ويختلف بالشهر والبلد (١) (وتعجيلها أفضل) (٢) وتحصل فضيلة التعجيل بالتأهب أول الوقت (٣) .
_________________
(١) اختلافا كثيرا طولا وقصرا، وانعداما بالكلية، فيقصر الظل جدا في كل بلد تحت وسط الفلك، ويطول في ضد ذلك، وفاقد وقتها كبلغار مكلف بهما فيقدر لها كما يقدر في أيام الدجال، لما ثبت في صحيح مسلم قال: فاقدروا له، وأيام الدجال وأربعون يوما، يوم كسنة، فيصلي فيه صلاة سنة، ويوم كشهر، فيصلي فيه صلاة شهر، ويوم كجمعة فيصلي فيه صلاة جمعة، وباقي الأيام كأيامنا فيقدر في الثلاث الأول، مقدار الوقت، فكذا في بلغار ونحوها فإنه يطلع الفجر في بلغار قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء، وأفتى السرخسي والبلقاني بسقوطه عنهم، وأفتى غيرهما بوجوبه، وهو أوجه قياسا على أيام الدجال، قال الشيخ: والمواقيت التي علمها جبريل للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ للأمة، حين بين مواقيت الصلاة، وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم، هي في الأيام المعتادة، فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم كسنة قال: «اقدروا له قدره»، فله حكم آخر، تكون فيه الصلاة بقدر الأيام المعتادة. لا ينظر فيه إلى حركة الشمس، لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا *﴾ أي على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، واليوم المراد به اليوم والليلة.
(٢) لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ولحديث كان يصلي الهجير حين تدحض الشمس، وحديث يصلي الظهر بالهاجرة متفق عليهما فتعجيلها مستحب بغير خلاف، حكاه غير واحد، في غير شدة حر، وقال الترمذي: هو الذي اختاره أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.
(٣) لها أو لغيرها مما يسن تعجيلها والتأهب الاشتغال بأسباب الصلاة، كطهر وأذان وستر ونحوه، من حين دخول الوقت، لأنه لا يعد إذا متوانيا.
[ ١ / ٤٦٨ ]
(إلا في شدة حر) فيستحب تأخيرها إلا أن ينكسر (١) لحديث «أبردوا بالظهر» (٢) (ولو صلى وحده) أو في بيته (٣) .
_________________
(١) يعني الحر، ويتسع الظل في الحيطان، وقال ابن منجا: الأرجح أنه سنة وفي حديث أبي ذر قال: أبرد حتى رأينا في التلول وقال النووي وغيره: الإبراد أن يؤخر الصلاة قليلا بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشيء فيه القاصد إلى الصلاة فيصلي في آخر الوقت، ولا يجاوز بالإبراد نصف الوقت.
(٢) رواه البخاري وغيره، من حديث أبي سعيد، ورواه الجماعة من حديث أبي هريرة «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وهو حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابيا، وأبردوا أي أخروها إلى أن يبرد الوقت، أي الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر، فيوجد فيه برودة، والباء للتعدية، أي أدخلوا صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدة الحر، ويقال: أبرد إذا دخل في البرد، أمر استحباب، وقيل إرشاد، وقيل: بل للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والجمهور على الاستحباب، وفيح جهنم شدة حرها، وغليانها، وانتشار لهبها، ووهجها نعوذ بالله منها، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وهو ظاهر، واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد، فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده وفي جماعة، ومنهم ن قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنه من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنهم من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، قال ابن رجب، هو المقدم وثبت من حديث أبي ذر الإبراد، وكانوا مجتمعين، قال الحافظ: والحكمة دفع المشقة، لكونها قد تسلب الخشوع، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب، فإنها تسجر فيها جهنم.
(٣) هذا المذهب اختاره المصنف والشارح والخرقي، وهو مذهب أبي حنيفة وابن المنذر وغيرهم، لظاهر الأخبار، قال الشيخ: أهل الحديث يستحبون تأخير الظهر مطلقا، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، وبذلك جاءت السنة الصحيحة التي لا دافع لها، وكل من الفقهاء يوافقهم أو الأغلب اهـ وليس المراد أن يترك الجماعة ويصلي وحده، إذ لا يترك واجب لمسنون، وإنما المراد المعذور لمرض ونحوه.
[ ١ / ٤٦٩ ]
(أو مع غيم لمن يصلي جماعة) أي ويستحب تأخيرها مع غيم إلى قرب وقت العصر لمن يصلي جماعة (١) لأنه وقت يخاف فيه المطر والريح: فطلب الأسهل بالخروج لهما معا (٢) وهذا في غير الجمعة فيسن تقديمها مطلقا (٣) (ويليه) أي يلي وقت الظهر (وقت العصر) المختار (٤) .
