لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، أو نظر صحيح، ولا يوجد شيء من ذلك في هذه المسألة.
وذهب بعض العلماء - وهو مذهب الشافعي - إلى كراهته.
وقد جاء في ذلك أحاديث، لكن لا يصح منها شيء.
أ-كحديث عائشة - ﵂ - قالت (دخل علي رسول الله -ﷺ- وقد سخنت ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص) رواه الدارقطني. (ضعيف جدًا).
قال النووي: هذا الحديث المذكور ضعيف باتفاق المحدثين، وقد رواه البيهقي من طرق، وبين ضعفها كلها ومنهم من يجعله موضوعًا.
ب- عن جابر. (أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص) ضعيف جدًا.
قال النووي: وهذا ضعيف أيضًا باتفاق المحدثين.
وقال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند. (نصب الراية)
وذكر الشوكاني أحاديث الماء المشمس في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
[ ١ / ١٤ ]
فائدة: قال ابن قدامة: ولا يكره الوضوء بالماء المسخن بطاهرٍ، إلا أن يكون حارًا يمنع إسباغ الوضوء لحرارته.
(أو بطَاهر؛ لم يُكْرَه) كخشب، أو غاز، فإنه لا يكره.
(وإن تغير لونُه أو ريحه أو طعمه بطبخٍ أو ساقط فيه، أو رفع بقليله حدث، أو غُمس فيه يد قائم من نوم ليل فطاهر).
هذا هو القسم الثاني من أقسام المياه على المذهب: وهو الطاهر، وهو الطاهر في نفسه غير مطهر لغيره.
(وإن تغيّر) الضمير يعود إلى الماء الطهور.
(بطبخ) كأن توضع فيه ورق شاي أو حب قهوة أو نحو ذلك.
(أو ساقط فيه) كأن تسقط فيه ثمرة أو يسقط فيه ورق أو نحو ذلك أو يسقط فيه زعفران وغيره مما قد يسقط في الماء.
فهو إذن ماء طهور في الأصل لكنه قد تغير وتكدر بشيء ليس بنجس بل هو طاهر سقط فيه فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه، فما حكمه؟
(فطاهر) أي: طاهر غير مطهر، فهو طاهر في نفسه ليس بنجس لكنه ليس بمطهر.
وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم.
وأن الماء إذا وقع فيه شيء من الطاهرات فغيّر رائحته أو طعمه أو لونه فإن الماء طاهر وليس بطهور، فهو طاهر في نفسه وليس بمطهر لغيره، فعلى ذلك: لا يزيل النجس ولا يرفع الحدث.
قالوا: لأن الماء ليس بماء مطلق بل هو ماء أضيف إليه شيء فهو ليس ماء مطلقًا بل ماء مضاف إليه مادة أخرى.
وذهب بعض العلماء: وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عن الإمام أحمد أنه طهور.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من المحققين.
قالوا: الماء طهور، فكما أنه طاهر في نفسه فهو مطهر لغيره ما دام باقيًا على مسماه.
[ ١ / ١٥ ]
ويتضح قولنا: (ما دام باقيًا على مسماه) بضرب مثالين:
المثال الأول: وهو ما كان فيه الماء باقيًا على مسماه، كأن يوضع في إناء شيء من أوراق الشاي أو شيء من الطعام فيتغير لونه فيأخذ من لون هذا الشيء الواقع فيه.
المثال الثاني: وهو ما تغير فيه مسمى الماء، كأن يوضع في إناء أوراق شاي ثم يطبخ على النار، فإنه يسمى شايًا فهو لم يبق على مسماه بل تغيّر.
أما هذه الحال الثانية: فالراجح أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به، ومثله لا ينبغي الخلاف فيه لأنه ليس بماء، والشارع إنما
خصص الماء بالطهارة عند وجوده، فإذا ثبت ذلك وهو أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به.
أما الحال الأولى: فهو المختلف فيها وهي ما إذا كان الماء قد تغير بهذا الشيء الطاهر لكنه لم يتغير مسماه بل بقي ماءً على مسماه.
فحينئذ ذهب من تقدم إلى أنه طهور، وهذا هو الراجح، والأدلة على ذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًا فَتَيَمَّمُوا).
ولفظه (ماء) نكره في سياق النفي، والقاعدة الأصولية أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذا يعم كل ماء.
فكل ماء يتطهر به قبل اللجوء إلى التراب (أي إلى التيمم) فإذا وقع فيه شيء من الورق أو شيء من الثمر أو غير ذلك فتغيرت رائحته أو طعمه أو لونه مع بقائه على مسماه فهو ماء فيدخل في عموم الآية (فلم تجدوا ماء).
ب- ما ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- قال للنساء المغسلات لابنته (إغسليها بماء وسدر)، وقال -ﷺ- فيمن وقصته راحلته فمات (اغسلوه بماء وسدر).
ومعلوم أن السدر يؤثر في الماء ويغير منه، ومع ذلك فإنه يتطهر به هنا.
فالشريعة قد دلت على التطهر به كما في هذا الحديث.
[ ١ / ١٦ ]
ج- ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح أن أم هانئ، قالت: (اغتسل النبي -ﷺ- وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر عجين).
والشاهد قوله (في قصعة فيها أثر عجين) ومعلوم أن العجين يغيِّر الماء ويؤثر فيه، ومع ذلك اغتسل النبي -ﷺ- به وميمونة.