(ومن جمع) بين صلاتين لعذر، أذن للأولى وأقام لكل منهما (١) سواء كان جمع تقديم أو تأخير (٢) (أو قضى) فرائض (فوائت أذن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) من الأولى وما بعدها (٣) وإن كانت الفائتة واحدة أذن لها وأقام (٤) ثم إن خاف من رفع صوته تلبيسا أسر، وإلا جهر (٥) فلو ترك الأذان لها فلا بأس (٦) .
_________________
(١) أي المجموعتين لعذر كسفر ومرض، لحديث جابر أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه مسلم.
(٢) عند فعلها، لأن وقتها هو الذي تفعل فيه كما تقدم.
(٣) قال النووي وغيره: بلا خلاف، لحديث الخندق، شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء، رواه أحمد والترمذي، وقال: ليس بإسناده بأس، والطحاوي بإسناد صحيح.
(٤) لأمره ﵊ بلالا بالأذان والإقامة، رواه مسلم وغيره، وقال الشيخ: الأذان مشروع للفائتة عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس بواجب، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه.
(٥) أي وإن لم يخف من رفع صوته تلبيسا أي تخليطا جهر لعموم الأخبار.
(٦) لأنه للإعلام، ولا حاجة للإعلام هنا، لكن إن رجا اجتماع الناس فالأولى له أن يؤذن، وإن لم يرج اجتماعهم فلا بأس بتركه، ولا يسن لفاسدة # أعيدت في الوقت، ولا لظهر يوم الجمعة في مصر، ولا فيما يقضي من الفوائت في مسجد، لأنه فيه تشويشا وتغليظا، أما إن كان منفردا أو يؤذن بقدر ما يسمع نفسه فلا.
[ ١ / ٤٥٢ ]
(ويسن لسامعه) أي لسامع المؤذن (١) أو المقيم (٢) ولو أن السامع امرأة (٣) أو سمعه ثانيا وثالثا، حيث سن (٤) .
_________________
(١) إجابته إجماعا، على أي حال كان، من طهارة وغيرها، ولو جنبا أو حائضا، إلا حال جماع وتخل لقوله: «إذا سمعتم النداء فقولا مثل ما يقول المؤذن» رواه الجماعة وقيل بالوجوب، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك، ما لم يطل الفصل، ويدل على الندب حديث عمر عند مسلم «إذا قال المؤذن الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر، إلى قوله: قال لا إله إلا الله دخل الجنة» وللبخاري نحوه من حديث معاوية.
(٢) أي يستحب لسامع المقيم. صححه في الإنصاف، وهو قول جمهور أصحاب الأئمة الثلاثة، لما روى أبو داود عن أبي أمامة، وقال في سائر ألفاظ الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، لكن قال المنذري وغيره: في سنده مجهول وشهر، وهو متكلم فيه، وقال النووي: وكيف كان فهو حديث ضعيف منقطع قال ابن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى، وقال الحافظ: استدل به يعني قولوا إذا سمعتم المؤذن إلخ على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة اهـ وهل يعتبر فهم الصوت أولا؟ استظهر بعضهم أنه يعتبر فهمه، فإن سمع بعضه تابعه فيما سمع فقط لقوله: إذا سمعتم.
(٣) لعموم الأخبار.
(٤) أي حيث كان الأذان مشروعا، قال في المبدع: ظاهر كلامهم أنه يجيب ثانيا وثالثا حيث سن، واختاره الشيخ. لكن لو سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعته لم يجب الثاني، لأنه غير مدعو بهذا الأذان وإجابة الأول أفضل، إلا أذاني الفجر فهما سواء.
[ ١ / ٤٥٣ ]
(متابعته سرا) بمثل ما يقول (١) ولو في طواف أو قراءة (٢) ويقضيه المصلي والمتخلي (٣) (و) تسن (حوقلته في الحيعلة) (٤) .
_________________
(١) أي قولا بمثل ما يقول المؤذن لما تقدم من قوله فقولا مثل ما يقول وفي حديث عمر، من قال مثل ما يقول صدقا من قلبه دخل الجنة، رواه مسلم، وله أيضا من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا عبده، ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا غفر له ذنبه.
(٢) أو ذكر فيقطع القراءة والذكر ويجيبه، لعموم الأخبار، قال الشيخ: ولأن موافقة الأذان عبادة مؤقتة يفوت وقتها، وهذه الأذكار لا يفوت وقطع الموالاة فيها لسبب شرعي جائز بخلاف الصلاة.
