخ: المسح لا يسن فيه التكرار، وأجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئ.
(٤) لأن النبي ﷺ إنما كان يمسح ظاهره، قال ابن القيم: ولم يصح عنه مسح أسفلهما، وإنما جاءت في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه، (وعقبه) بفتح العين وكسر القاف هذا الأصل ويجوز إسكان القاف مع فتح العين وكسرها.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ولا يجزئ لو اقتصر عليه (١) (و) يمسح وجوبا (على جميع الجبيرة) لما تقدم من حديث صاحب الشجة (٢) (ومتى ظهر بعض محل الفرض) ممن يمسح (بعد الحدث) بخرق الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف (٣) أو ظهر بعض رأس وفحش (٤) .
_________________
(١) بلا خلاف حكاه ابن المنذر وغيره. وقال الموفق وغيره: إن مسح أسفله وعقبه لم يجزئه في قول أكثر العلماء، وأنه لم يقل بالأجزاء إلا أشهب وبعض الشافعية ولا حجة لهم في ذلك، لقول علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه، رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وقال الحافظ: إسناده صحيح.
(٢) قريبا عن جابر، واستيعابها بالمسح مذهب أبي حنيفة والشافعي، لقيامه مقام الغسل، وذلك ما لم يتضرر فيعدل إلى التيمم.
(٣) استأنف الطهارة لأن مسح الخف أقيم مقام غسل الرجلين، فإذا زال الساتر الذي جعل بدلا بطل حكم الطهارة، كالمتيمم يجد الماء، ولأن الإنتقاض لا يتجزأ وإن خرج منه شيء لسعة أو غيرها كخروج عقبة لم ينتقض إجماعا، وعنه يجزئ غسل قدميه وفاقا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقول مالك: إن غسل رجليه مكانه صحت، وقال الشيخ: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور، واختار أنها لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه.
(٤) بضم الحاء وفتحها أي كثر في الرأس فقط استأنف الطهارة ومقتضى الإطلاق طال الزمن أو لم يطل، لأن مسح العمامة قام مقام الرأس، وعلم منه أن انكشاف يسير لا يضر وقال الشيخ: ورفع العمامة يسيرا لا يضر للمشقة، وقال أحمد: لا بأس إذا لم يفحش.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أو زالت جبيرة استأنف الطهارة (١) فإن تطهر ولبس الخف ولم يحدث لم تبطل طهارته بخلعه، ولو كان توضأ تجديدا ومسح (٢) (أو تمت مدته) أي مدة المسح (٣) (استأنف الطهارة) (٤) ولو في صلاة (٥) لأن المسح أقيم مقام الغسل فإذا زال (٦) وانقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح (٧) .
_________________
(١) لأن مسحها بدل من غسل ما تحتها، وقيل: طهارته باقية قبل البرء اختاره الشيخ وكذا بعده كإزالة الشعر.
(٢) لبقائه على طهارته التي لبس فيها.
(٣) وهي اليوم والليلة، أو الثلاثة من وقت جواز مسح بعد حدث، أو انتقض كور فأكثر من عمامته، أو انقطع دم مستحاضة، أو زال ضرر من به سلس البول ونحوه.
(٤) وجها واحدا في الجملة وفاقا، إلا ما روي عن مالك للأحاديث الواردة في التوقيت، ولأن الحكم بطهارته إنما كان لوجود العذر فإذا زال حكم ببطلانها وذلك إذا كان عنده ماء وإلا فلا، وقال الشيخ: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف بإنقضاء المدة على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور.
(٥) أي ولو كان حين تمت مدة المسح في صلاة بطلت، واستأنف، لأنها طهارة مؤقتة فبطلت بانتهاء وقتها، وإن كان فيها ولا ماء مضى.
(٦) أي المسح بطلت الطهارة في الممسوح.
(٧) والمبطل حقيقة هو الحدث السابق، وقال الشارح وغيره: ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي اهـ، وأجمعوا على أنه متى نزع أحد الخفين وجب عليه نزع الآخر.
[ ١ / ٢٣٧ ]
فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض (١) .
_________________
(١) وقيده بعضهم بالصغرى، والصحيح عند المحققين أن المسألة ليست مبنية على وجوب الموالاة، بل على أن المسح يرفع الحدث، وأن الحدث لا يتبعض في النقض، فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو فسرى إلى بقية الأعضاء، فلا فرق قدمه الشيخ في شرح العمدة، وقال هو وأبو المعالي: إنه الصحيح من المذهب عند المحققين، وعنه: يجزئ مسح رأسه وغسل رجليه، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وقول للشافعي، والقول ببطلان الطهارة من المفردات، وهذا على وجوب الموالاة عند أبي محمد، وعند: أبي البركات على رفع الحدث، ومن تيمم وعليه خف ونحوه ثم خلع بعد تيممه لم يبطل تيممه بذلك، اختاره الشيخ. قال الموفق وغيره: لأن مبطل الوضوء نزع ما هو ممسوح عليه فيه ولم يوجد ههنا، ولأن إباحة المسح لا يصير بها ماسحا، ولا بمنزلة الماسح.
