(ومن وجد ماء يكفي بعض طهره) من حدث أكبر أو أصغر (تيمم بعد استعماله) (١) ولا يتيمم قبله (٢) ولو كان على بدنه نجاسة وهو محدث غسل النجاسة وتيمم للحدث بعد غسلها (٣) .
وكذلك لو كانت النجاسة في ثوبه (٤) (ومن جرح) وتضرر بغسل الجرح (٥) .
_________________
(١) أي تيمم للباقي بعد استعمال الماء لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولقوله ﷺ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فدل على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة.
(٢) أي لا يتيمم قبل استعمال الماء في بعض طهره وجوبا، قال في الإنصاف وغيره: وهو المذهب وعليه الجمهور، وجزم به، واختاره غير واحد، وفي التلخيص: يلزمه في الجنابة رواية واحدة اهـ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فاعتبر استعماله أولا ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء، وذكر المجد وغيره أن الجنب إذا وجد ماء يكفي أعضاء وضوئه استعمله فيها ناويا رفع الحدثين، ليحصل له كمال الطهارة الصغرى وبعض الكبرى.
(٣) أي النجاسة: نص عليه، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا ولو كانت في محل يكفي فيه الاستجمار، وقال المجد: إلا أن تكون النجاسة في محل يصح تطهيره من الحدث فيستعمل.
(٤) أو بقعته اللتين لا يمكنه الصلاة في غيرهما غسل ذلك أولا ثم تيمم.
(٥) أو كان به قروح أو رمد ونحوها وهو جنب أو محدث تيمم له وغسل الباقي، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ولما رواه البزار وصححه ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم.
[ ١ / ٣٠٩ ]
أو مسحه بالماء (تيمم له) (١) ولما يتضرر بغسله مما قرب منه (٢) (وغسل الباقي) فإن لم يتضرر بمسحه وجب وأجزأ (٣) وإن كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب، فيتيمم له عند غسله لو كان صحيحا (٤) ومراعاة الموالاة فيعيد غاسل الصحيح عند كل تيمم (٥) .
_________________
(١) أي أو تضرر بمسح الجرح بالماء تيمم له وغسل الباقي.
(٢) أي ويتيمم لما يتضرر بغسله مما قرب من الجرح ونحوه، لاستوائهما في الحكم.
(٣) أي وجب مسحه بالماء وأجزأ عن الغسل، لأن المسح بالماء بعض الغسل، ومحله إذا كان العضو الجريح طاهرا لا نجاسة عليه، فإن كان نجسا فقال في التلخيص: يتيمم ولا يمسح عليه قولا واحدا اهـ وقال الشيخ مسح الجرح بالماء أولى من مسح الجبيرة وهو خير من التيمم، ونقله الميموني عن أحمد، واختاره ابن عقيل.
(٤) أي فإن كان الجرح ونحوه في الوجه وعمه تيمم أولا ثم أتم وضوءه وإن كان في بعضه خير بين أن يغسل صحيحه ثم يتيمم لجرحه وعكسه، وإن كان في بعض عضو آخر لزمه غسل ما قبله، وإن كان في بعض أعضاء وضوئه احتاج في كل عضو إلى تيمم، وقال شيخ الإسلام لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم بدعة، واختاره المجد وغيره، وقال ابن رزين: هو أصح، ولما في ذلك من الحرج المنتفي شرعا.
(٥) أي وإذا كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الموالاة # فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم لوجوبها فيه، كما لو أخر غسله حتى فاتت الموالاة، وتقدم أنها لا تراعى في ذلك.
[ ١ / ٣١٠ ]
بخلاف غسل الجنابة فلا ترتيب فيه ولا موالاة (١) (ويجب) على من عدم الماء إذا دخل وقت الصلاة (طلب الماء في رحله) (٢) بأن يفتش في رحله ما يمكن أن يكون فيه (٣) (و) في قربه (٤) بأن ينظر خلفه وأمامه وعن يمينه وعن شماله (٥) .
_________________
(١) فلو اغتسل لجنابة ثم تيمم لنحو جرح وخرج الوقت لم يعد سوى التيمم، لأنه لا يعتبر فيه ترتيب ولا موالاة.
(٢) أي يجب على من عدم الماء وظن وجوده، أو شك في وجوده ولم يتحقق عدمه: طلب الماء، رواية واحدة، قاله ابن تميم وغيره، وذلك إذا دخل وقت الصلاة، فإنه لا أثر لطلبه قبل دخول وقتها، إذ هو غير مخاطب بالتيمم قبله، ولأنه سبب للصلاة يختص بها فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز، في رحله أي فيما يسكنه من حجر أو مدر أو شعر أو وبر، ويقع على متاعه وأثاثه، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، ولأنه بدل، فلا يجوز العدول إليه قل طلب المبدل، وإن تيقن عدمه تيمم بلا طلب، رواية واحدة، قاله غير واحد، وعده الموفق وغيره شرطا ثالثا، وفاقا للشافعي.
