(ولا) يطهر متنجس بـ (استحالة) (١) فرماد النجاسة ودخانها وغبارها وبخارها (٢) .
_________________
(١) لنهيه ﵊ عن أكل الجلالة وألبانها لأكلها النجاسة، وعنه يطهر وفاقا للجمهور أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك، ووجه في مذهب الشافعي، قال الشيخ: والرواية صريحة في التطهير بالاستحالة، وهو الصحيح في الدليل، ولا يدخل في نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى، ولا ينبغي أن يعبد بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس لم يطهر لكن استحال وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلا منه، كما أن الماء ليس هو الزرع، والاستحالة استفعال من حال الشيء عما كان عليه زال، وذلك مثل أن تغير العين النجسة ونحو ذلك، وقال: قول من قال: الاستحالة لا تطهر، فتوى عريضة مخالفة لإجماع المسلمين.
(٢) نجس، فالرماد من الروث النجس نجس، والصابون عمل بزيت نجس نجس، وتراب جبل بروث حمار ونحوه نجس، ولو احترق كالخزف، وعنه طاهر وفاقا لأبي حنيفة وغيره، وإحدى الروايتين عن مالك، قال الشيخ: والصواب الطهارة في الجميع، فإن التنجيس والتحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث وكلاهما منتف، وليس في هذه من النجاسة شيء، وقال: وأما دخان النجاسة فمبني على أصل، وهو أنه هل تطهر العين النجسة إذا استحالت؟ وفيه قولان للعلماء أحدهما لا تطهر، كقول الشافعي، والآخر تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين، وإحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب أهل الظاهر وغيرهم وهو الصواب المقطوع به، فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى، فهي من الطيبات، والنص والقياس يقتضي تحليلها، فليست محرمة، وعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر، لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية، وليست في شيء من وصف الخبث.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ودود جرح (١) وصراصر كنف (٢) وكلب وقع في ملاحة فصار ملحا (٣) ونحو ذلك نجس (٤) .
(غير الخمرة) إذا انقلبت بنفسها خلا (٥) .
_________________
(١) نجس لاستحالته عن الدم والدودة دويبة صغيرة مستطيلة كدودة القز.
(٢) نجس لاستحالته عن النجاسة، والصراصر جمع صرار، دويبة تنشأ من الكنف ونحوها.
(٣) أي وقع في الملاحة بالتشديد فاستحال ملحا نجس.
(٤) أي نحو ما تقدم كالدم يستحيل قيحا فنجس، وعنه طاهر، وقال الشيخ: الصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق شيء من أثر النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها فإذا كانت العين ملحا أو خلا دخلت في الطيبات التي أباحها الله، وما سقي أو سمد بنجس من زرع وغيره طاهر مباح اهـ وجزم به في التبصرة، ولا يسع الناس العمل بغيره، قال غير واحد، وعليه عمل الناس قديما وحديثا، وفاقا للأئمة الثلاثة، قال الشيخ: ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي وأومأ إليه أحمد.
(٥) من غير معالجة فتطهر قال الموفق والشيخ وغيرهما: بإجماع المسلمين لأنه لا يريد تخليلها وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده فلا يكون في حلها مفسدة اهـ والخمر يذكر ويؤنث، اسم لكل مسكر خامر العقل، وخمرة وخمر وخمور، كتمرة وتمر وتمور، وسميت خمرة لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغيرها وقيل لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تخامره أي تخالطه، وهي رجس كما في الآية، وحكى أبو حامد وصاحب المبدع وغيرهما الإجماع على نجاستها، لكن خالف الليث وربيعة وداود، وقال ابن رشد: اتفق المسلمون على نجاسة الخمر إلا خلاف شاذ اهـ وخللت تخليلا حمضت وفسدت، وخلل شراب فلان إذا فسد وصار خلا.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أو بنقل لا لقصد تخليل (١) ودنها مثلها (٢) لأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زالت (٣) كالماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه (٤) والعلقة إذا صارت حيوانا طاهرا (٥) .