[ ١ / ٢٣٨ ]
باب نواقض الوضوء
أي مفسداته (١) وهي ثمانية (٢) أحدها الخارج من سبيل (٣) وأشار إليه بقوله «ينقض» الوضوء (ما خرج من سبيل) أي مخرج بول أو غائط (٤) .
_________________
(١) نواقض جمع ناقض، وقولهم: فاعل لا يجمع على فواعل وصفا، إذا كان وصفا لعاقل، وما هنا ليس منه. وفي المبدع: جمع ناقضة لا ناقض، لأنه يجمع على فواعل، والنقض في الأجسام: إبطال تركيبها وفي المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها، فنواقض الوضوء هي العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، وفسره بالمفسدات لأنه في الأصل من نقضت الشيء إذا أفسدته فنواقض الوضوء مفسدات الوضوء، يعني مبطلات الفائدة المطلوبة منه. ويقال: النقض في الأصل حل المبرم، ثم استعمل في إبطال الوضوء بما عينه الشارع مبطلا، وحقيقة عرفية، ونواقضه أحداث وأسباب، فالأحداث ما نقض الوضوء بنفسه، والأسباب ما كان مظنة لخروجه كالنوم والمس.
(٢) بالاستقراء، ومنها ما هو ناقض بالإجماع، وما هو مختلف في النقض به.
(٣) متعلق بالخارج، والسبيل الطريق، ومنه مخرج البول والغائط.
(٤) إلى ما هو في حكم الظاهر، أما الغائط فبنص الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ . وقال ﵊ «ولكن من غائط أو بول» فثبت البول بالسنة وكذا بالإجماع، والقياس على الغائط وكذا المذي بالأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على النقض به وبالمني والودي ابن المنذر والموفق وغيرهما، وقال الشيخ في المذي: ينقض، ويجب غسل ذكره وأنثييه اهـ وأما دم الاستحاضة ففي قول عامة أهل العلم لحديث بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، قال: فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق، رواه أبو داود والدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات، فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد، وقيس عليه ما سواه، وأما الريح فبالأحاديث الصحيحة والإجماع، قال ﷺ «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» وقال «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه وقال ابن القيم: والحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بها بالغائط.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولو نادرا أو طاهرا كولد بلا دم (١) أو مقطرا في إحليله (٢) أو محتشي وابتل (٣) لا الدائم كالسلس والاستحاضة (٤) .
_________________
(١) أي ولو كان الخارج نادرا كالدود والدم ونحوهما فينقض وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكالريح من القبل وذكر الرجل، لعموم حديث لا وضوء إلا من حدث أو ريح، وصححه الترمذي، وقال في المغني: ولا نعلم وجوده في أحد، أو طاهرا كالمني والبعر الناشف والحصا، وكالولد العاري من الدم، وقال ابن عقيل: الأشبه لا ينقض.
(٢) بفتح الطاء وتشديدها، بأن قطر في إحليله، وهو مجرى البول من ذكره دهن ونحوه ثم خرج فينتقض لأنه لا يخلو عن بلة نجسة تصحبه.
(٣) بأن احتشى قطنا ونحوه في قبله أو دبره ثم خرج مبتلا ينتقض وضوءه، ومفهومه أنه إن لم يبتل لم ينقض، كما جزم به الفتوحي في القبل، وقيل ينقض، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب، وخروجه بلا بلة نادرة جدا، والحاصل أن للمحتشي ثلاث حالات: إحداها أن يكون في الدبر فينقض مطلقا، الثانية في القبل وابتل فينقض الثالثة: أن لا يبتل فلا ينقض، وإذا خرجت المقعدة فإن خرج معها ندى منفصل توضأ وإلا فلا، ولا تعتبر الرطوبة اللازمة، لأنها لا تنفك عنها.
(٤) أو كالرعاف والقروح السيالة.
[ ١ / ٢٤٠ ]
فلا ينقض للضرورة (١) .
(و) الثاني (خارج من بقية البدن) سوى السبيل (٢) (إن كان بولا أو غائطا) قليلا كان أو كثيرا (٣) (أو) كان (كثيرا نجسا غيرهما) أي غير البول والغائط (٤) .
_________________
(١) والحرج والمشقة، ولقوله وتوضئي لكل صلاة، ويأتي في باب الحيض، قال الشيخ: والأحداث اللازمة كدم الاستحاضة، وسلس البول، لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد وهو مذهب مالك.
(٢) أي من غير الطريق المعتاد للبول والغائط.
(٣) من تحت المعدة أو فوقها سواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين، لعموم ما تقدم، ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج.