(٣) كأوان يوضع فيها، وأما الذي لا يمكن فيه فطلب للمحال، ولا يجب بلا ريب ويفتش للمبالغة، أي يستقصي في الطلب.
(٤) عرفا ولا يتقيد بميل ونحوه، ولا بمدى الغوث.
(٥) إذا كانت أرضا جاهلا بها فإن كان ذا خبرة بها ولم يعلم أن فيها ماء لم يلزمه، ومثل ذلك ما جرت العادة بالسعي إليه مما هو عادة القوافل ونحوهم.
[ ١ / ٣١١ ]
فإن رأى ما يشك معه في الماء قصده فاستبرأه (١) ويطلبه من رفيقه (٢) فإن تيمم قبل طلبه لم يصح، ما لم يتحقق عدمه (٣) (و) يلزمه أيضا طلبه (بدلالة) ثقة (٤) إذا كان قريبا عرفا (٥) .
_________________
(١) إن ظن به ماء كخضرة وطير، وركب قادم يحتمل وجود الماء معه، أو يظنه أو يتوهمه أو كان بقربه ربوة أو شيء قائم فيجب إجماعا، مع ظن وجوده، وذلك مشروط بانتفاء الضرر من سرقة ونحوها، كما تقدم فإن تحقق عدمه لم يلزمه طلبه لأنه لا أثر لطلب شيء محقق العدم.
(٢) إما بسؤال عن موارده، أو معه ليبيعه أو يبذله له، وتقدم أن الإتهاب لا يلزمه، فلعل ما تقدم إذا لم يكن من رفيقه، وقد صرح الأصحاب أن المراد بالرفقة الذين معه ممن تلزمه مؤونتهم في السفر، ومن كان له رفقة يعمل عليهم طلبه منهم، قال في الشرح: والرفيق الذي يدلي عليه، أي لا يستحي من سؤاله.
(٣) أي لم يصح تيممه ما لم يتحقق عدم الماء وفاقا، لأنه لا أثر له، ولأنه إذا تحقق عدمه لم يلزمه الطلب، ولا فائدة لذلك الطلب، سواء كان مسافرا أم لا، والمراد بالتحقق غلبة الظن، وإذا طلبه لصلاة ولم يجده وتيمم ثم دخل وقت صلاة أخرى فإنه يطلب الماء للصلاة الثانية، لأنها في حكم الأولى، في توجه الخطاب بالطلب، وذلك إذا كان في غير الموضع الذي كان فيه في وقت الصلاة الأولى، أو كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء، وأما إذا كان بموضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، فلا يلزمه الطلب حينئذ، لأنه قد تحقق عدمه.
(٤) عدل ضابط لا بضده.
(٥) لقدرته على استعماله، ولأنه إذا سعى إليه لشغله الدنيوي، فالديني أولى، وذكر النووي وغيره، لو علم ماء بمحل يصله مسافر لحاجته كاحتشاش واحتطاب وجب طلبه منه اهـ وقدره بعضهم بنصف فرسخ، ويختلف باختلاف الأحوال.
[ ١ / ٣١٢ ]
ولم يخف فوت وقت ولو المختار (١) أو رفقة أو على نفسه أو ماله (٢) ولا يتيمم لخوف فوت جنازة (٣) .
_________________
(١) بأن ظن أنه لا يدرك الصلاة بوضوء إلا وقت الضرورة فإن خاف تيمم.
(٢) أي ولم يخف فوت رفقة بضم الراء، وظاهره، ولو لفوت الألفة والأنس للنهي عن الوحدة في السفر، أو لم يخف على نفسه خوفا محققا لا جبنا بأن لم يكن بينه وبين الماء أسد ونحوه، أو لص أو امرأة من فجار، ومثلها أمرد، أو لم يخف على ماله كشرود دابته، فإذا انتفت هذه المذكورة ونحوها لزمه طلبه، إذا كان قريبا عرفا، فإن خاف شيئا من نحو ما ذكر تيمم.
(٣) مع وجود الماء هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وعنه يجوز، اختاره الشيخ، وإليه ميل جده، وابن عبد القوي، ويروى ذلك عن عمر وابن عباس، وهو مذهب الحنفية، وقول أكثر الفقهاء، وقال الحافظ: وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزئ لها التيمم لمن خاف فوتها لو تشاغل بالوضوء، وفيه حديث مرفوع وسنده ضعيف اهـ، وقد ثبت أنه ﵊ تيمم لرد السلام، وابن عمر تيمم وصلى على جنازة، وعن ابن عباس، في الرجل تفجؤه الجنازة قال: يتيمم ويصلي عليها، ولأنه يخاف فوتها فأشبه العادم، والمراد فوتها مع الإمام، وقال جماعة: وإن أمكنه الصلاة على القبر لكثرة وقوعه، فتعظم المشقة، واختار الشيخ: إن خاف فوت عيد وفاقا لأبي حنيفة، وسجود التلاوة وجمعة وأنه أولى من الجنازة، لأنها لا تعاد، وفي الاختيارات: قال أبو بكر عبد العزيز والأوزاعي والحنفية: بل لمن خاف فوات الجمعة ممن انتقض وضوءه وهو بالمسجد قال في الإنصاف: وهو قول قوي في النظر، وقال الشيخ: أصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته، كالجنازة وصلاة العيد، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة، وقال: ويجوز التيمم لمن يصلي التطوع بالليل، وإن كان في البلد، ولا يؤخر ورده إلى النهار.
