(ومن سنن الوضوء) وهي جمع سنة وهي في اللغة الطريقة (١) وفي الاصطلاح: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه (٢) وتطلق أيضا على أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ (٣) وسمي غسل الأعضاء على الوجه المخصوص وضوءا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه (٤) (السواك) وتقدم أنه يتأكد فيه ومحله عند المضمضة (٥) .
_________________
(١) والسيرة مرضية كانت أو غير مرضية، بتثليث السين وفتح النون وضمها، وقال الأزهري: الطريقة المحمودة المستقيمة. والسنة من الله حكمه وأمره ونهيه، أي شريعته جمعها سنن مثل غرفة وغرف.
(٢) وفي التعريفات: هي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير افتراض ولا جواب اهـ فالسنة ما واظب عليه النبي ﷺ مع الترك أحيانا.
(٣) أي وتطلق السنة في الاصطلاح أيضا على أقوال النبي ﷺ مما أمر به، ونهى عنه، وندب إليه وأفعاله وتقريراته فإذا سكت عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالما به دل على جوازه أو سنيته.
(٤) المخصوص أي لا العام، والوجه المخصوص منه هو غسل الأعضاء الأربعة الوجه واليدين والرجلين بنية رفع الحدث.
(٥) أي فالسواك من سنن الوضوء، قال في الإنصاف: بلا نزاع، والسواك مبتدأ مؤخر، وخبره ما تقدم من قوله: ومن سنن الوضوء.
[ ١ / ١٦٧ ]
(وغسل الكفين ثلاثا) في أول الوضوء (١) ولو تحقق طهارتهما (٢) (ويجب) غسلهما ثلاثا بنية وتسمية (من نوم ليل ناقض لوضوء) لما تقدم في أقسام المياه (٣) .
_________________
(١) أي: ومن سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا في أوله، لما رواه أحمد والنسائي عن أوس قال: رأيت النبي ﷺ توضأ فاستوكف ثلاثا، أي غسل كفيه ثلاثا، ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه يغسل كفيه ثلاثا في أوله، ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وسميت الكف كفا لأنها تكف عن البدن الأذى.
(٢) وإلا وجب غسلهما فعلى هذا يغسل يديه ثلاثا للنوم، وثلاثا لسنة الوضوء لظاهر الحديث، وقال غير واحد: يحتمل إنه إذا غسلهما ثم توضأ في الحين من غير فصل فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء، والذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروا أنه غسل يديه بعد الغسل الأول، واختلفت عباراتهم في أول سنن الوضوء، فعبر بعضهم بالتسمية، وبعضهم بغسل الكفين، وآخرون بالنية، وآخرون بالسواك، وجمع الرملي بينهم بحمل الأولى على القولية، والثانية على الفعلية التي ليست منه، فيسمى الله ناويا الوضوء وغاسلا كفيه ثم يستاك.
(٣) من حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه الحديث ولفعله عليه الصلاةوالسلام كما ذكره من وصف وضوءه، وعنه سنة قال الشيخ: اختاره الخرقي وجماعة، واختاره الموفق والشارح وغيرهما لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ شمل القائم من النوم، لا سيما وقد فسره زيد بن أسلم بالقيام من الليل، ولم يذكر سبحانه غسل اليدين، والأمر السابق للندب لأنه ﵊ علل بتوهم النجاسة، وذلك يقتضي الندبية لا الوجوب استصحابا للأصل.
[ ١ / ١٦٨ ]
ويسقط غسلهما والتسمية سهوا (١) وغسلهما لمعنى فيهما (٢) فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه وفسد الماء (٣) (و) من سنن الوضوء (البداءة) قبل غسل الوجه (بمضمضة ثم استنشاق) ثلاثا ثلاثا بيمينه (٤) .
_________________
(١) فليس غسلهما شرطا لصحة الطهار، فيسقط سهو، وكذا جهلا، قياسا على واجب صلاة ولا يفسد ما حصل فيهما إذا للمشقة، وإذا تذكر في الأثناء لا يستأنف ولو أراد طهارة أخرى لم يجب، لأن غسلهما للقيام من النوم.