_________________
(١) أي انقلبت خلا بنقل من دن إلى آخر، أو من ظل إلى شمس فتطهر كما لو انقلبت بنفسها، لا إن نقلت لقصد التخليل، للخبر الآتي وغيره، وأصل التخليل من إدخال الشيء في خلال الشيء، وتخليل الخمر معالجتها بطرح شيء فيها كالملح.
(٢) أي دن الخمرة بفتح الدال جمعه دنان، كسهم وسهام، كهيئة الحب، وهو وعاؤها مثلها في الحكم، طهارة ونجاسة، إذا كان مستجنسا بها، لا قبل، وكمحتفر في أرض فيه ماء كثير تغير بنجاسة ثم زال تغيره بنفسه فيطهر هو ومحله.
(٣) أي لأن علة النجاسة لأجل شدتها المسكرة الحادثة وقد زالت، وهي غير نجاسة خلقة فطهرت بزوال تلك النجاسة الحادثة إلى الطهارة.
(٤) فطهر هو ومحله، والخمر نجاستها لأمر زال بالانقلاب فطهرت بزوال ذلك، بخلاف النجاسات العينية.
(٥) أي وغير العلقة إذا خلق منها آدمي، أو حيوان طاهر فإنها تصير طاهرة بعد أن كانت نجسة، وهي أولى بالعفو من غيرها، والتحقيق ما تقدم في قول الشيخ: أن كل ما استحال إلى الطيبات طهر، والعلق الدم الغليظ، والقطعة منه علقة.
[ ١ / ٣٥١ ]
(فإن خللت) أو نقلت لقصد التخليل لم تطهر (١) والخل المباح أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي (٢) ويمنع غير خلال من إمساك الخمرة لتخلل (٣) .
_________________
(١) بالغسل وفاقا للشافعي، لقوله ﷺ وقد سئل عن الخمر تتخذ خلا قال: (لا) رواه مسلم وغيره عن أنس، وقال عمر، لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، وثبت عن طائفة من الصحابة، قال ابن القيم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف اهـ. وذلك لأن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، فلا يكون سببا للحل، وأخبر النبي ﷺ أنها داء وليست بدواء، إبعادا عن اصطناعها الداعي إلى شربها، وخصها دون غيرها من المطاعم بالحد، لقوة محبة الأنفس لها.
(٢) نقله الجماعة، وقيل له: فإن صب عليه خل فغلى؟ قال: يهراق اهـ وقيل أن تمضي عليه ثلاثة أيام حتى لا يستحيل أولا خمرا، وكذا إذا عصر على العنب أترج أو خل منعه من الغليان، وكذا اللبن الحامض جدا، والخل مصدر، وما حمض من عصير العنب وغيره، وأجوده خل الخمر، تركب من جوهرين حار وبارد، نافع للمعدة واللثة والقروح والحكة وغيرها، وفي الحديث نعم الإدام الخل، وسمي خلا لأنه اختل من طعم الحلاوة.
(٣) أي يمنع غير صانع الخل وبائعه، ويراق خمره في الحال، فإن خالف وأمسك فصار خلا بنفسه طهر، وأما الخلال فلا يمنع لئلا يضيع عليه ماله، والقول الثاني يراق كغيره، وقال شيخ الإسلام: أظهرهما وجوب إراقته، فإنه ليس في الشريعة خمرة محترمة، لأمره ﷺ بإراقة خمر اليتامى اهـ وإنما حرم إمساكها للتخليل، لئلا يتخذ ذريعة إلى إمساكها للشرب وعن شرب العصير بعد ثلاث وعن الإنتباذ في الأوعية التي قد يتخذ النبيذ فيها ولا يعلم به حسما لمادة قربان المسكر، ومتابعة للسنة المأثورة لأنها مظنة ظهور الشدة غالبا، وقد صرح الشارع بالعلة في تحريم القليل، فقال: لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه، والعلة في تحريمها: المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وقد تواتر تحريمها فلا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
[ ١ / ٣٥٢ ]