_________________
(١) وعنه لا تؤخر لغيم، وفاقا لمالك والشافعي.
(٢) كذا علله القاضي بذلك، وظاهر الخرقي وغيره سنية تعجيل الظهر في غير شدة الحر، إذا غلب على ظنه دخول الوقت، وقوفا مع النص، وما روي عن أحمد يحمل على أنه أراد بالتأخير ليتيقن دخول الوقت، ولا يصلي مع الشك، كما نقل عنه أبو طالب، قال: يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر.
(٣) فلا يؤخرها في حر أو غيم إجماعا، لحديث ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة، وحديث: كنا نجمع إذا زالت الشمس متفق عليهما.
(٤) وهو اللذي يجوز تأخير الصلاة إلى آخره من غير عذر، سمي بذلك لأرجحيته على ما بعده، أو لاختيار جبرئيل إياه أو لأن فعلها فيه موكول إلى اختيار المكلف، والعصر الزمان، أو الغداة، أو العشي، ومنه سميت صلاة العصر، أو لأنها تصلي عشية وقيل من طرف النهار، والعرب تسمي كل طرف من النهار عصرا، وقيل لانعصار النهار للفراغ، والشمس للغروب.
[ ١ / ٤٧٠ ]
من غير فصل بينهما (١) ويستمر (إلى مصير الفيء مثليه بعد في الزوال) أي بعد الظل الذي زالت عليه الشمس (٢) (و) وقت (الضرورة إلى غروبها) أي غروب الشمس فالصلاة فيه أداء (٣) .
_________________
(١) ولا اشتراك وفاقا للشافعي، فلا يقال: وقت العصر لا يدخل إلا بعد زيادة يسيرة عن خروج وقت الظهر، ولا أن آخر وقت الظهر أول وقت العصر لما في صحيح مسلم ووقت الظهر ما لم تحضر العصر.
(٢) أي يمتد الوقت المختار للعصر إلى ذلك، وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، لأن جبرئيل صلاها بالنبي ﷺ حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال: «الوقت فيما بين هذين الوقتين»، وعنه إلى اصفرار الشمس، صححه الشارح وغيره، واختارها المجد، لحديث «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، رواه مسلم، وله من حديث أبي موسى وهو متأخر، والعمل بالمتأخر متعين قال: ثم أخر العصر يعني في اليوم الثاني حتى انصرف منها والقائل يقول قد احمرت الشمس، وفي حديث أبي هريرة «وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس»، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلاها والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها، ثم يدخل وقت الضرورة قال شيخ الإسلام: وهو الصحيح، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة المدنية.
(٣) وهو إنما يباح تأخير الصلاة إليه مع العذر، ومتى فعلها فيه فهو مدرك لها أداء في وقتها لعذر أو غيره، قال في المبدع وغيره، وعليه أكثر العلماء، لقوله: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر»، متفق عليه وحينئذ فلا فرق بين المعذور وغيره، إلا في الإثم وعدمه، ولا يختص بالعصر والصبح، بل الحكم كذلك في جميع الصلوات، لما في صحيح مسلم «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» .
[ ١ / ٤٧١ ]
لكن يأثم بالتأخير إليه لغير عذر (١) (ويسن تعجيلها) مطلقا (٢) وهي الصلاة الوسطى (٣) .
_________________
(١) أي إذا أخرها إلى وقت الضرورة أثم لغير عذر، ولعذر فلا إثم، وقال الشيخ: نقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار، من أن الوقت وقتان: وقت اختيار وهو خمس مواقيت، ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت اهـ وسمي بالضرورة لأنه مختص بأرباب الضرورات من غفلة أو نوم أو إغماء أو جنون أو حيض ونحو ذلك.
(٢) مع حر وغيم وغيرهما لحديث ويصلي العصر فيرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية متفق عليه، ولهما عن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فننحر جزورا فنقسم عشر قسم، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس ولغيرهما من الأحاديث، وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين، ومالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء، ويأتي الأمر بالتبكير لها في الغيم، ففي الصحو أولى.
(٣) يعني الفضلى، مؤنث الأوسط، والوسط الخيار، فالمعنى لثبوت الفضل فيها، ونص عليها تعالى بيانا لفضلها، وتأكيدا على الحض على المحافظة عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وثبت أنها العصر، ففي صحيح مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وللترمذي وصححه الصلاة الوسطى صلاة العصر، قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، قال في الإنصاف: بلا خلاف عن الإمام والأصحاب، وقال الشيخ: قد ثبت بالنصوص الصحيحة أنها العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة، ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم اهـ وقال ابن رشد: الأحاديث بذلك متواترة والعلم به حاصل ضرورة اهـ ويستحب جلوسه في مصلاه بعد العصر إلى غروب الشمس، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس، وهو أوكد لفعله ﷺ.
