ويتيمم للكل (١) ولما يسن له الوضوء لعذر (٢) (و) صفة (الغسل الكامل) أي المشتمل على الواجبات والسنن (٣) (أن ينوي) رفع الحدث (٤) أو استباحة الصلاة أو نحوها (٥) (ثم يسمى) (٦) وهي هنا كوضوء، تجب مع الذكر وتسقط مع السهو (٧) (ويغسل يديه ثلاثا) كما في الوضوء (٨) وهو هنا آكد، لرفع الحدث عنهما بذلك (٩) .
_________________
(١) أي لكل ما يستحب له الغسل، لحاجة تبيح له التيمم، كما إذا عدم الماء، أو تضرر باستعماله ونحوه مما يبيح التيمم.
(٢) أي ويتيمم لما يسن له الوضوء كقراءة وأذان وشك وغضب ونحوها لعذر يبيح التيمم، كتعذر الماء لعدم أو مرض، وتيمم عليه الصلاةوالسلام لرد السلام، وقال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر.
(٣) واجبا كان أو مستحبا، ولما أنهى الكلام على موجبات الغسل ومستحباته، شرع في بيان صفاته، لأن العلم بالموصوف مقدم على العلم بالصفة.
(٤) الأكبر مثلا، أو غسل الجمعة، فلو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو اغتسل للتبرد لم يكن قربة ولا عبادة، ولم يرتفع حدثه بالاتفاق.
(٥) كمس المصحف في حق من حدثه مستمر كالمستحاضة.
(٦) أي يقول: بسم الله بعد النية.
(٧) ومع الجهل كما مر، والذكر بضم الذال، وذكر اللسان بكسرها.
(٨) لحديث ميمونة، ثم غسل كفيه مرتين أو ثلاثا، ويكون قبل إدخالهما الإناء، ويصب الماء بيمينه على شماله.
(٩) أي غسل اليدين هنا آكد سنية من الوضوء، لرفع الحدث عنهما بذلك، إذا نوى الغسل، لعدم اعتبار الترتيب في الغسل، بخلاف الوضوء ولا يكفي غسل اليدين من نوم الليل عن الجنابة كالعكس على الأصح، لأنهما أمران مختلفان فيعتبر لكل منهما نية، وإن نواهما كفى، هذا المذهب وتقدم الاجتراء بأحدهما عن الآخر في الوضوء فكذا هنا.
[ ١ / ٢٨٤ ]
(و) يغسل (ما لوثه) من أذى (١) (ويتوضأ) كاملا (٢) (ويحثي) الماء (على رأسه ثلاثا يرويه) أي يروي في كل مرة أصول شعره (٣) لحديث عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثا.
وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه، حتى
إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات. ثم
_________________
(١) لحديث عائشة فيفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ولا فرق بين أن يكون ما لوثه أي لطخه على فرجه، أو بقية بدنه، وسواء كان نجسا كالمذي، أو طاهرا كالمني، ثم يضرب بيده الأرض أو الحائط، لحديث عائشة متفق عليه.
(٢) وفاقا لقوله ﷺ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، قال النووي: وهو أشهر الروايات وأكملها وقدم غسل الأعضاء تشريفا لها، ولتكمل له الطهارتان، وفي حديث ميمونة وغيرها فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه، متفق عليه، وهو مذهب الجمهور والوضوء سنة في الغسل، وليس بواجب ولا شرط، ونقل ابن جرير وغيره الإجماع عليه، لأن الله أمر بالغسل، ولم يذكر الوضوء، وللأحاديث الدالة عليه، كقوله فأفرغ عليك، وقوله فأمسه جلدك.
(٣) وفاقا، لتظاهر الأخبار بذلك، وحثيت وحثوث لغتان، والحثية الحفنة.
[ ١ / ٢٨٥ ]
غسل سائر جسده متفق عليه (١) (ويعم بدنه غسلا) (٢) فلا يجزئ المسح (٣) ثلاثا (٤) حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود لحاجة (٥) .
_________________
(١) وفي لفظ: يدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات، ولقول ميمونة: ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات وروى الجماعة إلا البخاري عن أم سلمة إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات وعلم منه أنه لا ينقضه لجنابة، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب.
(٢) غسل الشيء يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه، وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء، لحديث ثم أفاض الماء على سائر جسده، وإفاضة الماء على جميع البدن وبشرته واجب بلا خلاف، وسواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفا أو كثيفا.
(٣) أي فلا يجزئه المسح بالماء أو الثلج، ولو ابتل به العضو، إلا أن يذوب ويجري على العضو.
