(ويحرم استقبال القبلة واستدبارها) حال قضاء الحاجة (١) (في غير بنيان) (٢) لخبر أبي أيوب مرفوعا (٣) «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» متفق عليه (٤) .
_________________
(١) إجماعا للأحاديث الآتية وغيرها.
(٢) لحديث ابن عمر (إنما نهى عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس)، رواه أبو داود. وقال الشيخ: هذا المنصور عند الأصحاب، وعنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، جزم به في الوجيز وغيره، واختاره أبو بكر عبد العزيز والشيخ وابن القيم وصاحب الفائق وغيرهم، ولصحة أحاديث النهي. قال ابن القيم: لا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلا، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة وليس مع من فرق ما يقاومها ألبتة.
(٣) إلى النبي ﷺ وأبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، من أكابر الصحابة، نزل عليه النبي ﷺ حال قدومه المدينة، مات غازيا سنة خمسين بالروم.
(٤) القبلة هي الكعبة، وأمره بالتشريق أو التغريب خطاب منه لأهل المدينة ومن جري مجراهم أن يتوجهوا إلى المشرق أو المغرب، وأما من كان في جهة الشرق أو الغرب فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال، ولمسلم من حديث أبي هريرة «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» ومن حديث سلمان لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، قال الحافظ: جاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في غير ما حديث صحيح تغني شهرته عن ذكره، لكونه نهيًا مجردًا، قال الشيخ: والأحاديث دلت على المنع من استقبالها أو استدبارها ببول أو غائط وهذه الحال تتضمن أمرين (أحدهما) بخروج الخارج المستقذر. (والثاني) كشف العورة اهـ ولأن جهة القبلة أشرف الجهات فصينت عن ذلك.
[ ١ / ١٣٤ ]
ويكفي انحرافه عن جهة القبلة (١) وحائل ولو كمؤخرة الرحل (٢) ولا يعتبر القرب من الحائل (٣) .
_________________
(١) أي انحراف المتخلي ولو يسيرا يمنة أو يسرة وقال في الإنصاف ظاهر كلامه لا يكفي الانحراف وهو ظاهر كلام المجد والشيخ تقي الدين وغيرهما والانحراف اليسير في الصلاة لا يضر، فلا يكفي هنا، فينبغي الانحراف كثيرا اهـ ومع النسيان ينحرف ويستغفر، الله ﷿ يعني مما أتوه غلطا وسهوا، وذلك في مراحيض قد بنيت نحو الكعبة
(٢) أي ويكفي حائل بينه وبين القبلة من دابة وجدار ونحوه، وإرخاء ذيل ونحوه، ولو كان الحائل كمؤخرة الرحل بضم فسكون، ومنهم من يشدد الحاء وهي لغة قليلة في آخرة الرحل وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب، والرحل للبعير، وهو أصغر من القتب أي فيكفي الاستتار به لحصول الستر به لأسافله.
(٣) كما لو كان في بيت وفي الفروع يتوجه كسترة صلاة، وتقدم أنه لا فرق بين الفضاء والبنيان، فلا فرق بين حائل ولا غيره، ولا قرب ولا بعد، ولو كان هناك فرق لكانت الجبال والمسافات كافية، وسقط النهي العام المتواتر.
[ ١ / ١٣٥ ]
ويكره استقبالها حال الاستنجاء (١) (و) يحرم (لبثه فوق حاجته) (٢) لما فيه من كشف العورة بلا حاجة (٣) وهو مضر عند الأطباء (٤) (و) يحرم (بوله) وتغوطه في طريق مسلوك (٥) (وظل نافع) (٦) ومثله متشمس بزمن الشتاء، ومتحدث الناس (٧) .
_________________
(١) قاله في الفروع والمبدع وغيرهما، وقال في الإنصاف: يتوجه التحريم.
(٢) في الخلاء، واللبث بفتح اللام مصدر، وبضمها اسم مصدر، يقال لبث في المكان لبثا ولبثا مكث وأقام.