[ ١ / ٤٧٢ ]
(ويليه وقت المغرب) (١) وهي وتر النهار (٢) ويمتد (إلى مغيب الحمرة) أي الشفق الأحمر (٣) .
_________________
(١) مصدر غربت الشمس غروبا، ويطلق على وقت الغروب ومكانه، فسميت هذه الصلاة باسم وقتها، وتسمى صلاة الشاهد، ولا يجوز فعلها قبل الغروب بحال، وأجمعت عليه الأمة، والمراد بالغروب غروب قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، لا من سهل ولا من جبل، ونقل ابن المنذر وخلائق الإجماع عليه، لما في الصحيحين وغيرهما إذا غربت وتوارت بالحجاب، ولغير من الأحاديث ويتحقق بإقبال ظلمة الليل من المشرق، لقوله ﷺ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم، وفي المبدع: ويعرف الغروب في العمران بزوال الشعاع من رءوس الجبال، وإقبال الظلام من المشرق.
(٢) لاتصالها به، كأنها فعلت فيه، لحديث عقبة فإنها وتر النهار، رواه أحمد وغيره أي فرضت وترا للنهار، ثلاثا من أول الأمر، وهي ثلاث ركعات حضرا وسفرا بإجماع المسلمين.
(٣) وفاقا لأبي حنيفة، والصحيح عند الشافعية، ورواية عن مالك، قال النووي وغيره، هذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوز غيره، وقول جمهور أهل العلم، وصححه ابن العربي وغيره، لحديث عبد الله بن عمرو ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، وفي رواية ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، رواه مسلم وفيه: ثم أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان في اليوم الثاني أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ، قبل أن يغيب الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين وفي لفظ إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق ولقوله: وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها، وإنما خص منه الفجر بالإجماع، فما عداها داخل في عمومه، وبه تضافرت السنة الصحيحة، وهو أصح الأقوال لهذه الأخبار، وخبر أبي موسى وبريدة، فلها وقتان وقت اختيار، وهو إلى ظهور الأنجم، ووقت كراهة، وهو ما بعده إلى مغيب الحمرة، والحمرة لون الأحمر، وقد تطلق على ما لونه البياض كما يقال: امرأة حمراء، وقيدوه بالحمرة لقول ابن عمر وغيره: الشفق الحمرة، وقال: الزجاج وغيره: الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة، وذكر غير واحد أنه لم ينقل عن أئمة اللغة غيره، فالشفق بياض تخالطه حمرة، ثم تذهب ويبقى بياض خالص، بينهما زمن قليل، فيستدل بغيبة البياض على مغيب الحمرة، قال الشيخ وغيره، وما بين العشائين ثمن الليل، وما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس سبعه.
[ ١ / ٤٧٣ ]
(ويسن تعجيلها (١) إلا ليلة جمع) أي مزدلفة (٢) سميت جمعا لاجتماع الناس فيها (٣) فيسن (لمن) يباح له الجمع (٤) و(قصدها محرما) (٥) .
_________________
(١) إلا لعذر قال الشيخ: باتفاق الأئمة وللترمذي وغيره وصححه عن سلمة أنه كان ﷺ يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب قال: وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.
(٢) سميت بذلك لأنها يتقرب فيها إلى الله، أو لاقتراب الناس إلى منى من عرفات، أو لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أو لازدلاف آدم وحوى فيها، وهي ليلة النحر.
(٣) أو لاجتماع آدم هناك بحوى، أو لأن الناس يجمعون بها بين صلاتي المغرب والعشاء، والأول أجود، لوجود اجتماع الناس بها قديما.
(٤) بين المغرب والعشاء، لا من لا يباح له الجمع من مكي وغيره، عند بعضهم ويأتي ذكر ثبوت جمعهم خلفه ﷺ.
(٥) أي قصد مزدلفة محرما، إن لم يوافقها وقت المغرب، فيصلي المغرب في وقتها، ولا يؤخرها لزوال العلة التي من أجلها جمع النبي ﷺ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء تأخيرا (١) قبل حط رحله (٢) (ويليه وقت العشاء إلى) طلوع (الفجر الثاني) (٣) وهو الصادق (٤) .