(٢) أي غسل اليدين للنوم المذكور لمعنى في اليدين غير معقول لنا لا لإدخالهما الإناء. وقال الشيخ: أو لخوف نجاسة تكون على اليد لقوله لا يدري أحدكم أين باتت يده فتكون علة من العلل، أو أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين فإن الشيطان يبيت على خيشومه معللا بمبيته فقوله لا يدري أين باتت يده، يمكن أن يراد به ذلك، فتكون من العلل المؤثرة التي يشهد لها النص بالاعتبار.
(٣) التقييد بالوضوء، جرى على الغالب، فلا مفهوم له، وفساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثا بنية من نوم ليل فسد، وإن لم يدخلها الإناء جزم به في الإقناع والمنتهى، وروي أنه لأجل إدخالها الإناء، فيصح وضوءه ولا يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال، وتقدم أنه لا يقتضي سلب طهورية الماء.
(٤) البداءة بالضم ويكسر ويفتح وبدأ به ابتدأ وبدأه فعله ابتداء والبداءة بالشيء تقديمه على غيره، وبدأ الله الخلق وأبدأهم بمعنى، والمضمضة لغة التحريك، ومضمض الماء في الإناء حركه، واصطلاحا تحريك الماء في الفم، والاستنشاق من النشق، وهو جذب الماء ونحوه بريح الأنف إلى داخله، أي ومن سنن الوضوء تقديم المضمضة وهي بأن يجعل الماء في فيه ثم يدبره ثم يمجه وإن شاء ابتلعه ثم الاستنشاق وهو إدخال الماء في أنفه، وجذبه بالنفس ليزول ما في الأنف، ثلاثا ثلاثا، أي يمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا، يجمع بينهما بثلاث غرفات، بكف واحد لحديث عبد الله بن زيد توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا بكف واحد، وحديث علي مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات، وكونه بيمينه لحديث عثمان وغيره، ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق واستتر بيساره وكلها في الصحيحين وغيرهما.
[ ١ / ١٦٩ ]
واستنثاره بيساره (١) (و) من سننه (المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق (٢) (لغير صائم) فتكره (٣) .
_________________
(١) لحديث عثمان، ولحديث علي أنه نثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوء النبي ﷺ والاستنثار لغة طرح الماء من الأنف بالنفس، من نثرت الشيء إذا طرحته أو من النثرة وهي طرف الأنف، وقيل الأنف كله، وشرعا طرح الماء من أنفه بنفسه بعد الاستنشاق مع وضع إصبعي يساره على أنفه، قال النووي: عند جماهير أهل الحديث واللغة والفقه.
(٢) إلى أقاصيهما قال في المبدع: هذا قول عامة المتأخرين: وإنما لم يجب لسقوطها بصوم النقل، والواجب لا يسقط بالنفل، وعنه وجوب المبالغة فيهما على المفطر فتتأكد السنية.
(٣) صرح به الموفق والشيخ وغيرهما، لحديث وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، رواه الخمسة وصححه الترمذي والبغوي وغيرهما، وروي من طريق الثوري وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأن المبالغة فيهما من جملة إسباغ الوضوء المأمور به، وقال النووي: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف اهـ ووجه الكراهة للصائم للنهي عنه، ولخشية أن ينزل إلى جوفه ما يفطره، وقال الشيرازي، لا تجوز وقال الشارح وغيره: لا تستحب لا نعلم فيه خلافا، والمبالغة في الأمر والاجتهاد، وبذل الوسع، من بالغ في الأمر يبالغ مبالغة، اجتهد ولم يقتصر والمبالغة وصف يزيد على ما في الواقع.
[ ١ / ١٧٠ ]
والمبالغة في المضمضة إدارة الماء بجميع فمه (١) وفي الاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى الأنف (٢) وفي بقية الأعضاء دلك ما ينبو عنه الماء للصائم وغيره (٣) (و) من سننه (تخليل اللحية الكثيفة) بالثاء المثلثة وهي التي تستر البشرة (٤) .
