ويسمى الموق (١) وهو خف قصير، فيصح المسح عليه (٢) لفعله ﵇ رواه أحمد وغيره (٣) (و) يصح المسح أيضا (على عمامة) مباحة (٤) (لرجل) لا لامرأة (٥) لأنه ﷺ مسح على الخفين والعمامة، قال الترمذي: حسن صحيح (٦) .
_________________
(١) بضم الميم فارسي معرب من موزة.
(٢) لأنه ساتر محل الفرض، أشبه الخف، وجواز المسح عليه مذهب جمهور العلماء، وقال أبو حامد، هو قول كافة العلماء.
(٣) فرواه الترمذي وأبو داود عن بلال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين، ومن تدبر ألفاظ الشريعة وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة في هذا الباب واسعة، وأن ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة، والأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ومقصود الشارع من مشروعية الرخصة، الرفق عن تحمل المشاق، فالأخذ بها مطلقا موافقة لقصده.
(٤) لا محرمة كمغصوبة أو حرير، والعمامة هي ما يلف على الرأس، جمعها عمائم وعمام.
(٥) لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح عليها، وقيل: يجوز لحاجة برد ونحوه، وأما ما تقدم من المسح على الخفين فحكمها حكم الرجل بلا نزاع، لأنه معتاد لها، ولأنه أقيم مقام الغسل فاستويا فيه كالتيمم.
(٦) ومعناه عند مسلم وروي البخاري عن عمرو بن أمية: رأيت رسول الله - ﷺ - مسح على عمامته وخفيه، ولأبي داود عن ثوبان: أمرهم أن يمسحوا على العصائب، يعني العمائم، وله عن بلال ويمسح على عمامته، وأحاديث المسح عليها أخرجها غير واحد من الأئمة البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وغيرهم من طرق قوية متصلة، ولأنه عضو سقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائل دونه كالرجل في الخف، وقال عمر: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، وقال به أبو بكر وغيره، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وهو مذهب جماعة من السلف وظاهر الأحاديث.
[ ١ / ٢٢١ ]
هذا إذا كانت (محنكة) (١) وهي التي يدار منها تحت الحنك كور بفتح الكاف فأكثر (٢) (أو ذات ذؤابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة (٣) وهي طرف العمامة المرخى (٤) فلا يصح المسح على العمامة الصماء (٥) .
_________________
(١) لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر سترا قال الجوهري: الحنك ما تحت الذقن من الإنسان.
(٢) أي أكثر من كور، والكور مصدر، وكل كور دور.
(٣) سميت بذلك تشبيها لها بذؤابة الشعر.
(٤) لأن إرخاءها سنة، وذكر شيخ الإسلام سبب إرخائها أنه ﷺ اتخذها صبيحة المنام بالمدينة، لما رآى رب العزة، فقال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفي، فعلمت ما بين السماء والأرض صححه البخاري، وعن ابن عمر أنه كان يعتم بين كتفيه، وقال: عمم النبي ﷺ عبد الرحمن وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع، أي فيصح المسح عليها إذا كانت كذلك، اختاره الموفق وابن عقيل والشيخ وغيرهم، وقال في شرح العمدة: يشترط أن يكون للعمامة ذؤابة أو محنكة، لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نهي عن التشبه بهم، فلم يستبح بها الرخصة، كالخف المغصوب.
(٥) يعني غير المحنكة أوذات الذؤابة لأنها لم تكن عمة المسلمين، ولا يشق نزعها، وروي أبو عبيد أن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الإقتعاط وكان أحمد يكرهه كراهة شديدة وقال الشيخ: لا ترتقي إلى التحريم قال في الفروع، ولعل ظاهر من جوز المسح إباحة لبسها، وهو متجه لأنه فعل أبناء المهاجرين والأنصار وفي المبدع: ذكر ابن شهاب وغيره وجها بالجواز، وقالوا: لم يفرق أحمد، وفي مفردات، ابن عقيل، هو مذهبه، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: هي كالقلانس المبطنة وأولى، لأنها في الستر ومشقة النزع لا تقصر عنها.
[ ١ / ٢٢٢ ]
ويشترط أيضا أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه (١) كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فيعفى عنه لمشقة التحرز منه (٢) بخلاف الخف (٣) ويستحب مسحه معها (٤) (و) على (خمر نساء مدارة تحت حلوقهن) (٥) .
_________________
(١) لأن العمامة نابت عن الشعر.
(٢) ولا يجب مسح مقدم الرأس، ولا يجب مسح الأذنين معها، لأنه لم ينقل قال الشارح: لا نعلم فيه خلافا وكذا جوانب الرأس.
(٣) أي فلا بد من ستر جميع المفروض.
(٤) أي مسح ما جرت العادة بكشفه مع العمامة، كمقدم الرأس ونحوه، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح بناصيته، قال الشيخ: ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر عند الأئمة الثلاثة رحمهم الله تعالى.
