بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتوحد في الكمال، الأحد الصمد الحكم العدل ذي العزة والجلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مثال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكمل الله به الدين، وأوضح به السبيل للسالكين، فاتضح الحرام من الحلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين أعلام الهداية والبيان، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد فإن زاد المستقنع وشرحه وقد رغب فيهما طلاب العلم غاية الرغب، واجتهدوا في الأخذ بهما أشد اجتهاد وطلب، لكونهما مختصرين لطيفين، ومنتخبين شريفين، حاويين جل المهمات، فائقين أكثر المطولات والمختصرات، بحيث إنه يحصل منهما الحظ للمبتدي، والفصل للمنتهي، وخدمهما علماء العصر كالشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ عبد الله العنقري، عبد الوهاب بن فيروز بالحواشي مفردة، وعلى الهوامش، من لا أحصيهم مكثر ومقل. فتطلفت بوضع هذه الحاشية منتخبة من تلك الحواشي، ومن تقرير شيخنا محمد بن إبراهيم آل الشيخ ومن كتب الأصحاب. كالتنقيح والمغني والزركشي والشرح والمبدع، والمطلع والمحرر، والفروع والتصحيح، والإنصاف، والإقناع والمنتهى، وحواشيهما ومن كتب فتاوى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وابن رجب، ومن كتب الحديث وشروحها، وكتب أهل المذاهب كالبغوي، والنووي وابن رشد وغيرهم، مجتهدا في نقل الإجماع عمن تقدم ذكرهم، وعن ابن جرير وابن كثير وابن عبد البر وابن المنذر، وابن هبيرة وغيرهم من أهل التحقيق، مفتشا على خلاف يعتبر ومجتهدا في إبراز الدليل والتعليل، وتوضيح القول الصحيح (١) .
_________________
(١) إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق، ونسأل الله بأسمائه الحسنى الهداية والتوفيق، لما اختلف فيه من الحق إلى أقوم طريق.
[ ١ / ٩ ]
وقد انتشرت في هذا العصر فكرة التوسع في الاطلاع على المذاهب الأربعة وغيرها، والأخذ منها، وعدم الاقتصار على مذهب واحد، ليبنى الحكم على الأقوى دليلا، فأذكر غالبا ما أجمع عليه إن كان، أو ما عليه الجمهور أو ما انفرد به أحد الأئمة وساعده الدليل حسب الإمكان، بحيث يغني عن مطالعة الأسفار الضخمة، ولست وإن بذلت الجهد قد بلغت النهاية، بل خطوة في البداية، فميدان العمل فيه سعة لمن شحذ همته، وبذل نصحه، وشرعه لمن خلصت نيته، وأحرص إن شاء الله أن لا أطيلها إلا بقواعد وبراهين ومهمات تثلج الصدر وتبرد الوحر، ويطمئن لها قلب من له طلب مليح. وقصد صحيح، إذ لا التفات لكراهة ذوي البطالة والمهانة، بل قال ابن رشد: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها. وقد يتكلم الشخص على ما يظنه مشكلا، وهو غير مشكل على كثير من الناس، وقد يشكل عليهم ما يظنه هو جليا، والكلام على بعض المسائل دون بعض تعب وعناء بدون فائدة تامة. وإنما الفائدة التامة التي يعظم نفعها، ويستسهل العناء فيها، أن يتكلم الشخص على جميع المسائل كي لا يشكل على أحد مسألة إلا وجد التكلم عليها، والشفاء مما في نفسه منها، والحال دون ما ذكر ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
[ ١ / ١٠ ]