_________________
(١) فلا يكفي وضع الماء فيه بلا إدارة، لأنه لا يسمى مضمضة والواجب الإدارة ولو ببعض الفم، قال النووي: والجمهور أن إدارة الماء في الفم لا تلزم.
(٢) لحديث استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما فقوله: بالغتين أو ثلاثا، أي أنهما في أعلى نهاية الاستنثار، والواجب جذب الماء إلى باطن الأنف، وإن لم يبلغ أقصاه، ولا يكفي وضعه في أنفه بدون جذب، فإنه لا يسمى استنشاقا.
(٣) دلك الشيء يدلكه دلكا مرسه وفركه ودعكه، من باب نصر، أي يعركها به، وينبو يتجافى ويتباعد، أي والمبالغة في بقية الأعضاء ذلك ما يتباعد عنه الماء، والمراد إمرار اليد على العضو احتياطا، ولعله مالم يتحقق عدم وصول الماء إليه، وإلا كان الدلك واجبا، لا مستحبا فقط، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأخرج الخمسة وغيرهم وصححه الترمذي وغيره أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، أي عمم الأعضاء، واستوعبها. ومنه: ثوب سابغ ودرع سابغة، وفي هذا الحديث وغيره مشروعية الإسباغ، والمراد الإنقاء، واستكمال الأعضاء وفي الحديث إسباغا الوضوء شطر الإيمان، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وذلك لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن، والوضوء يطهر نجاسة الظاهر.
(٤) أي الغليظة واللام مكسورة وجمعها لحى ولحى، بالكسر والضم، وتخليلها تفريق شعرها، أي وإسالة الماء بينها، وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه ومن تخلل الشيء نفذ فيه، لحديث أنس مرفوعا، كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه، وخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي رواه أبو داود وروي ابن ماجه والترمذي وصححه أنه كان يخلل لحيته، قال ابن القيم: وكان يخلل لحيته أحيانا، ولم يكن يواظب على ذلك، وقال أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن أبي حاتم: لا يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء وأما الخفيفة وهي التي لا تستر البشرة يعني ظاهر الجلد فيجب إيصال الماء لما تحتها قولا واحدا.
[ ١ / ١٧١ ]
فيأخذ كفا من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة، أو من جانبيها ويعركها (١) وكذا عنفقة (٢) وباقي شعور الوجه (٣) (و) من سننه تخليله الأصابع أي أصابع اليدين والرجلين (٤) .
_________________
(١) أي وصفه التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها، لحديث ابن عمر: عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، من عركت الشيء إذا دلكته بيديك ويكون ذلك عند غسلهما لحديث عثمان وخلل لحيته حين غسل وجهه، وقال: رأيته فعل الذي رأيتموني فعلت. صححه الترمذي. وقوله: فيأخذ كفا من ماء، لحديث أنس المتقدم، ولكن في الصحيح عن ابن عباس أنه ﷺ توضأ فغسل وجهه، الحديث ولم يذكر أنه أخذ لها ماء، وإن شاء عركها إذا مسح رأسه نص عليه.
(٢) أي يعركها والعنفقة بعين مهملة مفتوحة، فنون ساكنة، ففاء مفتوحة ثم قاف، فهاء شعيرات بين الشفة السفلى والذقن، قيل لها ذلك لخفتها وقلتها وربما أطلقت العنفقة على موضع تلك الشعيرات وجمعها عنافق.
(٣) كالحاجب والشارب وأهداب العينين، يخللها إذا كانت كثيفة، ويجزئ غسل ظاهره.
(٤) لحديث لقيط وخلل بين الأصابع، صححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم أن يخلل أصابع رجليه في الوضوء وقيل: لا خلاف في مسنونية تخليل أصابع الرجلين، وفي أصابع اليدين روايتان أشهرهما يسن، لعموم حديث لقيط، ولقوله ﷺ إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه البخاري والترمذي والرواية الثانية لا يسن إذ تفريجها يغني عن تخليلها قال الشارح: والأول أولى، وقال ابن القيم: وكان ﷺ يخلل الأصابع، ولم يكن يواظب على ذلك، وما رواه أهل السنن أنه إذا توضأ يدلك أصابعه بخنصره إن ثبت فإنما يفعله أحيانا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه اهـ، والأحاديث الواردة في التخليل في أسانيدها مقال. ولكن لا تقصر عن إثبات استحباب التخليل، لا السنية، لعدم ثبوت المواظبة وقيل: المراد بالأمر إيصال الماء إلى ما بينها وهو واجب.