_________________
(١) أي جمع تأخير إجماعا، لأنه ﷺ وخلفاءه كانوا يفعلون ذلك، قال الشيخ وغيره: بالاتفاق، وكذا في غيم، فيستحب تأخيرها حتى يتيقن دخول الوقت، قال أحمد: يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل.
(٢) لفعله ﵊ بمزدلفة، بعد أن صلى المغرب أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء، متفق عليه.
(٣) أي ويلي وقت المغرب الوقت المختار للعشاء بكسر العين والمد، اسم الأول الظلام سميت بذلك لأنها تفعل فيه، ويقال لها العشاء الآخرة، تسمى بالعتمة أي شدة الظلمة، لما في الصحيح عن عائشة كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، أو باسم عتمة الليل، وهو ظلمة أوله، ولا يكره تسميتها بالعتمة، قال الشيخ: الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم وأن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، وقيل: وكذا الفجر بصلاة الغداة، وأول وقتها مغيب الشفق، وهو الحمرة حكاه غير واحد، والأحاديث متضافرة على ذلك، ولا يلتفت إلى البياض بعدها، كما لا يلتفت في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر، قال ابن عمر: الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق فقد وجبت الصلاة، ولا نزاع في ذلك، وللترمذي وغيره عن النعمان أنه كان ﵊ يصليها لسقوط القمر لثالثة، وهو إنما يغاب لها عند غيوبه غالبا ويمتد وقت الضرورة من نصف الليل إلى طلوع الفجر، عند الأكثيرين، لقوله ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى رواه مسلم ويحرم إليه بلا عذر كما تقدم.
(٤) أي الفجر الثاني هو الفجر الصادق، لأنه صدق عن الصبح.
[ ١ / ٤٧٥ ]
(وهو البياض المعترض) بالمشرق ولا ظلمة بعده (١) والأول مستطيل أزرق (٢) له شعاع ثم يظلم (٣) .
(وتأخيرها) إلى أن يصليها في آخر الوقت المختار وهو (ثلث الليل أفضل إن سهل) (٤) .
_________________
(١) يطلع بعد مغيب الأول، يملأ الأفق بياضه، وهو عمود الصبح، وبطلوعه يدخل النهار، وذلك أن على قرض الشمس دائرتين حمراء، وقبلها بيضاء، أول ما يطلع البيضاء، ثم الحمراء، ثم القرص، والأحكام تتعلق بالبيضاء، وهي دائرة لكن لاتساعها تظهر كأنها خط مستقيم من الجنوب إلى الشمال، ويسمى الفجر المعترض، والصادق والمستطير، أي المنتشر الشائع، شبه بالطائر يفتح جناحيه.
(٢) وهو الكاذب ولدقته يقال له ذنب السرحان، وهو المستطيل من المشرق إلى المغرب، يسمى كاذبا، لأنه يقل ويتلاشى، أو لأنه يغر من لا يعرفه.
(٣) الشعاع المترقرق غير الضوء، وشعاع الشمس الذي تراه كأنه حبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضوئها.
(٤) لقوله ﷺ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، صححه الترمذي، وقال: هذا الذي اختاره أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولأن جبرئيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين، ولحديث أبي موسى وهو متأخر، وعنه: يمتد إلى نصف الليل، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين للشافعي، لحديث ابن عمرو ووقت العشاء إلى نصف الليل، رواه مسلم، ولحديث أبي هريرة قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، وحديث أنس: أخرها إلى نصف الليل، ثم صلى وقال: إنكم في صلاة ما انتظرتموها متفق عليه، قال الشيخ: ولو قيل بتحديد وقت العشاء إلى نصف الليل تارة، وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب يعني ثلث الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر، ونصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس لكان متوجها.
[ ١ / ٤٧٦ ]
فإن شق ولو على بعض المأمومين كره (١) ويكره النوم قبلها (٢) والحديث بعدها (٣) إلا يسيرا أو لشغل (٤) أو مع أهل ونحوه (٥) .
_________________
(١) نص عليه، لأنه ﷺ ترك الأمر بتأخيرها، كراهية المشقة، وكان يأمر بالتخفيف رفقا بهم، ولأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ وخلفائه هي التقديم، فإذا تقدموا فالأفضل التقديم دفعا للمشقة، قاله الشيخ وغيره، وقال أحمد: تأخيرها بقدر أن لا يشق على المأمومين، وقد ترك النبي ﷺ تأخيرها مخافة المشقة.
(٢) للخبر، ولئلا يستغرق النائم حتى تفوته، أو يفوته وقت اختيار وقتها أو يترخص الناس فينامون عن إقامتها جماعة.