(٤) لأنه نجاسة خارجة من البدن، أشبهت الخارج من السبيل وعنه: خروج: النجاسة من بقية البدن لا ينقض مطلقا، لأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على السبيلين وهو مذهب مالك والشافعي. وقال الشيخ: الظاهر أنه لا يجب الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، لعموم البلوى بذلك، لكن استحباب الوضوء من الحجامة والقيء ونحوهما متوجه ظاهر، وقال: الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانا عاما، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه، وذكر أصولا ثم قال: وبهذه الطرق يعلم أنه ليس يوجب الوضوء من ذلك، فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك، مع العلم بأن الناس كانوا لا يزالون يحتجمون ويتقيئون ويخرجون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج الدم، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك، وقال في القيء وخروج الدم: ليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب الوضوء منه بل على الاستحباب، وعن أنس: احتجم وصلى ولم يتوضأ، رواه الدارقطني وابن الجوزي في حجة المخالف، ولم يضعفه، وعادته الجرح بما يمكنه.
[ ١ / ٢٤١ ]
كقيء ولو بحاله (١) لما روى الترمذي أنه ﷺ قاء فتوضأ (٢) والكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه (٣) .
_________________
(١) وهو الخارج بعد وصوله إلى المعدة، ولو كان ما تقيأه باقيا بحاله لم يتغير، كأن شرب نحو ماء وقذفه بصفته، لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف، لا باستحالته، وكدم وقيح على المشهور من المذهب. وقال الخطابي: هو قول أكثر الفقهاء.
(٢) قال الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب، ورواه أحمد وأبو داود وغيرهم، وقال ابن مندة: إسناده صحيح، واغفله البخاري ومسلم للاختلاف في إسناده، وقال البيهقي وغيره: لا تقوم به حجة، فالله أعلم، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن القيء والدم والقيح ونحوها لا ينقض الوضوء ولو كثر، قال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين اهـ، لكن يستحب الوضوء منه، واختاره الشيخ: وأنه لا يخرج من الصلاة لأجل اليسير الخارج من القيء والدم لما روي عن جابر في اللذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع، فرمي أحدهما بسهم فنزعه ثم بآخر ثم بالثالث، وركع وسجد ودماؤه تجري، رواه أبو داود بسند حسن، ولما روي عن الصحابة فابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفي عصر دملا، وروي عن غيرهما نحو ذلك، قال الموفق والشارح وغيرهما: ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأن الأصل عدم النقض حتى يثبت بالشرع، وقال النووي والشيخ وغيرهما، لم يثبت قط عن النبي ﷺ أنه أوجب الوضوء من ذلك، وقال مالك: هو الأمر عندنا.
(٣) قال ابن عباس: الفاحش ما فحش في قلبك، وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس، واختاره القاضي وجماعات كثير وصححه الناظم، وما إليه في الإنصاف، وأما اليسير فلا ينقض رواية واحدة، حكاه القاضي وغيره، وأما كثير القلس فقيل ينقض وهو طعام أو شراب يخرج من البطن ملء الفم أو دونه، سواء أعاده إلى بطنه أو لا، أو ألقاه، وليس بقيء، وإن غلبه فهو قيء.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وإذا انسد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد (١) (و) الثالث (زوال العقل) أي تغطيته (٢) قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجم، ولم يخرج منه شيء إلحاق بالغالب (٣) .
_________________
(١) أي بل أحكامه باقية له، فلا ينقض خروج ريح منه، ولا يمسه ولا بخروج يسير منه نجس، غير بول أو غائط، ولا يجزئ فيه استجمار، ولا غسل بإيلاج فيه بلا إنزال.
(٢) صوابه: أو تغطيته كما عبروا به، وزواله هو ذهابه بجنون أو برسام، وتغطيته بإغماء أو سكر أو دواء أو نوم أو غيرها، لحديث صفوان ولكن من غائط وبول ونوم، رواه أحمد والشافعي والترمذي وصححه، وقال النووي: بأسانيد صحيحة، وما ذكر أبلغ من النوم الذي هو مظنة لخروج شيء من الدبر والمظنة للحديث أقيمت مقامه، لأن ما أنيط بالمظنة لا فرق بين وجوده وعدمه فإذا وجدنا المظنة اعتبرناها قطعية كانت أو ظنية، فإن الشارع قد أجرى الظن في ترتيب الأحكام مجرى القطع، فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للاعتبار، والعقل غريزة كالنور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء وتقدم والنوم فترة طبيعية تحدث للإنسان تمنع الحواس من العمل، قال النووي: وليس مزيلا للعقل اهـ أي بل هو ساتر، فيجاب أنه أراد بالزوال الغلبة على العقل، ولم يقل ارتفاعه ليعم ما ذكروا، وإن كان فيه تجوز، وخرج بزوال العقل النعاس، وحديث النفس، وأوائل نشوة السكر، فلا نقض بها، ومن علامات النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه.
(٣) على الأصح قاله في الفروع (وتلجم) من اللجام وهو كالعصابة التي يشد بها، تصير مثل اللجام في فم الدابة.
[ ١ / ٢٤٣ ]