[ ١ / ١٧٢ ]
قال في الشرح: وهو في الرجلين آكد (١) ويخلل أصابع رجليه بخنصر يده اليسرى من باطن رجله اليمنى، من خنصرها إلى إبهامها (٢) وفي اليسرى بالعكس (٣) وأصابع يديه إحداهما بالأخرى (٤) .
_________________
(١) للآثار ولأنها ألصق من أصابع اليدين، وفي الإنصاف: يستحب بلا نزاع.
(٢) لحديث المستورد رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره رواه أهل السنن وحسنه الترمذي، والبداءة بخنصرها ليحصل التيامن في التخليل.
(٣) أي من إبهامها إلى خنصرها.
(٤) أي يخلل أصابع يديه، إحدى يديه يخللها بالأخرى، وإذا كان في إصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه، أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه لفعل علي وابن عمر. وروي أنه ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه وسنده ضعيف.
[ ١ / ١٧٣ ]
فإن كانت أو بعضها ملتصقة سقط (١) (و) من سننه (التيامن) بلا خلاف (٢) (وأخذ ماء جديد للأذنين) بعد مسح رأسه (٣) .
_________________
(١) أي التخليل بين الملتزقة لعدم إمكانه.
(٢) وحكاه الموفق والنووي وجمع وقالوا: ليس بواجب بالإجماع، وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، والتيامن البداءة باليمين في غسلها قبل اليسار ونحو ذلك، وفي الصحيحين كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهور وفي شأنه كله وفي السنن وصححه ابن خزيمة إذا توضأ أحدكم فليبدأ بيمينه واليمين من نوافل الخير، فلا يختص ذلك بالوضوء، بل يستحب الابتداء باليمين في كل أفعال الخير، فإن قاعدة الشرع أن ما كان من باب التشريف والتكريم يندب فيه التيامن، وما كان بضده يندب فيه التياسر.
(٣) يعني خلاف الماء الذي مسح به رأسه. لما روى البيهقي أنه ﷺ أخذ ماء لأذنيه غير الماء الذي أخذ لرأسه وهذا مذهب مالك والشافعي وعنه: لا يستحب أن يأخذ ماء جديدا لأذنيه، بل يمسحان بماء الرأس، وفاقا لأبي حنيفة، واختاره القاضي وأبو الخطاب والمجد والشيخ وغيرهم، وقال ابن القيم: لم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدا، قال ابن دقيق العيد: الذي في ذلك الحديث، ومسح رأسه بماء غير فضل يديه. قال الحافظ: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ. وهو في صحيح ابن حبان. وفي رواية الترمذي وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. وما ذكره رواة حديث صفة الوضوء أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، ظاهر في أنه بماء واحد، وكذا حديث الأذنان من الرأس، يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء منفرد لهما كما لا يؤخذ ماآن لعضو واحد، والأذن بضم الذال ويجوز إسكانها، مشتقة من الأذن بفتح الهمزة والذال، وهو الاستماع.
[ ١ / ١٧٤ ]
ومجاوزة محل الفرض (١) (و) من سننه (الغسلة الثانية والثالثة) (٢) وتكره الزيادة عليها (٣) .
_________________
(١) أي ومن سننه مجاوزة محل الفرض، وهو مذهب الشافعية، لما روى مسلم من حديث أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد وقال في الرجل: حتى أشرع في الساق، ثم قال قال رسول الله ﷺ «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء» ولهما «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» . قال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، وقوله: أشرع أي أدخل الغسل فيهما، والغرة بياض وجوههم باتفاق أهل اللغة وغيرهم. والتحجيل بياض مواضع الوضوء من الأيدي والأرجل، سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس، وعنه: لا تستحب الزيادة على محل الفرض، وهو مذهب مالك. قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: لا تستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين، اختاره شيخنا وقال ابن القيم: ولم يثبت أنه تجاوز المرفقين والكعبين، وقال ابن بطال المكي: أجمع المسلمون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله، ولم يجاوز رسول الله ﷺ قط مواضع الوضوء فيما بلغنا.
