باب مسح الخفين
وغيرهما من الحوائل (١) وهو رخصة (٢) .
_________________
(١) كالجوربين والجرموقين والعمامة والخمار والعصابة ونحو ذلك، وعبر بعضهم بمسح الحائل وهو أشمل، والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، وشرعا: إصابة البلة لحائل مخصوص في زمن مخصوص، والحف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل، سمي بذلك لخفته، وهو شرعا: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه، أعقبه الوضوء لأنه بدل عن غسل ما تحته، وحيث أنه يجوز أن يعدل إليه المتوضئ، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه ﷺ في الحضر والسفر وأمره بذلك وترخيصه فيه، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين، وقال النووي: روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، ويأتي قول الإمام أحمد: ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي ﷺ وقال ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه، واتفق عليه أهل السنة والجماعة وقال ابن القيم: صح في الحضر والسفر، ولم ينسخ حتى توفي رسول الله ﷺ ومال الشيخ إلى أن السنة ليست معارضة لآية المائدة بل مبينة، ومال أيضا إلى أن حمل قراءة الآية بالخفض على مسح الخفين.
(٢) أي المسح رخصة، وهي لغة الانتقال من صعوبة إلى سهولة، وشرعا، ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وفي الحديث إن الله يحب أن يؤخذ برخصة وعنه عزيمة وهي لغة: القصد المؤكد، وشرعا، حكما ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، وهما وصفان للحكم الوضعي، والفرق بينهما أن الرخصة ما جاء على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهي لا تستباح بالمعاصي، والعزيمة، ما جاء على وفق دليل شرعي خال عن معارض راجح، وهي ما جاز فعلها، ولو في حال المعصية.
[ ١ / ٢١٣ ]
وأفضل من غسل (١) ويرفع الحدث (٢) ولا يسن أن يلبس ليمسح (٣) (يجوز يوما وليلة) لمقيم (٤) .
_________________
(١) لقوله ﵊ بهذا أمرني ربي، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولحديث صفوان: أمرنا أن لا ننزع خفافنا الحديث صححه الترمذي، ولحديث إن الله يحب أن تؤتي رخصه، ومخالفة لأهل البدع، ولأنه ﵊ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل. وقال الشيخ: الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه، فالأفضل للابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه، والأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما، وقد يجب المسح كما سيأتي أو يكره.
(٢) أي ويرفع المسح على الحائل الحدث عما تحته نص عليه، وإن كان موقتا لأنه طهارة بالماء أشبه الغسل، ولأن رفع الحدث شرط للصلاة مع القدرة فلو لم يحصل بالمسح لما صحت الصلاة به.
(٣) أي لا يسن أن يلبس خفا ونحوه ليمسح. قال الشيخ: ولا يتحرى لبس الخف ليمسح إنما كان ﵊ يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابسا للخف، وقال ابن القيم: ولم يكن ﷺ يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه. قال الشيخ: وهذا أعدل الأقوال.
(٤) أي يجوز في الوضوء بدلا عن غسل الرجلين المسح على الخفين ونحوهما لا على خف رجل واحدة مع غسل الأخرى، يوما وليلة لمقيم، قال النووي وغيره: بلا خلاف سواء سبق اليوم ليلته أو لا، ولو أحدث في أثناء النهار اعتبر قدر الماضي منه كما يأتي، وتعبيرهم (بيجوز) فيه تنبيه على أنه لا يجب ولا يسن، ولا يحرم، ولا يكره، إلا إن أحدث ومعه ماء يكفي المسح فقط، أو خاف فوت الجمعة أو الجماعة، أو عرفة أو إنقاذ أسير، أو تعينت عليه صلاة الميت، وخاف انفجاره، أو خاف خروج الوقت إذا اشتغل بالطهارة أو نحو ذلك، وجب وحرم تركه أو ترك المسح رغبة عن السنة، أو شكا في جوازه كره أو حرم.
[ ١ / ٢١٤ ]
ومسافر لا يباح له القصر (١) (ولمسافر) سفرا يبيح القصر (ثلاثا) أيام (بلياليها) (٢) لحديث علي يرفعه «للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة» رواه مسلم (٣) .
_________________
(١) كعاص بسفره ونحوه، ثم يخلع كالمقيم، فلا يستبيح به الرخصة وكذا مسافر دون المسافة، وتعليل بعض الأصحاب لا يدل عليه نص من كتاب ولا سنة ولا قياس، بل الإطلاق يدل على جوازه مطلقا، وهو مذهب الجمهور.
(٢) بلا خلاف قاله النووي وغيره، واختار الشيخ وغيره ما سمي سفرا، لعدم التحديد ويأتي في بابه.
(٣) ورواه أهل السنن وأحمد وصححه وقال: هو مرفوع يعني إلى النبي ﷺ ولفظه قال قال رسول الله ﷺ للمسافر إلخ وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن صفوان أمرنا يعني النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولكن من جنابة، قال أحمد: هذا أجود حديث في المسح، لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي ﷺ وقال البخاري: وليس في التوقيت أصح من حديث صفوان فدل على التوقيت وعلى اختصاصه بالوضوء دون الغسل وهو إجماع، لما جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث الحسنة والصحيحة، وقال الترمذي: هو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال الخطابي: هو قول عامة الفقهاء، وقال الطحاوي: ليس لأحد أن يترك الآثار المتواترة في التوقيت إلى مثل حديث ابن عمارة.
[ ١ / ٢١٥ ]