(٤) أي يعم بدنه غسلا ثلاثا، قياسا على الوضوء، هذا الصحيح من المذهب وعنه: مرة وفاقا لمالك، وهو ظاهر الخرقي والعمدة، واختاره الشيخ: وقال البخاري: باب الغسل مرة مرة، وفيه: ثم أفاض على جسده، وذكر إفاضة الماء على رأسه ثلاثا، ثم غسل سائر جسده، قال الحافظ: ولم يقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة، ولم ينقل أنه غسل جسده ثلاثا، قال الزركشي: وهو ظاهر الأحاديث، وكل من نقل غسل النبي ﷺ لم يذكر أنه غسل بدنه ثلاثا، ولا يصح قياسه على الوضوء، والسنة قد فرقت بينهما.
(٥) أي عند قعودها على رجليها، لقضاء حاجة بول أو غائط، لا داخل فرجها، قال في الاختيارات، ولا يجب غسل باطن الفرج من حيض أو جنابة، وهو أصح القولين في مذهب أحمد.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وباطن شعر (١) وتنقضه لحيض ونفاس (٢) (ويدلكه) أي يدلك بدنه بيديه (٣) .
_________________
(١) سواء كان خفيفا أو كثيفا من ذكر وأنثى لأنه جزء من البدن فوجب غسله لقوله ﷺ: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا» رواه أحمد وأبو داود. وقال الحافظ: إسناده صحيح، ولقوله تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر، رواه أبو داود والترمذي، ولا خلاف في مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل، ويجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة إجماعا.
(٢) أي تنقض الحائض والنفساء شعرها وجوبا لحيض ونفاس، واستحبه بعض الأصحاب وفاقا، جمعا بين الأخبار، وصححه الشارح وغيره، وقيده ابن الزاغوني بما إذا طال وتلبد، لا لجنابة. قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لمشقة تكرره، وتقدم حديث أم سلمة، وإن لم يصل الماء إلى البشرة إلا بنقضه وجب نقضه، ويجوز للمرأة ضفر شعرها، وإن كانت جنبا لأنه لا يلزم نقضه لغسل الجنابة، لكن لا بد أن تروي أصوله، سواء ضفر قبل لزوم الغسل، أو بعده ويأتي في باب الحيض قول الشيخ: لا حاجة للاستثناء وعنه: لا تنقضه لحيض وفاقا، واختاره الموفق والمجد والشيخ وغيرهم، لحديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة؟ فقال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، رواه مسلم وهو صريح في نفي الوجوب، ومذهب الجمهور: إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجب، وإلا وجب وما سواه على الندب، وإذا كان على بعض أعضائه أو شعره حناء أو عجين أو طين أو شمع ونحوه، ومنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى نفس الشعر لم يصح غسله.
(٣) ندبا بلا نزاع، ليصل الماء إليه، وليس بواجب لقوله ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين رواه مسلم والإفاضة الإسالة، والغسل كذلك والإفاضة لا دلك فيها فكذا الغسل، ولأن الدلك أنقى لما في قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ من المبالغة والدلك الفرك والدعك ومقارنة الدلك لصب الماء أكمل، والمراد ما لا ينبو عنه الماء، وهو قول العلماء كافة، إلا مالكا والمزني فشرط عندهما وأما دلك ما ينبو عنه الماء فواجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ليتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه (١) ويتفقد أصول شعره (٢) وغضاريف أذنيه (٣) وتحت حلقه وإبطيه وعمق سرته (٤) وبين أليتيه وطي ركبتيه (٥) (ويتيامن) لأنه ﷺ كان يعجبه التيامن في طهوره (٦) .
_________________
(١) إجماعا والمغابن كالإبط والرفغ، من غبن الشيء إذا خبأه، ولأبي داود وغايره ثم غسل مرافغه بالغين أي مغابن البدن يعني مطاويه ولا تجب الإعانة يما عجز عنه، صوبه ابن رشد.
(٢) لقوله ﵊ تحت كل شعرة جنابة وقوله من ترك موضع شعرة فعل الله به وتقدم.
(٣) أي مغابنها، وهي دواخل قوف الأذن.
(٤) أي ويتفقد ما تحت حلقه وإبطيه وعمق سرته، وهو ما غار منها من المغابن، ويدلكه ليتيقن وصول الماء إليه، والعمق البعد إلى أسفل.
(٥) أي ويتفقد ما بين أليتيه، بفتح الهمزة وما بين طي ركبتيه، ليتيقن وصول الماء إليه، قال في الصحاح، إذا ثنيت قلت أليان، فلا تلحق التاء، وهو مما ورد على خلاف القياس.
(٦) متفق عليه من حديث عائشة ولغير ذلك من الأحاديث، وهو سنة بلا نزاع.
[ ١ / ٢٨٨ ]