(٣) أي يقضي المصلي إذا فرغ من صلاته والمتخلي إذا خرج من الخلاء ما فاته من إجابة المؤذن حين سماعه، ولا يقضي إذا سمع البعض فقط، وإن أجابه المصلي بطلت بلفظ الحيعلة فقط، دون باقي ألفاظ الأذان لأنها أقوال مشروعة في الصلاة في الجملة، وكرهه مالك وغيره، وهل يجيب المستنجي في حال الاستنجاء أو بعده، ظاهر يجيب لتعميمهم غير المصلي والمتخلي.
(٤) كلمة استعجال مولدة وهي حكاية قول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، كما تقدم أنهم أخذوا الحاء والياء من حي، والعين واللام من على، كما يقال الحوقلة لا حول ولا قوة إلا بالله، أخذوا الحاء والواو من حول، والقاف من قوة واللام من اسم الله تعالى، والحكمة في إبدال الحوقلة من الحيعلة، أن الحيعلة دعاء إلى الصلاة معناه هلموا، وإنما يحصل الأجر فيه بالإسماع، فأمر السامع بالحوقلة، لأن الأجر يحصل لقائلها، سواء أعلنها أوأخفاها، ولمناسبتها لقول المؤذن، وتكون جوابا له، بأن تبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته.
[ ١ / ٤٥٤ ]
أي أن يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله (١) إذا قال المؤذن أو المقيم: حي على الصلاة، حي على الفلاح (٢) وإذا قال: الصلاة خير من النوم، ويسمى التثويب (٣) قال السامع: صدقت وبررت (٤) .
_________________
(١) تقدم معناه: وفي الصحيحين «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة»، أي أجر مدخر لقائلها، كما يدخر الكنز، وأخرج النسائي في اليوم والليلة وغيره: إن العبد إذا قالها قال الله: أسلم عبدي واستسلم.
(٢) لحديث عمر عند مسلم ثم قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وللبخاري عن معاوية إذا قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما لم يتابعه لأن الحيعلة المقصود بها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة ثواب الحوقلة، ولأنها خطاب فإعادته عبث، بل سبيله الطاعة وسؤال الحول والقوة الدالين على الاعتراف بالعجز وطلب المعونة من الله في كل الأمور.
(٣) أي إلى العود بالإعلام بعد الإعلام بإقام الصلاة، من ثاب إذا رجع، لأن المؤذن رجع إلى الدعاء للصلاة بعد أن دعا إليها بالحيعلة، وهو في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وهو مخصوص بأذان الفجر.
(٤) أي صدقت في دعائك إلى الطاعة، وبررت بكسر الراء الأولى وسكون الثانية، ودعاء له أي بر عملك، أو صيرك الله دابر، أي خير كثير، وهذا استحسان من قائليه وإلا فليس فيه سنة تعتمد، ولا أصل له، لعدم وروده، والصواب ما ذهب إليه مالك وغيره أن يقول مثل ما يقول، لقوله: «قولوا كما يقول المؤذن» متفق عليه، زاد النسائي حتى ينتهي.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، قال السامع: أقامها الله وأدامها (١) وكذا يستحب للمؤذن والمقيم إجابة أنفسهما (٢) للجمع بين ثواب الأذان والإجابة (٣) .
(و) يسن (قوله) أي قول المؤذن وسامعه (بعد فارغه (٤) اللهم) أصله: يا الله، والميم بدل من يا (٥) قاله الخليل وسيبويه (٦) .
_________________
(١) لما روى أبو داود عن أبي أمامة أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها وتقدم الكلام فيه والله أعلم.
(٢) أي بعد كل كلمة كالسامع.
(٣) صرح به جماعة وعنه لا يجيب نفسه، وقال ابن رجب: الأرجح أن المؤذن لا يجيب نفسه، وهو ظاهر كلام جماعة اهـ. فالمقيم أولى للأمر بالإسراع فيها.
(٤) أي يقول المؤذن بعد فراغه وكذا سامعه بعد فراغه من إجابته وبعد فراغه من الصلاة على النبي ﷺ لحديث عبد الله بن عمرو «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليها بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» رواه مسلم.
(٥) أي حذف حرف النداء من قولك يا الله، وعوض عنه ميم مشددة في الأخر.