(٢) لحديث مرتين مرتين رواه البخاري وثلاثا ثلاثا رواه مسلم وهي سنة بلا نزاع قال القاضي وغيره: الأولى فريضة والثانية فضيلة، والثالثة سنة وفي المستوعب إذا قيل أي موضع تقدم فيه الفضيلة على السنة؟ فقل: هنا.
(٣) أي الثلاث. لحديث عمرو بن شعيب أراه ثلاثا ثلاثا وقال: من زاد فقد أساء وظلم رواه أهل السنن إلا ابن ماجه، قال الحافظ: من طرق صحيحة وقال ابن القيم: لم يتجاوز الثلاث قط، وقال البخاري: وكره أهل العلم الإسراف فيه. وأن يجاوز فعل النبي ﷺ وحكى النووي وغيره الإجماع على كراهة الزيادة على الثلاث إذا عمم في كل مرة العضو وحملوه على كراهة التحريم، وعبروا بعدم الجواز. وقال البغوي وغيره: حرام، وقال ابن بشير المالكي، الرابعة ممنوعة إجماعا، ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء، وقال غير واحد، إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوءه إجماعا.
[ ١ / ١٧٥ ]
ويعمل في عدد الغسلات بالأقل (١) ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة (٢) والثنتان أفضل منها (٣) والثلاث أفضل منهما (٤) ولو غسل بعض أعضاء الوضوء أكثر من بعض لم يكره (٥) ولا يسن مسح العنق (٦) .
_________________
(١) كما لو غسل عضوا مرتين وشك في الثالثة عمل بالأقل وجعلها اثنتين.
(٢) إجماعا لحديث: توضأ مرة مرة وتجزئ إجماعا، حكاه ابن جرير وغيره.
(٣) أي من الواحدة إجماعا.
(٤) أي من الثنتين وأكمل، والغسلة التي تحسب من الثلاث هي البالغة، فلو لم يسبغ إلا بغرفات فهي واحدة، ويجب ترك التثليث لضيق الوقت، وقلة الماء واحتياج إلى الفاضل لعطش محترم ويسن ترك ذلك لإدراك جماعة، ما لم يرج أخرى ومن سننه تقديمه على الوقت لغير معذور، وصلاة ركعتين، وغير ذلك.
(٥) إجماعا لورود غسل بعضها مرتين، وبعضها ثلاثا، في الأحاديث الصحيحة.
(٦) قال النووي: بدعة وحديثه موضوع، وقال ابن القيم: لم يصح فيه حديث البتة وقال الشيخ: لم يصح أنه ﷺ مسح على عنقه ولهذا لم يستحب مسح العنق جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وذكر أن من استحبه إنما اعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة وحديث يضعفه نقله، ومثل ذلك لا يصلح عمدة ولا يعارض به ما دلت عليه الأحاديث.
[ ١ / ١٧٦ ]
ولا الكلام على الوضوء (١) .
_________________
(١) أي لا يسن الكلام على الوضوء بل يكره، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب، وقال جماعة من الأصحاب يكره، قال في الفروع: بغير ذكر الله، كما صرح به جماعة، وظاهر كلام الأكثر لا يكره السلام عليه، ولا رده، وفي عطف المصنف إيهام، فلو قال: يسن ترك الكلام على الوضوء، لكان أولى وجهه أنه عبادة فناسب ترك الكلام على الوضوء من غير حاجة، وهذه العبارة ونحوها أنه قبيل الباب أو الكتاب من رعاية التناسب وحسن الختام، ومن سنن الوضوء استقبال القبلة قال في الفروع وغيره، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل كالخطبة.
[ ١ / ١٧٧ ]