(٥) خمر بضم الخاء والميم وقد تسكن، جمع خمار، وهو النصيف والقناع، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وكل ما ستر شيئا فهو خمار، أي يصح المسح على خمر نساء، مدارة تلك الخمر تحت حلوقهن، لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، ذكره ابن المنذر، وروى الإمام أحمد عن بلال عن النبي ﷺ الأمر بالمسح على الخمار، ولفظ سعيد بن منصور: على النصيف. وقال الشيخ في خمر النساء من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة، وتوفق الآثار الثابتة عن النبي ﷺ فإن خافت من البرد ونحوه مسحت على خمارها، فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء اهـ، والنساء من الجموح التي لا واحد لها من لفظها كالرهط والقوم وكذا النسوة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
لمشقة نزعها كالعمامة بخلاف وقاية الرأس (١) وإنما يمسح جميع ما تقدم (في حدث أصغر) (٢) لا في حدث أكبر بل يغسل ما تحتها (٣) (و) يمسح على (جبيرة) مشدودة على كسر أو جرح ونحوهما (٤) (لم تتجاوز قدر الحاجة) وهو موضع الجرح والكسر وما قرب منه (٥) .
_________________
(١) أي فإنه لا يشق نزعها فتشبه طاقية الرجل قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا لأنه لا يشق نزعها كطاقية الرجل.
(٢) يعني ما تقدم من الخفين والعمامة ونحوهما.
(٣) أي ما تحت الحوائل من خف وعمامة ونحوهما إجماعا.
(٤) كوجع وعصابة شد بها رأسه أو غيرها، وسميتا جبيرة تفاؤلا، قال بعض أهل اللغة: وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر أو الجرح ليلتئم فعلية بمعنى فاعلة، وقال الأزهري وغيره: هي الخشب التي تسوى فتوضع على موضع الكسر فتشد عليه حتى ينجبر على استوائها واحدتها جبارة بكسر الجيم، وجبيرة بفتحها وهما بمعنى، وفي الحاوي: الجبيرة ما كان على الكسر واللصوق بفتح اللام ما كان على قرح.
(٥) وما لا بد من وضع الجبيرة عليه من الصحيح، لأنه لا بد أن توضح على طرفي الصحيح ليرجع على الكسر، والمسح على الجبيرة مجمع عليه.
[ ١ / ٢٢٤ ]
بحيث يحتاج إليه في شدها (١) فإن تعدى شدها محل الحاجة نزعها (٢) فإن خشي تلفا أو ضررا تيمم لزائد (٣) ودواء على البدن تضرر بقلعة كجبيرة في المسح عليه (٤) .
_________________
(١) لأنه موضع حاجة فتقدر بقدرها، أي فيجب تعميم الجبيرة التي تتجاوز قدر الحاجة مرة واحدة لضرورة المشقة بكشفها، وإلا فمسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة نص عليه، والقياس والآثار تشهد بصحة ذلك.
(٢) أي فإن تجاوز شدة الجبيرة محل الحاجة من وضعها نزعها، وظاهره أنه ينزع جميعها وجوبا، واستظهر بعضهم أنه لا يلزمه إلا نزع ما زاد على قدر الحاجة، إلا أن يصور ذلك بما إذا كان الشد بجميعه في غير محل الحاجة، ويمكن أن يصور أيضا بما إذا لم يتمكن من نزع الزائد إلا بنزع الكل، وقال الزركشي لأن المجاوزة إنما تقع غالبا لسهو أو غفلة أو دهشة فمنع الرخصة نادر في ذلك ومع الخوف من النزع فيه حرج ومشقة، وتعمد ذلك نادر فلا يفرد بحكم وفيه وجه يخزئ المسح على الزائد، اختاره الحلال وغيره، لأنه قد صارت ضرورة عليه، أشبهت موضع الكسر، وسهل فيه أحمد، لأنه مما لا ينضبط وهو شديد جدا، فلا بأس كيفما شدها.
(٣) على قدر الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذا بين الغسل والمسح والتيمم قيل ذلك خروجا من الخلاف، وقال غير واحد، لا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، لأنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف، وإن لم يكن عليه عصابة وضر مسحه غسل الصحيح وتيمم للجريح.
(٤) وكذا لصوق على جرح ونحوه، ولو قارا في شق، أو كان بأصبعه فألقمها مرارة، أو فصاد وخاف انفجار الدم بإصابة الماء كجبيرة، فيجوز المسح عليه نص عليه، وروي عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة فألقمها مرارة، وكان يتوضأ عليها.
[ ١ / ٢٢٥ ]
(ولو في) حدث (أكبر) (١) لحديث صاحب الشجة (٢) «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود (٣) .
_________________
(١) فيجوز المسح عليها، لا على غير الجبيرة ونحوها في الطهارة الكبرى إجماعا لأن الضرر يلحق بنزعها بخلاف غيرها من الحوائل.
(٢) اشتهر بذلك وهو: عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يقول بيديه هكذا الحديث.