[ ١ / ٣١٣ ]
ولا وقت فرض (١) إلا إذا وصل مسافر إلى الماء، وقد ضاق الوقت (٢) أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعده (٣) أو علمه قريبا وخاف فوت الوقت إن قصده (٤) .
_________________
(١) أي ولا يتيمم لخوف فوت وقت فرض مع وجود الماء، بل يستعمله لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ قال الشيخ: وأما إن استيقظ قرب طلوع الشمس فيتوضأ ويغتسل بحسب ما يمكنه، وإن طلعت الشمس، وعند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك، ويكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا لها في الوقت الذي أمر الله بالصلاة فيه، وقال: الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل وإن طلعت عليه الشمس، ولا يجزئه التيمم لأنه واجد للماء، وإن كان غير مفرط في نومه فلا إثم عليه.
(٢) ولو المختار عن طهارته تيمم وصلى، جزم به في المغني والشرح والمحرز وغيرهم، وقال الشيخ: المسافر إذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء، وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج الوقت، أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي بالتيمم، قال المجد: وعلم منه أنه لو وصل إليه وأمكنه الصلاة به في الوقت فأخر حتى خشي الفوات فكالحاضر، لأن قدرته قد تحققت، فلا يبطل حكمها بتأخيره.
(٣) أي أو علم المسافر أن النوبة أي الحصة لا تصل إلى الماء إلا بعد الوقت فيتيمم لعدم قدرته على استعماله في الوقت، والنوبة اسم من المناوبة، يقال: جاءتك نوبتك أي حصتك، وحكم من في السفينة كواجد البئر، إن لم يمكنه الوصول إل الماء إلا بمشقة أو تغرير بنفسه فهو كالعادم.
(٤) أي أو علم المسافر الماء قريبا عرفا، وخاف فوت الوقت ولو المختار إن قصد الماء تيمم وصلى، ولا إعادة عليه، وقال الشيخ: إذا استيقظ أول الوقت وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم بالإجماع، وقال فيمن يمكنه الذهاب إلىالحمام، لكن لا يمكنه الخروج منه حتى يفوت الوقت، كالمرأة معها أولادها ولا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك فالأظهر يتيمم ويصلي خارج الحمام.
[ ١ / ٣١٤ ]
ومن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به حرم، ولم يصح العقد (١) ثم إن تيمم وصلى لم يعد إن عجز عن رده (٢) (فإن) كان قادرا على الماء لكن (نسي قدرته عليه) (٣) أو جهله بموضع يمكن استعماله (٤) (وتيمم) وصلى (أعاد) (٥) .
_________________
(١) لمن ليس له غرض صحيح كمحتاج لشربه ونحوه، لتعلق حق الله به، فلو تطهر به من أخذه فقد قيل بعدم الصحة، لأنه مقبوض بعقد فاسد، ما لم يجهل الحال فيصح، فإن كان لمحتاج لشربه ونحوه صح ولا حرمة، لوجوبه إذا، وأما لو مر بماء قبل الوقت أو كان معه فأهراقه قبل الوقت، ثم دخل الوقت وعدم الماء فلا إثم عليه، ويصلي بالتيمم ولا إعادة عليه، وإن أهراقه في الوقت فهو عاص، وقال في الإنصاف: يحرم بلا نزاع، ويجوز له التيمم، فإن مقتضى الفقه أن كل من فرط وضيع الحزم حتى اضطر للتيمم تيمم ولا إعادة عليه قاله الشيخ وغيره.
(٢) لأنها صلاة بتيمم صحيح لعدم قدرته على الماء حينئذ.
(٣) بأن وصل إلى بئر لا يقدر على الغسل منه، وفي رحله دلو ورشاء لكن نسيه أعاد وكذا لو نسي ثمنه.
(٤) بأن كان الماء في رحله أو بقربه في بئر أعلامها ظاهرة، وكان يتمكن من تناوله منها، أو مع عبده ولم يعلم به السيد.
(٥) في الجميع لقدرته، ولم يصح تيممه، كمن صلى ناسيا حدثه.
[ ١ / ٣١٥ ]