(٦) أي الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي اليحمدي الأزدي الإمام في علم النحو، واستنبط علم العروض، ومن تأسيسه بناء كتاب العين، وكتاب العروض والشواهد وغيرها توفي سنة مائة وسبعين، وسيبويه بكسر السين وسكون الهاء أبو بكر عمرو بن عثمان بن قنبر، اشتهر بلقبه سيبويه، وهو لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح، صاحب الكتاب المشهور، جميع كتب الناس في النحو عيال عليه، خرج من بغداد لما تعصبوا عليه للكسائي، وتوفي بشيراز سنة مائة وثمانين وله نيف وأربعون.
[ ١ / ٤٥٦ ]
(رب هذه الدعوة) بفتح الدال (١) أي دعوة الأذان (التامة) أي الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها (٢) (والصلاة القائمة) أي التي ستقوم وتفعل بصفاتها (٣) (آت محمدا الوسيلة) (٤) منزلة في الجنة (٥) .
_________________
(١) احتراز عن الدعوة بالكسر للنسب، وأما دعوة الوليمة فبالفتح: وقيل بالضم.
(٢) لكمالها وعظم موقعها، والمراد دعوة التوحيد لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ وقيل لدعوة التوحيد تامة لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقال ابن التين: وصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله، ويدعى به إلى عبادته.
(٣) والدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة، وإنها قائمة ما قامت السموات والأرض.
(٤) أي أعط نبينا محمد ﷺ الوسيلة، من الإيتاء وهو الإعطاء، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، والوسيلة علم على أعلم منزلة في الجنة، وهي منزلة الله ﷺ وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.
(٥) وقد فسرها به النبي ﷺ في الحديث المتقدم.
[ ١ / ٤٥٧ ]
والفضيلة (١) (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) (٢) أي الشفاعة العظمة في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون (٣) ثم يدعو (٤) .
_________________
(١) الرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة، قال السخاوي: وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان فلم أره في شيء من الروايات.
(٢) أي ابعثه يوم القيامة فأقمه المقام المحمود الذي وعدته وهو الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، ومن سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، زاد البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، والموصول إما بدل، وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول بفعل محذوف، وقيل: بدل على رواية النكير، نعت على رواية التعريف، ورواه النسائي وغيره بالتعريف بإسناد صحيح، ورواه البخاري وأكثر أهل الحديث بالتنكير، قال ابن القيم: وهو الصحيح من وجوه: (أحدها) اتفاق أكثر الرواة عليه. (والثاني) موافقته للفظ القرآن. و(الثالث) لفط التنكير قد يقصد به التعظيم. (والرابع) دخول اللام يعينه وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا. و(الخامس) محافظته ﵊ على ألفاظ القرآن، وأراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .
(٣) لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، ويحمده الخالق جل وعلا، وهذه الشفاعة مختصة به ﷺ يشفع في أهل الموقف، ليقضي بينهم، بعدما يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ فيقول: أنا لها، وله ﷺ ثلاث شفاعات.
(٤) لحديث الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه، أي فادعوا قالوا: فما نقول؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة قال ابن القيم: حديث صحيح، ولحديث قل كما يقول فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أبو داود، ويستحب أن يقول: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، لحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم، وغيره، وتقدم ويقول عند أذان المغرب، «اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي»، لحديث أم سلمة رواه أبو داود والترمذي.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ويحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجد، بلا عذر (١) أو نية رجوع (٢) .
_________________
(١) مع صحتها منه، لحديث «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة هو لا يريد الرجعة فهو منافق»، رواه ابن ماجه، ولأحمد عن أبي هريرة: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم من المسجد حتى يصلي، ورأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فأتبعه بصره، وقال: إن هذا قد عصى أبا القاسم ﷺ وقاله ابن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة اهـ ولأن خروجه بعد الأذان من المسجد ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة قال الشيخ: وإن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكون الخروج، وأما خروجه لعذر فلا يحرم، كقضاء حاجة، ومثله لو خرج بعد الأذان ليصلي جماعة بمسجد آخر، لا سيما مع فضل إمامه.
(٢) أي إلى المسجد قبل فوت الجماعة، ويستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلا لئلا يتشبه بالشيطان، ولو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأت بتحية المسجد لا بغيرها، بل يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية، والمراد غير أذان الخطبة، لأن استماع الخطبة أهم.
[ ١ / ٤٥٩ ]