(٣) ورواه ابن ماجه وغيره وصححه ابن السكن لكن ما ورد عن ابن عباس بدون ذكر التيمم قال الحافظ لم يقع عن عطاء عن ابن عباس ذكر التيمم فثبت أن الزبير بن خريق تفرد بها، ويشهد له حديث علي: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر، رواه ابن ماجه وروي عن ابن عمر أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح عليهما وعلى العصابة، وغسل ما سوى ذلك، وقال في المبدع: وهو قول ابن عمر ولم يعرف له مخالف ولأنه عضو تعذر غسله بالماء فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسا على مسح الخفين، والعمامة وقال الشيخ: مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو، لأنه مسح على حائل فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف بل هو أولى اهـ. والعضد الضم، والعصب الشد، أي يمسح على تلك الشجة بعد العضد، أي ضم بعضها إلى بعض أو العصب أي الشد عليها بخرقة ونحوها، من عصب الشيء لواه وشده لأنه مسح أبيح للضرورة أشبه التيمم، والذي في سنن أبي داود يعصر، بدل يعضد قال شارحه أي يقطر عليها الماء، والمراد به أن يمسح على الخرقة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
والمسح عليها عزيمة (١) (إلى حلها) أي يمسح على الجبيرة إلى حلها أو برء ما تحتها (٢) وليس مؤقتا كالمسح على الخفين ونحوهما، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها (٣) .
_________________
(١) فيمسح عليها العاصي بسفره، وتقدم تعريف العزيمة، والحاصل أنه إن كان في أعضاء الوضوء جرح وهو محدث الحدث الأصغر، أو في جسده جرح وهو محدث الحدث الأكبر، فإن قدر على غسل الجرح من غير ضرر وجب عليه غسله في الوضوء والغسل، وإن خاف من غسله بالماء ضرر بدنه وجب عليه غسله في الوضوء والغسل، وإن خاف من غسله بالماء ضرر بدنه أو زيادته أو تأخر برئه فله أن يمسح على ذلك العضو مباشرة، فإن خاف من وصول البلل إليه من المسح ضررا فإنه يجعل عليه جبيرة ثم يمسح على الجبيرة، والمسح واحدة ولو كان على موضع يغسل ثلاثا فإن شأن المسح التخفيف.
(٢) حلها بفتح الحاء أن نقضها من حل العقدة يحلها حلا نقضها وفكها وفتحها، وإذا زالت فكخف، وقيل طهارته باقية، اختاره الشيخ مطلقا، كإزالة شعر، وقال: إذا قلع بعد الوضوء فيه نزاع، والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء، لأن الجبيرة كالجزء من البدن.
(٣) أي ليس المسح على الجبيرة ونحوها مؤقتا كالخفين، بل إلى حلها أو برء ما تحتها، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدر الضرورة إليها، ويفارق مسح الجبيرة الخف في أشياء، منها أنه لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرورة بنزعها، ووجوب استيعابها بالمسح لعدم التضرر في ذلك، والمسح عليها من غير تأقيت، وجواز المسح عليها في الطهارة الكبرى للمشقة في نزعها حينئذ وأن المسح عليها عزيمة، ونظمها ابن نصر الله فقال: عزيمة ضرورة لم يشمل والخرق والتوقيت فيها أهمل وكلها امسح في الطهارتين وقبلها الطهر على قولين زاد في الإنصاف: أنه يتعين على صاحب الجبيرة المسح بخلاف الخف، وأنه يجوز المسح عليها إذا كانت من حرير ونحوه، على رواية صحة الصلاة في ذلك، بخلاف الخف، وأنه يجوز في سفر المعصية، ثم قال: ويرجع ذلك كله أو معظمه إلى أن مسح الجبيرة عزيمة، ومسح الخف ونحوه رخصة، قال الشيخ: إذا لم يكن نزعها إلا بضرر صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس والظفر، ويمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب وقال: قياسها على الخفين قياس فاسد، وذكر الفرق بينهما من وجوه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
(إذا لبس ذلك) أي ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة والخمار والجبيرة (بعد كمال الطهارة) بالماء (١) ولو مسح فيها على حائل (٢) .
_________________
(١) أما الخفان فإذا توضأ وضوءا كاملا ثم أدخلهما فله المسح بلا نزاع، لما في الصحيحين وغيرهما، ودعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، وروى الحميدي وغيره عن المغيرة: أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان، ولأحمد وابن خزيمة عن صفوان قال: أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر. صححه الخطابي والحافظ، وهذا واضح الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس. وقال النووي وغيره: إذا لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا، وهذا سادس الشروط هنا وفي المنتهى ثمانية لكونه عد عدم وصفه للبشرة شرطا، وعدم سعته شرطا آخر، وهما معلومان من الشرط الثاني.
(٢) بأن توضأ وضوءا كاملا مسح فيه على نحو عمامة أو جبيرة ثم لبس نحو خف فله المسح عليها، لأنها طهارة كاملة رافعة للحدث، كالتي لم يمسح فيها على حائل.
[ ١ / ٢٢٨ ]