(٣) أي ويكره الحديث بعدها، يعني بعد العشاء الآخرة، لحديث كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها متفق عليه والمراد التحادث مع الناس، فيشتغل عن قيام آخر الليل، أو صلاة الصبح، أو لينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة فتكون خاتمة عمله.
(٤) للأخبار ولأنه خير ناجز ومصلحة راجحة فلا يترك لتوهم مفسدة، وأخرج الضياء من حديث عائشة لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر، أو عروس.
(٥) كضيف أو ما فيه مصلحة للمسلمين فلا يكره، لما في صحيح مسلم تحدث مع أهله ساعة ثم رقد ولحديث عمر: كان يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، حسنه الترمذي أو السمر في علم قال الترمذي رخص بعضهم إذا كان في معنى العلم، وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وقال النووي: اتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير اهـ والشغل يشمل العلم، بل هو من أهم ما يشتغل به.
[ ١ / ٤٧٧ ]
ويحرم تأخيرها بعد ثلث الليل بلا عذر (١) لأنه وقت ضرورة (٢) (ويليه وقت الفجر) (٣) من طلوعه (إلى طلوع الشمس (٤)
_________________
(١) كحائض تطهر ومجنون يفيق أو غير ذلك.
(٢) أي ما بعد ثلث الليل على ما ذكر، أو ما بعد نصفه على القول الراجح، ولا يجوز تأخير وقت صلاة لها وقت اختيار ووقت ضرورة أو بعضها إلى وقت الضرورة لغير عذر، وتقدم.
(٣) الفجر مصدر وهو ضوء النهار، أو حمرة الشمس في سواد الليل، وهو في آخر الليل كالشفق في أوله، سمي به لانفجار الصبح، وقد أفجرنا من الفجر كما تقول أصبحنا من الصبح، أو لأنه انصداع ظلمة من نور، وبه سمي الوقت عند ظهوره، وتسمى الصبح، والصباح أول النهار، وقيل: مأخوذ من الحمرة التي فيها، كصباحة الوجه من الحمرة التي فيه، وتسمى صلاة الغداة، والغداة أول النهار، وهي ركعتان حضرا وسفرا إجماعا، ومن الصلوات النهار في قول العلماء كافة.
(٤) أي وقت الفجر من طلوع الفجر، ويمتد إلى طلوع الشمس، لحديث جبرئيل، وحديث ابن عمر، وحديث أبي موسى، قال الشيخ: استعمل فقهاء الحديث في هذا الباب جميع النصوص الواردة في أوقات الجواز والاختيار، فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الظهر من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء إلى منتصف الليل، وهذا بعينه قول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم، وليس حديث في المواقيت أصح منه، وكذا صح معناه من غير وجه من فعله ﷺ اهـ وقال الوزير وغيره، أجمعوا على أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني، وآخر وقتها المختار إلى أن يسفر، ووقت الضرورة إلى أن تطلع الشمس، ولفظ النووي وغيره: أجمعت الأمة، وفي المبدع: الفجر يتبع الليل فيكون في الشتاء أطول من الصيف، والعشاء على العكس، قال الشيخ: ومن زعم أن وقت العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء، والصيف فقد غلط غلطا بينا باتفاق الناس.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وتعجيلها أفضل) مطلقا (١) ويجب التأخير لتعلم فاتحة أو ذكر واجب، إن أمكنه تعلمه في الوقت (٢) .
_________________
(١) أي صيفا وشتاء إذا تيقنه أو غلب على ظنه، لحديث يشهدن صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، وحديث جابر: كان يصليها بغلس متفق عليهما، وأما حديث اسفروا بالفجر، فالمراد صلوا صلاة الفجر مسفرين، أي إسفارا يتيقن معه طلوع الفجر، جمعا بينه وبين مواظبته ﷺ على التغليس، أو أسفروا إلى أن يضيء الفجر، فلا يشك فيه، أو دوام الإسفار، لا ابتداؤه كما فعل النبي ﷺ قال ابن القيم: إنما المراد به الإسفار دواما لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا، ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله ﷺ وعن أبي مسعود الأنصاري أن النبي ﷺ غلس بالصبح ثم أسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار، حتى مات، رواه أبو داود وابن خزيمة وقال الخازمي: إسناده ثقات، فقوله ﷺ موافق لفعله، وكيف يظن به المواظبة على فعل أعظم الأجر في خلافه، قال ابن عبد البر وغيره: صح عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغسلون ومحال أن يتركوا الأفضل، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء.
(٢) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يمكنه تعلمه في الوقت ولو وقت الاختيار فلا، وكذا تأخير الكل مع أمن فوات لمصلي كسوف ونحوه وأمن حدوث مانع.
[ ١ / ٤٧٩ ]