(٣) وكشف العورة بلا حاجة قد حكي الإجماع على تحريمه.
(٤) يعني إطالة اللبث أنه يدمي الكبد، ويورث الباسور.
(٥) الطريق السبيل تذكر وتؤنث وجمعه أطرق وطرق وسلك الطريق دخله وسار فيه، لحديث أبي هريرة مرفوعا اتقوا «اللاعنين قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم»، رواه مسلم وغيره، أي اتقوا الأمرين الجالبين للعن، الباعثين الناس عليه فإنه سبب للعن من فعله في هذا الموضع، فنسب إليهما بصيغة المبالغة، وعن أبي هريرة مرفوعا، «من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، رواه البيهقي والطبراني، وله أيضا «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنة الله» .
(٦) أي مستظل الناس الذي يستظلون به، ويعتادون الجلوس فيه، أويتخذونه مقيلا ومناخا، للحديث السابق، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة المنتفع به، وليس كل ظل يحرم القعود عنده لقضاء الحاجة، فقد قضاها ﷺ تحت حائش ومعلوم إن له ظلا، وفي الحديث (وكان أحب إليه حائش نخل، أو حائط)، والحائش النخل المتلف.
(٧) لأنهما في معناه، والمراد الحديث المباح، أما المكروه أو المحرم فلا يكره، بل يندب أن يفرقهم ما استطاع، إذا كان الحديث بنحو غيبة وهذا في المتحدث المملوك أو المباح، أما إذا كان ملك الغير فيحرم، حيث علم أنه لا يرضى به أو لم يؤذن له، وقال ابن القيم: وإن اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك وإذا لم يجد موضعا سواه، إما لضيق الطريق، أو لتتابع المارين فيها.
[ ١ / ١٣٦ ]
(وتحت شجرة عليها ثمرة) لأنه يقذرها (١) وكذا في موارد الماء (٢) وتغوطه بماء مطلقا (٣) .
_________________
(١) لما رواه الطبراني وغيره من النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري، من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وسواء كانت الثمرة تؤكل أو لا صيانة لها عن التلويث، ولعموم النهي، لأنه يفسدها وتعافها النفس، وعدم احترام لها، فإن لم يكن عليها ثمرة لم يحرم، إن لم يكن ظلا نافعا، ويحرم تغوط ونحوه على ما نهي عن استجمار به، لحرمته كطعام لا على ما نهي عن استجمار به لنجاسته أو ملاسته.
(٢) أي مجاريه ومشارعه، والطرق إليه، أحدها مورد، لحديث معاذ مرفوعا، «اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل» رواه أبو داود وابن ماجه وقال: مرسل والبيهقي وقال النووي: إسناد جيد، واتقاؤها متفق عليه، وعن ابن عباس نحوه رواه أحمد وفيه ضعف، والملاعن جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن فاعلها، كأنها مظنة اللعن ومحل له لأن الناس إذا مروا به لعنوا فاعله أو سميت بذلك لأنها سبب اللعن.
(٣) قليلا كان أو كثيرا جاريا أو غير جار لأنه يقذره ويمنع الناس الانتفاع به، بخلاف البول فلا يكره إلا في الراكد لحديث «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد» متفق عليه، ويرد على إطلاقه الماء الكثير، كالبحار والأنهار الكبار، والماء القليل في المطاهر المعد لذلك فإنه لا يكره تغوطه فيه وعبارة الإقناع: ويحرم بوله وتغوطه على ما نهي عن الاستجمار به، كروث وعظم، وعلى ما يتصل بحيوان كذنبه ويده ورجله، ويد المستجمر، وعلى ماله حرمة كالمطعوم، وعلى قبور المسلمين وعلى علف دابة ونحوها اهـ ولأبي داود عن مكحول: (نهى سول الله ﷺ أن يبال بأبواب المساجد) .
[ ١ / ١٣٧ ]